البارات(6)
"كانت الرياح هادئة، يرافقها نسيم عليل يراقص أوراق الأشجار المتساقطة إيذانًا بقدوم الخريف...
وقفت تولين في المكان الذي قادتها إليه قدماها دون وعي، تتأمل بصمت الأشجار من حولها، بينما تناثر شعرها الأحمر مع الرياح، وعيناها شاردتان تحملان ألف حكاية.أكيد،
وألف حزنٍ كان يسكن عينيها، حين أعادت تولين نظرها إلى صخرةٍ صغيرة أمامها، اقتربت منها وجلست بهدوء، تتأمل ذلك المشهد الهادئ من حولها.
لكن سؤالًا تسلل إلى ذهنها: أين أنا؟ وما اسم هذه المزرعة الجميلة؟
شردت في أفكارها قليلاً، قبل أن يقطع سكون اللحظة صوتُ فتاةٍ تصرخ...
فزعت تولين ونهضت بسرعة، تلفّتت حولها تبحث عن مصدر الصراخ، لتلمح من أمامها فتاةً تركب حصانًا يبدو فاقدًا للسيطرة، كان يعدو بسرعة جنونية باتجاه تولين
اتسعت عيناها، قفزت جانبًا بأقصى ما تملك من سرعة لتتفادى الاصطدام، لكن صراخ الفتاة لم يتوقف، والصوت لا يزال يضج في المكان.
صرخت تولين وهي تحاول المساعدة:
"انتبهي! حاولي السيطرة عليه يا آنسة!
لكن الحصان عاد مرة أخرى نحوها، فثبتت تولين في مكانها، ثم قفزت بخفة على ظهره، وهي تمسك بلجامه بقوة.
الفتاة المرتجفة قالت بخوف:
"إنه لا يستجيب، مهما حاولت إيقافه!"
شدّت تولين على اللجام، واستغرقت لحظات من التركيز حتى بدأ الحصان بالهدوء شيئًا فشيئًا، ثم توقّف أخيرًا.
تنهدت الفتاة بارتياح، ثم نظرت إلى تولين بعينين ممتنّتين وقالت:
"شكرًا لكِ... لولاكِ لكنت الآن في موقف لاأحسد عليه بسبب هذا الحصان الأحمق، تمامًا كصاحبه الأهوج!"
ضحكت تولين على تعليقها، لأخير وقالت بابتسامة:"لا شكر على واجب، عزيزتي. لكن... أليس هذا حصانك؟ ينبغي أن تكوني قادرة على ترويضه ."
ردت الفتاة بابتسامة محرجة:
"كلا إنه حصان أخي أخذته من دون علمه... لو علم بما حدث سيغضب كثيرًا وقد يوبّخني طوال الأسبوع هه"
اقتربت منها الفتاة، تنظر إليها باستغراب ثم سألتها بلطف:
"أأنتِ من هذه البلدة؟ لا أظنني رأيتكِ من قبل"
أجابت تولين بهدوء:
"لا لستُ من هنا... أنا مجرد مسافرة."
قالت الفتاة بلطف ولباقة:
*"بالمناسبة لا أدري حقًا كيف أعبّر لكِ عن امتناني لإنقاذي أودّ أن أردّ لكِ الجميل، فهل تقبلين دعوتي لتكوني ضيفتي؟ أريد حقًا أن أشكرك بطريقة لائقة"
تولين بهدوء: "العفو، لكن لا أستطيع البقاء لا يزال أمامي طريق طويل لأكمل سفري"
أمسكت الفتاة بيد تولين برجاء:
"أرجوكِ، اقبلي دعوتي انظري، يبدو أن المطر على وشك الهطول والجو بارد قد تصابين بالزكام ولن تستطيعي إكمال طريقكِ فقط هذه الليلة وغداً تواصلين سفرك.. "
تولين فكرت قليلاً… لم يكن من اللائق رفض من دعاها بلطف وإصرار وكلام هاذه الفتاة منطقي. لا تريد أن تمرض الآن، لكنها قلقة من أن يجدها جوليس، خاصة إن كان يملك علاقات واسعة. لكنها حسمت أمرها في النهاية…
تقدّمت من الفتاة وابتسمت بلطف:
"حسناً، سأقبل دعوتكِ يا آنسة."
الفتاة بفرح: "بالمناسبة اسمي إيما إدموند . يمكنك مناداتي بـ'إيما' فقط، من دون ألقاب. وأنتِ، ما اسمكِ يا عزيزتي؟"
تولين بابتسامة ولباقة:"اسمي تولين، من قرية روندا. تشرفت بمعرفتكِ، إيما."
إيما باستغراب:"روندا؟ وأين تقع هذه القرية؟"
تولين:"في إسبانيا.
إيما: لاتستغربي لأنني نشأت في المنزل منذ طفولتي، لذا لا أعرف الكثير عن الأماكن، فاعذريني." ثم ضحكت بخفة.
تذكرت إيما تكلمت بحماس:
"آه! نسيت… هيا بنا إلى المنزل! لا شك أن الثنائي المزعج هناك سيسبب أزمة قلبية للمربية والخدم الآن، ههههه."
رفعت تولين حاجبيها باستغراب:
"الثنائي المزعج؟ من تقصدين؟"
ضحكت إيما بخفه
تولين، ولا تزال علامات الاستفهام مرتسمة على ملامحها، تمتمت بينها وبين نفسها:
"هذه الفتاة تشبه تصرفاتي قليلًا... ههه."
