البارات( 7)
أولى خيوط الفجر، تسللت أشعة الشمس الذهبية من خلف الستائر، تراقصت على ملامح "تولين" الهادئة، وهي تغطّ في نومٍ عميق، وكأنها لا تزال عالقة في حلمٍ بعيد.
خارج النافذة، بدأت العصافير تزقزق بلحنٍ عذب، معلنةً عن بداية يومٍ جديد في هذا القصر الغريب عنها، حيث لم تعتد على دفء الجدران ولا رائحة الأثاث.
تحرّكت تولين ببطء، فتحت عينيها بتثاقل، ثم تنفّست بعمق كأنها تحاول استيعاب ما مرّ بالأمس. تمتمت بصوت خافت، وهي تنظر إلى السقف:
أين أنا...؟ آه، نعم... القصر... إيما...
اعتدلت جالسة، فركت عينيها بكفّيها، ثم نهضت واقفة، مستذكرة أنها ستغادر قريبًا. توجّهت نحو حقيبتها الصغيرة، فوجدت ملابسها مطوية ومرتبة بعناية، تفوح منها رائحة النظافة. ابتسمت بامتنان، وهمست:
لا شك أن إيما طلبت من الخادمة أن تعتني بها ليلة البارحة...
أخذت الملابس بخفّة وذهبت لتستحم سريعًا استعدادًا للرحيل.
---
في جناحٍ آخر من القصر...
كانت "إيما" تجلس بهدوء في غرفتها، وإلى جوارها شقيقها "جوليان"، وقد بدا على ملامحها الحزن.
نطقة بصوت خافت يخالطه العتب :
جوليان... لماذا تريد السفر؟ وما هذه المهمة المفاجئة التي ستأخذك بعيدًا وتتركني وحيدة؟
تنهد جوليان وهو يغلق حقيبته، ثم اقترب منها وجلس بهدوء، واضعًا يده على كتفها :
إيما، عليّ أن أذهب... إنها مهمة ضرورية. ثم إن الأمر يتيح لي فرصة نادرة لتعلّم فنون القتال من أساتذة مهرة، وأنا لا أريد أن أضيّعها.
رفعت إيما رأسها إليه بابتسامة صغيرة :
حسنًا، أخي. أتمنى لك سفرًا موفقًا، ولا تنسَ أن تشتري لي هدية.
ضحك جوليان، وعبث بخصلات شعرها برقة :
بالطبع يا إيمي.
ثم تذكّرت إيما تولين، وقالت بابتسامة هادئة:
أوه، كدت أنسى... تولين ستغادر اليوم. كنت أتمنى لو بقيت معنا، لكنها رفضت.
نهض جوليان يرتب أشياءه الأخيرة استعدادًا للرحيل، نظر إلى شقيقته قائلاً بتساؤل :
بالمناسبة... لم تتح لي الفرصة لأتعرّف على تولين جيدًا. لم أرَها سوى وقت امس مساءً ، وأيضًا، إلى أين ستسافر؟
رفعت إيما كتفيها بلا مبالاة طفيفة، وقالت :
لا أدري... سألتها، لكنها أجابتني:
"لا أعلم، سأسافر وأبحث لأجد إجابتي..."
«هكذا كان ردّها تمامًا.»
عقد جوليان حاجبيه باستغراب :
تسافر لتجد إجابة؟ حقًا... فتاة غريبة.
وقفت إيما من مكانها، واتجهت نحو الباب ثم التفتت إليه بابتسامة مشاكسة :
بالمناسبة، لا تخرج قبل أن أودّعك.
ضحك جوليان وقال
مازحًا :
سأهرب من طلباتك... أنا أعرفك جيدًا.
عبست إيما، وأخرجت لسانها بمزاح طفولي :
أحمق!
ثم خرجت مسرعة من الغرفة، بينما انفجر جوليان بالضحك على مزاحها اللطيف وغضبها الظريف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في تلك اللحظات، كانت تولين قد أتمّت تجهيز نفسها، وحملت حقيبتها الصغيرة ثم اتجهت نحو السلالم، حيث التقت بإيما التي كانت في طريقها إليها.
ابتسمت تولين بلطف :
صباح الخير، إيما. كيف حالك؟
قالت إيما بصوت حزين، وعيناها تحملان لمعة الوداع :
صباح النور... أنا بخير، ولكن قلبي مثقل بالحزن، فأنتِ سترحلين، وأخي جوليان أيضًا سيسافر اليوم...
ابتسمت تولين بمواساة وحنان:
""لا تحزني، عزيزتي إيما... سنلتقي يومًا ما، فقط تفاءلي.
أومأت إيما برأسها بخفوت وهمست :
أتمنى ذلك، حقًا...
خرجت تولين من القصر، وكانت إيما ترافقها بخطى بطيئة ودموع الوداع تلمع في عينيها. وفي الخارج، كان جوليان يتحدث مع شقيقه إيثان حول ترتيبات سفره.
تقدمت إيما نحو جوليان، وقالت بحماس :
أخي جوليان، ما رأيك أن تأخذ تولين معك في العربة؟ أنت ذاهب إلى العاصمة، أليس كذلك؟ وستسافر من الميناء... تولين أخبرتني أنها ترغب في ركوب سفينة أيضًا، لكن وجهتها مختلفة.
ابتسم جوليان وأجابها بهدوء :
لا بأس، موافق... قولي لها أن تأتي.
ركضت إيما نحو تولين بسعادة، ثم قالت وهي تلهث :
تولين، ما رأيك أن تذهبي مع أخي في العربة إلى العاصمة؟ سيذهب إلى الميناء أيضًا، إنها فرصة مريحة لك.
احمرّ وجه تولين بخجل، وقالت :
لا بأس، إيما... لا أريد أن أسبب لكم المتاعب. شكرًا على كل شيء فعلته من أجلي، سأتدبر أمري بنفسي...
لكن إيما لم تدعها تكمل، فأمسكتها من معصمها برقة وأجابت بنبرة عتاب :
كفِّي عن عنادك يا تولين... وإلا سأغضب منك كثيرًا.
تنهدت تولين باستسلام وهمست :
كما تشائين..."
عانقتها إيما عناق وداع مؤثّر، فشدّت تولين عليها وهمست في أذنها :
تذكّري ما قلته لكِ بالأمس...
أومأت إيما بحزن، تحبس دموعها بصعوبة.
ــــــــــــــــــــــــ
في وقت لاحق، جلست تولين داخل العربة برفقة جوليان، بعد إصرار إيما على أن ترافقه.
كانت تولين تحدّق بصمت من نافذة العربة، تنظر إلى المناظر
الخلّابة، بينما شرد ذهنها بعيدًا...
لاحظ جوليان شرود تولين العميق، فكر للحظة في كسر ذلك الصمت الثقيل الذي خيّم عليهما. تنحنح بصوت خافت علّه يلفت انتباهها، لكن تولين بقيت شاردة، تحدّق من النافذة بعينين غارقتين في البُعد.
رفع حاجبه بدهشة وهمس لنفسه بابتسامة ساخرة :
فتاة غريبة... تبدو وكأنها عجوز هرمة غرقت في الذكريات.
لم تستطع تولين كتم ضحكتها، وقد التقطت همسه الأخير.
ابتسم جوليان وقال بمزاح :
"أخيرًا... لقد عاد وعيكِ من رحلته الطويلة.
ابتسمت تولين بلطف وقالت :
كنت فقط أتأمل الأشجار والسماء... أحب الطبيعة كثيرًا.
هز جوليان رأسه بتفهم، ثم سألها بعد تردد :
هل أنتِ إسبانية حقًا؟
نظرت إليه تولين باستغراب :
" نعم، بالطبع... لماذا تسأل؟
تفحّص ملامح وجهها قليلًا ثم قال :
ملامحك لا تشبه الإسبانيات كثيرًا... شعركِ الأحمر الفاتح لا يبدو مألوفًا.
أجابت بهدوء :
أعلم، لطالما أخبرني الناس بذلك... لكن هذا لا يغيّر شيئًا.
غيّر جوليان الموضوع سريعًا وقال :
بالمناسبة، قلتِ إنكِ ستسافرين على متن سفينة، أليس كذلك؟
أومأت تولين :
نعم.
ضحك جوليان بنبرة خفيفة :
وهل تعتقدين أنهم سيسمحون لطفلة بالسفر وحدها؟
تفاجأت تولين، واتسعت عيناها :
ولِمَ لا؟ دائمًا يقولون إننا صغار ولا يناسبنا السفر أو الاستكشاف. تبا لهم! سأذهب رغمًا عن أنوفهم، ولا يهمني رأي أحد!
ابتسم جوليان بمزاح مرح وقال :
لأنكم ما زلتم أطفالًا... يخشون أن يصيبكم مكروه، لذا لا يُسمح لكم بالسفر وحدكم. هناك عصابات في بعض العاصمات ، وقطاع طرق، وحتى وحوش في الغابات. الأمر ليس بهذه البساطة، تولين... إنه خطر عليكِ.
عقدت تولين حاجبيها بضيق، وردّت بانزعاج :
أنا لستُ طفلة، وأستطيع أن أعتني بنفسي جيدًا. وأي شخص يجرؤ على لمس شعرةٍ مني... سأكسر يده! ثم إنه لا وجود للوحوش، عزيزي!
ضحك جوليان بخفة واكتفى بابتسامة.
___________
عندما وصلا إلى الميناء، نزلت تولين من العربة، فتقدّم جوليان نحوها بابتسامة ودودة وقال :
أتمنى لكِ حظًا موفقًا في رحلتك، تولين.
