زهرة التاج الاحمر - البارات(8) - بقلم الكاتبه خلود | روايتك

اسم الرواية: زهرة التاج الاحمر
المؤلف / الكاتب: الكاتبه خلود
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: البارات(8)

البارات(8)

في ظلامٍ دامس تاهت خطواتها في ثناياه لا تعلم أين الطريق ولا أين المسار كانت ضائعة في بحار متاهة لا نهاية لها حتى لاح لها نورٌ بعيد خافت وضعيف… لكنه منحها أملًا. رأته فتقدّمت بخطواتٍ متثاقلة منهكة حتى اقتربت… لكنه لم يكن سوى سراب شعرت بألمٍ مرير يخترق صدرها كخنجر فتوقفت تتألم. سمعت صوتاً نظرت إلى خلفها وفجأة… صُدمت! كان هو! الفتى ذاته الذي أنقذها في الغابة حين هاجمها الدب المتوحش ؛ بشَعره الأبيض الطويل غير أن ملامحه ظلّت مخفية خلف خصلاته المنسدلة. حاولت أن تقترب منه لكن قدميها خانتها والألم اشتدّ عليها… ثم حدث ما لم تتوقّعه. اقترب الفتى منها بهدوء حتى وقف أمامها مدّ يده ووضعها على صدرها فوق قلبها مباشرة وقال بصوتٍ دافئ عذب: "كوني قوية يا تولين..." ابتسامته وحدها كانت كفيلة بأن تُخفّف عنها كل وجعها… كانت دافئة حانية تشبه حضن الأمان. نظرت إلى قلادتها فإذا بها تتوهّج بنورٍ ناصع ثم أعادت نظرها إلى الفتى… لكنه اختفى! التفتت يمنةً ويسرةً بحثت عنه… ركضت تناديه لكن لا مجيب وفجأة جاءها صوتٌ مألوف... نادى باسمها:  "تولين!" فتحت عينيها بسرعة وإذا بها ترى وجه جدّها الحبيب اغرورقت عيناها بالدموع ثم ركضت إليه وأرتمت في حضنه تبكي شهقت بحرقة: "جدّي... لقد اشتقت إليك... لقد عانيت كثيرًا من دونك..." شهقت  باكية اكثر : "وهل يُنسى رحيلُك يا جدّي؟ بعدك عني جعلني وحيدةً أُنازع الآلام والأحزان والخذلان...  لا تتركني في وسط هذا الغدر يا جدّي.. أنا لا أعلم من أكون ولاابنةُ مَن ولا زلتُ ضائعةً بشدة وألمٌ عميق يسكن أحشاء روحي ابتسم جدّها بلطف وحنان ووضع يده على رأسها: "تولين...  انتِ لستِ وحدكِ يا صغيرتي فقط افتحي عينيك جيدًا...  صدّقيني ستجدين أصدقاء لا يمكنهم التخلي عنك.  أنا حيٌّ في روحك لم أذهب بعيدًا  أراقبك دائمًا... وأشعر بكلّ ما تمرّين به. قاومي يا تولين...  كوني قوية... لا تكوني أداةً لأحد يستخدمك لأطماعه..." ثم أمسك بقلادتها وحدّق فيها بعمق وهو يقول: "مهما حدث احفظي هذه القلادة جيدًا...  إيّاكِ أن تقع في يد جوليس...  وإلا ستقع كارثةٌ لا تُحمد عقباها!" ثم بدأ يبتعد عنها بخطواتٍ هادئة نهضت تولين وركضت خلفه ودموعها تنهمر: "لا تذهب... أرجوك... جديييي!" فتحت تولين عينيها ببطء شديد…  أين هي؟ ما هذا المكان؟  هل... هل ماتت؟! أدارت عينيها المتعبة في أرجاء الغرفة الغريبة كل شيء حولها كان هادئًا… وغريبًا.  لفت نظرها نافذةٌ صغيرة اقتربت منها بخطى مترنحة ومتعبة وكأن جسدها لا يطاوعها. وقفت أمام النافذة  وإذا بالثلوج تغطي الأرض ببياض نقي يلمع تحت ضوء خافت كأنّه حلم… همست بصوت خافت مبحوح:  "أين أنا؟… هل أنا في حلم؟ أم في واقعٍ غريب؟  ومن الذي أحضرني إلى هنا؟  آخر ما أتذكره… تلك السكين… اخترقت صدري… لكن… كيف نجوت؟" جذب انتباهها قلادتها المعلّقة برقبتها  ارتاحت قليلًا حين رأتها في مكانها  لكنها تساءلت: "لماذا أضاءت عندما قام بلمسها ذاك الفتى ؟ ولماذا الجميع يريدها؟وجدي يوصيني عليها دائماً  أعرف أنها تذكار من والدتي… لكن لماذا كل هذا الاهتمام بها كل من التقي بهم ؟" قطع أفكارها صوت الباب يُفتح بهدوء… نظرت تولين بقلق نحو الداخل  فدخلت امرأة تبدو في منتصف العمر بعينين مليئتين بالدهشة. المرأة في نفسها: "أيعقل أنها نجَت؟!  لقد كانوا جميعهم على وشك فقدان الأمل… كانت تنازع الموت." لكن سرعان ما هدأت وارتسمت ابتسامة دافئة على وجهها  ثم اقتربت من تولين بهدوء وحنان. قالت المرأة بصوت ناعم:  " صغيرتي… هل أنتِ بخير؟  لا يجب أن تنهضي ما زال جسدكِ ضعيفًا ومتعبًا." ظلت تولين تحدّق بها مليئة بالتساؤلات والدهشة…  من هذه المرأة؟ وأين هي؟  وما الذي ينتظرها بعد هذا الغموض؟ تنهدت المرأة بهدوء وكأنها شعرت بالحيرة التي تسكن عيني تولين  بل كأنها قرأت أفكارها…  أين هي؟ ومن هؤلاء؟ وما الذي حدث؟ ابتسمت المرأة ثانيةً بأشراقٍ خافت ثم أمسكت يد تولين برفقٍ حنون  وساعدتها على الجلوس مجددًا فوق الفراش حتى لا تُجهد نفسها أكثر. تحركت تولين ببطء وقدماها بالكاد تحملانها وجلست بصمتٍ ثقيل عينها لا تزال تراقب المرأة بنظرات مترددة. وبعد صمتٍ نطقت تولين أخيرًا بصوت متعب مرتجف:  "أين… أنا؟ " ابتسمت المرأة بلطف، وقالت:  "لقد جاء بكِ ابني القبطان رافيل إلى هنا.  كنتِ في حالة غيبوبة ودمك ينزف بغزارة…  بذلنا كل ما بوسعنا وكنّا قد فقدنا الأمل في نجاتك  لكن… الحمد لله تجاوزتِ مرحلة الخطر.  كانت معجزة حقًا." اتسعت عينا تولين بدهشة…  رافيل؟! هل يُعقل أنه هو من أنقذها؟  كل ما تتذكره أنها كانت تغرق في الألم  ثم يد قوية التقطتها قبل أن تفقد وعيها…  لكن لا شيء واضح ولا تعرف حتى الآن أين هي بالضبط  أو هل وصلت إلى المملكة أم لا…  القلق بدأ ينهش صدرها. قالت بقلق:  "كم من الوقت… كنت غائبة عن الوعي؟" أجابتها المرأة بلطف:  "أسبوع كامل." فزعت تولين واتسعت عيناها بدهشة:  "ماذا؟! أسبوع؟!" شهقت وضرب قلبها بعنف "يا إلهي… أسبوعٌ كامل؟!  لا بد أن جوليس بدأ البحث عني  وإن وصل إلى أثري… سيلتهمني كوحشٍ مفترس.  إنه أسوأ من الشياطين بألف مرة!" نهضت تولين واقفةً على عجل تنظر حولها بعينين تبحثان عن شيء محدد… حقيبتها.  تريد أن تُبدل ملابسها وتغادر هذا المكان بأسرع ما يمكن وكأن الوقت يطارِدها. المرأة حدّقت بها بدهشة واستغراب لم تفهم سبب هذا التوتر ولماذا تنهض فتاة بالكاد نجت من الموت بهذه السرعة وكأن شيئًا يلاحقها؟ تولين بصوت متوتر وقلق:  "خالتي… أين حقيبتي؟ أحتاج أن أذهب فورًا!" ارتبكت المرأة شعرت أن تولين لا تُدرك مدى خطورة وضعها الصحي…  لقد كانت في غيبوبة لمدّة أسبوع والآن… تنهض فجأة وتطلب الرحيل؟!  اقتربت منها ووضعت يدها على كتفها بلطف وقلق: "ابنتي أرجوكِ… اجلسي قليلاً لا تجهدي نفسك. جراحك ما زالت في طور الشفاء  وإن تحرّكتِ كثيرًا الآن… قد تنزفين مجددًا أرجوكِ صدقيني." تولين نظرت إليها بعينين ممتنّتين ورغم العجلة في صوتها إلا أن نبرتها حملت تقديرًا كبيرًا: "لا أعرف كيف أشكركم على ما فعلتموه لأجلي… لقد بذلتم جهدًا كبيرًا  وأنا حقًا ممتنّة لكم من أعماق قلبي لكن… يا خالتي عليّ أن أذهب بسرعة إن تأخرتُ أكثر…" ثم نظرت إلى النافذة وهمست:  سيجدني… ولن يرحمني." فجأة قُطع حديث تولين حين فُتح الباب بعنف وصوت خطى باردة اجتاح الغرفة...  كان القبطان رافيل يقف هناك يحدق بها بهدوء لكن ذلك الهدوء كان يخفي عاصفة من الغضب المتقد.  هالته المظلمة أحاطت به كأنها كيان حي ينبض رهبة. تولين تراجعت بخوف فملامحه كانت أكثر قسوة من آخر مرة رأته فيها… تلك اللحظة التي كان يقاتل فيها ريكاردو وكايد  لكن هذه النظرة… كانت أكثر ظلمة أكثر رعبًا. تراجعت خطوة بعد خطوة حتى التصق ظهرها بالجدار شعرت بأن لا مفر لها لا مخرج من هذا الركن. تكلم رافيل بصوتٍ باردٍ عميق:  "اجلسي… واصمتي. لا داعي للعناد." ارتجف صوتها في صدرها وبدأت دموع تتجمّع في عينيها…  "يا إلهي إنه يُرعبني… حتى صوته يجعل جسدي يقشعر…" فجأة… صوت ضربة قوية! على رأس رافيل قطعت الجو المتوتر  رفع عينيه بعبوس ونظر بدهشة:  "أمّي؟! لماذا ضربتني؟! والدته التي كانت واقفة خلفه رمقته بنظرة غاضبة وقالت بحدة:  "أنت تُرعب الفتاة أيها الأحمق! أنظر إليها… من الطبيعي أن تفزع استيقظت لتجد نفسها بين غرباء في مكان لا تعرفه وتُحدق بها هكذا؟!" نظر رافيل إلى تولين بملل، ثم أشار إليها ببرود:  "يا أمي… إنها مجرد عصفورة جبانة لا أكثر." قالها بسخرية وكأنه لا يرى فيها سوى كومة خوف. لكن والدته صاحت غاضبة:  "قلت ماذا؟! لا أسمح لك بإهانتها! إنها أشجع منك بكثير لقد تعافت من إصاباتها خلال أيام لو كنت مكانها لبقيت شهرًا تتذمر كالطفل!" تورّط رافيل وردّ ببرود: "على الأقل، لو حاولت لمسها بإصبعي ستتكسر فورًا… أضعف مخلوقة رأيتها." صرّت تولين على أسنانها… الغضب بدأ يشتعل في داخلها كيف يجرؤ هذا الأحمق المتغطرس على وصفها هكذا؟ تقدمت نحوه بخطى ثابتة، ونظراتها غاضبة:  توقف عن مناداتي بالجبانة… ولا عصفورة ولا ضعيفة! احترم نفسك والتزم حدودك أيها المتغطرس!" مال فم رافيل بابتسامة ساخرة وقال:  أخيرًا نطقت البكماء! لكن فجأة دوّى صوتان معًا، تولين ووالدة رافيل:  – أُصمُت! ارتبك رافيل للحظة ثم تنهد بضيق وخرج من الغرفة بعبوس وملل وهو يتمتم بكلمات لا تُفهم. كانت والدته تقف إلى جانب تولين تحميها وتدافع عنها رغم أنها غريبة… "تُرى، هل هو دَين في رقبتها؟" فكرت تولين في نفسها. لأول مرة شعرت تولين بشجاعة كافية للوقوف في وجه من يُرعبها وهذا لم يكن ليحدث لولا وجود هذه السيدة اللطيفة. التفتت إليها بابتسامة خجولة وقالت:  شكرًا لكِ خالتي… لا أعلم كيف أرد لكِ هذا المعروف. وأعتذر إن سببت لكم أي إزعاج... قاطعتها السيدة بابتسامة دافئة:  لا حاجة للشكر يا ابنتي… ولا للاعتذار. رافيل فقط لا يحب من يُظهرون خوفهم لهذا استفزّكِ. وأنا أعتذر نيابةً عنه. أطرقت تولين رأسها وقالت بلطف وحرج:  لا عليكِ يا خالتي… شكرًا لكِ مجددًا. وضعت السيدة يدها على كتف تولين بحنان:  الآن عودي للراحة. عندما تتعافين تمامًا افعلي ما تشائين… ما رأيكِ؟ ابتسمت تولين وقد شعرت بدفء كلماتها وذكّرتها بوالدتها التي تشتاق إليها كثيرًا. أومأت برأسها ثم عادت إلى سريرها وأغمضت عينيها بهدوء. خرجت السيدة من الغرفة وأغلقت الباب بلطف خلفها. في الخارج كان رافيل يقطع الحطب بفأسه. بدا مشغولًا لكنّ ملامحه تعكس اضطرابًا ما. أما تولين فقد أغمضت عينيها وهي تتذكر دفء هذا المنزل وحنان تلك المرأة… يشبه المكان الذي عاشت فيه مع جدّها. "رافيل محظوظ بأمه…" همست لنفسها ثم غفت بهدوء. في هذه الأثناء دخل رافيل المنزل حاملًا الحطب ووضع بعضه في المدفأة. جاءت والدته إليه وابتسمت بلطف:  " رافيل هل أنهيت تقطيع الحطب؟" نظر إليها يمسح عرقه المتصبب وهو يلتقط أنفاسه:  نعم يا أمي… لقد انتهيت. قالت والدته بابتسامة ممتنة:  شكرًا لك يا بني ولكن... عليّ أن أنصحك بشيء مهم. نظر إليها باهتمام وقال:  نعم يا أمي ما الأمر؟ تكلمت بهدوء لكن نبرة التوبيخ ظهرت في صوتها:  لماذا تعاملت مع تولين بهذه القسوة؟ لقد جرحتها كثيرًا وكلامك كان أشبه بالإهانة. ابتسم بسخرية خفيفة وكأنه يتذكر ملامح غضب تولين:  لا تسيئي فهمي يا أمي... أنا لا أكرهها لكنني أريدها أن تكون شجاعة. حين رأيتها أول مرة كانت طفلة في السادسة من عمرها لكن لسانها كان أطول منها جريئة ومرحة جدًا. تغيرت كثيرًا منذ ذلك الحين الآن أصبحت فتاة بعمر الرابعة عشرة شابة... لكنها فقدت بريق عينيها. باتت مستسلمة باردة تخاف من أبسط الأمور ولا تتحمل شيئًا. تنهد وهو يكمل:  حين رأيتها على السفينة تواجه أحد البحّارة لم تصمد. تعرضت لضرب مبرّح واستسلمت دون مقاومة. أريدها أن تكون فتاة شرسة لا جبانة. من يضربها تردّ عليه بمئة. لا تهرب لا تستسلم لا تيأس. أريدها أن تواجه كل من يحاول إيذاءها أو استغلال ضعفها. سكت لحظة ثم قال بصوت منخفض حزين :  أظن أنها فقدت ذلك البريق منذ وفاة جدّها... لقد كان مثلي الأعلى. أمي أنا لا أريد شيئًا سوى ردّ الجميل لتولين من أجل جدّها أريد أن أجعلها قوية فتاة يُعتمد عليها لقد اعتبرتها أختًا منذ أن كانت صغيرة... وهي كذلك حتى الآن. صمتت والدته للحظة وهي تستمع لكلماته  وقد لامست قلبها كل كلمة قالها فهمت نيّته ورأت صدقه. ثم ابتسمت بفخر وقالت:  لم تخيّب ظنّي يا ولدي... كم أحبك قلبك طيّب ومن يعرفه يعجز عن فهمه لكن والدتك... والدتك وحدها تستطيع تفسيره وتعرف ما بداخله يا ضناي. وضعت يدها على كتفه وربّتت عليه بلطف:  كم أنا فخورة بك... الآن سأذهب لأعدّ العشاء. إلى اللقاء. . . . . . . . . في أحد قصور مملكة سحراء الشمال ساهاريل الرفيعة وقف جوليان إيدموند منتصبًا أمام عرش الملك زيرافيوس ثم انحنى بكل احترام ورفع عينيه بعد انحناء طويل متحدثًا بصوت هادئ ونبرة راقية: احترامي لك أيها الملك زيرافيوس لقد حضرت كما أمرتني ويشرفني أن أقبل دعوتك ولك مني خالص التقدير والاحترام. كان الملك زيرافيوس جالسًا على عرشه الفخم يسند خده إلى قبضته يتأمل جوليان بنظرة متفحصة محاولًا التحقق من صحة ما سمع عنه  هل هو فعلًا ذلك الفتى الشجاع؟ المحارب الذي لا يُقهر كما يقولون؟  بعد لحظات من التأمل نطق الملك بصوته الجهوري القوي: أيها المحارب جوليان إيدموند لقد دعوتك بعدما بلغني الكثير عن شجاعتك وقوتك في ميدان الحرب سمعت عنك أنك لم تُهزم في أي معركة خضتها.  ويقال إنك من مملكة زافيرون  تلك الأرض التي يتمتع أهلها بقدرات سحرية عظيمة... وهذا ما جعلني أرغب في ضمّك إلى صفوف قادتي لتكون أحد فرسان ساهاريل العظماء. توقف لبرهة ثم أضاف بنبرة واثقة: فما قولك يا جوليان؟ هل تقبل أن تحمل راية الحرب تحت لوائي؟ هل تنضم إلى صفوفي وتكون سيفًا لمملكة ساهاريل؟ شعر جوليان بفرحٍ عارمٍ يتسلل إلى صدره وأخيرًا... لقد خطا أولى خطواته نحو غايته التي لطالما سعى لها. رفع عينيه نحو الملك زيرافيوس  وتكلّم بنبرة يملؤها الإخلاص والعزم: نعم  أيها الملك زيرافيوس... يشرفني أن أكون ضمن قوّاد جيشك وأن أضع سيفي في خدمة هذه المملكة العظيمة.  أتمنى أن أكون عند حسن ظنّكم، وأن تعتمدوا عليّ ولو تطلّب الأمر أن أقدّم حياتي فداءً لهذه الأرض.  صحيح أنني من مملكةٍ أخرى لكنّ احترامي لكم ولكرامة شعبكم لا حدود له فقد كنتم أوفياء حين وقفتم سدًّا منيعًا في وجه من حاولوا غزو مملكتنا.  فدعني أرد لكم الجميل وأفي بالواجب.  شكري وامتناني العظيم لك أيها الملك. ابتسم الملك زيرافيوس رضًى ووقارًا  وقال بصوت هادئ يحمل في نبرته الحزم: حسنًا... كن كما تقول.  فأنا لا أؤمن بالكلمات بل بالأفعال وحدها. انحنى جوليان  مرة أخرى بانحناءة احترام ثم قال: سأُثبت لك ذلك أيها الملك. وبعد خروجه من القصر قرر أن يتجوّل في أرجاء العاصمة ليرى كيف يحكم هذا الملك شعبه.  كان السوق نابضًا بالحياة يمتلئ بالبائعين الذين يعرضون الأقمشة الحريرية والتوابل النادرة والمأكولات الدافئة التي تعكس دفء أهل الصحراء رغم برودتها.  ابتسم جوليان برضى وهو يرى النظام والهدوء في شوارع المملكة. وفجأة...  اصطدم به فتى صغير ثم انحنى له بسرعة وهمس بخجل:  عذرًا سيدي! ثم أسرع بالهرب... ابتسم جوليان بخفة لتصرف الفتى المهذّب لكن بعد لحظات اتسعت عيناه فجأة! – حقيبتي! رآه يركض بها... كيف؟! كيف سُرقت منه دون أن يشعر؟  زمّ شفتيه بغضب واندفع خلفه يركض بأقصى سرعته بين الأزقة حتى دخل إلى زقاقٍ مظلم ومهجور. وقف يتلفّت ثم همس بين أسنانه المطبقة: تبًّا... كيف لم أشعر به؟ كيف تمكّن من خداعي؟! . . . . . عند تولين  التي كانت قد استغرقت في نومٍ عميق لساعاتٍ طويلة أفاقت على صوت والدة رافيل وهي توقظها برفق لتتناول العشاء.  نهضت تولين بتثاقل وخطت خطواتها المتعبة ببطءٍ مع السيدة التي ساندتها حتى وصلا إلى مائدة الطعام جلست على أحد المقاعد وقد بدت عليها آثار الإرهاق لكن صوت فتاة مفاجئ أعاد لها شيئًا من اليقظة.  التفتت تولين لتقابل فتاة ذات ملامح مألوفة… كانت تشبه رافيل إلى حد كبير بوجهها الحاد وعينيها المتوقدتين. اقتربت منها بحماس وعيناها تلمعان بالفرح: أمي قلتِ إن اسمها تولين  أليس كذلك؟ تولين!  أحم… المعذرة لم أُعرّف بنفسي بعد.  أنا ريفين  وأنا مقاتـ... لكن صوتًا ملولًا قاطعها فجأة كان رافيل وقد جلس متكئًا على يده خلف رأسه، يرمقها بعبوس: حسنًا حسنًا… الآن ستبدئين بالحديث دون توقف حتى ثماني ساعات قادمة. حتى الدجاجة تصمت... لكنك أنتِ؟ مستحيل. نظرت تولين إليه بضيق ما شأنه يمنع شقيقته حتى من الكلام؟ أي غريب هذا؟ لكن ريفين لم تصمت بل ردت بسخرية حادة: وأنتَ أيها المدفأة المتنقلة… إذا بدأت تدخين سجائرك فلن تتوقف حتى تحترق بنفسك! ضحكت تولين في سرّها وسرّها رد ريفين الجميل كأن قلبها انتصر للحظة. عبس رافيل بانزعاج وبدت الهالة المظلمة تحيط به تدريجيًا ثم نهض واقفًا وقال بصوت منخفض يحمل تهديدًا: ماذا قلتِ يا دجاجة ثرثارة…؟ وقفت الفتاة بسخرية أشد وهي تحب أن تغيظ شقيقها عمداً: وأنت لست سوى مدفأة دخان! لا فائدة لك سوى ما ينفثه فمك من دخان وكلام فارغ! هه! زمّ رافيل شفتيه وأخرج سيفه في لحظة غضب فما كان من أخته إلا أن أخرجت سيفها كذلك وقال متحدّيًا: واجهيني إن كنتِ تملكين الشجاعة أيتها الدجاجة! ابتسمت بحماس مشاكس وهي تلوّح بسيفها بخفة: بالطبع... يا رأس أنابيب الغاز! تبادلا النظرات المشحونة ثم أسرعا إلى الخارج وسيوفهما تلمع تحت حبات ثلج  استعدادًا لمواجهة حقيقية. في الداخل كانت تولين تتابع المشهد بذهول وعيناها اتّسعتا من الدهشة: أهما جادّان؟! لا يبدو أنهما يمزحان إطلاقًا! نظرت نحو والدة رافيل على أمل أن تتدخل لكنها وجدتها بكل هدوء تمسك ملعقتها وتأكل وكأن شيئًا لم يكن. تولين قالت بقلق وهي تتقدم منها: خ... خالتي عذرًا على تدخلي لكن... ألن تُوقفيهما؟ سيؤذي أحدهما الآخر! ابتسمت والدة رافيل بتلك الابتسامة الدافئة التي تشبه الحنان ثم ضحكت بخفة: – لا تقلقي يا صغيرتي... هذان الاثنان؟! مجرد شجار عابر.  