إيما، وقد اعتلت الحصان، نظرت إليها وقالت: "هيا يا تولين، لنذهب."
صعدت تولين معها على ظهر الحصان، وانطلقتا حتى وصلتا إلى قصر فخم وجميل.
دهشت تولين من روعة المكان والتفتت نحو إيما بإعجاب شديد، ثم قالت:
"أهذا قصركم؟!"
ابتسمت إيما وأجابت:
"نعم، إنه منزلنا. تفضّلي."
نزلتا عن ظهر الحصان ودخلتا القصر. تولين كانت تتمعّن في كل زاوية، مأخوذة بجماله، وتمتمت دون أن تشعر:
"يشبه قصور الحكايات حقًا..."
ضحكت إيما بخفة على تعليقها وقالت:
"عزيزتي تولين، تبالغين أتمنى لو أنه حقًا يشبه قصص الحكايات..."
نظرت تولين إليها باستغراب، ثم ردت بابتسامة هادئة:
"بل إنه أجمل."
أجابت إيما بودّ:
"شكرًا لكِ، عزيزتي تولين."
ثم أشارت نحو إحدى الغرف:
"تفضلي إلى غرفة الضيافة."
دخلت تولين الغرفة، وجلست على أحد الأرائك، ثم نظرت إلى إيما بهدوء وقالت:
"أعتذر إن سببتُ لكِ أي إزعاج."
اقتربت إيما منها مبتسمة:
"لا تعتذري، يشرفني أن أضيّف من أنقذني. ارتاحي قليلًا، وسأعود بعد قليل."
أشارت تولين برأسها موافقة:
"حسنًا."
جلست تولين تتأمل الغرفة بصمت، ثم تذكرت جدّها...
كم تشتاق إليه.
قطع افكارها صوت أطفال يضحكون وأمرأة تصرخ عليهم
خرجا طفلين صغيرين يركضون
امامها؛
صُدمت تولين من التشابه الكبير بين الطفلين، وكأنهما نسخة طبق الأصل! سبحان الله... كانا يبدوان توأمين بالفعل.
تابعتهما تولين بدهشة، فرأت أحدهما يسكب شيئًا لزجًا على الأرض، ثم يفرّ مع أخيه هاربَين. تعجّبت من تصرّفهما الطفوليّ الغريب.
وما إن خطت الخادمة أولى خطواتها حتى انزلقت فجأة بفعل تلك المادة، وسقطت أرضًا بقوة!
"طااااخ!"
فزعت تولين، وركضت نحوها بقلق:
"هل أنتِ بخير؟ هل أصابك مكروه؟"
لكن الخادمة لم تنتبه لها، وصرخت بألم وغضب:
"تبًا لكما! سأخبر السيد إدموند وسيتصرف معكما فورًا!"
ثم التفتت فجأة إلى تولين وقد لاحظت وجودها:
"عذرًا، من أنتِ يا آنسة؟"
وقفت تولين مرتبكة، لا تدري ماذا تقول:
"أ- أنا..."
نظرت الخادمة إلى هيئتها وملابسها، بدا لها الأمر غريبًا، فهي لا تبدو كمن تنتمي لهذا المكان الراقي. رفعت حاجبها بريبة:
"أظنّ أنكِ أخطأتِ العنوان، يا آنسة."
شعرت تولين بالحرج، وحدثت نفسها بيأس: "يا إلهي، لقد وقعتُ في ورطة... ماذا أقول لها الآن؟ ليتني لم أقبل دعوة تلك الفتاة، وخصوصًا أنها من عائلة مرموقة!" عضّت شفتيها خجلًا وارتباكًا.
وفجأة، جاء صوت إيما من خلفها بنبرة واثقة:
"سيما، إنها ضيفتي لليوم."
شعرت تولين ببعض الارتياح، لقد أتت في الوقت المناسب.
نظرت الخادمة نحو إيما باستغراب وقالت باحترام:
*"عذرًا، آنستي الصغيرة."*
ردّت إيما بهدوء:
"لا بأس، لا عليكِ."
غادرت الخادمة وهي تتمتم، بينما التفتت تولين نحو إيما وقالت بشفقة:
"مسكينة... لقد سقطت أرضًا بقوة. هل تظنين أنها بخير؟"
نظرت إيما إلى المكان الذي انزلقت فيه الخادمة، ثم ضحكت بسخرية:
"ههه، لا شك أنهما الثنائي المزعج مجددًا. حتى الخدم لم يسلموا من فخاخهما!"
ضحكت تولين بخفة وهي تتذكر ملامحهما المتطابقة، ثم سألت بابتسامة:
"هل هما توأمان؟ أليس كذلك؟"
أشارت إيما برأسها:
"بلى، إنهما توأمان، لكن شقيّان جدًا جدًا. لا يوجد خادم إلا وقد نصبوا له فخًّا، ولذلك استقال الكثير منهم بسببهم."
علّقت تولين بدهشة وشفقة:
"لمَ لا تخبرين والديهما؟ ربما يُهدئانهما قليلاً."
تنهدت إيما بيأس:
"لقد أخبرناهما مرارًا، لكنهما لا يصدّقان. أمام والديَّ، يكونان ملاكَين... وأمام الخدم، شياطين لا يُطاقان!"
ضحكت تولين:
"هل هما شقيقاكِ؟"
أشارت إيما بكتفيها باستسلام:
"نعم، للأسف."
