البارات(9)
الكاتبة خلود ✍🏻
في أحد القصور العتيقة حيث الجدران تشهد على أسرار لا تُروى اصطف عدد من الفرسان راكعين أمام عرش يتوسط القاعة المظلمة. وقف الملك شامخًا تحيط به هالة من السواد تنبعث منها رهبة تقيّد أنفاس من حوله، وابتسامة ماكرة ترتسم على شفتيه الباردتين.
تجوّل بنظره الحاد في وجوههم، ثم نطق بصوتٍ أجوف تنبعث منه البرودة كأنها خنجر يغرز في الأرواح:
"بالمناسبة... سمعت أن شخصًا ما حصل على قلادة أنورا أنا أستطيع الشعور بوجودها.
أريدكم أن تتحرّوا عن الأمر فورًا... هل هذا مفهوم؟"
تقدّم أحد الفرسان بخطوات ثابتة كان قائدهم، وانحنى باحترام قائلاً:
"مفهوم يا جلالة الملك."
عندها ازدادت ابتسامة الملك اتساعًا ولمعت عيناه الحمراوان ببريق قاتم مملوء بالحماس والخبث ثم أردف بصوت منخفض لكنه مزلزل:
"حسنًا.. ولكن، إن أخفقتم... فأنتم تعلمون تمامًا ما الذي سأفعله بكم."
ارتجف الفارس قليلاً ثم انحنى مجددًا وقال بحزم:
"نعِدك مولاي ألا نخفق. سنُحضر لك القلادة... ومعها من يحملها. لقد بدأنا بالفعل بالاقتراب من موقعه."
نهض الملك من عرشه ببطء، تحيط به هالته المظلمة كستارٍ من الظلال السامة، فيما انتشرت في القاعة رهبة خانقة. نظر إلى فرسانه بنظرات قاتلة، أشبه بسمّ العقارب، وكأن عينيه لا تكتفيان بالرؤية بل تلتهمان الأرواح.
خصلات شعره السوداء المبعثرة انسدلت على وجهه الكئيب، تضاعف من غموضه ورهبته.
سار مبتعدًا عن العرش، خطواته باردة كالموت، ثقيلة كأنها تحمل نذير شؤم. وابتسامة خبيثة تُداعب شفتيه القاسيتين، ثم همس بصوت هادئ ولكن يشقّ الظلام:
"أخيرًا... وجدت فريسة لأفترسها."
انفجرت ضحكته المريعة، صدى صوته ارتجّ في أنحاء القصر، وما إن تلاشى الصوت... حتى اختفى داخل هالته المظلمة كما لو لم يكن.
ما إن غاب الملك، حتى تبخّر الفرسان من القاعة كأنهم أطياف، وظهروا في قاعة التدريب القتالية.
تقدّم القائد منهم بثقة، وصوته حازم يشقّ الصمت:
"استمعوا جيدًا... ظهور قلادة أنورا بعد اختفاء دام ثمانين عامًا، ليس أمرًا هيّنًا. هذه فرصتنا، وقد أصدر جلالة الملك أمره.
لا أريد أن يُترك حجر دون أن يُقلب، ولا مملكة دون أن تُفتّش. انتشروا في كل الأرجاء، وابحثوا عن صاحب القلادة، ولا تُظهروا رحمة. من يعترض طريقكم… اقتلوه دون تردد."
ثم صاح بصوت جهوري:
"هياا! انطلقوا!"
وقف الحُرّاس أمام قائدهم بانضباط تام، وارتفعت أصواتهم في لحظة واحدة كالرعد:
"حاضر!"
ثم انطلقوا بسرعةٍ خاطفة، ينتشرون كظلالٍ سوداء في أرجاء المملكة... لتنفيذ أوامر لا تعرف الرحمة.
بقي القائد في مكانه، لم يتحرك.
سار بخطى بطيئة نحو حافة الحديقة القصر، حيث تتفتح الزهور رغم قسوة الطقس.
مدّ يده، وقطف زهرة حمراء متوهجة، تأملها طويلاً بعينٍ يكسوها الحنين، وهمس بصوتٍ خافت:
"زهرتي... ستذبلين قريبًا، كما ذبلت أحلامنا ذات يوم."
ثم أطلقها في الهواء، لترتفع بخفة بين نسمات الريح الباردة، وقبل أن تسقط…
لوّح بسيفه في ومضة واحدة.
قطع الزهرة إلى نصفين، تناثرت أوراقها في الهواء، كرمز لنهاية شيءٍ ما في داخله.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
.
.
.
.
.
.
مرّت أيّام قليلة ولا تزال تولين تقيم معهم. كانت الليلة الماضية حافلة بالضحك والمواقف، إلا أن رافيل ظلّ يتجاهلها ببرود. لم تحتمل تولين هذا الجفاء أكثر، فقد أرهقها صمته الطويل، وقضت ليلتها تفكّر بعمق:
"لا بدّ ان تجعله يخبرها ... كفى."
وبالفعل، بدأت تخطو خطواتها الأولى نحو الأمام. شُفيت تماماً من إصابتها، وها هي تقف في المطبخ تساعد والدة رافيل في إعداد الفطور، والابتسامة تزيّن وجهها، فيما عيناها تشعّان ببريق التفاؤل.
وما إن انتهتا من إعداد الطعام، حتى نادتها والدة رافيل بابتسامة دافئة:
"تولين، أيمكنك مناداة رافيل وريفين؟ ستجدين رافيل يتدرّب عند الشلال، وريفين عند النهر تغسل بعض الملابس."
تولين ببتسامه:
حسنا خالتي .
.
.
.
.
ركضت تولين بخفّة بين الأشجار، تتبع صوت خرير الماء، حتى بدأت تسمع هدير الشلّال يعلو أكثر فأكثر. "لابد أنه هناك"، همست لنفسها متذكرة كلمات والدة رافيل.
اقتربت بهدوء، وهمّت أن تناديه، لكن المشهد الذي وقع أمام ناظريها جعلها تتجمّد في مكانها.
رافيل كان واقفًا بثبات تحت مياه الشلال الباردة، عاري الصدر، والماء ينهال على جسده كالسياط، عيناه مغمضتان، وكأنه غارق في تأمّل عميق أو نوم هادئ وسط العاصفة.
لكن فجأة، ومن دون سابق إنذار، انطلق سيفه في الهواء بسرعة خاطفة ليستقر مغروزًا في جذع الشجرة خلفها تمامًا... الشجرة التي كانت تولين تختبئ خلفها!
شهقت بفزع، ووضعت يدها على صدرها من هول المفاجأة. كيف شعر بها؟ كيف عرف مكانها؟ عيناها اتسعتا بدهشة، والماء لا يزال ينهمر عليه دون أن يرفّ له جفن.
فتح رافيل عينيه ببطء... نظرة حادة كالسيف اخترقت سكون الغابة، ثم نطق بصوته الجهوري البارد:
"اخرجي... لا داعي للاختباء."
خطت تولين بارتباك من خلف الشجرة، وقد غلبها الذهول. وقفت أمامه تبتسم بتوتر:
"لا أعلم كيف عرفت بمكاني… لكن يبدو أن لديك قدرة إحساس عالية، وهذا مخيف قليلاً وأكثر مخيف انك كدت تقتلني يااحمق ."
أعاد رافيل سيفه إلى غمده ببطء، ثم رمقها بنظرة باردة دون أي انفعال:
"لحسن حظك أنه لم يصبك… حين رميته، ظننتك أحد الأعداء."
شعرت تولين بقشعريرة تسري في جسدها. لم يكن يمزح، كان جادًا تمامًا… لو انحرفت زاوية واحدة فقط، لربما كانت نهايتها.
