زهرة التاج الاحمر - البارات(11) - بقلم الكاتبه خلود | روايتك

اسم الرواية: زهرة التاج الاحمر
المؤلف / الكاتب: الكاتبه خلود
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: البارات(11)

البارات(11)

الكاتبه خلود✍🏻 كان جوليان يسير في ساحة القصر بخطوات متثاقلة، متّجهاً نحو مجلس الملك، لكن ذهنه ظلّ مشغولًا بأولئك الذين ظهروا فجأة، ناشرين الفساد والذعر في أرجاء المملكة.  أيعقل أن الملك كان محقاً؟ هل خرجوا فعلاً من أجل قلادة تُدعى "أنورا"؟  ما مدى قوة تلك القلادة؟ ومن هو حاملها يا ترى؟... زفر جوليان بضيق، وهزّ رأسه كما لو أراد طرد تلك الأفكار، ثم غيّر وجهته نحو الزنزانة حيث يُحتجز المغتالون. دخل المكان المظلم، يسير بخطوات ثابتة في ممر بارد كالصمت،  اقترب من الزنزانة التي احتُجزت فيها واحدة من الخطرين. وقعت عيناه على "غاج"، الذي كان جالسًا أمام الزنزانة، يراقب الأسرى ريثما يعود صديقه. ما إن رأى غاج جوليان حتى وقف سريعًا بابتسامة مرحة وقال:  ــ "أخيراً وصلت يا جوليان! لقد تأخرت، وهذا ليس من عادتك… هل واجهت خصماً قوياً هذه المرة؟" تنهد جوليان بتعب، ونظر إليه بضيق قائلاً:  ــ "غاج… توقف عن قراءة ذكرياتي، أرجوك." ضحك غاج بخفة، وهو يراقب ملامح جوليان المتجهمة بانزعاجٍ واضح. لطالما استمتع برؤية ذلك التوتر البسيط الذي يظهر على وجهه عندما يتسلل إلى ذاكرته: ــ "ليس ذنبي يا صديقي، لكنني قلقت عليك. قلت لنفسي: أليس من الوفاء أن أطمئن على رفيقي؟ أم أنك تنكر الصداقة والجميل الآن؟" قطّب جوليان حاجبيه وهو يعبس، بنبرة ساخرة امتزج فيها الضيق بروح الدعابة:  ــ "أتدري يا غاج؟ إنك ثقيل ظلٍّ لدرجة أنك سرقت حسّي الفكاهي!  عائلتي كانت تشتكي دائمًا من مزاحي المزعج، على عكس أخي المتجمّد الذي يبدو وكأنه أحد أعمدة الجليد!  والآن... أصبحتُ أنا نسخة منه، كأنك ورثت مني تلك الموهبة، يا مزعج!" رد غاج وهو يومئ بمرح، واضعًا يديه خلف رأسه بثقة: ــ "أعذرني، جوليان العزيز... لقد كنتَ السبب فيما أصبحتُ عليه الآن.  لقد ورثتُ منك كلّ شيء... حتى أساليبك!"  وأكمل كلماته بغمزة سريعة جعلت جوليان يضحك رغماً عنه. لكن سرعان ما تلاشت ابتسامته، واستبدلها الجِدّ حين تذكّر ما جاء لأجله:  أنا... فقد رأيت شيئًا في مطاردتي الأخيرة، شيء لو علمتَ به، لأصابك الذهول." ارتسمت علامات القلق على وجه غاج، فقد التقط نبرة الخطورة في صوت جوليان، فركّز نظراته عليه بتمعّن. تقدّم جوليان خارج الزنزانة، واضعًا يديه في جيبيه، ثم التفت إليه: ــ "تعال معي إلى الغرفة.  ما سأقوله الآن... إن وصَل إلى الملك، قد يجعلنا نحترق أحياء." شعر غاج بقشعريرة تسري في جسده، وبلع ريقه بتوتر، أومأ برأسه سريعًا، وتبع جوليان بخطى متسارعة حتى دخلا الغرفة وأغلقا الباب خلفهما، خشية أن يسمعهما أحد...! نظر إليه جوليان بعينين جادتين، وقد خفَض صوته بنبرة صارمة:  ــ "اسمع جيدًا يا غاج... ما سأقوله الآن لا يجب أن يعرفه أحد. إن خرج هذا السرّ، فستكون العواقب وخيمة... علينا جميعًا." غاج الذي كاد يقتله الفضول والقلق، عقد حاجبيه وقال بصوت متوتر:  ــ "حسناً... تكلّم، أرجوك." تنهد جوليان ببطء، وكأنّه يُخرج غمامة حزن ثقيلة من صدره، و قال: ــ "ظهرت مملكة... ظنّ الجميع أنها اندثرت قبل ثمانين عامًا. مملكة اختفت من التاريخ بعد أن ظهرت القلادة... والحامل الحقيقي لها.  