الدائرة تدور على الكونت
الفصل الثامن عشر
الدائرة تدور على الكونت
لم يكن الإبحار يسيرًا على أي من أفراد المجموعة ، في أي من مراحله . فقد تأخر مركب
اللورد جود المينج وجوناثان وقتًا قصيرًا بسبب حادث بسيط وقع أثناء محاولتهما شق
طريقهما بسرعة . وبالرغم من التأكيد على أن الكونت كان لا يزال في الماء ، فقد كان تنويم
مينا يزداد صعوبة كل يوم .
مع اقتراب مينا وفان هيلسنج من القلعة ، أصبحت مينا تنام طوال النهار . وأثناء
الليل كان فان هيلسنج يبقى مستيقظا فيجدها تحدق فيه بعينين مضيئتين للغاية . خشي
أن تكون قد أصابتها لعنة المكان ، لأنها كانت ملوثة بتعويذة الكونت . وبالرغم من ذلك ،
كان عليه أن يؤمن بقوة إرادتها ، بأن روحها كانت طاهرة ، على الأقل لوقت أطول قليلا .
لكن فان هيلسنج أحاط نفسه ومينا بدائرة صغيرة من الخبز المقدس في المكان
الذي توقفا فيه ليخيما ليلا .
قال فان هيلسنج لمينا : » هلا اقتربت من النار ؟ لقد كان اختبارًا ؛ لأن النار كانت
خارج الدائرة .
أجابت في حزن :» تعلم أنني لا أستطيع .«
فجأة ، بدأت الخيول تصهل في فزع . ركض فان هيلسنج عائدًا داخل الدائرة بينما
كان الضباب يدور حولهما . شاهد فان هيلسنج ومينا الضباب وكانت تتشكل بداخله
أجسام . كانت الأخوات الثلاث التي وصفها جوناثان في مذكراته .
ما إن رأت النساء الندبة على جبهة مينا ، حتى ابتسمن لها ، ونادين عليها :» تعالي يا
أختي تعالي تعالي ! لكن عيني مينا لم يكن بهما سوى نظرة اشمئزاز بعثت الطمأنينة
في قلب فان هيلسنج . فاندفع خارجًا من الدائرة ممسكًا بعض الخبز المقدس ، وفرت
النساء . لكنهن لم يبتعدن خاليات الوفاض ، فقد تركن الخيول ميتة .
دراکولا
ترك فان هيلسنج مينا نائمة داخل الدائرة وسار إلى القلعة بمفرده . اقتحمها واتبع
الطريق المؤدي إلى الكنيسة الصغيرة كما وصفه جوناثان في مذكراته . كان يعلم أنه
سيجد في مكان ما ثلاثة قبور على الأقل ترقد بها الأخوات الثلاث عليه تطهيرها . وبالفعل
وجدها وتولى أمرها .
وبعد ذلك ، رآها ، قابعة في أعتم وأبعد زوايا الكنيسة مقبرة هائلة جميلة وعتيقة .
لم يكن مكتوبًا عليها سوى كلمة واحدة : » دراكولا « . فتحها فان هيلسنج وكانت فارغة ،
فنثر فيها بعض كسرات الخبز المقدس ، ليقصي الكونت إلى الأبد عن مأواه الذي ضمه
مئات السنين .
عندما عاد فان هيلسنج إلى معسكرهما ، وجد مينا لا تزال نائمة في هدوء وأمان
داخل الدائرة . ولكن بينما كان يوقظها ، استعدادًا لأن يعود بها إلى القلعة ، سمعا عواء
ذئاب قادما من بعيد وصوتًا أشبه بضجة تقترب سريعًا .
صاح :» لا يوجد وقت ، أسرعي ، لا بد أن نختبئ وجد فان هيلسنج تجويفًا ضيقًا
في صخرة ، واختبأ الاثنان به من ذلك المكان ، كانا يستطيعان الدفاع عن أنفسهما ضد
من يهاجمهما بشرا كان أم ذئبا .
من موقعهما شاهق الارتفاع فوق الجبال ، كانا يستطيعان رؤية المشهد بالأسفل
بوضوح غامرت مينا بالإطلال برأسها للخارج برهة ، فرأت شيئًا يصعد مسرعًا أحد
جوانب الجبل . لقد كانوا مجموعة من الغجر يقودون عربة تحمل صندوقًا كبيرًا مربعًا .
الكونت كان الغجر يسابقون غروب الشمس ، حيث إن الكونت لا بد أنه أمرهم ودفع
لهم ليوصلوه إلى منزله قبل حلول ساعة السحر .