تنفست بعمق، وقررت ألا تتراجع. جمعت ما تبقى من شجاعتها، وتقدّمت منه بخطًى ثابتة وإن كانت يداها ترتجفان. شدت على قبضتها حتى غرست أظافرها في جلدها، ثم انحنت أمامه بوقار، صوتها خافت لكنه مشحون برجاءٍ عميق:
"هل لي بطلبٍ منك… أيها القبطان رافيل؟"
رفعت عينيها إليه وتابعت، وكلماتها تنساب كاعتراف طويل كبتته لليالٍ متتالية:
"أعلم أن طلبي قد يبدو صعبا … لكنني على استعداد لفعل أي شيء في سبيله. قبل أيام، في تلك الليلة… حين تحدثت إليّ، كنتَ صادقًا. كلماتك… كانت قاسية نعم، لكنها أحيت شيئًا داخلي قد ظننتُ أنه مات.
أعتذر لأنني كنتُ وقحة، لأنني خذلت الجميع.
صفعتك، كلماتك… أيقظت نارًا كانت خامدة، أشعلت شيئًا كان يوشك على الزوال."
رفعت رأسها نحوه، وعيناها الخضراوان تتلألآن ببريق التحدّي والأسرار.
قالت بصوت حازمٍ ونابضٍ بالعزيمة:
"أرجوك، يا قبطان رافيل… علّمني كيف أكون قويّة.
أعلم أن القوة لا تُولد من السيوف فقط، بل من القلب والروح… وها أنا أشعر بها تشتعل في داخلي.
لهذا، وبكل احترام وتقدير، أطلب منك أن تُدرّبني…
أريد أن أصبح مقاتلة لا تُقهر… أريد أن أحمل سيفي بيدٍ لا ترتجف، وأن أواجه من مزّق عالمي دون خوف.
سأتحمّل الألم، والتعب، وكل شيء…
فقط علّمني كيف أقاتل، كيف أحمي نفسي… كيف أنتقم لجدي…
أريد أن أصبح قوية… مثلك تماماً."
لقد تابع عينيها التي تشعان ببريق تحدي كان يعرف، انها سوف تأتي لتطلب منه هاذا ولم تستلم عينيها وحماسها وكل حرف، نطقته كلن يستمع له حقا هاذه هي الفتاة التي تشع عزيمتها بداخل روحها، وأعماقها.
ابتسم ببروده المعتاده ووضع يده على كتفها، وربّت عليها قائلاً بصوت هادئ مليء بالرضا:
"أحسنتِ يا تولين… هكذا أريدك دائمًا، بعزمٍ وإصرارٍ لا يخبو."
فردّت تولين بتحية ووضعت يدها على صدرها عند القلب، وقالت بابتسامة مليئة بالحماس:
"حاضر، أيها المدرّب!"
اكتفى هو بابتسامة صامتة.
لكن سرعان ما عاوده تساؤل، فعقد حاجبيه وسأل باستغراب:
"لكن، كيف عرفتِ مكاني؟ من أخبرك أنني أتدرّب هنا؟"
شهقت تولين وقد تذكّرت فجأة، ووضعت يدها على فمها بصدمة:
"ن-نسيت! لقد أعددنا الفطور… وأمرتني والدتك أن أخبرك أنت وريفين… لكننا بدأنا الحديث ونسيت تمامًا!"
ثم أطلقت ضحكة خفيفة ببلاهة، قبل أن تعبس قائلة:
"لا شكّ أنها الآن غاضبة جدًا… يا الهي !"
سار رافيل وهو يقول بنبرة ساخرة:
"حسنًا، حسنًا… لنذهب قبل أن تندلع الحرب العالمية بسبب فطورٍ تأخر."
ضحكت تولين على تعليقه، حقًا، والدته تغضب كثيرًا حين يتأخرون، لكنها لا تستطيع إنكار أنها تحبها، بل وتعتبرها كابنتها… ولذلك كانت ترى من واجبها أن تنضم إلى عقابهم أحيانًا.
وبينما هما في الطريق، تذكّرت تولين أن عليها إخبار ريفين أيضًا، فاتجهت نحو النهر حيث كانت تغسل الملابس.
رأتها من بعيد منحنية على الماء، فارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهها، وتذكرت حين أوقعتها ريفين سابقًا في فخ مضحك... "حان وقت الانتقام!"
تقدّمت تولين بهدوء شديد، ولمحت عصًا على الأرض، فحملتها بخفة.
ثم، فجأة، صرخت بأعلى صوتها وهي تلوّح بالعصا:
"اهجمووووووووووووو!!"
فزعت ريفين، واتّسعت عيناها من هول المفاجأة، وفي لحظة ارتباك لم تستوعبها بعد، تعثّرت وسقطت مباشرة في النهر البارد.
كان ذهنها شاردًا، وروحها معلّقة بمكان بعيد، فلم تنتبه لأقدام تولين التي تسللت خفية، ولا للعصا التي رفعتها لتُحدث بها تلك الضجّة.
رفعت ريفين رأسها من سطح الماء، وثيابها المبتلّة تنزف برودة، وشعرها المبلّل قد التصق بوجهها، أما عيناها فتلألأتا بالغضب الناري.
حدّقت بتولين، ومن ثم صرخت بكل ما أوتيت من غضب:
"تـــولـــيــــيــــن!!"
تراجعت تولين خطوتين إلى الوراء، وقلبها ينبض كطبول الحرب، وقالت بتلعثم وهي تلوّح بكفّها:
"آ... آسفة! كنتُ فقط... أمـــزح!"
لكن ريفين لم تُعر كلماتها أدنى اهتمام. نهضت من الماء في وقفة مهيبة، والماء يقطر من أطرافها كأنها خارجة من نزال أسطوري.
رغم فزعها، لم تستطع تولين كبح ضحكتها، فمشهد ريفين الغاضبة بذلك المظهر كان... جميلًا بشكل مريب.
لكن تولين أدركت الحقيقة سريعًا:
"الفرار، أو الفناء!"
فأدارت ظهرها، وانطلقت تركض بأقصى ما تملك من قوة، وصرخة ريفين تصمّ الآذان خلفها:
"تــولــــيــــن! أقسِم أنني لن أرحمك! توقّفي حالًا، وإلا..."
لكن تولين، وسط لهاثها، ضحكت وقالت وهي تفرّ:
"تتوقعين أن أتوقّف؟ لأُصبح وجبة إفطار قبل الموعد؟! لا يا عزيزتي، هذا في أحلامك فقط!"
وساد المكان ضجيج ضحكتها وضربات أقدامها على الأرض، فيما ريفين تركض خلفها، كأنها عاصفة غضب لا تهدأ.
هرولت تولين هاربة، والهلع يتراقص في عينيها، حتى لمحت رافيل منهمكًا في تقطيع الحطب بقوته المعتادة، فلم تجد ملاذًا سوى خلفه، تحتمي بظهره العريض وطوله الفارع وكأنها احتمت بجدار قلعة منيع.
توسّلت تولين بصوت مرتجف وهي تختبئ خلفه:
"ر-رافيل! مدربي العزيز، أرجوك! احمني من هذه المجنونة! إنها ستلتهمني بأسنانها الغاضبة!"
ريفين، وقد توقفت على بعد خطوات، عاقدة ذراعيها، قالت بسخريةٍ لاذعة:
"لا تقلقي، لن ألتهمك مباشرة... سـأقطّعك أولًا إلى شرائح ثم أشويك على نار هادئة!"
