جوناثان يعلم انه سجين
الفصل الثالث
جوناثان يعلم أنه سجين
نام جوناثان حتى وقت متأخر في اليوم التالي . وعندما استيقظ لم يجد الكونت . ومع
وجبة شهية أخرى أعدت ليأكلها جوناثان بمفرده ، ترك الكونت رسالة قصيرة دعاه فيها
إلى التجول أينما شاء في أرجاء القلعة باستثناء تلك الغرف التي كانت أبوابها مقفلة .
ونهاه في الرسالة نهيًا غريبًا شديد اللهجة : » وإياك أن يغشاك النعاس في أي مكان
آخر بالقلعة غير غرفتك !«
قضى جوناثان أغلب ساعات اليوم في الترتيب لشراء عقار الكونت . ولكن عندما
شعر بالحاجة إلى استراحة ، قرر أن يستكشف المكان قليلا . كان يرى أن القلعة أشبه
بمتحف حافل بالتحف والروائع الفنية وغيرها من الأشياء الجديرة بالاقتناء . كان كل
شيء يتسم بأعلى جودة ، ويبدو أن عمره مئات السنين .
ولكن في كل الجولات التي قام بها جوناثان ، لم ير شيئين ؛ أولهما : أشخاص آخرون .
تساءل : » كيف لا يستعين الكونت بأي شخص في هذه القلعة الكبيرة ؟« وثاني شيء
لاحظ غيابه كان المرايا ، لم تكن موجودة حتى في الحمامات . لم يكن الرجل مغرورا -
للعلم - ولكن المرء يحتاج أحيانًا إلى مرآة ؛ إذا أراد أن يحلق مثلا . ومن حسن الحظ أن
جوناثان كان قد أحضر مراته الخاصة . كانت قطعة صغيرة بين مجموعة أدوات الزينة
التي يأخذها في سفره .
عاد الكونت إلى المنزل ذلك المساء بعد حلول الظلام ، واستمر نظام الحياة على المنوال
نفسه . لم يأكل الكونت قطُّ ، مدعيًا دائمًا أنه سبق أن تناول طعامه ، وبدلا من الطعام ،
كان يكتفي بالجلوس مع جوناثان لمناقشة الأوراق التي أعدها ذلك اليوم ويطرح عليه
المزيد من الأسئلة عن المنزل الذي كان يشتريه في لندن .
دراکولا
كان جوناثان قد قدم عرض شراء المنزل نيابةً عن الكونت مع أنه لم يدرك حينها
كيف يمكن لأي شخص أن يرغب في شراء عقار كهذا . كان عقار كارفاكس بناءً عتيقا
كئيبا ملحقا به كنيسة صغيرة قديمة ظلت مهجورة لسنين . أما الآن بعد أن التقى
الكونت ورأى منزله الحالي ، فقد بات يدرك أن المنزل الجديد سيكون ملائما تماما . خطر
لجوناثان أن السبب في هذا ربما كان أصوله في ترانسلفانيا ، ولكن الكونت كان يبدو
وكأنما خُلق ليعيش في الظل والظلام .
كل ليلة كان الكونت يُبقي جوناثان مستيقظا ويتحدث حتى طلوع الفجر . كان
أمرا غريبًا في البداية ، لكن جوناثان سرعان ما اعتاد ذلك . قال لنفسه إن بعض الناس
على كل حال تكون طبيعتهم ليلية ، وهو في مهمة ، وعليه أن يتكيف مع نظام مواعيد
عميله .
كل يوم كان جوناثان يصحو متأخرًا ويستحم ويستخدم مرآته الصغيرة في الحلاقة ،
ويتناول إفطارًا هادئا بمفرده ثم يعكف على أوراقه . وكان من وقت لآخر يكتب في دفتر
يومياته الصغير الذي أخفاه بحكم عادته منذ نعومة أظافره على جسده . كان
أحيانًا يراسل مديره السيد هوكينز أو خطيبته مينا ، لكنه لم يجرؤ على كتابة أي شيء
شخصي للغاية ، وبالطبع لم يكتب باللغة الرمزية المختصرة التي كانت مينا تفهمها .