تولين باستغراب:
"أنصحيهما! ربما يستمعان إليكِ بما أنكِ أختهما الكبرى؟"
هزّت إيما رأسها وضحكت:
"ياليت! لو استمعا لي مرة واحدة فقط ستكون معجزة... حتى أنا لم أسلم من فخاخهما، يضعانها لي باستمرار!"
ضحكت تولين، وقد أعجبها وصف إيما للتوأم المشاغبين.
ثم تذكرت إيما فجأة وقالت:
"أوه، بالمناسبة! تعالي لأدلك على غرفتك، لتقضي ليلتك هناك وتستريحي قليلاً. تبدين شاحبة... يبدو أن السفر أتعبك كثيرًا."
ارتسم الحزن على ملامح تولين دون أن تتكلم.
لاحظت إيما ذلك، فحدّقت بها بلطف وقالت بهدوء:
"اعذريني... لم أقصد أن أذكّرك بشيء حزين."
ابتسمت تولين ابتسامة باهتة:
"لا عليكِ، عزيزتي."
اقتربت إيما منها، وأمسكت معصم يدها برفق:
"هيا نذهب، لترتاحي قليلاً. بقيت ساعة فقط على موعد العشاء، خذي قسطًا من الراحة."
وعندما وصلتا إلى الغرفة، دُهِشت تولين من جمالها. كانت فاخرة وأنيقة، وربما للمرة الأولى في حياتها تنام في غرفة تخصّها وحدها. شعرت بمزيج من الحزن والدهشة، ثم نظرت إلى إيما وقالت:
"شكرًا لكِ، إيما... لكن ليس عليكِ أن تعطيني هذه الغرفة."
ابتسمت إيما بلطف، واقتربت من تولين قليلًا، ثم قالت بصوت هادئ مليء بالدفء:
"لا عليكِ، عزيزتي تولين، خذي راحتك كما تشائين. والآن، وداعًا، سأذهب لأبحث عن الثنائي المزعج."
ضحكت تولين بخفّة، وعيناها تشعان بالامتنان:
"يبدو أنهما فرا هاربين، لا تُتعبي نفسك، فربما حين يكبران يهدآن قليلًا."
وقفت إيما عند باب الغرفة، والتفتت إلى تولين بابتسامة صغيرة ناعمة ارتسمت على شفتيها، وقالت بنبرة فيها بعض الأمل:
"أتمنى ذلك حقًا."
ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء، تاركة خلفها سكونًا دافئًا.
جلست تولين على حافة السرير، تأملت الغرفة بعينيها الواسعتين، كل شيء كان جديدًا عليها. تقدّمت ببطء نحو السرير، ولامسته بأطراف أصابعها، ثم جلست، فانبهر جسدها براحة لم تعهدها من قبل. همست لنفسها:
"ما ألين هذا السرير... كم هو مريح..."
استلقت بهدوء، ثم أغمضت عينيها قليلًا، وانهمرت أفكارها وذكرياتها دفعةً واحدة.
.
.
وفجأة، قطعت طرقاتٌ خفيفة على الباب لحظة التأمل.
نهضت تولين بتردد، اقتربت من الباب وفتحته، لتجد أمامها خادمة مسنّة بعض الشيء، تقف باحترام. نظرت تولين إليها باستغراب، وقالت بلطف:
"نعم؟"
أجابت الخادمة بصوت واثق وأدب ظاهر:
"سيدتي إيما أخبرتني أن أعتني بكِ هذا المساء، وإذا احتجتِ لأي شيء، فأنا بالخدمة."
ابتسمت تولين برقة، وردّت بهدوء: "شكرًا لكِ، لا أحتاج شيئًا الآن، ."
لاحظت الخادمة حسن خلقها، واندهشت من تهذيب حديثها، فردّت بود:
"هل تأذنين لي بالدخول، آنستي؟ فقد طلبت مني سيدتي إيما تجهيزك قبل قدوم سيدي الدوق. وسيدتي الدوقه"
رفّت عينا تولين باستغراب، لكنها فتحت الباب أكثر، وقالت:
"تفضّلي."
دخلت الخادمة بهدوء، وتوجهت نحو الخزانة، ثم أخرجت فستانًا بسيطًا بلون أزرق هادئ، وأدارته بيديها ونظرت إلى تولين:
" تفضلي ؟"
أحنت تولين رأسها قليلًا، وتحدثت بلهجة خجولة:
"لا داعي لذلك، لدي ملابس أخرى مناسبة."
أجابت الخادمة بلين وهدوء:
"أفهمكِ يا آنسة، لكن في هذا القصر، نُقدّر الأناقة كثيرًا. الفستان بسيط لكن أنيق، وسيدتي ترغب بأن تكوني بأجمل مظهر... فقط خذي حمامًا وارتديه، رجاءً."
ترددت تولين للحظة، ثم ابتسمت بلطف وقالت:
"حسنًا، سأفعل."
انحنت الخادمة قليلًا مودعة، ثم خرجت بهدوء.
.
.
.
تأملت تولين الفستان قليلًا، ثم توجهت نحو الحمام. دقائق معدودة مرّت، وخرجت تولين وهي ترتدي الفستان الأزرق، أكمامه الطويلة المنتفخة تُضفي عليها أناقة ملكية هادئة. صففت شعرها الأحمر الطويل على شكل ضفيرتين ناعمتين، وتقدّمت نحو المرآة.
وقفت أمامها تتأمل ملامحها بانبهار، لم ترَ نفسها بهذه الهيئة من قبل. بدت وكأنها جزء من قصة خيالية...