صرخت تولين، وقد ازداد فزعها:
"هـل سمعـت؟! هل سمعت بأذنيك؟! إنها ستفطر بي مشويّة يا رافيل! أنقذني قبل أن أصبح وليمة!"
عبس رافيل بانزعاج، وأطلق تنهيدة ثقيلة، التفت أولًا إلى ريفين بنظرة حازمة، قبل أن يدير رأسه نحو تولين المختبئة خلفه وكأنها ظلّ يتبع جسده.
رفع حاجبه باستغراب، وقال ببرود ساخر:
"هل أصبحتُ حاجزًا بشريًّا للدفاع؟! ما بالكما، كل واحدة ترتكب حماقة وتأتي تختبئ خلفي!"
ثم أشار بيده مبتعدًا، وقال بنبرة ضجر:
"اذهبا بعيدًا، وتشاجرا حيث لا أراكما... دعاني وشأني أكمل عملي، قبل أن أُشوى أنا الآخر من جنونكما!"
تولين بعينين ممتلئتين رجاءً، اختبأت أكثر خلف رافيل، وهمست بتوسل:
"رافيل... أرجوك! لا تتركني لها! أنظر إليها، عيناها تشتعلان، ستلتهمني حتمًا!"
شهقت ريفين، وقد ارتفع حاجباها غضبًا:
"ماذا؟! أنا من ستلتهمك؟!لاتجعلينني إنني الآن أفكر فعلًا في ذلك!"
لكن، قُطع الجدال كلهُ بصوتٍ حازم غاضب جاء من خلفهم، نزل كالصاعقة على رؤوسهم:
"بل أنا من سيتناولكم جميعًا على الإفطار!"
تجمّد الثلاثة في أماكنهم، واستداروا ببطء... يا إلهي! إنها والدة رافيل! غضبها كان واضحًا كالشمس في كبد السماء. لقد تأخروا، ولا شك أن العقوبة ستكون أقسى من تلك التي نالوها ليلة الأمس!
تولين، وقد اختبأ التوتر في صوتها وهمست بتوسّل واعتذار:
"خالتي... أرجوكِ، أنا آسفة حقًا! لقد نسيت ما طلبتِه مني، لم أقصد التأخير."
حولت السيدة نظراتها الحادة نحو ريفين، التي كانت تقف مبللة حتى شعرها، وتقطر المياه من ثيابها، فرفعت حاجبها بغضب قاطع وقالت بسخرية لاذعة:
"وأنتِ، آنسة ريفين... هل كنتِ تغسلين الملابس ام انك تسبحين مع الأسماك في هذا الجو المتجمّد؟! أم كنتِ تحاولين إقامة مهرجان للبرد وحدك بينما أُعدّ الإفطار؟"
ثم استدارت ببطء نحو رافيل، الذي كان ما يزال مستندًا إلى فأسه، وعيناه نصف مغلقتين من الملل. نبرتها انخفضت لكنها ازدادت حدة:
"وأنت يا رافيل، ابني العاقل! بدلًا من أن تكون قدوة وتوقف هذه الفوضى، تنضم إليهم وتشاركهم الشجار؟!"
تنهد رافيل ببرود، ثم تمتم وهو يمسح على وجهه:
"تبا... مرةً أخرى أقع ضحية لمشاغبات هاتين الغبيتين ..."
تولين وريفين التفتتا إليه في نفس اللحظة، كلتاهما أرادت الرد، لكن صوتها ارتفع مجددًا:
"لا كلمة واحدة! إلى الداخل فورًا قبل أن أفقد صبري تمامًا!"
انطلق الثلاثة نحو المنزل خطواتهم سريعة وكأنهم يفرّون من معركة خاسرة، بينما ملامحهم تتباين بين خجل وضحكٍ خفي وندم...
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
.
.
.
.
.
.
.
.
في مائدة الطعام جلس جوليس بوقار يتناول فطوره بصمت تام وإلى جواره كان ليون يأكل دون أن ينبس بكلمة.. الجو مشحون بسكون ثقيل، كأن الزمن توقف للحظة.
قطع هذا الصمت صوت أحد الخدم الذي دخل بانحناءة خفيفة قائلاً باحترام:
"سيدي، أحد الفرسان يطلب رؤيتكم، يقول إن الأمر عاجل."
أنزل جوليس الملعقة بهدوء تام، دون أن يظهر انزعاجاً أو استعجالاً، ثم نهض من مكانه وقال ببرود:
"حسنًا... دَعْه ينتظرني في غرفة الجلوس، سأأتي حالاً."
انحنى الخادم مرة أخرى وانصرف، بينما تابع ليون والده بنظراتٍ متفحصة، ثم نهض ولحق به دون أن ينبس بكلمة.
لكن، حين تأكد أن جوليس ابتعد قليلاً، ابتسم ليون ابتسامة ماكرة، ثم التفت نحو أحد الزوايا حيث يقف مارك بصمت، وأشار إليه بنبرة خافتة:
"مارك، اذهب وتحقق مما توصل إليه والدي من فارس المملكة. لا أريد أن يفوتني شيء."
انحنى مارك بخفة، ثم اختفى كظلٍ متسللٍ في أروقة القصر، بينما ظل ليون يحدق في الباب الذي خرج منه جوليس، والفضول يلمع في عينيه كشرارة تنتظر الانفجار...
وقف مارك بانضباط، وانحنى باحترام قائلاً:
"حاضر، سيدي… حالاً."
وما إن أنهى كلمته حتى اختفى كما يختفي الدخان، بخطوات صامتة ووجودٍ يكاد لا يُلحظ.
عاد ليون إلى مقعده، جلس بهدوء وأمسك الملعقة من جديد. ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، لا تخلو من الرضا. رفع نظره إلى صحنه، ثم همس وكأنه يحدث نفسه:
"طالما أنها بخير… فمزاجي لن يتعكر اليوم."
استأنف طعامه بهدوء وثقة، بينما عقله يسبح في خططٍ لم يفصح عنها بعد. كل شيء يسير كما يريد… أو هكذا كان يظن.
انحنى زيلو أمامه بانضباط وقال بصوت ثابت:
"أمرك، سيدي."
ثم أكمل بثقة:
*"ولكن… الأمر لن يكون سهلاً، فهي ليست وحدها، بل تقيم مع مجموعة قوية في مملكة إلثيرنا، وبحماية قبطان يُدعى رافيل، وهو ليس بالشخص العادي."
ضاق جوليس عينيه، وتلاشت ابتسامته شيئاً فشيئاً، ثم سحب قفاز يده بعصبية:
"رافيل… يبدو أن الأمور ستزداد تشويقًا. لكن هذا لا يهم. أريدها هنا، حية، مفهوم؟"
زيلو انحنى مجددًا باحترام:
*"مفهوم تمامًا، سأعد خطة لسحبها دون أن يلاحظ أحد، ولكن الأمر قد يستغرق بعض الوقت."
ابتسم جوليس ابتسامة باهتة، لكن عينيه اشتعلتا بخطرٍ خفي:
"إلثيرنا، إذًا… ها هي تختبئ تحت عباءة الثلج."
اقترب من زيلو وخفض صوته بنبرة حادة:
"رافيل… ذلك الاسم يتكرر كثيرًا مؤخرًا، لكنه لن يعوقني. أحضرها، زيلو. حتى لو اضطررت لاجتياح تلك المملكة بظلّك، أو كسر حاجزهم بسحر الدم، فقط… أحضرها."
رفع زيلو رأسه قليلاً، ورغم التوتر، كانت ملامحه جادّة:
"أعدك، سيدي، سأخترق الحاجز، وأعيدها إليك مهما كلفني الأمر."