بادلت تولين ابتسامته بلطف :
وأنتَ كذلك، جوليان.
مدّ يده نحوها، وفي كفّه خنجر صغير مصقول :
خُذيه... ربما تواجهين صعوبات، وقد تحتاجينه. سيكون مهمًا لرحلتك.
نظرت إليه تولين بامتنان، ثم هزّت رأسها نافية :
شكرًا لك، جوليان... لكنه خطير، ولا أظن أنني سأحتاجه.
قال جوليان بابتسامة هادئة ونبرة مطمئنة :
صدقيني، قد ينقذك. احتفظي به، وعندما نلتقي مجددًا... سوف اخذه منك ولكن بشرط ان تصبحين اقوى
تردّدت للحظة، ثم أومأت وأخذته منه بلطف :
شكرًا لك حقًا، جوليان...
جوليان بصوت منخفض:
لا شكر على واجب. فقط... فكّري، ما الذي ستفعلينه؟ من الصعب أن يقبلوا بوجود فتاة شابة تسافر وحدها بهذا العمر.. الصغير
تولين وضعت إصبعها على ذقنها بتفكير، ثم قالت بهدوءو :
سأتصرّف... لا تقلق بشأني.
بعد أن ودّعته، بدأت تولين تتجول بنظرها في أرجاء الميناء الكبير، تبحث بعينيها عن حل، بينما كلمات جوليان الأخيرة تطنّ في أذنها...
لن يسمحوا لكِ بالسفر، أنتِ صغيرة في السن...
تنهدت، ثم توقفت فجأة وبدت عليها لمحة إصرار. فُتحت في ذهنها فكرة مجنونة، لكنها وجدت فيها أملًا، رغم خطورتها.
ربما... إن تنكرت كفتى...
أسرعت بخطواتها نحو أحد المتاجر الصغيرة لبيع الملابس، وبدأت تتأمل ما يُعرض من أثواب وأغطية وعباءات. وقعت عيناها على سترةٍ بسيطة وبنطال فضفاض، بدا مناسبًا للتنكر، فاختارته بحماس، ثم دفعت ثمنه ببعض المال الذي كانت إيما قد أعطته لها تحسّبًا لأي طارئ.
أخذت تولين قبعة واسعة لتغطي بها شعرها الأحمر اللافت للنظر. وبينما كانت تستعد لدخول غرفة تبديل الملابس، سمعت صوت طفلة تبكي.
استدارت، لترى فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها السادسة، بشعر بني وعينين بنيتين، تركض نحوها وتتشبث بقميصها، تنظر إليها بعينين دامعتين وتصرخ بسعادة :
امي !!
رمشت تولين بعينيها بدهشة وذهول، وقد ترددت على مسامعها كلمة لم تكن تتوقعها...
"امي!"
كانت الطفلة الصغيرة تضحك وتكرر النداء، بينما تحاول تولين التراجع، إلا أن الطفلة تمسكت بها أكثر، وكأنها تعرفها حقاً.
لم تمضِ لحظات حتى ظهر والد الطفلة، منجذباً لصوتها المرتفع. لم يُعِر تولين أي انتباه وهو يأخذ ابنته بين ذراعيه، في حين ظلت الصغيرة تشير إليها وتهمس بتعلّق :
"امي..."
رفعت تولين كتفيها بحيرة، غير مستوعبة ما حدث. لكن سرعان ما قطعت شرودها، فتذكرت أنها في خضم مغامرة لا تحتمل التأخير.
ركضت نحو غرفة تبديل الملابس داخل المتجر، واستبدلت ثيابها بملابس صبيانية بسيطة، ثم ربطت شعرها بإحكام، وأخفت خصلاتها النارية تحت قبعة واسعة. وقفت أمام المرآة، تنظر إلى انعكاسها بعين ناقدة، ثم همست بقلق ممزوج بابتسامة خفيفة :
"جيد... أتمنى ألا يُكتشف أمري."
خرجت من المتجر مسرعة، تتجه إلى الميناء بخطى متسارعة، تخشى أن تفوتها السفينة. وما إن وصلت حتى رأت مجموعة من البحّارة يحمّلون السفينة بالصناديق والمؤن، ويضبطون الأشرعة تحت صخب الأمواج والنداءات العالية.
تأملت البحر بعينين منبهرتين؛ كانت هذه أول مرة تراه فيها... فقد نشأت في قرية جبلية لم تكن ترى فيها سوى الصخور والضباب. أما الآن، فالمياه الزرقاء المتلألئة بدت لها كالسحر، تسلب الأنفاس.
استجمعت شجاعتها، وتقدّمت بخطى ثابتة نحو أحد البحّارة، وتحدثت إليه بتردد :
"سيدي... أريد أن أعمل بحارًا."
التفت الرجل إليها باندهاش، رفع حاجبه وقال بنبرة ساخرة:
"تريد أن تعمل بحارًا، أيها الصغير؟"
تولّتها موجة توتر، لكنها لم تُظهرها، بل حاولت التماسك وقالت بصوت ثابت، فيه بعض الحدة :
"نعم، أريد أن أعمل. وهل في ذلك عيبٌ، يا سادة؟"
انفجر البحّار ضاحكًا، ولحقه بقية الرجال، ضحكاتهم ملأت المكان، لكن تولين وقفت شامخة، تحدّق بهم بثقة، تخفي خلفها قلبًا يرتجف...
ازداد ضحك البحّارة عالياً، حتى قال أحدهم
وهو يمسح دموعه من كثرة الضحك :
"حسنًا يا فتى، ما اسمك؟"
أجابت تولين بثبات وبرود، تخفي ارتجاف قلبها:
"أُدعى توليان."
توقف الرجل قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة ماكرة وقال :
"حسنًا، تعالَ معي يا توليان، ربما تكون مفيدًا لي في رحلتي."
كان أحد الرجال الآخرين يراقب الموقف بعدم ارتياح، فاقترب وقال بتحفّظ :
"ريكاردو، مهلاً... ماذا تقصد بضمّه معك؟ هل جننت؟ هذا الفتى سيُعرقل رحلتك، والقائد لن يرضى عن هذا!"
ألقى ريكاردو نظرة جانبية حادة نحوه، ثم ردّ ببرود مريب :
"إن لم يكن مفيدًا... فسأرميه في البحر."
ساد صمت خفيف بينهم بعد كلماته، وحدها تولين شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، لكنها لم تُظهر خوفها، بل رفعت رأسها بثقة مصطنعة، وهمست في سرّها :
"لن أدعك ترميني... ولن أكون عبئًا."
أعاد نظره إليها وقال ببرود :
"هيا، قبل أن تغادر السفينة."
انتبهت تولين على صوته، وأومأت سريعًا :
"ح-حسنًا..."
ركضت خلفه بتوتر.
...
عندما وصلا إلى السفينة، أشار ريكاردو إلى أحد الصناديق وقال بنبرة آمرة :
"احمله."
تقدمت تولين نحو الصندوق بخطواتٍ واثقة، حاولت رفعه... لكن وزنَه كان مهولًا!
"يا إلهي... كأن بداخله صخور!"
همست لنفسها وهي تحاول بجهد.
لم يرحمها ريكاردو، بل صرخ بها بقسوة:
"احمله، وإن تكاسلت... سأغرقك في البحر! هل هذا مفهوم؟"
بلعت تولين ريقها بخوف:
"م-مفهوم..."
استجمعت قوتها، رفعت الصندوق بصعوبة، وبدأت تسير نحوه، لكن...
فجأة، انزلقت قدمها وسقط الصندوق من بين يديها، متدحرجًا أمام أنظار البحارة.
انفجر بعضهم ضاحكين بسخرية، بينما علا صوت ريكاردو غاضبًا :
"تبا لك أيها الصغير عديم الفائدة!"
صرخ بصوتٍ أفزع تولين حتى كاد قلبها يتوقف.
هربت نحو السفينة وهي تلهث، جلست في زاوية تحاول تهدئة أنفاسها، تمتمت بغيظ :
"يا إلهي... هذا الرجل شريرٌ حقًا! أهرب من جوليس ، فأقع مع هذا؟ حظي تعيس دومًا...!"
وفجأة، سمعت خطوات خلفها، فزعت والتفتت بسرعة.
كان رجلًا في العشرين من عمره يرتدي قباعة قبطان، ملامحه حادة، تخفي وراءها هالةً غامضة ومرعبة. تجمّدت تولين في مكانها من شدّة رهبتها.
لكنه لم يقل شيئًا... فقط نظر إليها ببرود ثم مضى بهدوء.
تنفست تولين الصعداء، ثم استلقت بتعب، تنظر إلى السماء الزرقاء وطيور البحر التي كانت ترفرف بحرية.
لكن تأملها لم يدم طويلًا... فقد قُطع بصوت ريكاردو مجددًا، وهو يصرخ بها من جديد :
"أتيت بك لتعمل، لا لتستلقي وتتأمل السماء! انهضْ، نظّف السفينة وساعد البحّارة! هياااا!"
عبست تولين في سرّها بامتعاض :
"وكأنه ببغاء لا يتوقف عن الثرثرة... فيمَ ورّطتُ نفسي؟!"
في أعماق السفينة، وتحت أشعة الشمس المتسللة من بين الحبال والأشرعة، نهضت تولين من مكانها بهدوء، تنفض عن نفسها غبار التعب بعدما ثرثر عليها ذاك ببغاء وتبعثر الأحلام. جالت بعينيها الصغيرتين تبحث عن أدوات التنظيف حتى وقعت عليها فأخذتها وبدأت العمل بنشاطٍ وهمّة تخفي خلفها رغبًة صامتة في أن تُثبت جدارتها… أو ربما تهرب من أفكارها.