لكن سرعان ما خفت بريق عينيها، عندما وقعت نظراتها على شعرها الأحمر، فعبست قليلًا وهمست لنفسها بحزن:
"شعري... إنه ليس جميلًا كم اكرهه بشدة..."
فجأة، دوى طرقٌ خفيف على باب الغرفة للمرة الثانية. تنهدت تولين بصوت خافت وهمست:
"ادخل"
دخلت الخادمة بانحناءة احترام، وقالت بلطف:
"آنستي الصغيرة، العشاء جاهز."
بلعت تولين ريقها بتوترٍ ظاهر، وردّت بنبرة هادئة تخفي اضطرابها:
"حسنًا، سأنزل حالًا."
انحنت الخادمة مجددًا، وغادرت الغرفة برقي، مغلقة الباب خلفها.
وقفت تولين أمام المرآة تتأمل انعكاس وجهها، وهمست لنفسها محاولةً تهدئة القلق الذي استوطن قلبها:
"هيا يا تولين، تمالكي نفسك... لا مجال للخوف الآن، كوني قوية."
اتجهت نحو الباب وفتحته ببطء، ثم خرجت تمشي بخطى هادئة، تكاد لا تُسمع، بينما كان قلبها ينبض بقوة والعرق يتصبب من كفيها.
هبطت السلالم بهدوء، وكلما اقتربت من قاعة الطعام، ازداد توترها. رفعت بصرها، فإذا بالعائلة كلها ملتفة حول مائدة العشاء، تتبادل الأحاديث
شعرت تولين بوخزة خجل حادة في صدرها، فأخفضت نظرها بسرعة إلى الأرض، محاوِلة إخفاء ارتباكها.
تقدمت إيما بخطوات واثقة وابتسامة مشرقة، ثم التفتت نحو عائلتها وقالت بلطف:
"أعرفكم على ضيفتي وصديقتي العزيزة."
ثم نظرت إلى تولين وشجعتها بعينيها، فأجابت تولين بخجل ظاهر، ورفعت رأسها ببطء، ثم انحنت أمامهم بأدب، وقالت بصوت منخفض يحمل في نبرته ارتجاف الخجل:"أدعى تولين... من قرية روندا في إسبانيا، تشرفت بلقائكم، ويسرّني أن أكون ضيفة كريمة لدى ابنتكم الطيبة."
ابتسمت إيما بلطف وقالت لتولين:
"حسنًا، هيا نتناول العشاء أولًا، وبعده سأعرّفك بعائلتي."
أشارت تولين برأسها موافقة بهدوء، ثم جلست على المقعد المجاور لأحد التوأمين، بينما جلست إيما إلى جانبها.
ما إن وقعت عينا تولين على المائدة المرتبة والأطباق الأنيقة، حتى لاحظت الملعقة والسكين والشوكة بجانب كل طبق. عبست ملامحها بقلق خافت، وتململ قلبها من الانزعاج.
"هذا ما كان ينقصني..." همست في داخلها،
"لا أجيد استخدام الشوكة والسكين كما يفعلون، فكيف سأأكل الآن دون أن أبدو غريبة؟"
بقيت واقفة، تخفض رأسها بتوتر واضح، ويداها ترتجفان من الخجل، وعقلها يبحث عن مخرج.
لاحظت إيما ارتباكها، فاقتربت منها وهمست بلطف:
"تولين، ما بكِ؟ لم لا تأكلين؟ هل تخجلين؟"
بلعت تولين ريقها، ثم رفعت بصرها نحو إيما لا تدري بمَ تجيب، وفجأة خطر في بالها عذرٌ سريع، فقالت متظاهرة بالهدوء:
"أنا لا أتناول اللحوم أو أي شيء من الكائنات الحيّة... أشفق عليها."
وقبل أن تكمل حديثها، انفجر ضحكٌ عالٍ في القاعة، دوّى صوت ضحكة عالية لشاب، فالتفت الجميع نحوه بما فيهم تولين، التي حدّقت فيه بدهشة واستغراب، تحدّثت في نفسها:
"أيعقل أن يكون قد جُنّ؟ ما الذي يضحكه بهذه الطريقة؟"
كان ذلك الشاب هو شقيق إيما، وقد علا وجهه علامات مزاح لا يُفهم سببها.
تدخّل والد إيما بصوت رجولي عميق ونبرة صارمة:
"جوليان، كفى هذا."
في لحظة، سكن جوليان وتوقف عن الضحك، ثم أعاد الجميع أنظارهم إلى الطعام وأكملوا العشاء بهدوء.
أما تولين، فاكتفت برشفة خفيفة من الحساء، بينما كانت تراقب بهدوء أحد التوأمين، وقد أخرج من جيبه القليل من الفلفل الحار وهو يهمس بشيء لشقيقه، ثم أعاد الاثنان نظراتهما إلى الطعام كأن شيئاً لم يكن، محافظين على أدبهما الظاهر.
رفعت تولين حاجبها بدهشة، تحدثت في سرّها وهي تنظر إلى التوأمين:
"يا إلهي… إنهما شيطانان بحق! لا عجب أنهما شقيّان إلى هذا الحد."
قطع تأملها صوتٌ جهوريّ، صوت والد العائلة وهو يخاطب أحد أبنائه الكبار. التفتت تولين بفضول نحو الطاولة.
كان الشاب يُدعى جوليان، شعره أشقر كالذهب، وعيناه الزرقاوان تلمعان بالمرح تمامًا كأخته إيما. بدا من ملامحه أنه شاب مرح، يميل للضحك، لكن خلف ابتسامته تختبئ هيبة خفيّة لا يمكن إنكارها.