لوّح جوليس بيده كإذن بالانصراف، ثم جلس ببطء على المقعد، يهمس لنفسه بنبرة مملوءة بالغموض:
"تولين… لم تهربي بعد، لستِ مجرد أثر، بل مفتاح… وستعودين لي، شئتِ أم أبيتِ."
راقب مارك ظهر زيلو وهو يبتعد، ثم ابتسم بخفوت، وغمغم بنبرة لا تخلو من التحدي:
"سنرى من الفائز في هذه اللعبة…"
استدار بعدها بهدوء، خطواته ثابتة، لكن عقله
يعج بالخطط والاحتمالات، فالمعركة لم تعد
فقط على تولين، بل على الأسرار التي تحيط
بها... وعلى القلادة التي بدأت تستقطب أنظار الجميع.
"الوقت يضيق... وكل خطوة أصبحت محسوبة."
"
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
.
.
.
.
.
.
.
.
بعدما أتمّت تولين طعامها، اتجهت برفقة رافيل نحو الشلال، حيث ينتظرها أول اختبارٍ حقيقي.
وقف رافيل أمامها بلا مبالاة، وصوته الجادّ كالسيف حين قال:
"ادخلي تحت الشلال، ولا تخرجي إلا حين آذن لك."
توسّعت عينا تولين بذهول، تحدّق في مياه الشلال المتجمّدة... هل جُنّ هذا الرجل؟! أن تدخل تحت شلال ثلجي؟! وألا تخرج حتى يأمر هو؟!
لكنها سرعان ما أدركت... إن اعترضت أو تذمّرت، سيتراجع عن تدريبها، وهي لا تريد ذلك. لذا... التزمت الصمت.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت تخطو خطواتٍ متردّدة.
أول لمسةٍ من ماء الشلال على جلدها جعلتها تنتفض من شدّة البرد، شهقت وهي تهمس:
"يالَبرودته... كأنّه سُمّ!"
لكنها تذكّرت وعدها… تذكّرت هدفها. فشدّت على أسنانها، وتقدّمت أكثر… إلى أن غمرها الشلال بالكامل.
تجمّدت أطرافها، ارتجف جسدها بشدّة، وكأن عظامها تصرخ من شدّة البرد. كادت تفقد وعيها، والدنيا بدأت تظلم في عينيها.
لكنها تماسكت، تذكّرت وجه جدّها… وتذكّرت وعدها.
"سأتحمّل… مهما كان الثمن…"
كان رافيل يراقب تولين بصمت، يتابع أدقّ حركاتها ونظراتها المرتجفة تحت الشلال المتجمّد.
رغم رؤيته لارتجاف جسدها وذبول عينيها، أبقى ملامحه جامدة، خالية من أي تعاطف.
كان يعلم أن هذا الألم ضروري... إن أرادت القوة، فعليها أن تتذوق مرارة التحمّل.
لكن فجأة... بدأ جسد تولين يتمايل ببطء، وكأن قدميها ستخونانها.
أغمضت عينيها، وبدأ كل شيء حولها يتلاشى... إلى أن تجلّى أمامها مجددًا ذلك الفتى ذو الشعر الأبيض الطويل.
ابتسامته دافئة، وصوته كنسيمٍ صيفيّ همس في أعماقها:
"تولين... حاولي، لا تستسلمي الآن."
فتحت عينيها بسرعة... لكنها لم تجد نفسها تحت الشلال.
كانت مستلقية على الأرض، ملابسها مبتلّة، أنفاسها متقطعة، وجسدها يئن من البرد.
رفعت رأسها ببطء، فرأت رافيل يقف أمامها، ينظر إليها بنظراتٍ لم تفهمها.
قالت بتعجّب، وصوتها لا يزال مرهقًا:
"رافيل؟ ما الذي حدث؟ ألم أكن تحت الشلال؟"
زمّ شفتيه، ثم نطق بنبرة غاضبة، تحمل خيبة أكثر من القسوة:
"لم تصمدي حتى دقائق... أُغمي عليكِ كطفلةٍ ضعيفة، ثم تسألين لماذا لا أراكِ مؤهلة كمقاتلة؟! إن لم تحتملِي الماء، فكيف ستحتملين الدم؟!"
صمت بعدها، تاركًا كلماتِه تطرق أعماقها كالسكاكين.
تولين ودموع متجمّدة في عينيها، ترتجف شفتاها لكنها تتوسل بصوت مبحوح:
"أرجوك... هذه المرة فقط، أرجوك، رافيل..."
لكن رافيل لم يلتفت. مضى بخطواته الثقيلة دون أن يمنحها نظرة، كأن كلماتها تبخّرت في الهواء البارد. رحل، وتركها خلفه غارقة في صمت موجع.
جلست على الأرض، عيناها تنهمران بالدموع التي تجمّدت على خديها كأنها انعكاس لقسوة العالم من حولها.
"يراني جبانة... لا قيمة لي... فقط فتاة ضعيفة."
همست لنفسها، لكنها في اللحظة التالية مسحت دموعها بكمّها ونهضت، يملأها عناد لم تعرفه في نفسها من قبل.
"حسناً... أنت تراني جبانة، لكنني أرى في نفسي القوة. وإن لم تؤمن بي، سأؤمن أنا. سأعلم نفسي، وسأصبح أقوى مما كنت تتخيل."
خطت خطوات ثابتة نحو الشلال من جديد، واقفة تحته بكل ما أوتيت من عزيمة، والماء المتجمد يصب على جسدها كالسياط.
بردٌ لا يُحتمل، وخدر بدأ يغزو أطرافها، لكن قلبها اشتعل بحرارة لم تشعر بها من قبل.
"لن أهرب. لن أستسلم. لن تكون هناك تولين الضعيفة بعد الآن. سأنهض... وسأقاتل. لأجل جدي، لأجل أحبتي، لأجل نفسي."
تحت الشلال، وقفت تولين، صامدة. عيناها إلى الأمام، لا ترفّ، ونبضها يتحدى الشتاء المتجمّد.
لقد بدأت رحلتها الحقيقية الآن.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
.
.
.
.
.
.
.
استيقظ جوليان من نومه، واقفًا وهو يفرك عينيه بتثاقل ونعاس ظاهر على ملامحه. بالكاد فتح عينيه حين دوى صوت ضحكة ساخرة من صديقه غاج، الذي كان يتكئ على الجدار بمرح وقال:
"تبدو وكأنك عجوز بلغ الستين، جوليان!"
رمقه جوليان بنظرة ازدراء باردة وقال بتهديد خافت:
"ابتعد عن وجهي، أو أقسم أنني سأشعل حربًا بك قبل أن أشعلها في الممالك."
ضحك غاج بصوت عالٍ وردّ بسخرية محببة:
"كل هذا لأني قلت إنك تبدو كالعجائز؟ يا صديقي العزيز، كيف تنجذب إليك فتيات المملكة بهذا المظهر؟ على الأقل كن أنيقًا... واستغل تلك الوسامة قبل أن تفقدها!"
غمز له بعينه وضحك ضحكة طويلة، بينما اكتفى جوليان بالتنهد وهو يمرر يده في شعره بعصبية.
ضاق جوليان ذرعًا، وفاض صبره، فصكّ على أسنانه وقال بصوت منخفض ينذر بالخطر:
"ابتعد عني، وإلا ستكون أول شخص أرتكب بحقه جريمة! بحق السماء، غاج، هيا اغرب عن وجهي!"
ضحك غاج بمكر، ثم رفع يديه وكأنه يعلن الاستسلام، وقال بسخرية:
"المعذرة، أيها القائد العظيم... ينسحب الفارس من ساحة الحلبة، هذه المرة فقط! لا أود أن يُفصل رأسي على يدك."
