الفصل الثالث عشر بعد المئة
" the writer Aridj "
.
.
.
وأخيرًا… سلّمت بحثها.....
تنفّست شذى بعمق، كأنها أغلقت بابًا طويلًا من الإرهاق خلفها، واستكانت روحها بعد عناء الركض في أروقة الجامعة بحثًا عن أستاذها. ودّعت إيما بابتسامة خفيفة، ثم انعطفت بخطوات مسرعة نحو شقتها، حيث تنتظرها حقيبتها وموعدها الذي طال انتظاره.
صعدت الدرج بخطواتٍ متسارعة، يملؤها الفرح، تراقب عباءتها السوداء وهي تتمايل مع حركتها، كأنها رداء أميرةٍ هاربة من قصر الحزن إلى فسحة لقاء. كانت تشعر بخفّةٍ غريبة، كأن الأرض تدفعها للأمام، وكأن قلبها يسبقها درجةً درجة.
وقبل أن تبلغ نهاية الدرج…
اصطدمت بشيءٍ صلب.
تراجعت خطوةً إلى الخلف، وقد شهقت بخفّة، لولا يدٌ امتدّت بسرعة وأمسكت بذراعها من طوله، أعادتها إلى توازنها قبل أن تسقط. رفعت رأسها على مهل، وقلبها يخفق على غير عادته، لتجده هو…
نعم، هو.
ذلك الشاب الذي إن صادفته، كانت تعلم يقينًا أن موقفًا محرجًا وسخيفًا لا بد أن يولد من العدم.
تدارك هو نفسه بسرعة، وأفلت يدها فور أن تأكد من ثباتها. ابتعد خطوة، كما ابتعدت هي الأخرى، وأنزلت عينيها إلى الأرض بخجلٍ صادق، ورفعت يديها تعدّل حجابها، كأنها تستعيد درعها الأخير.
ابتسم لحيائها، ابتسامة رجلٍ يعرف حدوده ويحترمها، فأنزل عينيه هو الآخر إلى الأرض، وقال بصوتٍ منخفض /عذرًا…
ثم أكمل طريقه دون أن يلتفت.
تنفست شذى بعمق.
فليس من عادتها أن تحتك بالرجال في هذه الغربة. لم يحدث ذلك إلا مع دكاترتها وأساتذتها، وكلهم تقريبًا كانوا في عمر والدها. شعرت بشيءٍ من الارتباك، ثم هزّت رأسها بخفّة كأنها تطرد الموقف من ذاكرتها.
عادت لتكمل صعودها، ومشت في الممر الذي يحصر الغرف على اليمين وعلى اليسار، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، وهمست في داخلها/انتبهي هذه المرة… تدخلين غرفة ما هي غرفتك ونبتلي بواحد ثاني!
وصلت إلى غرفتها.
أخرجت المفتاح من جيب حقيبتها، وأدارته في القفل حتى فُتح الباب بصوتٍ خافت. وضعت حقيبتها أرضًا بجانب المرآة الطويلة التي تتمركز عند مدخل الغرفة، تلك المرآة التي كثيرًا ما شهدت صمتها واشتياقها. ثم اتجهت نحو حقيبة سفرها التي كانت مستلقية فوق سريرها، فأنزلتها إلى الأرض استعدادًا للرحيل.
في تلك اللحظة، خرجت رفيدة من المطبخ، وقالت بلهجتها العراقية المليئة بالعفوية/ها، هسه جان وقت الطيّارة؟ أووو… راح أشتاقلِچ هواي.
ضحكت شذى، واقتربت منها، واحتضنتها بحنانٍ دافئ، وقالت /ما راح أطول يا حبيبتي، كلها أسبوع وبس… اعتني بنفسك، وانتبهي لمحاضراتك، وراح أتصل أطمن عليك كل يوم، اتفقنا؟
هزّت رفيدة رأسها موافقة، بينما كانت دموع الحزن تلمع في عينيها. دموع فراق رفيقة دربها، ورفيقة غربتها… تلك الفتاة التي لم تتركها وحيدة حين رُميت من قبل أهلها بوحشيةٍ خالية من الرحمة والإنسانية.