أما الشاب الآخر، الجالس بجانبه، فقد كان مختلفًا تمامًا. ملامحه حادّة، ونظرته صارمة توحي بشخصية جادّة ومهيبة. عيناه عسليتان داكنتان، وشعره بلون العسلي أيضًا، يشبه والده إلى حد كبير. بدا شديد الوقار، قليل الكلام، وكأنّ الصمت حليفه.
نظرت تولين إلى التوأمين، كان شعرهما بلون رمادي لامع، وعيناهما الزرقاوان تذكّرانها بإيما وجوليان، وكأنهم نسخة واحدة موزعة على أجساد مختلفة.
انتقلت بنظرها بهدوء إلى والدهم. كان رجلاً ذا حضور طاغٍ، يشعّ من قسمات وجهه هيبة وقوة، فأدركت أن الابن الأكبر يشبهه كثيرًا.
وفجأة، التقت عينا تولين بعيني شاب ذات شعر العسلي ، نظرة خاطفة لكنها كانت كافية لزرع الارتباك في قلبها. وكتمت انفاسها
تورد وجهها، وخفضت بصرها سريعًا وهي تحدث نفسها بخوف:
"كيف تعيش إيما مع رجل كهذا؟ إنه مخيف… تمامًا كالوحوش!"
قطع الصمت صوت الأب، قال بلهجة سلطوية "إيثان، هل أنهيت اجتماع اليوم؟"
ردّ إيثان الذي هو كان ابن لاكبر بصوت بارد عميق، لا يخلو من الهيبة:
"بلى، يا والدي، لكنني أحتاج لبعض الوقت لإنهائه بالكامل."
هزّ الأب رأسه برضا:
"جيد. أسرِع، نحتاجه في أقرب وقت ممكن."
"حسنًا، يا أبي." أجابه إيثان بنفس النبرة المتزنة، ثم نهض من على المائدة وصعد السلالم دون أن يضيف كلمة.
تابعت تولين خُطى "إيثان" بنظرات خفية وهي يبتعد صاعدًا السلالم، لا تدري لمَ تشعر بهذا الثقل كلما حضر، وكأن الهواء يضيق، والأنفاس تختنق.
همست في داخلها:
"وأخيرًا... لقد غادر. حضوره وحده يُربكني... إنه مخيف، يكتم الأنفاس دون أن ينطق بكلمة."
شعرت بشيء من الراحة يتسلل إلى صدرها، وكأن غيمة سوداء انقشعت من الغرفة برحيله، لكنها مع ذلك، لم تستطع تجاهل تلك الهيبة التي تُحيط به... هيبة غامضة تُثير القلق والتساؤل
ثم سمعت تولين صوت والد إيما يتحدث بحدة إلى أحد أبنائه:
"جوليان، لمَ لا تُساعد أخاك في الأعمال والاجتماعات؟ على الأقل تفعل شيئًا نافعًا بدلاً من قضاء وقتك في تدريبات القتال والفروسية! اترك تلك السخافات وساعده، أنت تعرف جيدًا أن الملك أوكل كل شيء إلى أخيك، وأنت تتسكع بلا هدف! لا أحد يحتاجك لتحميه!"
جوليان بصوت حزين ومنكسر:
"أبي... تدريب القتال ليس تسكعًا، أنا لا أتعلّمه للهو. لطالما حلمت أن أكون محاربًا منذ كنت صغيرًا... رجاءً، لا تجبرني على طريق لا أريده."
لكن الأب صرخ في وجهه، والغضب يتطاير من عينيه:
"لا تُعاندني يا جوليان! ليس فيك فائدة! حتى إيما... بدأت تتصرف كالأولاد، تتعلم أمورًا صبيانية، وخطيبها ماذا سيقول عنها حين يتزوجها؟ لن تصبح سيدة نبيلة وهي بهذا الحال! وأنت... لن تصبح دوقًا مرموقًا! أنتما فاشلان، وقد صبرت عليكما أكثر مما ينبغي!"
تولين فزعت من حدة صوته، وابتلعت ريقها بخوف، نظرت إلى إيما فوجدت ملامحها تحاول قهر الدموع بصعوبة، بينما الحزن يُغلف وجهها الرقيق.
أما "جوليان " فكان يُراقب والده بجمود وبرود، ثم قال بنبرة منخفضة لكنها مخيفة:
"أبي... أنا حرٌّ في اختياراتي، وليس من شأن الملك أو سواه أن يُقرر عني. والآن... وداعًا."
استدار غاضبًا وغادر القصر بخطى سريعة، تشي بثورة صامتة في داخله.
نهضت إيما من مكانها فجأة، وركضت باكية إلى الأعلى، فيما تولين بقيت جامدة، تتأمل هذا المشهد العائلي المضطرب بقلب مثقل.
"أهكذا يكون الدفء العائلي؟ أيُعقل أن الأب، من يُفترض به الحنان، يكون بهذا الجفاء والغرور؟"همست في نفسها بأسى.
وقفت تولين بهدوء، ثم صعدت الدرج تبحث عن إيما، لكنها لم تعرف أين غرفتها.
لمحَت أحد التوأمين يتجهان إلى جناحهما، فاقتربت منهما وسألت بلطف:
"هلّا دللتماني على غرفة إيما؟"
تبادل التوأمان نظرات مشاكسة، ثم قال أحدهما:
"تفضّلي معنا، سنأخذك إليها."