رغم محاولته الجادة في الحفاظ على جديّته، إلا أن ابتسامة خفيفة تسللت إلى شفتي جوليان رغماً عنه، فغاج دائمًا ما يعرف كيف يثير أعصابه ويضحكه في آنٍ واحد. قال بصوت فيه بعض المزاح:
"هيا، اغرب عن غرفتي! أريد أن أتجهز بأتم أناقتي... فهذا أول يوم لي في اجتماع مع الملك في هاذه المملكة، ويجب أن أبدو لائقًا."
ضحك غاج ضحكة صاخبة وهو يخرج من الغرفة، تاركًا خلفه جوليان يتمتم بانزعاج، بينما بدأت ملامح الاستعداد الجدي تظهر على وجه الأخير.
انتهى جوليان من تجهيز نفسه بعناية، وتأنق بأفضل ما لديه، ثم غادر جناحه متجهًا إلى القصر الملكي. غاج، نائبه الوفي، كان يسير بجانبه، كما تقتضي مهمته بمرافقته في كل خطوة.
حين وصلا إلى قاعة العرش، انحنيا باحترام أمام الملك.
قال جوليان بصوت رسمي:
"صباح الخير، يا جلالة الملك. هل نبدأ الاجتماع؟"
رد الملك بهدوء، وعيناه تعكسان شيئًا من القلق:
صباح النور
"نعم، لقد وصلتني مؤخرًا بعض الإشاعات عن تحركات مشبوهة داخل المملكة. تمردات صغيرة بدأت تتكرر، وأخشى أن تكبر إن لم نقضِ عليها في مهدها. أريد منكم أن تُبيدوا كل من تسوّل له نفسه إثارة الفوضى."
اتّسعت عينا جوليان بدهشة، إذ لم يكن يتوقع مثل هذا الحديث في مملكة بدت له مسالمة.
رفع رأسه متحدثًا بنبرة يغزوها الاستنكار:
"اعذرني، يا جلالة الملك، على مقاطعتي … لكن، هل حقًا يوجد تمرد هنا؟ لقد رأيت مملكتكم بعينيّ، هادئة، منظمة، لا تبدو عليها علامات العصيان أو القلق."
تكلّم الملك بنبرة حازمة، تقطر جدية وثِقلاً:
"كلامك صائب يا جوليان... ولكن لا تدع الهدوء يخدعك. فالخيانة والتمرد لا يظهران في العلن دائمًا، بل يتخفّيان بين الوجوه المبتسمة والولاءات المزيّفة. وصلتني أنباء مؤكدة... هناك من يتحالف مع أعدائنا من داخل المملكة نفسها."
توقّف لحظة، ثم أكمل بنبرة أشدّ:
"ولأن الوقت لا يسمح بالتردد، أريدك أن تتجسّس بنفسك على أحوال المملكة، راقب تحركات النبلاء، الفرسان، وحتى الحراس. لا أحد فوق الشك."
ارتسمت على وجه الملك ملامح غريبة، توحي بثقل السرّ الذي سيُفصح عنه، ثم أردف بصوت منخفض كمن يهمس بحقيقة مرعبة:
"ولكن ما يجعل الأمر أكثر خطورة... هو أن قلادة أنورا وقلادتان اثنتين ، قد ظهرو مجددًا، بعد اختفاء دام ثمانين عامًا كاملة."
اتّسعت عينا جوليان بذهول، لكن الملك تابع:
"ما هو أشد خطراً... أن هناك مملكة خفية تسعى خلف القلادة واحده فقط بكل قواها. وإن سقطت القلادة في أيديهم، فسيحلّ الخراب على هذا العالم. إنّها ليست مجرد قطعة أثرية... إنها مفتاح لقوة مدمّرة."
ثم نظر في عيني جوليان مباشرة:
"أريدك أن تبدأ في الحال. جد ذلك الشخص الذي يحمل القلادة، قبل أن تسبِقنا إليه تلك المملكة."
اندهش جوليان بصدق، ليس فقط من الحديث عن الخونة، بل من الاسم الذي نطقه الملك... "قلادة أنورا وقلدتان بنفس قوتها ".
هل يعقل أنّ تلك القلادة تمتلك قوة مدمّرة قادرة على سحق العالم؟ معجزة... بل كارثة إن وقعت في الأيدي الخطأ.
لم يكن يتوقّع أن تكون أولى مهامه بين قادة الملوك بهذا الثقل، فلطالما حلم أن يثبت نفسه منذ أن أقنع شقيقه إيثان والدهم بأن يمنحه فرصة للانطلاق نحو أهدافه الخاصة... وها هو أمام هدف لا يُشبه أيّ هدف.
ظلّ الملك يراقبه، ثم تنهد ببطء وقال بنبرة هادئة عميقة:
"أُقدّر دهشتك جيدًا يا جوليان... وستندهش أكثر، لأن هذا العالم يخفي من الأسرار والمعجزات ما يفوق التصور. لكنك مطالب بالتأقلم... والعمل في صمت. والآن، انطلق فورًا وابحث عمّن يتحالف مع تلك المملكة."
قطب جوليان حاجبيه وقال باستنكار:
"سيدي الملك... ما اسم تلك المملكة التي تسعى خلف القلادة؟"
ساد الصمت لحظة، قبل أن يجيب الملك بصوت ثقيل:
"فالدرين... تلك المملكة، التي لا يتجرأ أحد على ذكر اسمها إلا همسًا. إنها مملكة الظلال والسحر المظلم... لطالما تحاشت الممالك مواجهتها. والآن، يسعون لقلادة أنورا وباقيها بهدف تحطيم حصوننا السحرية وبسط نفوذهم على بقية الممالك."
ثم شدد صوته:
"احذرهم يا جوليان، فهم لا يرحمون. لا يفرّقون بين رجل وامرأة، بين طفل وشيخ... الدماء طريقهم، والدمار عهدهم. زمام الأمور بيدك الآن."
كلّما مضى الملك في حديثه، ازدادت دهشة جوليان.
ألهذه الدرجة بلغت شناعة فالدرين؟!
أن يسعوا خلف قلادة أسطورية قادرة على إبادة العالم، بلا رحمة... أمرٌ تجاوز تصوّره.
نهض من مكانه، وانحنى للملك بكل احترام،
مؤديًا التحية الملكية الرسمية، ثم غادر القاعة بخطوات ثابتة.
في الرواق الطويل المؤدي إلى خارج القصر، سار جوليان وإلى جواره نائبه وصديقه غاج، الذي بدت على وجهه ملامح الحيرة والقلق.
لم يحتمل الصمت أكثر، فتكلم بتردد:
"أتظنّ أننا قادرون على هزيمتهم، يا جوليان؟ لمجرد سماع اسمهم، اقشعرّ جسدي... وأمر القلادة تلك، التي يُقال إنها قادرة على إفناء العالم! كم أتوق لمعرفة المزيد... عن حقيقتها، وعن ذاك الشخص الذي يحملها."
أجاب جوليان وهو يرمق الأفق بعينين يملؤهما الغموض والتصميم:
"اصبر يا غاج... الأيام القادمة كفيلة بأن تكشف لنا كل شيء. لن يظل الغموض سيد الموقف طويلاً. والآن، هيا بنا."
أومأ غاج برأسه، وتابعاهما خطواتهما خارج القصر، نحو مهمة قد تُغيّر مصير الممالك بأسرها...
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
.
.
.
.
.