لكنهم عادوا، غاج. عادوا... والقلادة عادت معهم." اتسعت عينا غاج بذهول، لكن جوليان أكمل، وصوته يزداد حدة: ــ "إنهم يبحثون عنها الآن... بلا رحمة.  وسيُشعلون حربًا بين الممالك، ستنشر الفوضى والدمار، ولن تكون مجرد معركة، بل جحيمٌ لا يُحتمل.  مقاتلون سيظهرون... أنواع من السحرة تفوق كل خيال، بعضهم أقوى مني بأضعاف، لا... بملايين المرات." شعر غاج بأن الأرض تميد تحت قدميه، لم يكن يتوقع شيئًا بهذا الحجم. لكن وقع الكلمات لم يكن الصدمة الوحيدة، بل شيء ما في أعماقه... استيقظ. ذاكرة قديمة، جرح لم يندمل، ماضٍ حاول نسيانه، لكنه عاد الآن... بكامل ثقله. شدّ قبضته، وأغمض عينيه، كأنما يقاتل بين البقاء والتهشم.  لم تسعفه الكلمات، ولم يستطع التعبير، إلّا بجملة خرجت من شفتيه دون وعي، بصوتٍ مخنوق بالحزن والغضب: ــ "أيُريدون... أن يأخذوها مجددًا؟" انتبه جوليان لنبرة غاج المتغيرة، فاجأه اضطرابه، إذ بدا وكأن كلماته قد لامست جرحًا عميقًا من ماضٍ لم يُشفَ بعد. تساءل جوليان بهدوء، محاولًا التحقق: — من هي... هذه التي تتحدث عنها؟ لكن ما إن نطق بالسؤال، حتى أدرك فداحة ما قاله. خرجت الكلمة من فمه دون وعي، وكأنها خانته، وكأن فمه سبق عقله. ارتبك، وتردد، فالورطة باتت أكبر بكثير... لقد ظهرت مجددًا، المملكة التي لطالما حُكيت عنها القصص والكوابيس... "الأفعى السوداء". توسعت عينا غاج، وتجمدت تعابيره من الذهول، ثم نهض بغضب جامح، وصرخ في وجه جوليان: — لمَ لم تخبرني منذ البداية أنها هي؟! هرع جوليان إلى الإمساك بمعصمه، يهمس بنبرة حازمة: — توقف، لا يمكن لأحد أن يعلم بهذا! إن انتشر الخبر، ستعمّ الفوضى أرجاء المملكة. الأعداء يترقبون أي فرصة... وسيسارعون للهجوم إن علموا بعودة "الأفعى السوداء". إنهم يسعون خلف القلادة، طمعًا بقوتها. وجلالة الملك أمر بكتمان الأمر، وأنت تعلم تمامًا ما الذي قد يحدث إن خالفنا الأوامر. تصلبت ملامح غاج، يملؤها الغضب، وصكّ على أسنانه بحنق، ثم أبعد يد جوليان عنه بعنف، ونظر إليه بعينين تلتهبان بالغضب والوجع: — لكنني... لا أستطيع أن أغفر لهم. أريد أن أنتقم... أرجوك، دعني أتصرف بطريقتي، أعدك أن لا يدري أحد، سأبقيه سرًا... فقط هذه المرة. أبعد غاج يد جوليان عن معصمه، وحدّق في عينيه بصوت خافتٍ مترجٍ: — أنت تعلم ما الذي قد يفعلونه بك... أنت صديقي الوحيد، ولن أسمح أن يصيبك أي سوء، وإن حدث لك شيء، لن أستطيع مسامحة نفسي أبدًا. تنهد جوليان، ثم رفع نظره إلى غاج، وعيناه تتكلمان بصدق: — أريد إبلاغ الملك، وحين يأمر بإعلان الحرب، سنبدأ القتال، وحينها تأخذ بثأرك. لكنك لن تكون وحدك، سأكون معك في كل خطوة... لذا، دعنا نكمل هذا الطريق سويًا، أرجوك. هدأ غاج قليلًا، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية: — فقط عدني، أن تتركني أقتله بيدي... لن تمنعني، أليس كذلك يا جوليان؟ ابتسم جوليان ووضع يده على شعره يبعثره ممازحًا: — بالطبع، ولكنني من سيقطع رأسه أولًا، يا هذا. قطّب غاج حاجبيه بملل، وأزاح يد جوليان عن شعره: — اترك شعري وشأنه! لقد بعثرته، كيف لي أن أبدو أمام فتيات القصر الآن؟! بشعرٍ فوضوي كالأبله؟! لا عجب أن أختك الصغيرة تكرهك حين تفعل ذلك! يا لها من مسكينة، ولديها أخ أحمق لا يفقه شيئًا في الأناقة! انفجر جوليان ضاحكًا على تعليقات صديقه، ثم توجه نحو الباب وغادر، يتجه بخطى سريعة نحو الجناح الملكي. وقف أمام الحرس الملكي وقال بنبرة رسمية: — لقد عدت. أريد لقاء جلالة الملك بشأن أمر عاجل للغاية. انحنى أحد الحرس باحترام وردّ: — حاضر، أيها الجنرال. ثم انطلق مسرعًا ليبلّغ الملك. . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ ، ، ، في أحد القصور الفاخرة، حيث يلفّ الليل جدرانه بسكون غامض، استيقظ فتى في الرابع عشر من عمره  داخل إحدى الغرف المعتمة، وقطرات الدم تنساب من كفّيه. رفع يده إلى فمه، يلعق الدم ببطء، كمن يتذوّق نكهة النصر، ثم مرّر أصابعه خلال خصلات شعره البنفسجي الداكن، وابتسامة ماكرة ترتسم على شفتيه. دسّ قدمه بعنف على رأس الجثة الممددة أمامه وهمس بنبرة باردة: — "كان عليك ألّا تتجرأ وتتمادى عليّ، أيها الأحمق... هه." ركل الجثة بلا مبالاة، قبل أن يقفز برشاقة نحو النافذة. توقف للحظة، رافعًا عينيه البنفسجيتين نحو السماء، ليعكس ضوء القمر بريقًا مريبًا في عينيه. ثم قفز من حافة القصر بخفة قط، يهبط على الأرض بانسيابية، وينطلق راكضًا نحو الغابة. بينما كان يسير وسط أشجار الغابة، تحت ضوء القمر المتسلل من بين الأغصان، شعر بوجود أحدهم يتربص به. لم يتوقف، بل ابتسم ببرود وقال بنبرة ضجر: — "كفّ عن هذا التخفي السخيف... أعلم أنك هناك." خرج رجل من بين الظلال، ملامحه مألوفة... إنه مارك، أحد رجال جوليس. اقترب منه بخطوات هادئة وابتسامة ماكرة تعلو وجهه، ثم ألقى عند قدميه كيسًا ممتلئًا بالنقود. حدّق الفتى إلى الكيس بلا انفعال، لكن ملامحه خلت من الابتسامة. مارك، وبنبرة تشبه فحيح الأفعى، همس قرب أذنه: — "يا صغيري نيزان... لدي طلب صغير فقط. أريدك أن تحصل لي على جوهرة نادرة. إن فعلت... ستكون مكافأتك ضخمة." ابتعد نيزان بخطوات هادئة باردة، متجاهلًا مارك تمامًا، وكأن وجوده لا يتعدى ظلًا باهتًا لا يُرى. رفع مارك حاجبه باستغراب، وقال بنبرة متهكمة: — "ألن تجيب؟! لا تجعل عناء السفر الطويل هذا يذهب سُدى. لقد بحثت عنك كثيرًا، صغيري نيزان، وكم يؤسفني أن أقول... كعادتك، رائحة الدم لا تزال تفوح من حولك في كل مرة نلتقي." تنهد نيزان بعمق، ورفع نظره نحو القمر الذي أوشك على الاكتمال، نوره ينعكس على عينيه البنفسجيتين، وكأنه يغذي هدوءه القاتل. قال بنبرة خافتة: — "أعشق الصمت... وأحب الهدوء... وأحب رائحة الدم التي تعانق أنفاسي. لكن ما لا أحبه... هو أمثالك. لذا، انصرف من أمامي، وإلا... فأنت تعلم تمامًا ما سأفعله." توقّف للحظة، ثم أضاف بنبرة أكثر برودًا: — "وجوهرتك؟ اذهب إليها أنت، أما أنا... فسأقتلها بلا تردد إن وقفت في طريقي." واصل سيره بثبات، خطواته تسحق الأوراق اليابسة تحت قدميه، كأنها إعلان عن نهاية وشيكة. لكن مارك، الذي ازداد اتساع ابتسامته، صاح بصوت كسر الصمت كالسهم: — "صدقني يا نيزان... ستشكرني لاحقًا. لأنني أرسلتك نحوها، نحو هدفك الحقيقي!" توقف نيزان فجأة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح اندهاشٍ حذِر.  هل يعقل أن يكون كلام مارك صادقًا؟ أم أنه مجرد خدعة أخرى؟  