بعد أن أنهت تنظيف السطح، وقفت قليلًا تتأمل البحر الواسع، زُرقة لا تنتهي كأن السماء قررت أن تسكن الماء. الهواء كان عليلًا يحمل معه نسمات ملوّحة خفيفة وصوت طيور البحر يُضفي للمشهد حياة.
تنهدت بعمق ثم تمتمت في سرها :
"يا له من عالمٍ غريب... جميل وموحش في آنٍ واحد. "
لكن ما إن تذكّرت أن ريكاردو قد يعود ليثرثر عليها من جديد، حتى قبضت على أدوات التنظيف مجددًا وأسرعت الخطى باحثة عن عملٍ آخر تملأ به وقتها وتتجنب مواجهة ذلك "الببغاء البشري" كما وصفته ساخرًة في داخلها.
وهي تندفع بخطوات سريعة دون أن تنتبه، اصطدمت فجأة برجلٍ يبدو في منتصف العمر. اهتز جسدها قليلًا وسقطت حقيبته على الأرض.
تولين بتوتر :"آه! أنا آسف... لم أكن أنتبه!"
جثت على ركبتيها بسرعة، ومدّت يدها لتمسك بالحقيبة وتعيدها إليه، ...
لكن عينيه اتسعت فجأة...رجل
ذلك الوجه… هذه الملامح… شيءٌ فيها أشعل دفئًا غريبًا في قلبه .
كأنه يعرفه... كأنه رأى هذا الوجه يومًا ما… في حلم؟ أم في ذاكرةٍ ضبابية؟
ابتسم الرجل لها بودٍّ غريب، وحنانٍ خالص، ونطق بصوت هادئ عميق :
"لا عليك، يا صغير… حادث بسيط لا يستحق الاعتذار."
ثم أخذ حقيبته من يدها بلطف، وأكمل طريقه.
تولين ظلت مكانها، تنظر إليه وهو يبتعد.
ركضت بعدها إلى الداخل دون أن تلتفت.
بينما الرجل… وقف في مكانه قليلًا، نظر خلفه نحوها بصمت، وكأن قلبه همس بشيء لا يُقال. ثم استدار… وغاب.
.
.
.
.
.
.
.
بعيدًا… في أحد القصور المظلمة، حيث تتراقص ألسنة الشموع على الجدران الحجرية، جلس جوليس بكل هدوء، يتأمل كأس النبيذ بين أنامله وكأنها تحتوي على أسرار العالم. ابتسامة خبيثة ارتسمت على شفتيه، تنم عن مكر دفين لا يهدأ
كان أمامه رجل ضخم البنية، أحد فرسانه المأجورين، ينحني له بتقدير وانتظار.
قال جوليس بنبرة هادئة تحمل سمًّا :
"اسمع... لقد سمعت عنك الكثير. عن شجاعتك… واغتيالاتك الناجحة. لا تخيّب ظنّي بك، أفهمت؟"
أجاب الفارس بانحناءة خفيفة :
"أعدك أن أجدها وأسلمها لك كما وعدتك، لا تقلق… لكن، عائلتي… أريد أن تُدفع لهم الأموال التي وعدتني بها."
جوليس، بابتسامة مكر، مدّ يده ليضع الكأس على الطاولة ببطء ثم قال :
"لا تقلق… سأدفع لك نصف المبلغ الآن، وأكثر من النصف إن لزم الأمر. ولكن أولًا… أريدك أن تجدها، حتى لو كانت في سابع أرض. هل هذا واضح؟"
الفارس انحنى مرة أخرى :
"واضح… امهلني فقط بعض الأيام… وسأعيدها إليك."
…
في الزاوية، كان ليون واقفًا في الظل، يراقب بصمت، دون أن يشعر به أحد. النار كانت تشتعل داخله، تكاد تحرقه من الغضب المكبوت. قبض على قبضته بقوة، تكاد تعتصر العظم من شدة الغيظ.
"ذلك الوغد... والدي… لماذا لم يكتفِ بما فعله بها؟ لماذا يصر على مطاردتها؟!"
مرت في ذهنه كلمات سمعها من والده قبل أيام، حين رفض عرضًا مشبوهًا.
"أريد تزويجك من تلك الفتاة، تولين. إنها ستفيدنا كثيرًا."
ولكنه رفض. رفضه لم يكن عن كره لها، بل عن رفض لأن يُجبر على شيء لا يفهم سببه.
عبس ليون، وهمس لنفسه بضيق:
"لم تكن المسألة مجرد زواج… هناك ما هو أعمق. هو لا يريدها فقط… بل يريدها بشدة، كأنها قطعة مفقودة من لعبته. قال لي: (سوف تعرف يا ليون… وستندم لأنك رفضت عرضي)."
تكررت كلمات والده في رأسه، كأنها لعنة تحوم حوله، وهمس داخله :
"ما الذي يخطط له والدي ؟ وما علاقتها بكل هذا؟"
تنهد ليون بعمق، وملامحه مثقلة بالحزن، ثم غادر بهدوء متجهًا إلى مكانه المعتاد… ذلك الركن المعزول بين الأشجار، المطلّ على البحيرة الصغيرة، حيث اعتاد أن يلجأ كلما أثقل عليه التفكير وأرهقه قلبه.
جلس هناك، وأسند ظهره إلى الجذع العتيق، وأطلق زفرات متلاحقة، كأنها محاولة فاشلة لطرد الهم من صدره.
لكن شروده لم يدم طويلاً…
إذ شعر بيدين ناعمتين تغطيان عينيه من الخلف، ودفء مفاجئ لامس وجهه.
ابتسم ليون ابتسامة خفيفة وقال مازحًا:
"أممم… من هذه التي تحجب عني النور؟ آه! تذكرت… إنها ملكة قلبي."
تعالى صوت ضحكة ناعمة خلفه، ليزيح يدها بلطف، ويتلفت نحوها…
"كاثرين..."
عندما رأى ضحكتها، تلاشت جميع همومه، كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة.
كانت تضحك ببراءة، وعيناها تلمعان بنور لا يعرف الكذب.
جلست إلى جانبه بهدوء، ورفعت بصرها نحوه بابتسامة دافئة، ثم قالت :
"ليون… لماذا عيناك فقدتا بريقهما؟ يبدو عليك الحزن… ماذا يثقل كاهلك؟"
صمت للحظة، ثم تنهد مرة أخرى وكأن صدره ضاق بكل ما فيه، وقال بنبرة يغمرها الأسى :
"كاثرين… تعرفين كيف هو والدي… كل ما يشغله هو المال، السلطة، النفوذ. لا شيء آخر يهمه… لقد أرهقني، أتعبني بقراراته الأنانية."
أخفض بصره، وصوته اختنق قليلاً :
"تولين… لقد شردها بسببه، فتاة صغيرة لا ذنب لها… لا أعلم ماذا يريد منها. ثم فجأة يطلب مني الزواج بها؟! لم أفهم غايته، ولكنني لن أسكت… سأبحث، سأعرف ما يخطط له."
استمعت كاثرين لكل كلمة، بعينين تغشاهما الحنان والحزن معًا.
ثم مدت يدها وأمسكت بكفه برفق، كأنها تمسح عن قلبه بعضًا من وجعه.
نطقة بهدوء رقيق :
"أفهمك يا ليون… وأشعر بكل ما يدور في خاطرك. لكن، لا تنعته بالجشع، فهو لا يزال والدك، ورضاه عليك واجب، حتى وإن آلمك. لا تعارضه علنًا، فقط اصبر… ونفّذ أوامره بحذر حتى تمر العاصفة. سيأتي يوم… وتخرج من ظله، حرًّا، بشرفك وقراراتك."
نظرت إليه بابتسامة صادقة، وهمست :
"وأنا… سأكون إلى جانبك دائمًا، مهما اشتدت عليك الأيام."
اتّسعت عينا كاثرين قليلاً، حين باغتها صوته المتهدّج بالحزن، وقد بدا وكأنه يلفظ الكلمات من أعماق جرحٍ لم يلتئم بعد. التفت نحوها، عينيه تشتعلان بغضب مكتوم، وصوته مكسور :
"أتُريدين مني أن أطيع جميع أوامره؟ كاثرين... ليت الأمر بهذه البساطة."
أخفض بصره، وكأنما يخجل من العالم، ثم تابع بصوتٍ متهدّج :
"إنه يريدني أن أُصبح مثله... أن أستغل، أن أتاجر بالمشاعر، أن أستخدم فتاة لا تزال في الرابعة عشرة من عمرها كأداة لتحقيق أطماعه."
رفع عينيه نحوها، وصوته يرتعش وهو يقول:
"أنا في الحادية والعشرين... إنني أراها كأختٍ صغيرة، لا كعروس! لقد اعتنيت بها منذ أن كانت بالكاد تميز بين الأشياء. لقد كانت تناديني باسمٍ مشوّه وتضحك، وأنا... كنت أضحك معها من أعماق قلبي. بعد رحيل أختي، كانت تولين كل ما تبقّى لي من شعور بالأخوّة."
عض على شفتيه قهرًا، ثم أكمل :
"قبل أيام، فقدت أعصابي… صرخت بوجهه. وفي لحظة، صفعني أمام الخدم، أمام الحراس، وكأن كبريائي لا يعني له شيئًا! لم يترك لي احترامًا... فقط يريد طاعتي العمياء."