فجرى لك الأثناء، مع حلول المساء في مملكة إلثيرنا كانت والدة رافيل تُحضّر طعام العشاء، غير أنها استغربت غياب تولين. فنادت بصوت مرتفع:
"ريفين تعالي، قطعي لي البصل"
أجابت ريفين بتذمّر وهي تقترب:
أمي، لا أحب رائحة البصل، إنها تؤذي عيني!
رفعت والدة رافيل حاجبها بغضب، وقالت وهي تضع يديها على خصرها:
وعندما تتزوجين وتصبحين أماً، هل ستقولين لزوجك "أكره البصل" حين يطلب منك إعداد الطعام؟!
توترت ريفين وقالت بسرعة:
" أنا لن أتزوج أصلًا! ولا أطيق رؤية الرجال."
تقدّمت منها والدتها وهي تمسك الملعقة في يدها، وقالت بصرامة:
إذًا اغربي عن طريقي، واذهبي ابحثي عن تولين ! لم أرَها منذ الصباح، كانت تتحدث مع رافيل، اذهبي واسأليه أين هي. أخشى أن تكون قد ضلّت طريقها في الغابة وسط هذا البرد القارس!
حين رأت ريفين ملامح والدتها الغاضبة، ارتعدت واقفة من فراشها، وخرجت مسرعة من المنزل. وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة أنفاسها، فغضب والدتها يرعبها أكثر من أي شيء آخر.
في الخارج، التفتت يمينًا ويسارًا حتى وقعت عيناها على رافيل، كان جالسًا تحت شجرة، يدخن سيجارته بهدوء، وعيناه معلقتان بالسماء الملبدة بالغيوم.
اقتربت منه بخطوات مترددة، وقالت بصوت يحمل شيئًا من القلق:
"رافيل، هل رأيت تولين؟ لقد بحثت عنها في أرجاء المنزل ولم أجد لها أثرًا."
رافيل، ولا يزال يحدّق في السماء بعينيه الباردتين، همس بصوت خافت مبحوح:
"لا أعلم."
كلماته لم تكن واضحة، لكنها حملت في طيّاتها لامبالاة أربكت ريفين، فشعرت بالقلق يتسلّل إلى قلبها، همست بتردّد:
ح... حقًا؟
لم يلتفت إليها، بل عقد حاجبيه وقال بجفاء:
"دعيني وشأني، اذهبي وابحثي عنها بنفسك، ولا تقفي فوق رأسي تثرثرين كالببغاء."
نظرت إليه بحدّة، ثم صرخت وقد اشتعل الغضب في عروقها:
أحمق!
استدارت راكضة باتجاه الغابة، والبرد يلفح وجهها كالسكاكين. كانت أنفاسها تتصاعد بخارًا من شدة البرودة، بينما أفكارها تضجّ:
"أمي قالت إنها رأتها مع رافيل صباحًا، فماذا جرى بينهما؟ لماذا بدا منزعجًا على غير عادته؟ هل قال لها شيئًا؟ هل جرحها؟"
كانت تشعر بأن أمرًا ما ليس على ما يرام...
لا تزال ريفين تبحث عن تولين، تناديها بصوت خافت بين الأشجار المتجمدة، لكنّ صدى صوتها وحده هو من يردّ عليها. كانت الرياح تعصف، وحرارة الليل تنخفض أكثر فأكثر.
وفجأة، وبينما هي تهمّ بالنداء مجددًا، قطع صوتها مشهدٌ مريب؛ رجلان يرتديان أردية سوداء، على ظهورهم شعار ثعبان ملتف، يقفان خلف شجرة، يُصوّبان سهامهما نحو اتجاه الشلال!
اتسعت عيناها في صدمة، نظرت حيث يوجهان السهم، وإذا بها ترى تولين واقفة بثبات تحت الشلال، تغمض عينيها دون أن تدري أنها على وشك الموت!
صرخت ريفين بكل ما أوتيت من قوة:
"تولييييين!! انتبهي! سوف يقتلونك!!"
لكن السهم قد أُطلق...
لم تستطع تولين أن تتحرك، فقد باغتتها اللحظة وهي مغمضة العينين، تحاول مقاومة البرد وتحاول لأبتعاد عن السهم ...
كان كل شيء يحدث بسرعة، والسهم يقترب، الموت قادم لا محالة...
وفجأة، وقبل أن يصل السهم إلى جسدها، ظهر شخص أمامها بهالة قاتمة مظلمة، سيفه اللامع يصد السهام في لحظة واحدة!
فتحت تولين عينيها على اتساعهما، ارتجف جسدها من وقع المفاجأة، همست بدهشة:
"من هذا...؟ كيف صدّها بهذه السرعة...؟"
كان هو... رافيل.
عيناه اشتعلتا سوادًا قاتمًا، خطا بخطوات واثقة نحو المعتدين، وفي كل خطوة تسري قشعريرة في أجسادهم، حتى أدركوا أنهم لن يخرجوا من أمامه أحياء.
لكنهم لم ينتظروا أكثر، ألقوا قنبلة دخانية، واختفوا وسط الضباب، تاركين خلفهم أثرًا من الرعب.
جثت تولين على الأرض، تتنفس بسرعة، قلبها ينبض بعنف.
قالت بصوت مرتجف:
"لو لم يظهر... كنت الآن ميتة..."
بينما كانت تولين لازالت جاثيه مذهولة خلفها، عيناها لا تفارقان الظلام الذي أحاط بـرافيل... هل هو فقط مدرب؟ أم أن وراءه ما هو أعظم؟
تقدّم رافيل بخطوات سريعة، ونظره يتنقل بين الفتاتين بقلق خفي خلف ملامحه الصارمة.
صوته خرج منخفضًا لكنه واضحًا:
"هل أنتما بخير؟ هل أصابكما مكروه؟ أخبراني."
ريفين، التي كانت لا تزال تلتقط أنفاسها، أجابت بصوت مرتجف وهي ترتعش:
"ن-نعم... أنا بخير، لكن تولين... تولين أهم، هل هي بخير؟"
التفت رافيل نحو الشلال، حيث لا تزال تولين واقفة تحته، والماء البارد يهطل فوقها بلا رحمة، بينما جسدها يرتجف من الصدمة والبرد.
اقترب منها، نظر إلى ملامحها التي شحب لونها، وعيونها الواسعة التي غمرها الذهول والخوف، ثم قال ببرود مألوف:
"هل أنتِ بخير؟"
تولين رفعت عينيها إليه ببطء، كأن صوته كان صفعة على وجهها.
هذه المرة أيضًا... لم تدافع عن نفسها.
المرة الثانية أو الثالثة... من أنقذها لم يكن نفسها، بل هو... دائمًا هو.
شعرت بطعنة خفية في كرامتها، وترددت كلمات قديمة في ذهنها:
"أنتِ ضعيفة جدك مات بسببكِ."
اهتزت شفتاها، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها، بينما جسدها يزداد ارتعاشًا، ليس فقط من البرد، بل من الإحساس المُرّ بالعجز.
لقد كرهت هذا الشعور... كرهت أن تكون عبئًا.
نظر رافيل إلى ريفين بصرامة هادئة، ثم أمرها بصوته المعتاد الجاد:
"ريفين، اذهبي وأخبري والدتي أننا سنأتي بعد قليل، أنا وتولين."
أومأت ريفين برأسها باستجابة فورية، ثم قالت:
"حسنًا، سأذهب."
وغادرت مسرعة دون أن تلتفت.
حين ابتعدت، أعاد رافيل بصره إلى تولين... كانت تقف تحت الشلال، رأسها منحني، وكتفاها يهتزان بخفوت، وقبضتها مشدودة إلى حد نزف الدم.