لكن لا... نظرات مارك لا تنبئ بالعبث، وحدسه لا يخونه، إنه قادر على التمييز بين الكذب والصدق، وهذه المرة، كان مارك صادقًا.  هل يعقل أنه بدأ يقترب من طرف الخيط الذي بحث عنه طويلًا؟  استدار ببطء، ونظر إليه نظرة عميقة، ثم نطق بنبرة منخفضة لكنها حازمة:  — "أين هو المكان؟" ارتسمت ابتسامة الرضا على وجه مارك، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال بفارغ الصبر.  اقترب خطوة وقال:  -- "مملكة إلثيرنا..." ما إن نطق بها، حتى دار نيزان حول نفسه وأدار ظهره، عاقدًا العزم على الانطلاق. وفي تلك اللحظة، ظهر خلف مارك عدد من الحراس المجهزين، اصطفّوا بهيبةٍ خلفه، ثم انحنى أحدهم باحترام وقال:  — "سيدي، تم تبليغ الدوق جوليس بتنفيذ المهمة..."  أومأ مارك بصمت، بينما عينه لا تزال معلّقة بذلك الفتى، الذي قد بدأ للتو السير في طريقٍ لن تكون له عودة. . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ . . في ذلك الوقت خرج رافيل ليدرب تولين بعد إلحاحٍ مستمر  منها كي يتخلص من إزعاجها ويدربها ،  ذهبو  في ساحة خلفية يغمرها بياض الثلج.  اندفعت نحوه بخنجرها الصغير، لكنه صدّ الهجوم بمهارة، ومع ذلك أصابته شفرة الخنجر في يده، سال منها دمٌ خفيف. شهقت تولين، وصاحت بخوف:  "ر-رافيل! هل أنت بخير؟ يا إلهي، لقد جرحتك!"  لكنه لم يبدُ عليه التأثّر، بل ابتسم بسخرية ونطق:  "وهل تظنين أن جرحًا من عصفورة صغيرة مثلك يؤلمني؟"  قطّبت تولين حاجبيها، تجاهلت سخريته، وأمسكت بيده تتفحّص الجرح: "اصمت، ودع عنك هذه السخرية قبل أن ينزف الجرح أكثر. ثم إنني لست عصفورة!"  كان على وشك الرد، لكنها وضعت كفها على فمه فجأة، ونطقت بانزعاج:  "على الأقل، اصمت لثانية دون أن تسخر!"  ظل يحدّق بها... بعينيها، بحركاتها، بطريقة عنايتها بيده.  أخرجت منديلاً من جيبها وربطت به مكان الجرح بلطف.  أتمّت ذلك دون أن تلاحظ نظراته الصامتة، لكن حين رفعت عينيها، وجدته يتأملها بصمتٍ غريب، كأنّ شيئًا ما يريد قوله، ولم يستطع.  سألتها عيناه سؤالاً لم يجرؤ على النطق به...  ثم، بصوت خافت، تمتم:  "هل... سترحلين عنّا يومًا ما؟"  أشاحت بنظرها بعيدًا، وتذكرت أمر الرساله وأن عليها المغادره بأسرع مايمكن ولكنه سؤاله كان كفيلا ان قرأ عينيها وشعر انها ستتركهم وترحل بعد مدة همست بخفوت:  " ربما."  ابتسم، خلع وشاحه ووضعه على عنقها بلطف، وهمس بسخرية خفيفة:  " سوف تبردين واعتبريه ردًا لجميلك." وضعت يدها على الوشاح، تتأمله في صمت، لكنّه غادر بهدوء نحو المنزل دون أن تلتفت إليه. لم تكد تستجمع أفكارها حتى انطلقت ريفين تركض نحوها، تصرخ بغضب :  "تولييييييين!"  رفعت تولين رأسها، وهمّت بالرد، ولكن...  بوووم! كرة ثلج كبيرة ارتطمت برأسها!  شهقت، حدّقت نحو ريفين غاضبة، لكن ما لبث الغضب أن اختفى حين وقعت عيناها على الفستان الممزّق الذي ترتديه ريفين... كان فستانها، الذي أفسدته عندما حاولت غسله، فجرفته مياه النهر. ابتعدت تولين خطوة، وهمست محاولة تبرير:  "ريفين عزيزتي... هههه... أنتي تعلمين أن النهر كان قويًّا اليوم و..."  