توقف لثوانٍ، ثم نظر إليها بنظرة شاردة، فيها وجعٌ دفين :
"أمي... ماتت على يديه. لا بسيف، بل بصمته، بإهماله، بإذلالها المستمر. واليوم، يريد أن يُكرر المأساة مع تولين. رأيته بعيني يُرسل فارسًا ليعيدها بالقوة... وكأنها شيء يملكه."
"لن أسمح له بذلك، كاثرين... إلا على جثتي."
كان صوته حازمًا، لكنه كان أيضًا مُتعبًا، كأنه يحارب العالم وحده.
نظرت إليه كاثرين بعينين يملؤهما الأسى، ثم اقتربت منه وأمسكت يده برفق، وهمست :
"ليون... أعلم كم يُؤلمك ما يحدث، وأعلم كم حملت وحدك. لكن لا تجعل الغضب يسرق حكمتك. اصبر، لا لأجله… بل لأجل تولين. اصبر حتى تكون قوياً بما يكفي لتحميها فعلاً، لا بالكلمات... بل بالفعل."
ابتسمت بحنان وهي تتابع :
"وسواء كانت أختك أو أكثر… يكفي أنها وجدت فيك قلبًا يحميها. وهذا وحده... كافٍ ليجعلك مختلفًا عن والدك."
تنهد ليون وأمسك بيدها نطق بصوت حزين : كاثرين كلماتك هي علاج لقلبي وروحي"
ابتسمت كاثرين بخجل وشتعلت وجنتيها خجلا
.
.
.
.
.
.
. في المساء
في تلك اللحظة، كانت تولين تأكل طعامها بهدوء وسط البحّارة الذين كانوا يتحدثون ويضحكون بصوت مرتفع. فجأة، التفت أحدهم إليها بسخرية :
"هِيَ أَنْتَ! اذهب وأحضر لنا نبيذاً."
فتحت تولين عينيها اتساعاً، لم تصدق ما سمعت، كيف له أن يطلب منها ذلك؟! نبيذ؟!
ردت عليه بنبرة حادة وصرخت :
"لَا!"
اشتعل غضب الرجل فجأة، اقترب منها بغضب عارم، أمسك بقميصها بقوة ورفعها وهو يصرخ :
"أَيُّهَا السَّافِلُ الْحَقِيرُ سَتَدْفَعُ الثَّمنَ!"
ورماها بعنف حتى ارتطمت بجدار السفينة بقوة.
شعرت تولين وكأن جسدها تكسرت عضامه ، وسال قليل من الدم من رأسِها، لكنها نظرت إليه بتحدٍ وابتسامة تهكمية.
اقترب منها، وشرر الغضب يتطاير من عينيه، صرخ بغضب :
"أَيُّهَا الْحَقِيرُ!"
ثم أمسك بوجهها بيد قوية ووجّه لكمة عنيفة...
شعرت بألم ممزوج بدماء يخرج من فمها تذكرت الخنجر انه في جيبها
صرخ من الألم بعدما شقّ الخنجر جلد خده. امتزج الدم بالغضب في عينيه، وانقضّ عليها بوحشية، قبض على عنقها بقوةٍ وكأنّه ينوي أن يسحق آخر أنفاسها.
كانت تولين تحاول دفعه، ترفس بقدميها، وذراعاها ترتجفان وهما تمسكان بمعصميه دون جدوى. الهواء بدأ ينقطع... رؤيتها أصبحت مشوشة... وشعرت وكأن قلبها سيتوقف.
وفجأة...
"تَوَقَّف، كَايْد!"
جاء صوت ريكاردو حاداً كالسيف. اقترب بخطوات ثابتة وهمس في أذن المعتدي :
"خطّتنا ستفشل إن قَتَلْته الآن. احتفظ به... وقت لاحق اقتله."
تصلّبت ملامح كايد، صكّ على أسنانه بعنف، ثم رماها أرضاً دون رحمة. ارتطم جسدها الخائر بالأرض، وبدأت تسعل بعنف تحاول استرداد أنفاسها المختنقة.
وقبل أن يغادر، التفت إليها بنظرة قاتلة وقال :
"موتك سيكون على يدي... أيها الجرذ."
اختفى صوته بين خطواته الثقيلة.
أما تولين، فقد بقيت ملقاة على الأرض، تتنفس بصعوبة، ودموعها اختلطت بدمها المتساقط. نظرت إلى ريكاردو من بعيد بعينين تملؤهما الكراهية، لكنه رمقها ببرود، وابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه، قبل أن يستدير ويغادر دون أن يحرك ساكنً
تولين، وقد كاد نفسها ينقطع، سعلت بشدّة وهي تضع يدها على عنقها المُتألّمة، تحاول التقاط أنفاسها المتقطّعة.
"أ... أنت حقير ..." تمتمت بصوتٍ مبحوح،
جلست متكئة على الحائط، الدم ما زال يقطر من زاوية شفتيها، وعينها تتورم شيئًا فشيئًا. همست في داخلها :
"لو كنتُ فقط أقوى... لو كنتُ فقط..."
لكنها سرعان ما قبضت على الخنجر الذي ما زال في يدها، ونظرت إليه بشرود.
"لن أضعف... لن أستسلم... سأكمل هذه الرحلة، ولو تطلّب الأمر أن أتحوّل إلى وحشٍ مثلهم."
وببطء، نهضت، تتأرجح من التعب، من الألم، من الجراح....
خرجت تولين من داخل السفينة، ودموعٌ متجمّدة تتلألأ في عينيها الخضراوين. وقفت بصمت على حافة سفينه ، تتأمل انعكاس النجوم فوق سطح البحر الساكن، وكأن السماء قد بعثت بضيائها لتعزّي قلبها.
ابتسمت بهدوء حزين، وهمست بصوت مكسور :
"جدي... أنت تلك النجمة اللامعة في السماء، التي تنير ظلمتي، وتشعرني بأنك ما زلت أمامي... ليتك أخذتني معك."
فجأة، قطع حزنها صوتٌ مألوف، كان ذاك الرجل الذي اصطدمت به صباحًا :
"لا شك أن جدك تلك نجمة ..."
استدارت تولين ببطء، وعيناها ما تزالان دامعتين، وأومأت برأسها بصمت.
حدّق بها باستغراب، وقال بنبرة قلق :
"يبدو أنك تعرّضتِ لضربٍ مبرح... أرى كدماتٍ على وجهك، وحتى رأسك ينزف قليلًا...!"
تولين، بصوت هادئ وكأنها اعتادت الألم :
"نعم... لقد تشاجرنا قليلاً، لا بأس."
ابتسم الرجل بلطف وربت على كتفها برفق :
"يا بني... لا تتشاجر مع أمثالهم، إنهم خطرون... أنت لا تزال صغيرًا، تجاهل إساءاتهم، وابقَ قويًا."
أعادت تولين نظرها إلى السماء، وقالت بصوت عميق ومتماسك :
"هذا قدري، وعليّ أن أتحمله... أعلم أن الحياة ستكافئ صبري يومًا ما."
راقب ملامحها بهدوء، بدا له أن شيئًا ما فيها مألوف... كأنّه رآها من قبل... لكن أين؟
قال الرجل بلطفٍ دافئ وهو يلحظ آثار الجروح على وجهها :
"تعالَ معي... سأُضمّد لك هذه الجراح قبل أن تتلوث."
تولين، بصوت خافت حذر وامتنان :
"لا عليك يا عمّي... أشكرك، لا أريد أن أسبب لك المتاعب."
ابتسم لها بلطف، وعيناه تشعّان حنانًا :
"لا بأس، لا تُشغل بالك، فأنا طبيب هذه السفينة أيضًا... لكنني الآن مسافر لأداء مهمة خاصة، وعدت شخصًا أن أبحث عنه، وسأفي بوعدي."
تفهمت تولين الأمر وأومأت له بهدوء، ثم تبعته. دخلا غرفته الصغيرة التي كانت منظمة بدقة رغم بساطتها، فذهب مباشرة نحو حقيبته، وأخرج منها علبة معدنية تحوي أدوات علاج وضمادات.
جلس إلى جانبها وبدأ بتنظيف جراحها بحذر، وكانت آثار الضربات ما تزال واضحة على وجهها الصغير، الذي خفاه تنكّرها الصبياني.
تولين، تتألم من لمسات المطهر :
"آااه..."
قال طبيب بشفقة، وهو يواصل تعقيم الجرح برفق :
"اصبر قليلًا، الألم سيزول... هذا المهدئ سيخفف عنه، ومع الوقت ستشعر بتحسن."
تولين، وقد اتسعت عيناها بامتنان صادق :
"أشكرك يا عمّي، على طيبتك ومعاملتك الحسنة لي."
ابتسم ابتسامته المعتادة، تلك التي تبعث الطمأنينة :
"لا شكر على واجب، يا بُني. بالمناسبة... ما اسمك؟"
أجابته تولين بابتسامة خفيفة، حريصة على الحفاظ على هويتها المتنكرة :
"اسمي توليان."
رد بلطف وهو يربت على كتفها :
"تشرفت بمعرفتك يا توليان. أنا أدعى طبيب داريوس. إن احتجت لأي شيء، أنا موجود. وإن ضايقك أحد مجددًا، فاذهب مباشرة إلى القبطان رافيل، سيتصرف معهم فورًا."
تولين، وقد تذكرت ذاك شخص اسمه رافيل إذاً :
"حسنًا... والآن، تصبح على خير. سأذهب لأنام، لدينا الكثير من العمل غدًا."