كانت تحاول جاهدة أن لا تنهار، أن لا يرى دموعها، أن لا يراها "جبانة" مجددًا...
يا للعار.
هكذا كانت تحدث نفسها، بينما شعور العجز والخذلان يغمرها حتى نخاعها.
رافيل راقب ارتعاشها، انكسارها، كل حركة منها كانت تصرخ بحزن دفين.
اقترب منها دون أن ينطق، ومد يده، أمسك بذراعها وسحبها برفق من تحت الشلال لتقف على حافة الصخرة القريبة من النهر.
دون أن يمنحها فرصة للهروب، أمسك بذقنها بلطف لكنه بحزم، ورفع وجهها نحوه...
عيناه قابلتا عينيها المبللتين بالدموع، والتي حاولت عبثًا إخفاءها بالتهرب منها.
قالرافيل بجمودٍ وصوتٍ لا يحمل أي رحمة:
"أنتِ حشرة... وجبانة، بل أجبنُ مما كنت أظن."
تتركيهم هكذا قبل لحضات كانو سوف يفترسونك"
في تلك اللحظة، انكسرت تولين كليًا.
انهارت جدرانها الهشة، وسقطت دموعها صامتة لكنها موجعة، كأنها تُفرغ سنواتٍ من القهر في لحظةٍ واحدة.
دفعت يده بعيدًا عنها بقوة يائسة، ثم رفعت رأسها، وصوتها يخرج متهدجًا ممزوجًا ببكاء خانق ووجعٍ لا يُطاق:
"نعم! أنا ضعيفة... جبانة... جدي مات بسببي! أُصيب بالمرض، ولم يُعالَج خوفًا من أن يتركني وحدي... لقد مات لأجلي... مات بسببي!"
ارتجف جسدها، وكل كلمة تنطق بها كانت كأنها نزع لجرحٍ لم يلتئم، ثم صاحت بحرقة:
"أنا فتاة لقيطة كما يقولون... فتاة لا يراها أحد سوى ظلٍ تافهٍ في هذا العالم... يتيمة، نكرة، أضعف وأفشل من أن يُعتمد عليها."
شهقت وأردفت بصوتٍ اختلط فيه الغضب بالحزن:
"سمعتك، نعم سمعتك، حين قلت إن جدي مات بسببي... منذ ذلك الحين، علمت أنك تكرهني. نظراتك... كلماتك... كل شيء فيك يصرخ بأنك تمقت وجودي... أنك لا ترى فيّ سوى فتاةٍ من الشوارع، فتاة أشفقتَ عليها لا أكثر."
تنفست بصعوبة، ودموعها تنهمر:
"كفى يا رافيل... أرجوك كفى، لقد تعبت."
رفعت عينيها إليه، دامعتين، مرتجفتين، وأردفت:
"لا تعلم ما الذي أعيشه كل ثانية... في تلك القرية الملعونة، كنا ننام جوعى، لا نجد لقمة ولا دفئًا، ونتلقى الإهانة تلو الأخرى من جوليس ورجاله... نشأتُ على الذل، على القسوة، على الوحدة..."
حاولت تولين أن تبعد يده عنها، لكن قبضته ثبتتها في مكانها.
ثم نطقت، بصوت مبحوح متعب، غارق بالحزن:
"اتركني وشأني يا رافيل... أنت محق، لا يحق لي شيء... أنا فقط فتاة جبانة... لا تصلح لشيء."
شهقت مرة أخرى، كأن صدرها ضاق بكل ما تحمله من ألم، ثم تمتمت بصوت مبحوح:
"كلما حاولت أن أكون قوية، ينهار كل ما بنيت... كلما ابتسمت، انطفأ وجهي من جديد. لقد تعبت... أنا لعنة منذ وُلدت، ولهذا..."
سكتت لحظة، ثم أنهت بكلماتٍ كالسيف:
"سأرحل. نعم، سأرحل... فلا أريد أن أكون عبئًا على أحد... فقد تعودت على الوحدة منذ أن كنتُ طفلة."
بدأت تولين بالسير بخطى متثاقلة، ودموعها ما تزال تنهمر كالسيل، لكنها فجأة شعرت بيدٍ تمسك بذراعها بقوة، قبل أن تُسحب في لحظة إلى حضنٍ دافئ وصدرٍ احتواها بقوة، حتى إن أنفاسها اختلطت بدقات قلبها المتسارعة.
لم تُدرك تولين ما يحدث، كل ما شعرت به أن دموعها ازدادت، وشهقاتها خرجت بحرارة أكثر وهي تغرق في ذلك الحضن…
حضن لم تعرف مثله سوى في حضن جدّها الراحل… ذلك الدفء، تلك الطمأنينة، نفس الشعور الذي افتقدته لسنوات.
رافيل شدّ على ذراعيها بقوة، وكأنّ كل ما قالته آنفًا اخترق قلبه. لم يحتمل… لم يستطع الوقوف متفرجًا.
ضمّها إليه دون وعي، كأنّ جسده تحرك من تلقاء نفسه ليحمي هذه الطفلة التي تحمل في قلبها أكثر مما يحتمله الكبار.
بكت بصمت، ثم انفجرت شهقاتها على صدره، تشبّثت بقميصه بكلتا يديها، وكأنها وجدت أخيرًا ملجأً تتكئ عليه، ولم تفكر للحظة بالابتعاد.
مرت لحظات طويلة… حتى هدأت قليلاً، ثم ابتعدت عنه بخجل، تمسح دموعها بكمّ قميصها.
نظرت إليه… كانت عيناها محمرتين، لكنها بداخلهما بريقٌ مختلف، بريق ارتياح… وربما بداية لشيء لا تفهمه.
رافيل ، لأول مرة، لم تكن ابتسامته ساخرة… بل دافئة، هادئة، نقية.
تلك الابتسامة التي كسرت كل جدرانها، كل أساها، كل وحدتها… نظرت إليه ولم تستطع أن تبعد عينيها، وكأن العالم قد تلاشى من حولها وبقي هو فقط.
ثم رفع يده، ومرّر أصابعه بين خصلات شعرها بلطف، وعبث بها بخفة قائلاً بمزاح خافت:
"هل أعجبتك ابتسامتي؟"
احمرت وجنتا تولين حتى شعرت بحرارة وجهها تكاد تُحرقها…
يا إلهي، لم تنتبه لنفسها، لقد ضاعت في ابتسامته! لأول مرة تراه بهذه الهيئة، ليس كما يكون مع ريفين المشاكسة أو أمام الآخرين…
هذه المرة، رأته كإنسان… دافئ، حقيقي، وقريب بطريقة لم تعهدها منه.
حاولت كتم ارتباكها، وأرادت أن تخرُج من هذا الموقف بأي طريقة، فتظاهرت بالسخرية وقالت وهي تشيح وجهها:
"لا تُغرّ بنفسك، أيها الأحمق… فقط رأيت شعرة بيضاء في رأسك، فظننتك عجوزًا."
انفجرت ضحكة رافيل عالية، صادقة، حتى ارتجّ صدره…
ضحك من قلبه، وكأن همومه تبعثرت، وكأن كلامها قد اخترق الصمت الثقيل الذي كان يحمله.
تولين، من جهة أخرى، كانت تنظر إليه، وكل شيء داخلها قد تكسّر…
حصونها، قناع القوة، حزنها، وحدتها… كلّه تبخّر مع ضحكته.
يا للدفء! كيف لابتسامته أن تكون بهذه القوة؟ كأنها بلسم، كأنها حضن آخر، كأنها حياة تعيد من سقطوا على حافة الانهيار.