لكنها لم تُكمل جملتها، إذ ريفين بدأت تركض نحوها بسرعة.. بين تساقط حبات الثلج، تسارع بركض تريد ان تستمتع مع افضل صديقه احبتها   ريفين ابتسمت تولين   التي لا تكاد تفارق الابتسامة ملامحها، وصوت ضحكاتها يتردد في الأرجاء، عذبًا بريئًا، بينما كانت تركض حافية القدمين فوق البياض المتراكم، تتبعها ريفين غاضبة، تصرخ بصوت يملؤه الضيق: — "توليييين! توقفي! للمرة المليون أقول لك، لا تفعلي هذا مجددًا! أنت مزعجة كعادتك، تولييين!" ضحكت تولين بمرح، وقلبها يخفق فرحًا، قفزت بخفة نحو جذع شجرة مرتفعة، وأشارت لريفين متحدية: — "إن كنتِ قادرة... تعالي وأمسكيني!" ابتسمت ريفين بسخرية، وبحركة سريعة قفزت نحوها، وهي واثقة أن الإمساك بها لن يستغرق سوى لحظات. لكن في لحظة خاطفة، فزعت تولين حين شعرت بقبضتها على وشك الإمساك بها، فانزلقت قدمها فجأة، وسقطت على الثلج ارتطامًا قويًا. نهضت سريعًا، يعلوها الثلج، وعيناها تتسعان رعبًا: — "يا إلهي... كدت أموت بسبب هذا البركان الغاضب!" ثم بدأت بالركض مجددًا وهي تلهث، مبتعدة عن ريفين التي لم تستطع أن تمنع ضحكة صغيرة أفلتت منها، رغم غضبها. في ذلك المنزل الدافئ، جلست والدة رافيل تراقب المشهد من خلف زجاج النافذة، وابتسامة هادئة دافئة تعانق ملامحها. كانت عيناها تتابع تولين و ريفين وهما تركضان في الثلج، تضحكان وتعبثان بمرح كالأطفال.  منذ أن جاءت تولين إلى هذا المكان، ملأت الأرجاء حياة ودفئًا، وكأنها أعادت النبض لهذا المنزل. لقد مضت أيام كثيرة على مكوثها معهم، لكنها أصبحت كابنة لها، لا تقل مكانة عن ريفين أو رافيل. رفعت كوب الشاي الساخن إلى شفتيها، وارتشفت رشفة صغيرة، بينما لم تفارقها الابتسامة التي ازدادت دفئًا. تكلم رافيل من خلفها، وهو ينظر إلى النافذة بضيق: — "أمي، أظن أنهن يثرن الضجيج بصوت مزعج." ضحكت الأم بخفة وقالت بصوت مملوء بالحنان: — "دعهن، بني... إنهما تستمتعان. أحيانًا، تلك الضحكات، واللحظات الصغيرة، تصنع أجمل الذكريات. أحب أن أراهما سعيدتين هكذا... تلك السعادة أغلى من أي كنز في هذه الحياة." ردّ عليها رافيل وهو يقلب عينيه بملل: — "أي سعادة هذه؟! أخشى أن تستيقظ وحوش الغابة من أصواتهن المرعبة. لقد مزّقن صمت الليل الجميل، حتى أذناي تكادان تنفجران من صراخهما الصاخب!" ضحكت والدته مجددًا، وهي تهز رأسها برقة، وكأن تلك الفوضى البريئة هي أجمل ما يمكن أن يحدث في هذا البيت. وهي تعلم جيدًا كيف يحب رافيل هذه الضحكات، رغم تضجره منها. قالت له بمزاحٍ رقيق:  "اخرج معهم، اركض في الثلج تحت ضوء القمر الفضي الرائع." اندهش من كلام والدته ونهض واقفًا:  "أمي، لا تقولي إنك جادة! تظنينني طفلًا مثل هاتين؟ على كل حال، تصبحين على خير. سأذهب للنوم، ولكن إذا لم تصمتا هاتان وأيقظاني من سباتي، سأجعلها تدفع الثمن." توجه لغرفته بتذمر، وأمامه والدته تكتفي بابتسامة دافئة. حوّلت نظرها نحو النافذة، رغم برودة الجو تخشى عليهما من نزلة برد، لكنها عندما رأت ابتسامتهما، أدركت أن مجرد ضحكات لا يمكن أن تصيبهم بأي مكروه. كانت تشعر أن هذه قد تكون المرة الأخيرة التي ترى فيها ابتسامة تولين الحقيقية، التي اعتادت أن تراها على وجهها الحزين. قطع أفكارها صوت ضحكاتهما المتعالية، والجدال الذي لم ينتهِ بين الفتاتين كما كان منذ قليل. نهضت وصفقت بيديها:  "هيا إلى النوم، لقد تأخر الوقت. بدلًا من ملابسكما الخفيفة، ارتدي ملابس دافئة لتدفئكما من البرد القارس. إذا خرجتما هكذا، فستصابان بزكام." ردت تولين بابتسامة:  "حاضر، خالتي." ذهبت