دعيهما فبعد دقائق ستجدينهما يتضاحكان وكأن شيئًا لم يكن.  لقد سئمت من إيقافهما هما أعند من الصخور لذا تركتهما يتصارعان كما يحلو لهما. تنهدت تولين في سرّها ثم فكرت بدهشة: يا إلهي... أيّ عائلة هذه؟! نهضت تولين بتردد وذهبت نحو الخارج لتتأكد  لكنّها توقفت بدهشة كبيرة عندما رأت ما يحدث أمام عينيها. لقد كانا يتنازلان بكل جدية وكأن بينهما ثأرٌ قديم... ريفين كانت تهاجمه بسيفها بمهارة بينما هو يصدّ ضرباتها بقوة وعلى شفتيه سخرية لا تفارقه: – ما هذه الضربة؟! حقًا لستِ سوى عصفورة يكفي أن أصفعك صفعة واحدة لتنتهي أيتها الدجاجة! تولين وقفت مذهولة.  هل هذا ممكن؟! فتاة تقاتل بهذه المهارة؟ أيوجد خارج مملكتي وجبالها محاربات مثل ريفين؟! كانت ريفين تتحرك برشاقة لا توصف وبينما تولين تراقب، إذا برافيل ينقضّ عليها فجأة ويطيّر سيفها من يدها في لحظة خاطفة. ظنّت تولين أنها خسرت… لكن المفاجأة؟ ريفين ركلت يده بكل قوة فسقط سيفه أرضًا هو الآخر! يالها من فتاة! تملك قوة جسدية إلى جانب براعتها بالسيف! وهو أيضًا قوي لكن... أشعر أن هذه ليست قوّته الحقيقية، فهالته المظلمة وحدها تجعلني أرتجف… هل يمكن أن أكون مثلهم؟ هل يمكنني أن أصبح قوية هكذا؟ نظرت تولين إلى قبضتها الصغيرة بحزن وبدأت عيناها تلمعان بدمعة: لو كنت أملك تلك القوة... لما حدث ما حدث لي ولجدّي… ضغطت على يدها بقوة بينما داخلها يشتعل بالعزم والألم معًا. وفجأة... قُطع سيل أفكارها بضحكٍ عالٍ يصدر من الاثنين!  تولين رفعت حاجبيها بدهشة: أ... إنهما يضحكان؟! لقد توقفا عن القتال وبدآ يتبادلان الضحكات كما لو كان ما حدث قبل لحظة مجرد لعبة. وابتسمت تولين وهي تراقبهما يتجادلان وكأن شيئًا لم يحدث كم يبدو واضحًا أن بينهما رابطة قوية مليئة بالحب والمشاكسة اللطيفة. تولين بابتسامة دافئة:  إنهما حقًا يحبان بعضهما… كم أتمنى لو كان لي أخٌ أشاكسه وأتشارك معه هذه اللحظات… لكن صوت ريفين قاطع شرودها بحماس:  تولين! هل رأيتِ قتالي أنا ورايفل؟ أخبريني هل كنتُ قوية؟ أليس كذلك؟! لقد تمكنت من التغلب عليه صحيح؟ أستطيع الإطاحة به متى ما أردت! رايفل  بتنهيدة مملة وسخرية لاذعة:  في أحلامك فقط هناك يمكنكِ هزيمتي يا فارسة الغفلة. عاد الجدال بينهما كما بدأ وتولين وجدت نفسها في المنتصف بين هذا الأخ والأخت المشاغبين. ابتسمت بتوتر ثم قالت بإعجاب صادق:  أنتما مذهلان حقًا… أحسدكما على قوّتكما… كم أتمنى أن أصبح قوية مثلكما يومًا ما… ريفين بحماس: دعي رايفل يدربكِ على القتال صدقيني! ستُصبحين قوية جدًا! نطق رايفل ساخرًا:  أنا أدربها؟ هذه الفتاة ليست سوى عصفورة صغيرة ضعيفة ستُكسر من أول صفعة! تولين تجاهلت سخريته عمداً لتُغيظه وأمسكت يد ريفين بحماس ثم انسحبتا إلى داخل المنزل. رايفل ابتسم لنفسه بخفة وقد بدأ يلاحظ كيف تتماشى تولين مع أسلوبه المستفز. دخل الثلاثة إلى المنزل ليجدوا المائدة خالية تمامًا. رفعت ريفين حاجبيها بدهشة:  أين والدتي؟! أيمكن أن تكون قد نسيت أن تُبقي لنا شيئًا؟! لكن رايفل وقد أدرك ما ينتظرهما شهق حين سمع صوتًا صارمًا خلفه. استداروا جميعًا وكانت والدتهم تقف هناك بوجه غاضب ونبرة حادة:  إلى الخارج حالًا! لا أريد أن أرى واحدًا منكما أمامي الآن! اجلسا وسط الثلج نصف ساعة لتتعقلا! تولين كانت مصدومة منذ لحظات فقط كانت تضحك وتدعوهم ليفعلوا ما يشاؤون والآن تتحوّل إلى عاصفة غاضبة! يا إلهي حقًا إنها عائلة غريبة! حين همّت تولين بالخروج معهما توقفت فجأة على صوتٍ دافئ خلفها:  عزيزتي لا تخرجي. أنتِ ضيفتنا… واعتبري هذا المنزل منزلك. أما هذان الاثنان فخروجهما قليل من التأديب لا أكثر. خرجا وهم يتمتمان بتذمر وتولين جلست  بخجل على أحد المقاعد ثم التفتت برجاء: ارجوكي سامحيهما الجو بارد جدا في الخارج ونصف ساعة سوف يتجمدان شجارهما بسببي! ابتسمت والدة رايفل بهدوء وهي تصب كوبًا من الشاي ثم نظرت إلى تولين بعينين فيهما حنان وصرامة في آنٍ معًا وقالت بنبرة ثابتة: عزيزتي تولين… أحيانًا العقاب لا يكون قسوة بل درسا صغيرًا ليعرفا حدودهما. هما لا يتشاجران بسببك فقط بل لأن طباعهما نارية منذ أن كانا صغيرين. لا تقلقي البرد لن يقتلهما بل سيُنعش عقولهما قليلًا. تولين جلست بجوارها، ما تزال تنظر نحو الباب بقلق:  لكنهما فعلاً في الخارج بين الثلوج... سيبردان كثيرًا... ضحكت الأم بلطف ثم وضعت يدها على كتف تولين:  لا تقلقي أعطيهما دقيقتين وسيدخلان من دون أن أطلب. رايفل وريفين عنيدان لكن  ويمكنهما تحمل أكثر من هذا. ثم إنني حضرت لهما الحساء مسبقًا فقط أخفيته هه. وفعلاً بعد لحظات سُمع صوت الباب يُفتح ببطء ودخل الاثنان يزفران من البرد يضربان أقدامهما بالأرض ليتدفآ وجلسا بهدوء دون أن ينبسا بكلمة. والدة رايفل ببرود تمثيلي:  أوه نظرتُ إلى الثلج فذُهلت! ألم أقل أن الثلج يُهذّب من لا تهذبه الكلمات؟ رايفل وهمس وهو ينظر للأرض:  أنتِ ساحرة حقًا يا أمي… ريفين تهمس لتولين:  لا أحد يهزم أمي... حتى رايفل يخاف منها! ضحكت تولين بصوت خافت وشعرت أخيرًا أنها بين عائلة حقيقية مليئة بالحياة والجنون اللطيف والدفء الحقيقي. جلست تراقبهم بصمت وشيء دافئ ينمو داخل صدرها. شعرت بأمان لم تعرفه منذ زمن طويل. بدأت الدموع تتجمع في عينيها دون أن تشعر… كم تمنّت لو كانت تنتمي لهذه العائلة  ولو ليومٍ واحد فقط. تمنّت أن تظل هذه اللحظات سعيدة أن تدوم ضحكاتهم أن لا تنطفئ أنوارهم أبدًا. لكن…  ياللأسف. لم تكن تولين تعلم أن هذه الابتسامات التي تشهدها الآن ستغدو ذكرى بعيدة.  وأن الأيام القادمة… لن ترحم أحدًا.  ولو كانت تعلم ما ينتظرهم  لما سمحت لشفتيها أن تبتسما الآن. . . . . . . في مملكة ساهاريل  كان جوليان لا يزال يجوب الطرقات بحثًا عن ذلك اللص الذي سرقه. لوهلة شعر وكأن الشخص قد اختفى في الهواء لم يشعر به حتى…!  "تبا له..." تمتم بغضب "سألقّنه درسًا لن ينساه!" بعدما أعياه البحث ولم يجد أثرًا له توجه إلى منزل صديقه غاج ليستريح قليلًا.  وما إن فتح الباب حتى ارتفع صوت غاج من الداخل قائلاً بدهشة:  "جوليان! تأخرت كثيرًا ويبدو عليك الإرهاق الشديد. ما الذي حدث؟" جوليان جلس بتعب وأجاب بضيق:  "لصٌّ ما سرق حقيبة سفري... اللعنة عليه بحثت عنه في كل مكان ولم أعثر عليه." ضحك غاج باستهزاء خفيف:  "أحقًا سُرِقت حقيبتك؟ هذه معجزة بحد ذاتها! أول مرة أسمع أن أحدًا تجرأ على الاقتراب منك فضلًا عن سرقتك." جوليان عبس وعيناه تقدحان شررًا:  "لا أحد يهزمني أو يسرقني صدقني يا غاج سأعثر عليه وأجعله يندم." سأله غاج بفضول:  "هل رأيت ملامحه؟ كيف ستجده؟" هز جوليان رأسه بصبر كمن يسترجع ما حدث:  "لا كان يرتدي قبعة تخفي وجهه... ما حدث غريب صدم بي ثم اعتذر وركض مبتعدًا. لم ألتفت كثيرًا لكن فجأة شعرت أن حقيبتي سُرقت! لحقت به فورًا لكنه اختفى في لمح البصر. لم أشعر بهالة طاقة… لا شيء." سادت لحظة صمت قبل أن يتمتم غاج بقلق:  "هذا غريب… أن يسرقك أحد دون أن تشعر به؟ من يكون هذا؟ وكيف امتلك هذه المهارة؟" كانت تساؤلات غاج تدور في رأس جوليان نفسه لكنها لم تجد إجابة… بعد. . . . . في إحدى الغرف المتهالكة جلس فتى في الخامسة عشرة من عمره بإهمال على أحد الأسرة البالية بينما كانت نسمات الليل تعبث بخصلات شعره البنفسجي  تتسلل من النافذة المفتوحة. كان الليل حالكًا يغمر المكان بسكونه إلا أن السماء المضيئة بالنجوم أضفت عليه لمسة من السحر والجمال.  رمق الفتى الحقيبة الموضوعة أمامه الحقيبة التي سرقها من ذلك المحارب... جوليان إدموند.  ابتسم الفتى بخبث وغمغم بصوت منخفض يقطر مكرًا وغموضًا:  "بدأنا اللعبة ياجوليان  إدموند..." ثم انطلقت ضحكته خافتة... غامضة... تحمل في طياتها وعدًا بالفوضى القادمة. . . . . . . . . في تلك الليلة الساكنة بعد أن هدأت الأصوات وعمّ الهدوء أرجاء المنزل شعرت تولين بوحدة خفيفة تخالطها سكينة غريبة. الجميع قد انسحب إلى غرفته بعد ليلة مليئة بالضحك والمزاح والمشاجرات الطفولية التي تحمل بين طياتها دفئًا عائليًا افتقدته طويلًا. وقفت تولين عند النافذة نظرت نحو السماء التي اكتست بالسواد تتلألأ فيها النجوم كحبات ماس مبعثرة وبدأت ندفات الثلج تتساقط بهدوء كما لو أنها ترقص على أنغام لحنٍ لا يُسمع. فتحت الباب بهدوء وخرجت إلى الحديقة الصغيرة مدت يديها تتلقف حبات الثلج وتهمس:  "ما أجمل الثلج... أليس كذلك رايفل؟" لم يكن ذلك سؤالًا بل يقينًا.  