نداء الاعماق
كان البحر بالنسبة لـ "ليليان" ليس مجرد مسطح مائي، بل كان هوية، وصديقاً، وملاذاً أخيراً. في تلك المدينة الساحلية الهادئة، حيث يختلط عطر الياسمين بملوحة اليود، كانت تقضي ساعات غسقها تراقب تكسر الأمواج على الصخور.
في ذلك المساء، كانت الشمس تغطس في الأفق كقطعة من الذهب المصهور، تاركة خلفها وشاحاً أرجوانياً يلف السماء. كانت ليليان تمشي حافية القدمين، تشعر بملمس الرمال المبللة بين أصابعها، عندما لفت انتباهها بريق غير معتاد. لم يكن بريق صدفة، ولا انعكاساً لزجاجة مكسورة.
انحنت ليليان بفضول، وأزاحت الرمال الذهبية بيديها الرقيقتين، لتجد بين طيات الرمل "مرآة" غريبة الشكل. كانت ذات إطار برونزي قديم، منقوش عليه رموز تشبه أمواج البحر المتلاطمة. ما إن رفعتها أمام وجهها حتى رأت انعكاسها، لكنه لم يكن انعكاساً عادياً؛ كانت عيناها في المرآة تلمعان ببريق أزرق لم تعهده في نفسها من قبل.
فجأة، وبدون سابق إنذار، انبعث من قلب المرآة ضوء أبيض ساطع، ضوء كان أقوى من الشمس في رابعة النهار. شعرت ليليان ببرودة شديدة تسري في جسدها، وكأن المرآة تمتص حرارة المكان. حاولت إغلاق عينيها وحماية وجهها، لكن الضوء كان ينفذ من خلال جفونها. شعرت بدوار شديد، وكأن الأرض تحت قدميها قد تحولت إلى سائل، ثم ساد الظلام التام وفقدت وعيها.
استيقظت ليليان على صوت طيور تزقزق بنغمات غريبة، ورائحة بخور عتيق تملأ المكان. لم يكن هناك صوت أمواج، بل حفيف أشجار وصوت ماء ينساب في سواقي قريبة. فتحت عينيها ببطء لتجد نفسها مستلقية على فراش من الحرير الناعم داخل غرفة جدرانها من الرخام الأبيض.
قبل أن تستوعب أين هي، دخلت فتاة ترتدي ثياباً تشبه أزياء العصور الوسطى، وقالت بلغة عربية فصحى رصينة:
— "الحمد لله على سلامتكِ أيتها الغريبة، لقد ظننا أن اليمّ قد سلب روحكِ للأبد."
تجمدت ليليان مكانها، تجمعت الكلمات في حنجرتها، سألت بصوت مرتعش: "أين أنا؟ ومن أنتم؟"
أجابت الفتاة بابتسامة هادئة: "أنتِ في رحاب مملكة 'أرسينا'، في ضيافة القائد 'بدر'. اهدأي، فما رأيناه في يدكِ حين وجدناكِ يشي بأنكِ لستِ مجرد عابرة سبيل."
نظرت ليليان ليدها، كانت المرآة لا تزال هناك، لكنها الآن كانت مطفأة، باردة كالحجر، وكأنها تنتظر شيئاً ما لتستيقظ من جديد. لم تكن تعلم ليليان في تلك اللحظة أن هذه المرآة ليست مجرد أداة للانتقال، بل هي تذكرتها الوحيدة للعودة، وأن القلب الذي سيبدأ بالنبض هنا، سيتمزق يوماً ما بين عالمين