ريفين وهي ما تزال تتوعد لتولين ذهبت خلفها وهي تبتسم ، لكن صوت خالتها أوقفها فجأة.: ت تولين توقفت والتفتت نحوها باستغراب. همست لها ببتسامة دافئة:  "هل تريدين شيئًا، خالتي؟" اقتربت منها واحتضنتها بدفء، وهمست بصوت مملوء بالمحبة:  "ابنتي العزيزة، أحب أن أرى ابتسامتك. تعلمين أنني أشعر بدفء خاص فقط عندما أراكِ تبتسمين." تفاجأت تولين باحتضانها  وأبدلتها الحضن بحنان، فاحتضانها كان كأنه حضن والدتها التي لم ترها طوال حياتها، لكنها تشعر برائحة طيبة ودفء ابتسامتها. ترقرقت دموع تولين في عينيها، ونطقت بصوت ممزوج بالاشتياق:  "كم أحبك، أمي!" ابتعدت قليلاً، وأنزلت رأسها بسرعة، ثم ركضت نحو غرفتها حتى لا تراها وهي تبكي وتنطق لأول مرة في حياتها كلمة "أمي". فتحت غرفتها وأقفلت الباب خلفها، وأرتمت على فراشها، تتبعها نوبة من البكاء.  تساءلت هل سيصيبهم مكروه بسببها؟ هل ستتسبب في أذى لهم؟ كانت تلك الأفكار تثير خنقتها وتزيد من ضيقها وذنبها. فكرت في الهروب من هنا كي لا تسبب مشاكل لهم، فهم استضافوها لأيام ورضوا بها رغم أنها لم تكن تريد الجلوس. لكنها أحبتهم كثيرًا، ووجدت في البقاء فرصة لتتدرب على القتال، فهي ضعيفة وهشة كريشة بدونهم. لكنها كانت تكره فكرة الوحدة من جديد، وهذا ما جعلها تبقى، رغم شعورها بالأنانية إذا جلست وبسببها تعرضوا للأذى. نهضت تولين من فراشها بسرعة، قلبها يعتصره التردد، لكنها مضت نحو حقيبتها الصغيرة، وبدأت تجمع أشياءها بصمت.  همست لنفسها: "لقد حان الوقت للرحيل... لن يشعر أحد بغيابي الآن"،   وضعت ملابسها على عجل، ثم نظرت نحو النافذة، كان الجو قد تحسّن، والثلج لم يعد يتساقط كما في السابق.  قالت وهي تحاول أن تقنع نفسها.  : "الظروف مثالية... للمغادرة"،  لكن قلبها كان يصرخ، يرفض أن يغادر من احتضنوها كعائلة، من أعادوا إليها شعور الانتماء والدفء.  تمتمت وابتسامة حزينة ترتسم على شفتيها المرتجفتين:. "أنا أنانية... إن بقيت، ربما يتأذون بسببي... ولن أسامح نفسي إن حدث لهم مكروه"، تناولت ورقة وقلماً، وكتبت رسالة قصيرة ووضعتها بعناية على سريرها، ثم اتجهت إلى النافذة، فتحتها بهدوء وقفزت منها، تساقط الثلج على كتفيها، نفضته بهدوء، وعدلت ملابسها، ثم بدأت بالركض بعيداً…  ركضت في الغابة المظلمة، وعيناها تلمعان بدموعٍ حارقة، ذكرياتهم تلاحقها في كل خطوة…  راڤيل… ريفين… ووالدتهم… ضحكاتهم، نظراتهم، كلماتهم…  كلها أصبحت أثمن من أن تُنسى.  ابتسمت والدموع تنهمر:  "لقد كانوا عائلتي… لوهلةٍ تمنيت أن يدوم هذا الدفء… لكن لا يحق لي. أغمضت عينيها بقوة وهي تركض، وكأنها تهرب من قلبها لا من المكان.  "ربما هذه هي النهاية… أو ربما بداية البحث عن قدري… من أكون… وأين أنتمي فعلاً." . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ . . في صباحٍ هادئٍ تراقص فيه ضوء الشمس الذهبي على ندفات الثلج المتساقطة، وتغنّت العصافير بأنغامها فوق الأشجار البيضاء...  كانت والدة رافيل واقفة في المطبخ، تعدّ الإفطار بابتسامةٍ دافئة، يعمّ المكان دفءٌ لا تُخطئه العين. نادَت بصوتها الحنون:  "ريڤين، استيقظي يا صغيرة." من بين الأغطية، ارتفع صوت تثاؤبٍ كسول.  