كان السبب في هذا هو أن المظاريف القليلة التي أعطاها له الكونت لاستخدامه الشخصي
كانت رقيقة للغاية ، حتى إن أي شخص كان يستطيع قراءة ما كتب على الورق بداخلها .
رأى جوناثان أن الكتابة بلغة الرموز ستكون سلوكًا معيبًا أو مريبا تمامًا كالتحدث
بلغة أجنبية أمام شخص لا يفهمها . كان الروتين مملا ، ولكن الهدف من العمل ليس
المتعة بالضرورة . إضافةً إلى ذلك ، قريبًا ستحدث أشياء تجعله يشتاق إلى الحياة المملة
مرة أخرى .
هلل
في البداية ذكر الكونت في حديثه أن على جوناثان المكوث في القلعة مدة شهر آخر
على الأقل ، فعبس جوناثان كان من الغريب أن يستمر هذا المشروع كل ذلك الوقت .
عندما رأى الكونت عبوس جوناثان ، عبس هو الآخر . قال الكونت : » هذه هي رغبتي ،
ولا مجال للرفض . لقد أكد لي مديرك أنه سيلبي رغباتي . فهل ستكون هناك مشكلة ؟«
حاول جوناثان أن يقسر ملامح وجهه على الانفراج ، وأجاب : » بالطبع لا ، سأمكث
ما دمت محتاجا إلي. «
وما حدث بعد ذلك زاد جوناثان ضيقًا . جافاه النوم ذات ليلة ، فعلق مرآة الحلاقة
على الجدار وكان يهم بالحلاقة عندما سمع الكونت خلفه مباشرة يقول : » مرحبا .« وثب
١٦
جوناثان يعلم أنه سجين
جوناثان من مكانه لم يكن فزعه بسبب مباغتة الكونت له بقدر ما كان بسبب عدم
ظهور انعكاس الكونت في المرآة . أي سحر غريب هذا ؟
ما إن لاحظ الكونت وجود المرآة وغياب انعكاسه فيها ، حتى اتقدت عيناه غضبًا ،
وأمسك برقبة جوناثان فجأة . لكن عندما لمست يداه حبات المسبحة التي كان بها الصليب
حول رقبة جوناثان ، تراجع الكونت في عنف . غير أنه لم يتوقف عند ذلك الحد ، ففتح
النافذة المجاورة وألقى بالمرآة بعيدًا وهو يتمتم بشيء عن الغرور . وفي مكان سحيق
بالوادي ، تهشمت المرآة إلى ألف قطعة .
قال الكونت : » أعتذر عن هذا بشدة ، لكن المرايا أمر غير محبذ هنا . فمن المرجح
أن تنكسر وتجرح أحدًا ، والجروح أمر خطير في الريف . قد تعرضك لخطر العدوى كما
تعلم .«
وفي آخر المطاف ، كان جوناثان يستكشف المنزل ذات يوم ليعرف عنه المزيد أثناء
وجود الكونت بالخارج ، وأدرك أن كل الأبواب المؤدية للخارج مقفلة . ولم يكن هناك
سبيل للخروج من القلعة سوى القفز من إحدى النوافذ ليسقط في الوادي السحيق أسفل
القلعة ويلحق بمراته المسكينة .
لقد أدرك أمرًا مريعًا ؛ كانت القلعة سجنًا ، وكان هو سجينًا بداخلها كان أهل
المدينة على حق . تساءل جوناثان أي وحش هذا الذي لا يظهر حتى في المرآة ؟ وأدرك كم
كان أهل المدينة هؤلاء رائعين . وحمد الله لأنه على الأقل قبل صلبانهم وثومهم ليته أيضًا
قبل نصيحتهم الحكيمة السديدة .
۱۷