وخلف تلك المجموعة ، كان يركض بسرعة رجلان يمتطيان جواديهما . كانا كوينسي
موريس ودكتور سيوارد وعلى الجانب الآخر من الجبل - حيث كان هناك طريق آخر
يؤدي إلى الغابة - رأت مينا رجلين آخرين ، حبيبها جوناثان واللورد جود المينج ، وكانا
يمتطيان جوادين أيضًا ويركضان إلى قلب الحدث . كانت تلك الحركة المنظمة أشبه
برقصة جميلة . عندما أخبرت مينا فان هيلسنج ، صاح في طرب كالطفل الصغير .
اقترب الغجر شيئًا فشيئًا . بقي فان هيلسنج ومينا مختبئين في الصخور ، شاهرين
أسلحتهما ، وعازمين على منع الغجر من المرور . وصلت جميع الأطراف أرض الغابة
المقفرة في وقت واحد . ومن جهتين متقابلتين ، صاح الصيادون فوق ظهور الجياد
» توقفوا ! « ربما لم يكن الغجر يفهمون اللغة ، لكن لم يخف عليهم معنى تلك الكلمة ولا
الأسلحة المصوبة نحوهم .
۷۸
الدائرة تدور على الكونت
أسرع جوناثان وكوينسي موريس نحو العربة . تملكت جوناثان قوة غريبة أكثر من
الآخرين ، قوة خارقة . تفادى سكاكين الغجر وعبر إلى الصندوق الكبير الممتلئ بالتراب
فرفعه ثم طرحه أرضًا .
هرع كوينسي موريس ليساعده ، متفاديًا السكاكين أيضًا ، لكنه لم ينجح كصديقه .
فقد اخترقت إحدى السكاكين جانبه وبدأ ينزف بشدة . ومع ذلك ، استمر يقاتل . انتزع
الرجلان معا الغطاء من فوق الصندوق الكبير ، ووقف الآخرون يؤمنونهم بأسلحتهم .
وداخل الصندوق ، رأوه راقدًا ، ذلك المخلوق الذي ظلوا يسعون وراءه كل هذا الوقت ؛
دراكولا . كان الكونت يرقد بهدوء داخل الصندوق ، شاحبًا كالأموات ، وكأنه تمثال من
الشمع . كانت عيناه بالرغم من ذلك مفتوحتين تطل منهما نظرة شر كانوا جميعًا
يعرفونها جيدًا .
وفي تلك اللحظة رأت هاتان العينان الشمس تغيب في الأفق ، وتحولت نظرة الكراهية
فيهما إلى نشوة انتصار . ظن الكونت أنه فاز مرة أخرى . فور أن تغرب الشمس ، سيكون
بمأمن من أي مكروه .
ولكنه تسرع بإيقان النصر ! ففي تلك اللحظة هاجمه جوناثان وكوينسي موريس
فاخترقا قلبه وقطعا رأسه بسكينيهما . وأمام أعينهم جميعًا ، انهار جسد الكونت بالكامل
إلى ثرى واختفى .
أفزع الغجر الاختفاء المفاجئ للجثة ، فرجعوا أدراجهم لينجوا بحياتهم . حتى الذئاب
تراجعت إلى مسافة آمنة ، وتركت المجموعة وشأنها .
تهاوى كوينسي موريس على الأرض منحنيًا على مرفقه ضاغطا بيده على جانبه .
ولاحظت مينا أن الدماء تندفع من بين أصابعه . فأسرعت إليه ، والطبيبان أيضًا ، لكن لم
يكن بيد أحدهم شيء يفعله التقط كوينسي موريس أنفاسه وأخذ بيد مينا وابتسم لها
ابتسامة عذبة .
قال : سعيد بأنني استطعت مساعدتك .« وضحك فجأة مشيرا إلى جبهتها قائلا :
رائع ! انظروا كانت رؤية هذا تستحق التضحية ، انظروا انظروا !«
سقطت أشعة الشمس التي كانت في طريقها إلى المغيب على وجه مينا ، فأضفت عليه
وهجا ورديا . وعندما التفتوا إلى حيث كان كوينسي موريس يشير ، رأوا ما كان يقصده .
لقد اختفت الندبة . كانت جبهة مينا نقية كالثلج . لقد انقشعت اللعنة .
عندئذ ، رحل عنهم كوينسي موريس ؛ ذلك الرجل الذي ظل هماما نبيلا حتى النهاية .
۷۹
دراکولا
بعد مرور سبع سنوات ، عادت مينا وجوناثان إلى ترانسلفانيا . كان برفقتهما ابنهما
كوينسي الذي سمي باسم صديقهما القديم الجسور . وبينما كانا يسيران على الأرض التي
عجت يوما بالذكريات المريعة ممسكين بأيديهما يدي كوينسي الصغير ، تذكرا أحداث
الماضي دون شعور باليأس وهما يتذكران الأشياء العظيمة التي يستطيع الناس أن
يفعلوها في سبيل الحب .
۸۰
(انتهينا وأمل ان تعجبكم )