داريوس، بابتسامته الهادئة :
"وأنت من أهل الخير، توليان. نم بسلام."
خرجت تولين بهدوء، يغمرها صمتٌ ثقيلٌ ممزوجٌ بالقلق، وهي تفكّر بكيفية تجنّب أولئك الرجال المتوحشين. لقد كادوا أن يقضوا عليها دون رحمة... لكنّها كانت تملك الحق في الرفض. كيف يُطلب منها إحضار شيءٍ مثل النبيذ؟
رفعت رأسها وهمست لنفسها بإصرار :
"حتى لو كان الثمن حياتي... لن أنفّذ طلبًا يُخالف مبادئي."
تقدّمت نحو غرفتها بخطى بطيئة،
تضاربت الأفكار داخل رأسها... ألقت بجسدها المرهق فوق فراشها المهترئ، وغرقت في نومٍ عميق، وكأنها تهرب مؤقتًا من واقعها المؤلم.
…
لكن سكون الليل لم يدم طويلاً، فقد أيقظها همس خافت تسلل من خلف الجدران الخشبية الرقيقة... همس مألوف. شدّت غطاءها قليلًا، وأرهفت سمعها... كان صوت ريكاردو، يتحدث بخفوتٍ أشبه بزمجرة ذئب :
"هل أنت واثق أنك أخذت القلادة الألماسية... وذلك السكين الفضي؟"
جاءه الرد من صوت تعرفه جيدًا... صوت الجلّاد الذي أذاقها الألم في العشاء :
"نعم، ولن ينتبهوا لذلك. لكنّ الزعيم أوصاني بمهمة... عليّ اغتيال رجل غدًا."
ارتجفت تولين، وكأنّ صاعقة أصابتها، فيما استمر صوت الآخر يسأل :
"لكن... كيف ستقتله؟"
ضحك ريكاردو بخبث قاتل :
"سترَ بنفسك غدًا... والآن، عد إلى مكانك قبل أن يكتشفنا أحد، لا تفسد كل شيء، أيها الأحمق."
خفتت الأصوات شيئًا فشيئًا... وبقيت تولين متجمّدة مكانها. كانت تسمع، لكنّها لم تكن قادرة على الحركة. قلبها ينبض بعنف، وجسدها يرتجف كمن شاهد شبحًا.
همست لنفسها بفزع :
"إنهم ليسوا مجرد بحارة ... إنهم لصوص مجرمون... وسينفذون عملية اغتيال!"
نظرت إلى السقف، تحاول لملمة شتات أفكارها، وهي تفكر بإبلاغ القبطان. لكنّها لا تعرفه جيدًا، ولا تملك الجرأة الكافية لتورّط نفسها أكثر.
استلقت مجددًا، تحاول إقناع عينيها بالإغلاق... لكن النوم جافاها، وتركت أفكارها تتلاطم كأمواج البحر.
"ليتَ كلّ هذا كان كابوسًا فقط... كابوسًا أستفيق منه... ولكن للأسف... لا فائدة."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الصباح الباكر، استيقظ الجميع على صوت أمواج البحر الهادئة تصطدم بجوانب السفينة... لكنّ تولين كانت أول من فتح عينيه، أو بالأحرى... لم تُغمضهما طيلة الليل.
نهضت بخطى متثاقلة، وجهها شاحب من التعب، وعيناها محاطتان بسواد الإرهاق. توجّهت إلى حوض المياه القريب، وغسلت وجهها البارد علّها تطرد آثار السهر الطويل... بينما عقلها ما زال مشغولًا بكلمات ريكاردو وكايد... المجرمان.
تولـين بهمس داخلي :
"إنهما لصّان وقاتلان... عليّ أن أجد القبطان بأي طريقة... لكن اخشاه عندما نظرت إليه بث في قلبي رعب من ملامحه "
جالت بنظرها حول السفينة، تمسح وجوه الرجال واحدًا تلو الآخر... ربما يكون معهم القبطان؟ لكن قبل أن تكتمل أفكارها، قطع حبل
بعدما سألت عن غرفت القبطان
تقدّمت نحو غرفته بخطى بطيئة، تفكر هل تُخبر القبطان بما جرى؟ لكن سرعان ما ارتبكت. ماذا لو علموا أنّها أفشت أسرارهم؟ ماذا لو كشفوا حقيقتها؟
تضاربت الأفكار داخل رأسها... ثم تمتمت بحدّة، وعيناها تلمعان بالغضب :
"فليذهبوا إلى الجحيم..."
شردها صوتٌ
طفولي يعلو بالصراخ :
؟؟؟ بفرح عارم:
"امييي!! لقد وجدتكِ أخيرًا!"
فزعت تولين والتفتت نحو مصدر الصوت بسرعة، لتجد فتاة صغيرة تركض نحوها وتتشبّث بها بقوة. فتحت تولين عينيها بصدمة وهي تتعرّف على ملامح الطفلة... كانت نفسها التي تشبثت بها سابقًا في متجر الملابس.
تولـين بهمس مرتبك :
"يا إلهي... هذه الطفلة ستكشفني مجددًا... ماذا أفعل الآن؟!"
انخفضت تولين وجلست أمامها، تحاول السيطرة على الموقف بهدوء... ونظرت في عيني الطفلة، ثم قالت برقة :
تولـين بحنان مرتبك :
"أنا... لست والدتكِ صغيرتي."
لكن الطفلة تشبثت أكثر، ونفخت خديها الصغيرة بعناد غاضب :
صغيره بصوت مرتفع :
"كلا! أنتِ أمي! هذه المرة لن أترككِ!"
شعرت تولين أن الموقف يزداد سوءًا... أعين الناس بدأت تلتفت... قلبها ينبض بجنون. إن استمرّت الطفلة على هذا الحال، قد يظنون أنها جاسوسة أو مجنونة، بل وقد يُرمى بها في البحر!
عضّت تولين شفتها السفلية وهمست بضيق :
"يا ويلي... وقعت في ورطة حقيقية..."
تنهدت تولين بخفوت ثم ابتسمت للطفلة محاولة تهدئتها :
"ما اسمكِ، صغيرتي؟"
الفتاة صغيره بابتسامة بريئة :
"اسمي آيلا"
تولـين :
"حسنًا يا آيلا... هل يمكنكِ أن تخبريني، لماذا تنادينني أمي؟"
لمعت عينا آيلا بوميض حب حزين وهي تجيب:
آيلا ببراءة :
"لأنكِ تشبهين أمي كثيرًا... لا أريدكِ أن تتركيني كما فعلت هي..."
سكنت تولين للحظة، وشعرت بشيء يعتصر قلبها... فهمت الألم الذي تحمله تلك الصغيرة. عادت لتهمس بلطفٍ مليء بالحزن :
"فهمتُكِ يا صغيرتي آيلا ... لكن أرجوكِ، لا تناديني أمي أمام الجميع، هل يمكنكِ تنفيذ هذا الطلب الصغير؟"
آيلا بصوت مكسور وعنيد :
"كلا... سأظل أناديكِ أمي!"
تولـين في داخلها، بقلق :
"ماذا أفعل الآن...؟"
تنهدت تولين للمرة الثانية، ثم قالت بصوت خافت ممزوج بالاستسلام :
تولـين بهمس :
"كما تشائين... والآن دعيني أُكمل عملي، قبل أن يأتي ذلك الببغاء ويثرثر فوق رأسي من جديد..."
أومأت لها آيلا برقة، ثم جلست بهدوء على أحد المقاعد الخشبية تُراقب تولين وهي تعمل بكل دقة وحذر، رغم الألم الذي يعتري جسد تولين من اثار ضرب ليله البارحه .
تولين بهمس داخلي، منزعجة :
"كيف لي أن أُبلغ القبطان؟ وهذه الطفلة لا تبتعد عني أبدًا... إن تعلّقها بي قد يُفشل كل شيء ويكشف أمري..."
لكن قبل أن تُكمل أفكارها... تجمّدت ملامحها فجأة!
رأتها... رأتها تقف على حافة السفينة!!
اتسعت عيناها بذعر وكأن قلبها سقط بين قدميها، ثم صرخت بكل ما أوتيت من قوة :
"آيلااااا!! انتبهي!!"
التفتت آيلا إليها برأسها الصغير... وكانت على وشك الرد، لكن قدمها انزلقت بسرعة وسقطت نحو البحر!
صوت ارتطام جسدها بمياه البحر كان كالرصاصة... تبعه صراخ الطفلة وبكاؤها وهي تغرق بين الأمواج المتلاطمة.
تجمهر طاقم السفينة على الفور، هرع الجميع بسبب الصراخ، وخرج والدها كالمجنون يصرخ باسمها، مستعدًا لأن يلقي بنفسه في الماء.
لكن البحّارة أمسكوا به بقوة، صرخ أحدهم :
"لااا! لا يمكنك النزول! البحر مليء بالأسماك المفترسة... إن نزلت الآن، لن تعود حيًّا!"
وسط الفوضى، لم تترد تولين لحظة. جمعت كل شجاعتها، كل قوتها... رغم جراحها، رغم خوفها... وقفزت! إلى البحر برشاقة مفاجئة، وكأنها ولدت من جديد...
اختفت تحت المياه للحظات، ثم ظهرت وهي تسبح بصعوبة نحو آيلا التي كانت تصرخ وتضرب المياه بذراعيها الصغيرتين.