ابتسمت تولين ونسيت للحظة أنهما شقيان للغاية.
عند أحد الأبواب، قال أحدهما بثقة:
"هذه هي غرفتها، يا آنسة."
تولين نظرت إليهما بريبة، ثم قالت بشكّ:
"أمتأكدان؟"
رفع أحدهما كتفيه وقال بابتسامة بريئة زائفة:
"بالطبع، ندلك بدقة يا آنسة."
ثم ركضا مبتعدين بسرعة.
استغربت تولين من تصرّف التوأمين، فقد غادرا بسرعة قبل أن تتمكن من سؤالهما عن أمرٍ مهم. أعادت نظرها إلى الباب أمامها، ثم فتحته ببطء وحذر. الغرفة كانت مظلمة، يعمّها السكون، وظلّ شخصٍ ما يقف أمام الشرفة، ظهره إليها، وشعرها يقف من الخوف.
تقدّمت بخطوات حذرة والقلق يملأ صدرها، حتى اقتربت من الشرفة... وعندما نظرت، التقت عيناها بعيني ذلك الشخص... إنه إيثان.
شعرت تولين بالصدمة تسري في جسدها كالكهرباء، والخوف يسيطر على أوصالها. بلعت ريقها بصعوبة، أرادت أن تركض، أن تهرب، لكن قدميها خذلتاها... جسدها أبى أن يتحرّك، ودقات قلبها تتسارع كطبول حرب لا تهدأ.
"تبا... لقد خدعاني! لمَ وثقت بهما؟!
همست في نفسها، والخوف يعصر قلبها.
بدأت تسير إلى الخلف بخطوات مرتجفة، تنطق بصوت باهت متقطع:
"أ... آسفة... أنا لم... أقصد..."
لكن فجأة تعثّرت قدمها بأحد الأرائك المنخفضة التي لم ترها في ظلام الغرفة، وكادت أن تسقط، لولا يد قوية أمسكت بها بسرعة وخفّة. تجمّدت في مكانها، وجلست للحظة تنظر إليه بصدمة... نظراته كانت باردة، هادئة حد الرعب، تخترقها بصمت.
ابتعدت فورًا، استجمعت ما تبقّى من شجاعتها، وركضت نحو الباب، فتحته بعجلة وأغلقته خلفها بقوة. لم تشعر بنفسها، كانت تركض في الممر وكأن وحشًا يطاردها، حتى صدمت بجوليان فجأة!
تراجعت خطوة إلى الخلف، كانت ملامحها مصفرّة، ونظرتها مذعورة، وكأنها رأت شبحًا. يداخل تمتمت سريعًا بصوت مرتجف:
"آسفة... آسفة..."
ثم اندفعت راكضة إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. وضعت يدها على صدرها، تلهث بقوة... وكأنها نجت من فخ قاتل.
سقطت دموعها على وجنتيها بصمت، واقتربت من فراشها، ألقت جسدها عليه بانكسار، وغطّت وجهها بكفيها وهي تبكي...
"ليت الأرض تبتلعني... ليتني لم أقبل دعوة إيما... هذا ليس امتنانًا، هذا كابوس..."
.
.
.
عند جوليا رفع حاجبه بدهشة، ثم تمتم باستغراب:
"ما بال هذه الفتاة؟ تركض وكأن وحشًا انقضّ عليها..."
أعاد نظره إلى غرفة شقيقه إيثان، ثم اقترب منها وطرق الباب بخفة، وما إن سمع الإذن، حتى دخل بهدوء.
كان إيثان جالسًا على الأريكة، يقرأ كتابًا بثبات وهدوء يليق بهيبته المعتادة. تقدّم منه جوليان وجلس أمامه، ثم قال بصوت نصف جاد:
"بالمناسبة، لدي سؤال... وطلب أيضًا."
رفع إيثان عينيه عن الكتاب، ونظر إليه بنظرة صامتة تحمل معنى: "تابع."
تنهد جوليان بعمق، ثم قال:
"أولًا، هل وجدت الشخص الذي كنت تبحث عنه؟ لأني ما زلت أُرسل بعض الجواسيس، وهم مستمرون في التحري، لكن الأمر يزداد تعقيدًا."
أغلق إيثان الكتاب بهدوء، ووقف مستندًا إلى الطاولة القريبة منه، وقال بصوته البارد المعتاد:
"كلا، لم أجده بعد... لكن تبقّت لدي وسيلة واحدة فقط. سأضطر لاستخدامها، وإن كانت خطيرة."
هزّ جوليان رأسه بأسى، ثم تنهد مجددًا قائلاً:
"والآن... طلبي. هل يمكنك أن تسمح لي بالسفر إلى الجنوب؟"
رد إيثان مباشرة، دون أي تردد:
"كلا."
اعترض جوليان بعناد:
"سوف أذهب، سواء وافقت أم لا."
ابتسم إيثان بسخرية خفيفة، ثم قال بنبرة هادئة:
"كم أنت عنيد... حسنًا، سأسمح لك، لكن احذر. هناك من يتربص بنا، يريدون استغلالنا أو إيذاءنا. لذا، كان والدي محقًا في تشديده."
لم يتمالك جوليان نفسه من الفرح، فاندفع يعانقه قائلًا بحماس:
"شكرًا لك يا أخي! كم أحبك!"
عبس إيثان بملل وهو يُبعده عنه بلطف، تمتم ببرود:
"أنت تعلم أني لا أحب هذه التصرفات العاطفية... وافقت فقط كي تُريحني من صداع رأسك، ومشاكلك أنت ووالدنا، ولو ليوم واحد."