فركت ريڤين عينيها، وتمطّت بتكاسل قبل أن تتمتم بنبرةٍ متعبة:  "أمّي... أشعر بالنعاس، دعيني أنام قليلاً بعد..." رفعت والدتها حاجبيها بنصف ابتسامة، ثم قالت بحزمٍ لطيف:  "اغسلي وجهكِ جيدًا، واذهبي لتوقظي تولين. لم تستيقظ حتى الآن، وهذا غريب... فهي دائمًا تسبقك في النهوض، لكن يبدو أن التعب نال منها البارحة." دخل رافيل حاملاً بين ذراعيه بعض الحطب للمدفأة، وقد غطت أنفاسه الباردة وجنتيه بلونٍ وردي. قال وهو يضع الحطب:  "هل يكفي هذا يا أمي؟" أومأت الأم برضى، وابتسامتها لم تغادر وجهها:  "نعم بني، يكفي. سامحني لأنني أتعبك منذ عودتك..." ابتسم بلطف وهو ينفض يديه:  "كلا يا أمي، خدمتكِ شرف، ودفء بيتكِ لا يُشعرني بتعب." التفتت إلى ريڤين بنبرةٍ مازحة تنضح بالعِتاب:  "أنظري لأخيك، رغم سفره الطويل، يساعدني في كل شيء. أما أنتِ، فتشكون من كل مهمة صغيرة!" عقدت ريڤين ذراعيها بعبوسٍ مصطنع: "أمي... أنا أغار! حسناً، سأذهب لأوقظ تولين، لكن لا تتوقعي مني أن أُعدّ الإفطار أيضاً!" ضحكت الأم، تتابعها بعينيها وهي تتجه نحو غرفة تولين، دون أن تعلم أن هدوء هذا الصباح يخفي خلفه غيابًا... لم يكن بالحسبان. ركضت ريڤين مسرعة نحو الغرفة، تطرق الباب بخفة ثم بإلحاح، لكن لا صوت يُجيب. ابتسمت بخفّة ظنًا أن تولين متعبة من لهوهما الطويل ليلة البارحة، فقد استنزفت ضحكاتهما أنفاسهما حتى غرقتا في النوم. طرقت مجددًا، لكن الصمت ظل يردّ عليها.  مدّت يدها ببطء وفتحت الباب… فتّحت عينيها بدهشة حين وجدته غير مُغلق بإحكام. خطت داخل الغرفة بخطى مترددة، وأعينها تفتش عن تلك الفتاة ذات الضحكة الصافية، لكن... الغرفة كانت مرتبة على غير العادة، خالية تمامًا. لا أثر لتولين. لا حقيبة. لا ملابس. ولا أي شيء يدل على أنها كانت هنا سوى السرير الخالي. شهقت ريڤين، تراجع ظل الابتسامة عن وجهها، واستبدلته ملامح ذهول وقلق...  هل يمكن أن تكون... قد رحلت دون أن تودّعهم؟ انطلقت راكضة والدموع تتجمّع في عينيها، تهتف بصوتٍ متقطعٍ مخنوق:  "أمّي... أمّي!" فزعت والدتها من صراخها، كانت توشك على توبيخها، لكنها توقفت حين رأت ملامح وجه ابنتها المرتبكة، المحمّلة بذعرٍ حقيقي. سألتها بصوت متوتر:  "ماذا حدث؟! لماذا تصرخين؟" تمتمت ريڤين بعينين دامعتين، وأنفاس متقطعة:  "تولين... تولين ليست موجودة! جميع أغراضها اختفت، لا أثر لها بالغرفة!" لقد رحلت تجمدت الأم مكانها، وسقط الصحن من يديها ليتهشم أرضًا.  شحب وجهها، وتمايل جسدها بدوارٍ مفاجئ. أسرع رافيل ممسكًا بها قبل أن تسقط، وهتف بقلق:  "أمي! تماسكي، ربما... ربما ذهبت إلى الغابة لتغسل ملابسها فقط." أجلسها على الكرسي برفق، ثم اندفع إلى غرفة تولين يفتّش بسرعة. قلب نظره في الغرفة، حتى لمح شيئًا على السرير. اقترب بخطوات حذرة...  كانت هناك ورقة مطويّة بعناية. أخذها، وفتحها بتساؤل… وبدأ يقرأ بصوت خافت: "إلى أعزائي... إلى عائلتي الجميلة… اعذروني لأنني رحلت دون وداع. أعلم أن هذا مؤلم، لكنّ الظروف أجبرتني على الذهاب بسرعة.  شكرًا لأنكم احتضنتموني كابنتكم… بل أكثر.  شكرًا لريڤين، صديقتي الغالية، التي أحببتها من أعماق قلبي… كانت الأخت التي لم أملكها قط. وشكرًا لكِ، خالتي... لقد كنتِ أمّي التي لم أراها يومًا، عوضتِني بحنانكِ، واهتمامكِ، ودفئ قلبك… "وأنتَ يا رافيل..." "لا أُخفي عنك أنك كنتَ لي كلّ شيء. كنت من أنقذني حين غرقت سفينة قدري، من مدّ لي يده في أشد لحظاتي ضعفًا. علّمتني كيف أكون قوية... لا فقط في القتال، بل في قلبي أيضًا."  "كنتَ صديقي، مدرّبي، وركن الأمان الذي احتميت به مرارًا. كنتَ تحثّني على التدريب، لا لأنك تريدني أن أقاتل، بل لأنك أردتَ أن لا أُهزم داخليًا..."  "وأعترف لك الآن، ولو بعد الرحيل... ، رافيل. أحببتك كثيرًا وأيضا اعتذر  الوشاح الذي اعطيتني البارحه اخذته ايضا معي وسوف احتفظ به لتكون ذكر عندما نلتقي مجددا."  "لن أنساك، لا أنت، او خالتي الطيبة، ولا ريفين التي كانت أختًا لقلبٍ لم يعرف الأخت من قبل." "قد نلتقي يومًا... وربما لا. وإن فرّقنا القدر، فربما نغيّر نحن هذا القدر." "أحبكم، أنتم أعزّ عائلة سكنت قلبي… لن أنساكم ما حييت. وداعًا!" وضع الرسالة على الطاولة، وأغلق عينيه بكفه المرتجف.  الصمت خيّم من حوله، لكنه في داخله كان عاصفة. هل… حقًا رحلت؟! شعر بفراغٍ قاتل، وكأن شيئًا انتُزع من داخله.  وحدته القديمة عادت تُخيّم عليه، لكنها الآن أشد قسوة، لأنها جاءت بعد دفء كان قد اعتاد عليه. قبض يده بقوة، وبدون وعي، ضرب الحائط المجاور له بقبضة ممتلئة بالخذلان. همس بصوت مكسور، متقطّع: "تولين... هل تركتِنا حقًا؟… هكذا؟" "ظننتِ أن الرحيل سيجعل منك أقوى... لكن تذكّري، تولين، إن جُرحتِ أو سُفك دمك، لن أسامح نفسي أولًا، ولن أسامحك أبدًا ثانيًا! إن كنتِ مصرة على أن تصبحي شيئًا عظيمًا في هذا العالم... فأعدك، إن تعثرتِ، سأمزق هذا العالم لأعيدك حيّة!" . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ . . . كانت خطواتها بطيئة، مترنحة، وكأن الثلج يثقل قدميها...  ملامح وجهها شاحبة، وعيناها نصف مغلقتين من شدة الإرهاق. نظرت حولها بذهول خافت، تتأمل لأول مرة عاصمة مملكة "إلثيرنا"، البيضاء كالحلم، الباردة كالجليد. همست بأنفاس متقطعة وهي تشعر أن الهواء لا يكفي رئتيها: "يا إلهي... أشعر وكأن البرد ينهشني... جسدي لم يعد يحتمل..." هزها الجوع، وألهبها العطش، وسهر الليلة الماضية كان يثقل جفونها بشدة. العالم أمامها بدأ يتماوج، يتلاشى، يتشوه... "تبا... ليس الآن..." تمتمت بضعف، بينما الظلام بدأ يزحف على أطراف رؤيتها. ولم تمضِ سوى لحظات حتى ارتطم جسدها بالأرض، باردًا ومتجمّدًا، لتغيب عن الوعي في صمتٍ موحش...  سقطت كزهرةٍ ذابلة بين ثلوجٍ لا ترحم، بينما كانت العاصمة تتابع يومها كأن شيئًا لم يحدث. ═══════✿ ✿═══════ مرحبًا أعزائي... (´▽`)ノ♪ بعدما قرأتم هذا الفصل المليء بمشاعر الفرح، الحزن، والغموض...  تُرى، ما سرّ تلك الكلمات التي لمست وتراً حساساً لدى غاج، صديق جوليان؟  ومن هم أولئك الذين يخطّطون لإشعال الفوضى في الممالك الباقية؟  وهل حقًا كانت الجوهرة التي تحدّث عنها مارك... هي تولين؟  تولين، التي يسعى خلفها الدوق كلاوس؟  ومن يكون نيزان، ذاك الفتى الغامض الذي خرج من بين الظلال؟  وما هو "طرف الخيط" الذي سيقوده إلى الحقيقة؟  أما الرسالة التي وصلت لتولين...  هل كانت تهديدًا؟ وهل كان قرار رحيلها المفاجئ صائبًا؟  وما شعور رافيل بعد أن غادرت؟  هل سيُغيّر القدر مجراهم حين يلتقون من جديد؟  كل هذا وأكثر... سنكشفه لكم في الفصول القادمة، التي سنرويها بشغفٍ وقلوبٍ نابضة بالأحداث!  إلى اللقاء يا أروع قرّاء.. o(〃^▽^〃)o