تقدم منها بخطى هادئة وعلى غير عادته لم يسبق صوته قدومه بل جاء صوته منخفضًا كأنما يهمس للليل:  "كيف علمتِ أنه أنا؟" ابتسمت دون أن تلتفت إليه ونظرت إلى السماء قائلة:  "حين طردتك خالتي إلى الخارج لم تتذمر... لم ترتجف كما فعلت ريفين بل بقيت كما أنت وكأنك معتاد على بردٍ كهذا. عرفت حينها أنك تحب الثلج ولهذا توقعت أنك لن تقاوم الخروج." صمت للحظة، ثم قال بابتسامة خفيفة:  "تحليل ذكي... لم أتوقعه منك." ردّت بهدوء، وعيناها لا تزالان تتأملان تساقط الثلج:  "أحيانًا ألاحظ أكثر مما أُظهر." ساد صمت قليل بينهما  لم يقطعه سوى صوت الثلج وهو يلامس الأرض بلطف وكأن العالم كله توقف ليستمع لهم.  تحدث رايفل بنبرة هادئة لأول مرة، خالية من سخرية أو تحدٍ:  "الثلج دائمًا يُشعرني بالسكينة… وكأنه يغسل كل شيء حتى ما بداخلنا."  نظرت إليه تولين بدهشة لم تعتد على سماعه يتحدث بهذا العمق.  ردت بصوت خافت:  "تمامًا… وكأنه يمنح القلب فرصة ليهدأ ويبدأ من جديد."  تلاقى صمتهما مرة أخرى لكن هذه المرة لم يكن صمتًا محرجًا  بل كان دافئًا... مريحًا، تمامًا كالعائلة التي احتضنتهما لتوهما. رايفل بابتسامة خفيفة وهو يضع يديه في جيبيه:  ". أنتِ ضعيفة... لكنك ذكية." تولين عقدت حاجبيها بانزعاج وعبست بوجهه:  "للمرة المليون، أنا لستُ ضعيفة!" ضحك رايفل بسخرية مستفزة وقال بنبرة لاذعة:  "لو لم تكوني كذلك لما استسلمتِ لذلك المحتال وهو يطعنك دون مقاومة." كلماته كانت كالسهم أصابت أعمق جرحٍ فيها. تسمرت تولين في مكانها وانخفض بصرها تدريجيًا.  وجه الطبيب الراحل مرّ أمام عينيها كشبح مؤلم... كيف ضحى بحياته من أجلها  ليُنقذها من السمّ الذي دسّ لها بينما كان الموت أقرب لها من التنفس. ألمٌ خافت زحف إلى صدرها ليس فقط من الجرح أو السم... بل من الخيانة.  ذلك اليوم... حين صدّقت كايد وثقت به ببضع كلمات ناعمة ومعسولة. كيف؟ كيف خدعها بسهولة؟ كيف سمحت لنفسها أن تفتح له قلبها؟!  لقد كادت أن تُسجن... أو تُعدم... ولكن الأسوأ من كل ذلك أنها خُذلت. وتلك الخيانة لن تُغتفر. عضّت على شفتيها وهمست في نفسها:  "تبا لك يا كايد... لن أنسى ولن أسامحك... ." قبضت تولين على يدها بغضب عيناها اشتعلتا بحقد دفين…  منهم جميعًا… ومن جوليس أكثر من أي أحد.  كيف سمحوا لأنفسهم بأن يطعنوها في ظهرها هكذا؟! لكن… وسط عاصفة أفكارها تلاشى الغضب تدريجيًا عندما تذكرت شيئًا جعلها تتوقف فجأة.  لماذا أنقذها رايفل؟ رفعت عينيها نحوه وسألت بدهشة ممزوجة بالحيرة: "رايفل… لماذا أنقذتني؟ لا أظن أنك من النوع الذي يورّط نفسه من أجل فتاة متنكرة لا يعرف من تكون…  ربما أُسبب لكم المتاعب… وكان من الأسلم أن تتركني لمصيري فلماذا؟" تغيرت ملامحه قليلاً… نظراته لم تعد ساخرة بل امتلأت بشيء مختلف.  شجن. تنهد وابتسم ابتسامة خفيفة لكن خلفها حزن عميق وقال بنبرة هادئة: "أنا لم أنقذك شفقةً… ولا لأنك ضعيفة أو مجرد فتاة ضائعة…  أنا أنقذتك… لأنني أدين لجدك.  ذلك الرجل… فعل لأجلي شيئًا ذات يوم لن أنساه ما حييت.  ولأنني لا أستطيع ردّ الدين له الآن… قررت أن أرده لكِ حفيدته." سكتت تولين  واتسعت عيناها بدهشة.  لم تكن تعرف أن لجدها هذا التأثير… أو أن أحدًا احتفظ له بجميل كل تلك السنوات. رايفل أكمل وهو ينظر إلى الأفق: "أنا لا أرد الجميل فقط… بل أحمي إرثًا تركه لي رجل… لم يشبه أحد." تولين شعرت بالحزن لكنها لم تستطع كتم تساؤل داخلها…  كيف يعرف جدي؟! هل التقى به يومًا؟ وما هو "الدين" الذي يتحدث عنه؟  سألته بصوت خافت لكنه يحمل إصرارًا: "ما هو الدين الذي قمت برده؟ هل يمكنك أن تخبرني… أرجوك؟" ساد الصمت للحظة قبل أن يبتسم رايفل ابتسامة حنين خافتة لكن عينيه كانتا تقولان شيئًا أعمق وكأنه عاد بالزمن فجأة… "حسنًا… سأحكي لكِ قصتي وقصة الدين الذي أدين به لجدك." جلست تولين تنظر إليه بتركيز كأنها تقرأ حروفًا خفية على ملامحه. بدأ يتحدث بنبرة دافئة: "كنت في الحادية عشرة من عمري… صغير متهور أعشق البحر.  والدي كان قبطاناً ماهرًا وكنت أرافقه دومًا لأتعلم منه.  وفي أحد الأيام… اجتاحتنا عاصفة عنيفة قلبت السفينة بالكامل… وفقدت كل شيء.  استيقظت بعدها لأجد نفسي في كوخ دافئ لا أعلم من أكون… ولا حتى اسمي.  فقدت ذاكرتي تمامًا… ووقتها وجدتني بين يدي رجل عظيم… جدك." تنهد قليلًا وكأن الذكرى أحكمت عليه قبضتها: "اعتنى بي وكأني أحد أبنائه… رغم أنني غريب مجهول ومثقل بالجراح.  كنت أعيش معه… وكان عمركِ وقتها أربع سنوات.  