ضحك جوليان بخفة، وهو يعلم أن خلف هذه الكلمات الباردة، يكمن قلب أخٍ لا يقل حبًا واهتمامًا... لكنه فقط، لا يعترف بذلك علنًا....
ثم ابتسم جوليان بخبث وقال:
"حسنًا، سأبقى."
لكن إيثان سارع بالقول، بنبرة باردة:
"عليك أن تذهب، كي تطوّر مهاراتك في القتال."
ضحك جوليان على تبريره، وكأنه يعرف أنه يحاول طرده بطريقته المعتادة، ثم بدا وكأنه تذكّر شيئًا مهمًا، فتقدم قليلًا وقال:
"صحيح، تذكرت… تلك الفتاة، أظن أن اسمها لوين أو شيء قريب من ذلك… رأيتها تركض مبتعدة عن غرفتك، كانت ملامحها مليئة بالخوف والهلع، وكأن وحشًا طاردها!"
ابتسم إيثان ابتسامة خفيفة بالكاد تُرى، وقال ببرود:
"على ما أظن… رأيتها."
ضحك جوليان، وقد فهم أن تولين صادفته مصادفة في الغرفة، ولم يكن الأمر مقصودًا. وبحسب معرفته بأخيه… نعم، يحق لها أن ترتعب.
في تلك الأثناء…
نهضت تولين من على السرير، توجهت نحو المغسلة، وغسلت وجهها من آثار الدموع، علّها تخفي ما تبقّى من ارتجاف داخلها. وبعد ذلك، غيرت ملابسها، واستعدت للنوم، لكن صوت طرقٍ خفيف على الباب قطع أفكارها. رفعت صوتها بهدوء:
"ادخل."
دخلت إيما بخطوات مترددة، ووجهها يحمل شيئًا من الأسف، ثم قالت:
"أعتذر إن أزعجتكِ في هذا الوقت… لكني كنت أمرّ، ورأيت ضوء غرفتك لا يزال مشتعلاً، فقلتُ ربما أنتِ مستيقظة. جئتُ فقط لأطمئن… هل تحتاجين شيئًا؟"
ابتسمت تولين بلطف ونهضت، ثم قالت بصوت هادئ :
"نعم، أحتاج شيئًا منكِ."
نظرت إيما إليها باستغراب، وابتسامة خافتة ترتسم على وجهها:
"ما هو؟"
اقتربت منها تولين، أمسكت بيديها بلطف، وقالت :
"تعالي، اجلسي بجانبي، أود التحدث معكِ."
جلست إيما على حافة السرير، صامتة قليلاً، ثم قالت لتكسر الصمت :
"عن ماذا نريد أن نتحدث؟"
تنهدت تولين بعمق، وحدقت في عيني إيما بنظرة يملؤها القلق، ثم همست بصوت دافئ :
"إيما… ما بكِ؟ لماذا أنتِ حزينة؟"
ابتسمت إيما ابتسامة باهتة، لكنّ الحزن كان أعمق من أن تُخفيه تلك الابتسامة. لمعت دمعة على حافة عينها، ثم انخفض رأسها شيئًا فشيئًا، كأن ثقل العالم استقر على كتفيها. تكلمت بصوت منخفض، تحمله نبرة ألم دفين :
"والدي… لا يريد لنا أن نعيش كما نشاء، بل كما يشاء هو. لا يرى أحلامنا… بل يفرض علينا أحلامه. منذ أن كنت طفلة وهو يسجنني في هذا القصر… لا يسمح لي بالخروج، لا يؤمن بأن الفتيات لهن حقّ في الحياة. حين وُلدت، فرح ظنًا بأنه رُزق بولد، لكن حين علم أنني فتاة… غضب، وكرهني منذ اللحظة الأولى. يرى فيّ عارًا لا أكثر."
تنهدت بألم، ثم تابعت بصوتٍ يملأه الاختناق:
"واليوم… يريد أن يزوجني بابن دوق ثري يُدعى (ألاريك)، ليس حبًا بي، بل ليُنشئ تحالفًا مع عائلة نبيلة. لكنه… فاسد، زير نساء، وسمعته سيئة. أنا مجرد أداة… أداة في يد والدي، يستخدمها ليرفع شأنه!"
لم تتمالك دموعها، فانسابت على وجنتيها دون مقاومة، حتى شهقت بصمت.
اقتربت تولين منها، واحتضنتها برفق، وكأنها تحاول أن تسحب الحزن من قلبها إلى قلبها. ضمتها كما تُضم الروح إلى الروح، ثم همست قرب أذنها، بصوت تخنقه الغصة :
"إيما… لا تبكي. أقسم لكِ، أنكِ أقوى مما تتخيلين. لا تستسلمي. لا تقفي على حافة الحياة خائفة. واجهيها. افتحي عينيكِ جيدًا… لا لأوامره، بل لنوركِ الخاص. اسمعي كلامه، نعم، لكن لا تخسري نفسك ابتسمي أمامه، أظهري له الاحترام، قولي 'سمعًا وطاعة ولكن لا تهملي صوتكِ من الداخل… صدقيني حين يرى فيكِ اللطف والقوة معًا سيراكِ جوهرة لا يمكن التفريط بها."
مسحت إيما دموعها بطرف كمّها، ثم قالت بابتسامة خجولة :
"كلامكِ… جميل جدًا، تولين. يُشبه حديث الحكماء. من يسمعكِ يظن انك عجوز تواسي احفادها.. لكنكِ أعدتِ لي الأمل… وجعلتني أتنفّس من جديد. سأتمسك بكلماتك… ولن أستسلم."