توقّف رافيل عن الضحك أخيرًا، ثم التفت إليها، يبتسم بسكون وصدق، وقال بنبرة خافتة لكنها ثابتة:
"تولين… لا أريد أن أسمع مثل هذا الكلام منك مجددًا.
أنا… لم أكرهك أبدًا. بالعكس، ربما كنت أنتِ من لم تنتبهي جيدًا.
لم أكرهك… ولا يمكن أن أكرهك.
اعتبري والدتي… هي والدتك، وريفين أختك، وأنا… جميع عائلتك."
ثم أكمل بصوت أعمق، يحمل وعدًا من قلبه:
"أعدك، تولين… سأبحث عن عائلتك الحقيقية، حتى لو استغرق الأمر عمري كله.
هذا عهد أقطعه على روحي.
لكن، أرجوك… لا أريد أن أرى دموعك مجددًا، أبدًا.
من هذه اللحظة، اعتبرينا أهلك، وأنا سأعلمك القتال الحقيقي…
لقد اجتزتِ أول اختبار، والآن… سأجعلك فتاةً قوية، لا أحد يجرؤ على كسرها."
كانت كلماته كأنها ضماد على جراحها المفتوحة…
بل كأنها حياة جديدة تناديها أن تبدأ.
قالها رافيل بصوته العميق، وملامحه يكسوها الجِدّ:
"ضعي في قلبك ألف، بل مليون حساب…
أعدك، تولين، ما دمتُ على قيد الحياة، لن يمسّكِ أذى، ومن تسوّل له نفسه الاقتراب منك، لن أنذره، بل سأجعل من عذابه عبرة، وأجعلكِ ترين بعينيكِ كيف يُسحق من يجرؤ على إيذائك، حتى يهدأ قلبك، وتطمئني."
في تلك اللحظة، لم تستطع تولين أن تحبس دموعها أكثر…
انسابت بغزارة، كأنها تغسل كل ما اختزنته من وجع ومرارة.
ثم، ومن غير وعي، ارتمت على صدره…
حضنته بقوة، كأنها تخشى أن يكون حلمًا ويزول.
لم تعد تقاوم…
لقد شعرت أخيرًا بدفء العائلة، بالحماية، بالانتماء.
كلماته اخترقت قلبها، أزاحت عنه الغربة والبرودة، بعثت فيه الحياة.
لم تتخيل يومًا أن الرجل الذي ظنّت قلبه أقسى من الجليد، يخفي بين جنباته كل هذا الحنان…
كانت حمقاء حين ظنت أنه مجرد وغدٍ لا يعرف الرحمة، والآن… ترى أمامها إنسانًا يحمل قسوة السيف، ولكن دفء الوطن.
أغمضت عينيها وهي تهمس في داخلها:
"ربما… لم أكن وحيدة كما ظننت كلام جدي صحيح عندما راودني في حلمي ."
ابتعدت تولين عنه ببطء، لا تزال شهقاتها تختنق في صدرها، وهمست بصوتٍ مبحوح:
"شكرًا لك، رافيل… لا أعلم ماذا أقول… حقًا، أنا آسفة لأنني…"
لكنها لم تُكمل جملتها، فقطعها بصوته المازح، وهو ينظر إلى قميصه المبتل:
"كفى رسميّات، انظري، لقد بللتِ ملابسي دموعًا، أهذه مكافأتي؟"
احمرّ وجه تولين خجلًا، وأنزلت رأسها سريعًا، تخفي حمرة وجنتيها.
وفجأة، وكأن ومضةً ضربت ذهن رافيل، صاح بفزع:
"يـااا إلهي!"
ارتبكت تولين، رفعت نظرها إليه باندهاش:
"ماذا هناك؟!"
قال بسرعة وقلق واضح:
"والدتي! ستغضب كثيرًا، وربما تعاقبني مجددًا!"
وضعت تولين يدها على فمها، تحاول كتم ضحكتها، فقد تذكرت جيدًا ما حدث في المرة السابقة حين عاقبته والدته ظلمًا بسببها وبسبب ريفين، ووجهه الآن لا يُقدر بثمن.
رفع حاجبه بتوعد، وهو يرمقها بنظرة شبه عابسة:
"لو تعاقبت بسبَبك مرة أخرى، يا ويــلكِ يا تولين…"
ولم تصمد أكثر، انفجرت ضاحكة بصوتٍ مكتوم، ثم ولّت هاربة باتجاه المنزل وهي تضحك وتقول:
"سأذهب قبل أن أُعاقب معك، إلى اللقاء أيها التعيس!"
راقبها رافيل وهي تركض وضحكاتها تتلاشى مع الريح، شعر بأنه وقع في فخّ قلبها دون أن يدرك، ابتسم، مرّر يده بين خصلات شعره وغمغم ساخرًا:
"حقًا… هذه الفتاة كأنها خُلِقت لتُبعث من جديد بابتسامة."
لكن ابتسامته تلاشت بسرعة…
تذكّر فجأة أولئك الذين حاولوا قتلها.
من يكونون؟ ولماذا تولين تحديدًا؟
أي سرٍّ تخفيه هذه الفتاة؟
مَن الذي يراقبها؟ ولماذا الآن؟
تحولت ملامحه في لحظة من الحنو إلى برود قاتل، ونظر نحو الغابة وكأنّه يستشعر ما هو قادم.
الهدوء الذي سبق العاصفة قد انكسر، وشيءٌ ما في الأفق كان يقترب...
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
.
.
.
.
في أحد القصور المظلمة، وتحت ضوء الشموع الخافتة، جلس الملك على عرشه المنخفض، يتأمل رقعة الشطرنج أمامه بملل. كان متكئًا على كف يده، وقد وضع قدمًا فوق الأخرى، بينما ابتسامة سامة، ماكرة، ترتسم على شفتيه، وكأنها تنبئ عن شرٍّ قريب.
وفجأة، انحنى القائد أمامه بصوت متهدّج:
"جلالتكم... لم يُقتَل الهدف بعد، لقد ظهر شخص مجهول تصدّى للسهام في لحظة واحدة. لم يتمكن رجالنا من اختراق دفاعه... لذلك قمنا بتكثيف الحراسة، ونراقبهم من بعيد دون أن يشعروا."
لم يبدُ على الملك أيّ انزعاج، بل على العكس… اتسعت ابتسامته أكثر، وبدأ يُدير قطعة الشطرنج بين أطراف أصابعه بخفة، قبل أن يسقطها على الرقعة بقوة، ثم همس بصوت خافت ممتزج بالمتعة:
"حان وقت اللعب... لتبدأ الجولة."
ثم صدرت منه ضحكة منخفضة، مرعبة، ارتجّت لها جدران القاعة.
الملك لا يخطئ في تحركاته... وخصومه مجرد بيادق تنتظر الذبح.
.
.
.
.
.
.
.
═══════✿ ✿═══════
مرحبا كيف حالكم يا رفاق؟ أتمنى أن تكونوا بخير 🌸
═══════✿ ✿═══════
أسئلة ستكشفها البارات القادمة:
- من تكون تولين حقًا؟ ولماذا يحاول مجهولون قتلها؟
- ما سر اهتمام رافيل بها رغم قسوته الظاهرة؟
- ما علاقة القلادة التي ظهرت بعد 80 عامًا بتولين؟
- من هو شخص يسعى خلف القلادة؟ وهل الخطر قادم من داخل القصور؟
- هل سيتمكن جوليان وغاج من كشف الخونة قبل فوات الأوان؟
- وأي الأسرار ستغير مصير الممالك القادمة؟
═══════✿ ✿══════