وصلت تولين إليها، وضمّتها بقوة بين ذراعيها المرتعشتين
آيلا ببكاء :
"لا تتركينييي!!"
تولين بهمس رغم الخوف :
"لن أترككِ أبدًا... فقط تمسّكي جيدًا!"
رُمي لهم حبل من أعلى السفينة...
أمسكت تولين بالحبل، ثم جعلت آيلا تتشبث به جيدًا وهي تدفعها من الخلف بكل ما تملك من قوة... حتى بدأت الطفلة تُسحب تدريجيًا إلى الأعلى.
وصلت آيلا أخيرًا إلى سطح السفينة، وركضت إلى والدها الذي احتضنها وهو يبكي بحرقة، يُقبّل رأسها ويمسكها بذراعيه بقوة وكأنها عادت من الموت.
أما تولين...
فقد بقيت للحظة في البحر، تُحدّق في السماء... جسدها المنهك لا يقوى على الحراك، الهواء ينقطع شيئًا فشيئًا، ودمعةً امتزجت بمياه البحر المالحه والماء يثقل أطرافها...
همست داخلها بصوت خافت :
لاأجيد سباحه"هل... هذه... نهايتي؟"
لكن فجأة، امتدت يد قوية التقطتها من الحبل وسحبها بعنف إلى الأعلى...
وما إن وصلت إلى سطح السفينة، حتى شعرت انها بين ذراعي القبطان وضعها على سرير منهكة، تغصّ بأنفاس متقطعة، والماء يقطر من كل جزء من جسدها...
بعد مدة طويلة
فتحت عينيها ببطء على صوت الطفلة آيلا تبكي أمامها، وكان والدها يحاول إخراجها، لكنها كانت متشبثة بفراش تولين وتصرخ :
"اتركني، دعني أكون مع أمي، لقد أنقذتني، لا أريد أن أذهب!"
تحدثت تولين بصوت متعب :
"سيدي، دعها، لن تفعل أي ضرر."
فرحت آيلا وذهبت إليها بفرح قائلة :
ل"لقد استيقظتِ يا أمي!" ثم احتضنتها بدموع الفرح.
بادلتها تولين الحضن بحنان :
"لا بأس صغيرتي، لا تبكي، أنا بخير وبأفضل حال."
آيلا بلهفة وبكاء :
"لقد خفت عليك كثيراً يا أمي، لا أستطيع العيش بدونك."
بدأت دموع تولين تنساب بهدوء، وقالت بغصة وألم :
"لا تقلقي يا طفلتي، انتبهي لنفسك جيداً، ولا تكرري ما حدث مرة أخرى."
تقدّم والد آيلا بتردد، ثم انحنى أمام تولين بأسف :
أعتذر لك بشدة عمّا حدث... بسبب ابنتي كدت تفقد حياتك، لكنك أنقذتها. لا أدري كيف أشكرك، أشعر بالخجل منك كثيرًا.
ابتسمت تولين ابتسامة متعبة وقالت بلطف :
لا بأس، يا سيدي، ما فعلته كان واجبي.
تنفّس والد آيلا الصعداء قليلًا، ثم التفت إلى ابنته وقال بنبرة هادئة :
آيلا، صغيرتي، لقد اطمأننتِ عليها، والآن حان وقت نومك.
تعلّقت آيلا بثوب والدها برجاء :
أبي، أرجوك... دعني أبقى مع اميري ومنقذي ، لا أريد تركها.
ضحكت تولين على هذه صغيره أحيانا امي ولان اميري
نظر الأب إلى تولين بتوسل صامت، وكأنه يرجو مساعدتها في إقناع طفلته.
ابتسمت تولين وربّتت على شعر آيلا بحنان، ثم همست برقة :
صغيرتي لأميرة ، استمعي إلى والدكِ واذهبي للنوم. أنا أيضًا أشعر بالنعاس وسأنام الآن، وسنلتقي غدًا لنتحدث كثيرًا، هل توافقين؟
تراجعت آيلا بخفة وهي تنظر إليها بحزن :
حسنًا... لكن، عدني بذلك.
أجابت تولين بابتسامة دافئة :
أعدك، عزيزتي. والآن، اذهبي للنوم، تصبحين على خير.
قفزت آيلا نحوها، وقبّلت خدها بحب :
... وداعًا.
ثم خرجت مع والدها بهدوء، بينما بقيت تولين تراقبهما بعينيها المتعبتين.
بعدما خرج الجميع، نهضت تولين بتعب وأخذت سترتها. عند فتح الباب، التقت عيناها بملامح الشخص الذي أنقذها، كان القبطان رافيل. ابتعدت قليلاً عنه وترددت للحظة، ثم انحنت بأدب قائلة :
"شكراً لك، ياقبطان وأسفه على ماسببته لكم من متاعب، على إنقاذي. يومًا ما سأرد لك الجميل."
حدق بها القبطان بهدوء، وتحدث بصوت رجولي بارد :
"لا شكر على واجب." ثم ابتعد.
حدقت تولين خلفه بتمعن، ثم زفرت بارتياح. بعد ذلك، توجهت إلى سطح السفينة وتأملت البحر، حيث كانت الرياح تداعب خصال شعرها الأحمر الصغير تحت القبعة.
انتبهت تولين إلى طبيب داريوس يجلس على أحد المقاعد، ابتسمت وتوجهت نحوه، فقد تعلقّت به كثيرًا بسبب تصرفاته التي تذكرها بجدها، فشعرت وكأنه جدها.
بابتسامة، قالت له :
"مرحبًا يا عمي."
رفع داريوس نظره عنها، وكان يقرأ كتابًا، فأغلق الكتاب بهدوء ووضعه على المقعد، ورد عليها بابتسامة لطيفة :
"أهلًا توليان، كيف حالك الآن؟"
أجابت تولين :
"أنا بخير، شكرًا لك."
ظل داريوس يبتسم، ثم لمح العقد الذي يزين رقبة تولين، وتساءل في نفسه :
"كيف وصل هذا العقد إلى معه؟"
فجأة قاطع تفكيره صوت أحد البحّارة وهو يقول له :
"ماذا تريد، سيدي؟"
انتبهت تولين لريكاردو يقف أمامهم، يتحدث مع الطبيب بنبرة باردة وهو يسأله عمّا يريد. شعرت تولين بنظرات الغضب والتهديد في عينيه، وكأنه يأمرها بالذهاب إلى العمل، لكنها تعمدت تجاهله تمامًا، محاولة إثارة غضبه والانتقام منه بطريقتها.
صكّ ريكاردو على أسنانه من شدة الغضب، لكن الطبيب لم يلاحظ ذلك، وقال بابتسامة هادئة :
"أظن أنني بحاجة إلى كوب من الشاي... الجو يبدو باردًا هذا الصباح."
ثم التفت إلى تولين وسألها بلطف :
"أتودّ كوبًا أيضًا؟"
تولين، وهي تعلم تمامًا أن ريكاردو يسمع، ابتسمت بخفة وأجابت بنبرة مستمتعة :
"أممم... نعم، أريد شايًا أيضًا."
ذهب ريكاردو وهو يغلي من الداخل، يتعثر بالغضب ويهمس لنفسه بصوتٍ خافت :
"سوف تندم على هذا... قريبًا."
عندما وصل ريكاردو إلى المطبخ، التفت سريعًا نحو كايد وناداه بنبرة جادة، وما إن اقترب كايد مستغربًا، سأله :
"ما الذي تريده؟!"
رد ريكاردو ببرود وهو يتظاهر باللامبالاة :
"الطبيب طلب شايًا... ومعه توليان أيضًا، احرص على كوبين، افهمت؟"
ثم استدار وابتعد بسرعة، متعمدًا ألا يفتح باب النقاش أكثر.
كايد أومأ بضيق، ثم بدأ بتحضير الشاي، وبينما كان يسكب الماء الساخن في الكوبين، تبسم بخبث، وأخرج قارورة صغيرة من السمّ، وسكب بضع قطرات داخل أحد الأكواب بهدوء.
همس لنفسه بابتسامة مريبة :
"دعنا نرى إن كنت ستبتسم مجددًا بعد هذا، أيها المتعجرف..."
سأل الطبيب داريوس :
"لماذا تأخروا في إحضار الشاي؟ أنا أحب شربه في هذا الوقت، أشعر أنه يُحسّن مزاجي."
ابتسمت تولين بلطف ونهضت من مكانها قائلة :
"سأذهب وأحضره لك حالًا، يا عمي."
همّ داريوس بالوقوف محاولًا منعها :
"لا عليك، اجلس، أنا من سيذهب..."
،لكنها قاطعته بابتسامة دافئة:
"دع الأمر لي، أيها الطبيب."
ثم استدارت وذهبت راكضة بخفة، تاركة خلفها أثرًا من الحماس والود،
حدق بها وهي تختفي من امامه راكضه لتحضر شايًا همس بصوت خافت :
"عندما يعود سوف اساله عن القلاده هاذه"
في تلك الأثناء، خرجت تولين من المقصورة بعدما قررت إحضار الشاي بنفسها. وبينما كانت تسير بخطوات هادئة، التقت بكايد وهو يحمل صينية الشاي. حاولت أن تتجاهله وتبتعد عنه، لكن صوته أوقفها :
"توليان!"
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، وبلعت ريقها بتوتر، فهي لا تريد أن تواجهه مجددًا، خاصة بعد ما فعله بها. الألم ما زال ينهش جسدها، وكأن كل ضربة منه تركت أثرًا عميقًا. تجاهلته ببرود، محاولة تجاوزه دون حديث، لكنه وقف في طريقها، وقد رسم على وجهه ملامح الطيبة الزائفة.