ضحكت شذى لتخفف عنها، وقالت مازحة /أفا! تبكين؟ اممم… عرفت السالفة، لازم أخطبك لأخوي، وهيك راح أشوفك بوجهي كل يوم.
ضحكت رفيدة، وهي تمسح دموعها بيدها.
واستدارت شذى نحو حقيبتها، جرّتها خلفها حتى وصلت إلى الباب. حملت حقيبة يدھا، وعدّلت طرحتها، ثم التثمت بلثامها، لتبقى عيناها الرصاصيتان وحدهما في ساحة وجهها المغطّى، تشعّان بثباتٍ وهدوء.
التفتت نحو رفيدة لتحذّرها بنبرةٍ جادة ممزوجة بالحب /ويا ويلك يا رفيدة إذا فتحتِ الباب للغريب، ولا تتحدثي مع أي شاب. كوني مثل ما اعتدتك، ولا تخيّبي أملي فيك.
ابتسمت رفيدة، وأومأت برأسها، ولوّحت بيدها لشذى، تتابعها بعينيها حتى خرجت. أغلقت الباب بإحكام، ثم عادت إلى مطبخها، تحاول أن تشغل نفسها عن وحدتها التي سترافقھا طيلة ھذا الأسبوع.
:
:
خرجت شذى من المبنى، والخفّة تسبق خطواتها، كأن السعادة أمسكت بيدها تقودها إلى الخارج. كان الهواء ألطف، والشارع أوسع، وكل شيء من حولها يبدو أقلّ صخبًا وأكثر رحابة الأمر الذي لم تعتده في لندن ليبدو و كأن المدينة نفسها تشاركها هذا الفرح الصغير.
اتجهت بخطى واثقة نحو مكان لقائها بتركي، عند ذلك المتجر المعتاد، وفي صدرها نبضٌ متسارع يشبه نبض المسافرين حين تلوّح لهم الطرق ببدايات جديدة.
قطعت بعض الشوارع، واحدة تلو الأخرى، وعيناها تتنقّلان بين الأرصفة والواجهات، لكن قلبها كان هناك، يسبقها بخطوات، حتى وصلت أخيرًا. لمحته من بعيد، واقفًا بجانب حقيبته، بهيئته التي تعرفها جيّدًا، وكأن وجوده وحده كفيل بأن يبدّد عناء الأيام كلّها. لوّحت له بيدها، وفي تلك اللحظة لم تعد ترى غيره، فأسرع إليها بخطوات واسعة، يحمل في اندفاعه شوقًا لم يُخفه.
لم تنتظر وصوله الكامل، وحين صار قريبًا منها بما يكفي، تركت حقيبتها واستسلمت للحظة، لتطوّق شذى رقبته بذراعيها وتحتضنه بقوة، وكأنها تعوّض بذلك غيابًا طال، وقالت بصوت خرج من قلبها قبل شفتيها /الله اشتقتلك.
ضحك تركي، ضحكة دافئة مشبعة بالحنين، وبادلها الحضن، ثم أفلتها برفق وهو يقول بمزاح، كمن يخفف ثقل الشوق بالضحك /كسرتي رقبتي قولي اشتقت لسعودية مو لتركي المسكين.
ضحكت شذى، ضحكة صافية خالية من أي تكلّف، وشعرت في تلك اللحظة أن كل التعب الذي سبق هذا اللقاء لم يكن سوى طريقٍ قصيرٍ يقود إلى هذه الضحكة. مشت معه بخطوات متناسقة، بينما تولّى هو حمل حقيبته وحقيبتها، وكأن الأمر بديهي لا يحتاج إلى سؤال.
أوقف سيارة أُجرة لهما، لتأخذهما إلى المطار، حيث تبدأ رحلة أخرى، ويُطوى فصل ليُفتح بعده فصل جديد، محمّل بالانتظار، وبوعد العودة، وبذكريات ستُروى لاحقًا وكأنها حلمٌ جميل.