ابتسمت تولين بحب، وربّتت على كتفها:
"هكذا أريدكِ، إيما. لا تنطفئي أبدًا. أريد أن أرى نوركِ يتوهّج، حتى وإن أطفأوه ألف مرة."
ضحكت إيما من قلبها، لأول مرة منذ أيام، ثم سألتها برقة :
"إن لم يكن لديكِ مانع… هل تخبرينني عن مغامراتك؟"
شعرت تولين بغصة حارقة في صدرها، وكأن شيئًا ما يعتصر قلبها دون رحمة. سكنت قليلاً، وعيناها لمعتا بذكريات مؤلمة دفنتها طويلًا. تمتمت بصوت يختلط فيه الحنين بالألم :
"أنا يتيمة… لكن جدي، رحمه الله، كان لي كل شيء. كان والدي ووالدتي، كان حضنه وطنًا، وصوته أمانًا… عوّضني عن كل شيء فقدته في الماضي."
ثم ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت بنبرة شوق :
"كانت لدي صديقة… مثل أختي تمامًا، بنفس عمري، لكن ظروف عائلتها اضطرتهم للسفر بعيدًا. كنا لا نفترق، وكأننا روحان في جسد."
سكتت لبرهة، لكن الحزن تسلّل من بين كلماتها، ثم همست بصوت بالكاد يُسمع:
"وجدّي… كان حنونًا، طيبًا، يستحيل أن يرتاح إن علِم أنني لست بخير…"
شعرت تولين بوخزة عميقة في قلبها، غصّة كأنها تشق روحها إلى نصفين. لم تستطع أن تواصل… لم تستطع أن تنطق الحقيقة التي لا تزال ترفض تصديقها.
وقفت بهدوء، واتجهت نحو النافذة، تُحدّق في السماء الملبدة بالنجوم، وكأنها تبحث هناك عن وجهه… عن حضنه… عن صوته. :
"جدي… رحل عني. تركني وحدي في هذا العالم… لكنه لا يزال حيًا… يسكن قلبي وروحي، لم يرحل تمامًا…"
ابتسمت إيما بحزن، ثم وقفت بجانبها، تحدّق معها في النجوم ذاتها، وقالت بصوت دافئ :
"نعم، يا تولين… لا يزال حيًا بداخلكِ… في كل ذكرى، في كل دعاء، في كل خطوة شجاعة تخطينها، هو معك."
تثاءبت إيما بتعب، ثم قالت برقة :
"يبدو أن النعاس قد غلبني… وأنتِ أيضًا يجب أن تنامي، غدًا تنتظركِ رحلة طويلة. تمنّيت لو بقيتِ يومًا آخر…"
تولين ابتسمت بإمتنان صادق :
"أشكركِ من قلبي، إيما، على كل ما فعلته لأجلي… لا أعرف كيف أرد لكِ جميلكِ. ولكن يومًا ما، حين نلتقي من جديد، وأنا بأفضل حال… سأعيد لكِ كل ما قدمتِه لي وأكثر."
عبست إيما بلطف، وقالت ممازحة :
"لا تشكريني… أنا من يجب أن يشكرك. لا تنسي… لولاكِ لكنت الآن طريحة الفراش. لو علم جوليان، لقال: ‘تستحقين ذلك، أيتها العنيدة’."
ضحكت تولين بخفة، ثم أمسكت بيدها وسحبتها بلطف :
"ما رأيكِ أن تنامي معي الليلة؟ لا أرتاح عندما أكون وحدي… لم أعتد على النوم في مكان جديد."
ابتسمت إيما بمحبة :
"بالطبع، حبيبتي… هيا بنا."
استلقيا سويًا على السرير، وفي حين غطّت إيما في النوم سريعًا، بقيت تولين تحدّق في السقف، تفكر… في الماضي، في جدها، في كل شيء فقدته.
لكن النعاس غلبها في النهاية، فأغمضت عينيها بهدوء، وانسابت إلى نومٍ دافئ… حملها بعيدًا عن كل هذا العالم.
═══════✿ ✿═══════
مرحبًا أعزائي القرّاء 🌸
أحضرتُ لكم اليوم بارتات طويلة كتبتها بكل حب وآمل حقًا أن تنال إعجابكم وتلامس قلوبكم 💕
لقد استغرقت مني هذه البارتات أربعة أيام من العمل المتواصلل حاولت فيها تحسين الإملاء وترتيب الأحداث بعناية وجعل القصة أكثر تماسكًا وطولاً… كتقدير بسيط منّي لتأخري في النشر 🥺🌷
وإن لاحظتم أي خطأ في الكلمات أو التعبير فلا تترددوا في تنبيهي فتعليقاتكم دائمًا ما تساعدني على التطور 🎀
أعتذر أيضًا عن الأخطاء السابقة في البارتات الماضية، فقد كتبتها حينها بعجلة دون مراجعة، ورغم ذلك نالت إعجابكم وهذا أسعدني كثيرًا 🥰🫂
شكرًا لكم من أعماق قلبي على دعمكم المستمر.
نلتقي في البارتات القادمة بإذن الله، والتي ستكون أجمل وأعمق…
وأعدكم أن يظهر جوليس أخيرًا 😂🔥
فهو قادم لا محالة ترقبوه!
وداعاً👋💞
═══════✿ ✿═══════