اقترب منها مبتسمًا بخداع، وتكلم بصوت بدا نادمًا، لكنه لا يخلو من التمثيل :
"أنا آسف، توليان، حقًا آسف لكل ما حدث. أشعر بالذنب لأنني ضربتك بتلك القسوة... فقدت أعصابي، كنت غاضبًا لفقدان شخصٍ عزيز عليّ. لم أكن بوعيي. ومنذ تلك الليلة، وأنا أتألم كل يوم، يقتلني الشعور بالذنب... أرجوك، سامحني."
وما إن أنهى جملته، حتى بدأت دموعٌ زائفة تتجمع في عينيه... مشهد تمثيلي باحتراف، لكن تولين لم تكن بالسهولة التي يظنها...
اندَهشت تولين من اعتذاره المفاجئ... لحظة، هل هذا حقيقي؟ هل يتحدث بصدق؟ بدا عليه الندم، وصوته المرتجف، ونظراته الحزينة... لكن، ما زالت تتذكر بوضوح ما سمعته تلك الليلة من حديثه مع ريكاردو عن نيتهم اغتيال شخصٍ وسرقة أشياء ثمينة.
ومع ذلك، ربما... فقط ربما، الألم الذي يتحدث عنه يشبه ألمها، فقدُه ربما غيّره كما غيّرها فقدان أهلها.
نظرت إليه بابتسامة مصطنعة، تحمل في داخلها شكًا لا يزال يعشش، لكنها اختارت تجاهله هذه المرة، وقالت بلطفٍ هادئ :
"سامحتك... وأتمنى أن نصبح أصدقاء، على الأقل حتى نصل إلى العاصمة، قبل أن نفترق."
شعر كايد بفرحة داخلية، فقد نجح تمثيله، ولم تظهر تولين أيّ شكوك. أومأ برأسه وهو يرد بسرعة :
"بالطبع! سنصبح أصدقاء، وبهذه المناسبة..."
وأشار إلى كوب الشاي الذي بيده :
"عندما رأيت كايد، طلبت منه شايًا خصيصًا لك. هذا الشاي تعده أمي دائمًا لي، وأردت أن أشاركك شيئًا مميزًا كعلامة على صداقتنا."
ابتسم بخبث داخلي، فيما تولين مدت يدها ببطء لتأخذ الكوب...
قالت تولين بفرح وبراءة :
"حسنًا، أعطني الشاي."
أخذت الكوب بابتسامة مودّعة، ثم استدارت وتوجهت نحو الطبيب داريوس.
ما إن اختفت من أمامه، حتى تبدلت ملامح كايد فجأة، وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة.
ضحك بسخرية وهو يتمتم لنفسه :
"حظًا موفقًا إلى مقبرتك... هه!"
بعدما أخذت تولين كوب الشاي، عادت إلى الطبيب داريوس وهي تبتسم قائلة :
"تفضل، هذا الشاي... وأعتذر إن تأخرت يا عمي."
ابتسم الطبيب بلطف وردّ عليها :
"لا عليك، والآن، هل تجلس لنرتشف الشاي معًا؟ أريد أن أسألك عن أمرٍ مهم."
جلست تولين بهدوء وركّزت نظراتها عليه، وكأنها تقول له : "تفضل، أكمل."
أخذ نفسًا عميقًا، ثم ارتشف من الشاي وقال بإعجاب :
"ممم... إنه لذيذ جدًا! أعجبني كثيرًا."
ثم نظر إليها بجدية ممزوجة بالفضول وتابع:
"حسنًا يا توليان، من أين لك هذه القلادة؟"
نظرت تولين إلى قلادتها، وأمسكت بها بلطف بين أصابعها، وقد ارتسم على وجهها مزيج من الحنين والشوق، قبل أن تنطق بصوتٍ حزين :
"كانت هذه القلادة لوالدتي..."
أعطتني إياها والدتي عندما كنت رضيعة، وجدي أخبرني بذلك.
راديوس ثبت نظره إلى القلادة وسأل باستغراب :
ما اسم والدتك ووالدك؟
تولين، وقد ارتسم الاستغراب على وجهها، ردّت بحزن :
لا أدري، جدي لم يخبرني. كلما أسأله يتجاهلني أو يقول لي: لا أستطيع أن أخبرك. وبالأحرى، أنا ليس لدي اسم أب أو أم.
اندهش كثيرًا :
قلت إن جدك متوفى، أليس كذلك؟ لأنني سمعتك عندما كنت تتحدث إلى نفسك أنك إنه رحل بعيدًا. لكن، لماذا لم يخبرك عن والديك؟
تولين بحزن :
بلى، ولكن عندما كان يُنازع الموت، ذكر لي أن أبحث عن أهلي.
نهض بهدوء، أخذ كتابه وبدأ بالسير، لكنه شعر بدوار، فأمسك بالمقعد.
تولين استغربت وقالت بقلق :
هل أنت بخير يا عمي؟
ابتسم بلطف لها :
نعم، أنا بخير.
فجأة شعر بشيء يقطع معدته، جلس على الأرض يتلوّى من الألم، وبدأ يخرج من فمه سائل أبيض ممزوج بالدم.
تولين فزعت ووقفت تصرخ :
عمي! ما بك يا عمي؟!
صرخت للبحّارة ليأتوا، ثم انتبهت إليه وهو يتمسك بيدها وينازع :
" ا انتبه لهاذه..... القلاده احضرك ان وقعت بأيدي شخص غيرك... سوف تقع ك كارثه
ثم انقطعت أنفاسه."
تجمّد جسد تولين بالكامل، في حالة صدمه ؟
أتى بعض البحّارة على إثر الصراخ، ليروا ما حدث، فوجدوا الطبيب ملقى على الأرض، وتولين تجلس أمامه بصمت.
اقترب الجميع منه، حاولوا التحقق من أنفاسه، لكن للأسف... لقد فارق الحياة خلال لحظات.
تقدّم القبطان رافيل إليه، ولاحظ خروج سائل أبيض ممزوج بالدم من فمه.
تجمّد في مكانه بدهشة، وتمعّن النظر فيه. إنه سم!!. لكن... كيف وصل إليه؟ ومن الذي سمّمه؟
ثم نظر إلى تولين، التي كانت لا تزال جالسة أمامه، ملامحها جامدة، وكأنها دخلت في حالة صدمة تامة.
كان ريكاردو يحدق بدهشة في كل ما حدث، ثم تذكر أمرًا مهمًا، وهو أن كايد هو من سمّم الكأس. قبض على أسنانه بغضب، متسائلًا كيف فعل ذلك، وكيف لم يكن يجب أن يثق به منذ البداية كي لا يخرب خططهم.
سمع صوت كايد خلفه، فالتفت إليه بسرعة، وأمسك بيده بغضب في مكان خالٍ من الناس، وقال بصوت متهدج وعصبي :
"هل أنت الفاعل؟ قل لي!"
أجاب كايد ببرود :
"للأسف، سمّمت توليان، لكن السم وقع على الطبيب، لم أكن أعلم بذلك."
فتح ريكاردو عينيه بدهشة من كلام كايد، أمسكه من ياقة قميصه بغضب، وصرخ وهو يصك على أسنانه :
"ماذا قلت؟ ألا تتصرف بتهور وتكشف مخططاتنا؟ كفى أنك ضربت..."
توليان "كاد أمرنا أن يُكشف، لكنني قلت لا بأس. لكنه تجاوز الحدّ،"
فدفعه بغضب وابتعدت عنه..."
كايد بغضب :
"تباً! كل هذا بسبب ذلك الفتى، سوف تدفع الثمن!" ثم توجه إلى حيث كان الجميع مجتمعين، لا يزالون يبحثون عن القاتل.
قال أحد البحارة :
"هل رأى أحدكم من كان يحضر الشاي؟"
تقدم كايد بابتسامة خبيثة ورفع يده قائلاً :
"أنا رأيت توليان يذهب لتحضيره له."
تحولت أنظار الجميع إلى تولين، التي كانت تجلس معه تشرب الشاي، وهي من قدمت له الشاي. تقدّم بعضهم وقالوا :
"صحيح، رأيناه يحمل بعض الأكواب ويجلس معه."
كانت كل هذه الاتهامات تثقل على تولين، التي ظلت صامتة ودموعها متحجرة في عينيها. كيف يُتهمونها بأنها السبب، وهي التي لم تفعل شيئاً؟ خصوصًا بعد أن سمم الطبيب!
اقترب القبطان رافيل بهدوء، وتحدث بصوت بارد :
"هل لديك دليل على ذلك؟"
ابتسم ريكاردو بخبثته المعتادة وقال :
"نعم، لدي دليل. أمر رجالك أن يفتشوا حقائبه ليجدوا الدليل."
أمر القبطان أحد رجاله أن يذهب ويأتي بالحقيبة ليُظهروا الدليل. جاء الرجل بالحقيبة، وكانت تولين تراقبهم بصمت هادئ، لكنها تشعر بانهيار داخل روحها.
أخرج أحد البحارة من الحقيبة قارورة سم وقلادة ماسية. فتح الجميع أعينهم في حالة صدمة وعدم تصديق.
ابتسم كايد بسخرية، وأدار نظره نحو تولين ليقرأ ملامحها القلقة وهي تدافع عن نفسها.
كان الغضب يعتصر ريكاردو بسبب كايد الذي خرب مخططاتهم.