كنتي فتاة مشاكسة للغاية    حتى أنه كان يعاني من تربيتك معًا!" وفي نهاية تلك السنوات بدأت ذاكرتي تعود شيئًا فشيئًا… وعرفت من أكون.  وقررت الرحيل… ولكنّي أقسمت لنفسي إن جاء يوم وأحتاج  لأي شيء سأكون أول من يدافع عنه… أرد له الدين الذي لا يُرد." نظر نحو السماء وتحدث كأنه يهمس لروحه: "لو لم يكن جدك… لما كنت أنا هنا اليوم.  ولهذا… حياتك أصبحت ديني." ضحك بخفة، ثم أكمل بنبرة مفعمة بالمودة: "مكثت معه ثلاث سنوات… كان خلالها كل شيء بالنسبة لي. رافيل بصوت هادئ لكنه مملوء بالحنين: "وعندما استعدت ذاكرتي…  قررت العودة لعائلتي ولكن… لم يكن الوداع سهلًا أبدًا.  جدك  رغم أنه لم يكن يعرفني قبلها عاملني كأنني ابنه.  اهتم بي رباني وفتح لي بيته وقلبه… كنت مدينًا له بكل شيء.  وحين رأيتك أول مرة… عرفت أنكِ أنتِ.  شعرك الأحمر  حركاتك المتهورة  الصغيرة وتلك النظرات…  لذلك عرفتك  ." تنهد ثم أكمل بصوت يحمل حزنًا دفينًا: "وعرفت أيضًا أنه رحل…  لأن من المستحيل أن يتركك تسيرين  وحدك في هذا العالم.  فقررت… أن أكون أنا من يفي بوعده لك.  أن أرد له جميله… من خلالك." تولين  شعرت بشيء يخنق قلبها اشتاقت لجدها لحد البكاء تجمعت دموع في عينيها لكنها مسحتهما بسرعة رفعت نظرها نحو السماء: "أنا… ضعيفة يا رافيل.  أتمنى فقط لو أمتلك القوة لأنتقم ممن تسبب في موت جدي.  أنت كنت محقًا…  أنا… أضعف من عصفور يمكن اصطياده بسهولة." رافيل صُدم من كلماتها تغيرت ملامحه في لحظة… تقدم منها بسرعة وصفعها صفعة خفيفة لكنها صادمة صوته خرج حادًا، مليئًا بالغضب: "تقولين هذا… بعد كل ما فعله جدك لأجلك؟!  بعد أن ضحّى بحياته وربّاكِ  وحماكِ…  تصفين نفسك بالجبن؟  تولين التي عرفتها لم تكن كذلك…  إن كنتِ حقًا تريدين القوة فلا تتحدثي بهذا البرود واليأس أظهري بعض الحقد بعض الغضب لا تكوني تلك الفتاة التي تُثير شفقة الجميع!" توقف لحظة حدّق في عينيها بنظرة خيبة: "أنتِ الآن… لستِ تولين بل ظل خافت لها." واستدار ثم دخل المنزل بغضب… يترك خلفه تولين واقفة وسط الثلج صمت يلفّها ودمعة أخيرة سقطت على خدها. بدأت دموعها تتجمع في عينيها ليس ضعفًا هذه المرة بل وجعًا…  كلمات رافيل كانت كالسكاكين مؤلمة لكنها حقيقية…  نعم لقد كانت تستسلم تبكي تتهرب…  بينما جدها تعذب لأجلها فدى روحه لتحيا فكيف لا تحقد؟ كيف لا تغضب؟ "كفى!"  همست بها كأنها صحوة مفاجئة في روحها. لقد اكتفت من دموعها من خنوعها من الارتجاف والخوف…  من هذه اللحظة لن تسمح لهم بالتمادي…  جوليس ورجاله؟ ستجعلهم يندمون وستذكرهم باسمها جيدًا.  ستكون تلك الفتاة التي إذا ذُكرت… يقشعرّ لها جسد العدو. مدّت يدها إلى قلادتها سحبتها من عنقها ورفعتها نحو السماء  الثلج يتساقط من حولها والنجوم تلمع… لكنّ عينيها كانتا الأشد بريقًا. تولين بصوت متوهج بالعزم:  "أقسم…  أنني سأُبيد كل من تجرأ على إيذاء أحبّتي  وأنني سأنتقم لك يا جدي…  وسأصبح تلك المحاربة التي تحفر اسمها في ذاكرة الجميع.  هذه القلادة… لن أفرّط بها.  هي ما تبقى لي من أمي  وهي ما أوصاني الطبيب أن أحتفظ بها وفي الحلم… قلت لي: حافظي عليها لا أعلم سرها بعد… لكنني أشعر بقوتها في داخلي  تدفعني تحميني… تُشعل فيّ العزم من جديد." أعادت القلادة إلى صدرها…  واستدارت نحو المنزل.  كل خطوة كانت كأنها تدوس على ضعفٍ قديم وتدفنه،. تخطو لتصبح شيئًا جديدًا…  تولين التي لن تُثير شفقة أحد… بل احترام الجميع. قضت ليلتها هادئة وعينها على السقف…  تمنّت فقط أمنية واحدة  "أن تصبح من تكون… من ولدت لاتكونها."  ولم تكن تعلم أن الإجابة…  أقرب مما تظن. ═══════✿ ✿═══════ بعدما انتهت البارات السابقة… تُركنا أمام أسئلة كثيرة ومشاعر متضاربة:  من هو ذاك الفتى الغامض الذي سرق حقيبة جوليان ؟ وما غايته جوليان  من دخول مملكة ساهاريل؟  هل يبحث حقًا عن مكان بين الفرسان؟ أم أن وراء ظهوره سرًا لم يُكشف بعد؟ وفي الجانب الآخر…  كلمات رافيل القاسية، هل كانت ظلمًا لتولين؟ أم كانت الشرارة التي تحتاجها لتستفيق من ضعفها؟  وهل ستتمكن تولين من النهوض فعلًا، وتصبح تلك المحاربة التي لن يُستهان بها يومًا؟ كل هذه الأسئلة وأكثر… سنكتشفها في البارات القادمة!  وشكرًا لكل من يقرأ ويدعم، أنتم وقود الإبداع! وداعاً o(〃^▽^〃)o