المقدمة غيوم البكاء
هذه هي الحياة...
فيها من قست قلوبهم حتى صارت كالحجر،
وفيها من طابت نفوسهم حتى ظننت أنهم من الجنة،
لكن البشر ليسوا سواء، وما يجعلهم متشابهين...
هو الخبث حين يسيطر عليهم الجشع، الحقد، الحسد، والكراهية،
فتغدو دماؤهم سوداء، وتتلاشى إنسانيتهم.
وهناك الطيبون...
أُولئك الذين ينخدعون بوجوه كالملاك،
ليكتشفوا متأخرين أن خلفها يسكن شيطان
فيُصدمون بالحقيقة... ويدفعون الثمن غاليًا.
فلا تضع ثقتك في أحد...
إلا في الله وحده.
فكم من وردةٍ جميلة... ذبلت من الألم،
حتى لم يبقَ منها سوى رماد...
في مساءٍ ممطر...
كانت هناك امرأة تتهاوى خطواتها فوق الطين،
الدموع تسبقها... والدماء خلفها،
تتألم... تتوسل للسماء بصوت متحشرج:
"آه يا إلهي... الألم يمزقني... سأموت... كن بعوني..."
كلما تذكّرت ما حدث قبل ساعات، شهقت بالبكاء،
ثم تنظر إلى طفلتها النائمة في حضنها،
كأنها ملاك نازل من السماء...
تُقبل جبينها المرتجف، وتهمس بألم :
"عزيزتي ... لم أكن أعلم أن الحياة بهذه القسوة...
كوني قوية، لا تفقدي الأمل... هذه الحياة لا ترحم الضعفاء..."
قبل أن تُكمل، سقطت على الأرض...
الدماء تغمر المكان... والصمت كان كالكفن.
في مكانٍ آخر...
رجلٌ يركض تحت المطر الغزير،
يحاول الاحتماء من البلل،
لكن شيئًا ما... سيقوده إلى قدرٍ لا مفرّ منه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقطعه صوت صراخ... صوت طفلة!
يعلو الصوت شيئًا فشيئًا، نحيبٌ موجع... لا، لا... إنها تبكي بحرقة، وكأن قلبها الصغير قد انكسر فجأة.
ركضَ بخطى سريعة نحو الصوت، وكل شيء في داخله يرتجف.
وبمجرد أن وصل، اتسعت عيناه من الصدمة...
امرأةٌ ممددة على الأرض، وحولها بقع دماء كثيفة...
وبجانبها، طفلة صغيرة تبكي بانهيار، تصرخ وكأن روحها تود الخروج معها!
اقترب منها ببطء، وصوت أنفاسه يكاد لا يُسمع من شدة الصدمة...
جثا على ركبتيه، مدّ يده نحو عنق المرأة ليتأكد من نبضها، ثم تمتم بأسى:
"لقد فارقت الحياة..."
حدّق في الصغيرة، كانت ترتجف، تصرخ، ودموعها لم تتوقف...
امتدت يداه المرتبكتان ليضمها إلى صدره، وفي داخله تساؤلات كثيرة تعصف به...
لكن فجأة...
وقع بصره على شيء يتدلى من عنق الطفلة... عقدٌ غريب الشكل... مألوف جداً...
اتسعت عيناه، وتمتم بذهول :
"يا إلهي...! أهذه...؟! لا يمكن... مستحيل... إنها هي...؟!"