اقترب البحارة من تولين ليمسكوها، لكن فجأة ركضت آيلا نحوها ووقفت بعناد وشجاعة.
نظرت لهم بعيون نارية وقالت :
"لن أسمح لكم أن تأخذوها أو تمسّوها بسوء، لقد دافع عني وضحى بحياته من أجلي، قفز في البحر وواجه أسماكًا مخاطر ليحفظ حياتي."
وقف بعض البحارة إلى جانبها وقالوا :
"هذا صحيح، كلامها يوحي إلى ذلك. "
وتقدم والد آيلا قائلاً :
"لقد أنقذ ابنتي من الموت، فكيف يقتل شخصًا طيبًا مثل هذا؟"
شعر كايد بغضب يعتصره من هذه الفتاة الصغيره الحمقاء ومن دعم البحارة لها.
نظرت تولين إليهم بحزن، ودموعها تتساقط من مقلتي عينيها الخضراوين، وألم عميق يعتصر قلبها. نهضت ببطء وتقدمت نحو وسطهم.
توجهت إليها كل الأنظار بدهشة وترقب، بانتظار أن تتكلم.
رفعت رأسها إلى كايد، وابتسمت بسخرية قائلة :
" وماذا يدريك أنني سممتُه؟ وما الذي يجعلك تعتقد أن حقيبتي تحمل سمًا كهذا؟ هل وضحت لنا الأمور الآن؟"
بلع كايد ريقه بخوف وارتبك قائلاً :
"ل… لقد رأيتك تخبئ السم في حقائبك ليلة البارحة وأيضا جيوبك ."
ضحكت تولين بألم، حدقت به طويلاً، ثم وجهت نظرها نحو القبطان رافيل الذي كان يراقبهم بهدوء، يخفي خلف هدوئه ظلمة قاتمة.
تكلمت بصوت متشحر ومملوء بالألم :
"أيها القبطان رافيل، هل تأمر رجلك أن يفتش جيوبي ليتأكد من الأمر؟"
نظر رافيل إلى أحد البحارة وقال بصوت بارد :
"اذهب وافحص جيوبه."
تقدم البحار بتردد، فَتَّش جيوب تولين بدقة، لكنه لم يجد شيئًا.
نظر البحار إلى القبطان ونفى قائلاً :
"لم أجد شيئاً."
قالت تولين بصوت هادئ :
"اذهب وفتش جيوب كايد إذاً."
فتح كايد عينيه بذهول وخوف، وصرخ في نفسه :
"تبا، لقد وقعت في ورطة بسببه!"
تقدم البحار نحو كايد وبدأ بتفتيشه، فجأة شعر بشخص يلكمه بقوة بعيداً، وكان ينظر إليه بنظرات نارية.
ريكاردو بصوت حازم:
"لا أسمح لكم أن تفتشوا أخي أو تتهموه بأنه القاتل. هو من قتل الطبيب ولص أيضاً! رأيته قبل يومين يخبئ في حقيبته مجوهرات، وليس سمًا. أنا وأخي نعمل معكم كبحارة منذ زمن، ولم يحدث مثل هذا من قبل، فهل تعتقدون أننا مذنبون وأيضاً هاذه فتاة وليس فتى ؟"
تابع بحدة:
الكلام فتاة عاهرة ، المحتاله تخدعكم بنظراتها البريئة، وأنتم تقعون في فخٍ من صنعها."
شعرت تولين بوحدةٍ قاتلة، هذه اللحظة كانت أشد من الكوابيس. ريكاردو، أخوه، يتهمها أيضًا بالسرقة، وكتشفها انها فتاة
وهذا حقه لأنه أخوه.
نظر القبطان رافيل إليهم بحدة، وتحدث بصوت واثق وحاد مخيف :
"إذاً لماذا لا تريد تفتيش أخيك لإنقاذه من ورطته؟ إذا كنت واثق من براءته، دع أحد رجالي يفتشه ليُثبت ذلك."
تورط ريكاردو وابتعد قليلاً عنه، نظر كايد إليه بتوسل، لكن ريكاردو صدّه بهدوء.
تقدم البحارة وبدأوا بتفتيش كايد، فأخرج أحدهم قارورة سم صغيرة، تشبه تلك التي وُجدت في حقيبة تولين.
تولين تحدثت بصوت هادئ :
"أنت من وضع السم يا كايد، وأنا بعيداً عن حقيبتي، يمكن لأي أحد أن يضعه في أي وقت دون أن أعلم لأنني منشغلة بأعمالي.
ومن الذي سيُقدم على وضع السم في جيوبك؟ بالتأكيد ستعلم ذلك، إذن أنت من قتله. أول شيء، جاء ريكاردو إلى الطبيب وسأله ماذا يريد، فطلب منه الطبيب شاي، وعندما تأخر قلت للطبيب إنني سأذهب لأراه، لماذا تأخر؟ كان هو من سيتجه إليه، لكنني قلت له: سأذهب أنا، لا داعي لأن تذهب.
بعد ذلك ذهبت ووجدت كايد معه الشاي، قال لي: 'لنتصالح لأننا تشاجرنا من قبل'، صدقته وقبلته بفرح، وأخذت الشاي منه، وعدت إلى الطبيب وجلست أشرب بعضه. تبادلنا الحديث، ثم وقف فجأة وشعر بدوار، فأصبحت قلقة عليه..."
بدأت دموعها تنهمر وهي تنهار
استمع القبطان بتركيز لكلام تولين، ثم عاد بنظره إلى كايد وابتسم بسخرية. تقدم نحو كايد وهو يكسوه هالة مظلمة، فشعر كايد بالرعب وبدأ يبتعد عنه بخوف، فقد بدا كوحش لا يُقهر.
فجأة، تلقى كايد لكمة قوية ارتطمت بظهر السفينة. تقدم ريكاردو بسيفه نحو القبطان، لكنه شعر بثقل الهالة المظلمة التي تحيط به، ونظرة القبطان الصارمة كالجليد جعلت جسده يرتجف رغم محاولته تجاهل ذلك ومقاتلته بالسيف.
تقدم رافيل بخطوات بطيئة، وكل من على السفينة شعر بقشعريرة تسري في عظامه… هدوؤه كان مرعبًا، كأن العاصفة قد لبست ملامح إنسان.
تولين كانت تتابع القتال بعينين مذعورتين، قلبها يخفق كأن شيئًا مرعبًا على وشك الحدوث… كل شيء حولها بدا وكأنه يتحرك ببطء، حتى الزمن نفسه خضع لصمتٍ ثقيل. وبينما هي غارقة في الذهول، شعرت بيدٍ تسحبها إلى الخلف بعنف، وشفرة سكينٍ باردة تلتصق برقبتها.
اقترب ذلك الصوت المظلم، وهمس بصوت خافت لكنه مليء بالكراهية، كأن أفعى تنفث سمّها في أذنها :
"موتك… سيكون خاتمتي الجميلة، وداعًا يا جميلتي ."
لم تمهلها الطعنة كثيرًا… اخترقت صدرها، تمامًا في المنتصف، ومعها خرجت شهقة مخنوقة. شعرت بجسدها يرتجف، بالدماء تتدفق من فمها، والهواء يخذلها شيئًا فشيئًا.
عيناها ارتجفتا، لم تكن خائفة، بل مكسورة… وكأن شيئًا أكبر من الموت يسكنها.
صرخة آيلا شقت السماء وهي تبكي بصوتها الطفولي الحاد، ورافيل التفت بذهول، ليرى المشهد… تولين تنهار، وكايد يقف خلفها، والسكين لا تزال مغروسة في جسدها، كأنها تشهد خيانة العالم بأكمله.
انتبه رافيل لصوتها فتح عينيه في صدمه، تقدم بخطوات بطيئة، لكن كل خطوة منه كانت كأنها زلزال يهز أرض السفينة. هدوءه كان أشبه بالعاصفة التي تسبق الدمار… كل من حوله اقشعر جسده، وصمتٌ ثقيل خيّم على المكان.
كايد ارتبك، ابتلع ريقه محاولًا الفرار، لكن قدميه لم تتحركا، وكأن جسده تجمّد بفعل الرعب…
حين التفت ناحية تولين، رآها تبتسم ابتسامة هادئة، غريبة، تحمل شيئًا من الرضا، وكأنها أخيرًا ستنام بسلام.
همست تولين بصوت خافت، مرتجف :
"سوف ألتقي بجدي..."
وفي اللحظة التالية، سقط جسدها ببطء…
لكن قبل أن ترتطم بالأرض، كانت ذراعا القبطان رافيل قد احتضنتها.
جثا على ركبتيه وهو يحملها بين ذراعيه، نظر إلى وجهها الشاحب، إلى الدماء التي سالت من فمها، إلى ابتسامتها الأخيرة…
عيناه ظلّتا تحدّقان فيها بصمت، لكنه بدا كأنما العالم كله انهار في تلك اللحظة.
همس لها بصوت مكسور بالكاد يُسمع :
"لم يكن يجب أن تنتهي هكذا..."
═══════✿ ✿═══════
النهاية؟ o(╥﹏╥)o
أمزح امزح طبعًا! o(〃^▽^〃)o
لم تنتهِ الحكاية بعد... لا تزال هناك مغامرات قادمة، وأسرار ستنكشف واحدة تلو الأخرى!
هل ستنجو تولين؟
وهل سيتمكن جوليس من العثور عليها بعد أن أرسل فارسه للبحث؟
تابعونا في الفصول القادمة لاكتشاف كل ما هو مشوّق ومفاجئ!
دمتم بدفئ o(〃^▽^〃)o