الفصل الثاني عشر بعد المئة
" the writer Aridj "
.
.
.
بعد يومٍ طويلٍ مُثقلٍ بالتعب والعناء، يومٍ توزّع بين ساحة التدريب، وبين المكاتب والحواسيب، بين أكوام الأوراق وجوازات السفر والحجوزات، وبين تفاصيل لا تنتهي من مسؤولياتٍ تسرق من الروح هدوءها…
في نهاية المطاف، عاد كلٌّ إلى جحره، وعاد كل طيرٍ إلى عشه، كأن الحياة أغلقت أبوابها مؤقتًا لتمنح الجميع هدنة قصيرة.
دخل رعد إلى المنزل بخطواتٍ بطيئة، خطوات رجلٍ أثقلته الأيام لا الأرض. رمى مفاتيحه على الطاولة أمامه بلا اكتراث، كأنها امتدادٌ لتعبه، ثم أخرج هاتفه من جيبه وألقاه على الأريكة دون أن ينظر إليه. جلس أخيرًا، وأسند رأسه إلى الخلف، تاركًا جسده يستسلم لأول مرة منذ الصباح.
كان يومًا مرهقًا… مرهقًا حدّ أن التفكير ذاته أصبح عبئًا.
أغمض عينيه، لكن عقله ظلّ مستيقظًا، يتقافز بين الأسئلة: هل يصارح؟
هل يخطو تلك الخطوة التي قد تغيّر حياة شخصين إلى الأبد؟
أم يبقى واقفًا عند حافة الانتظار...
لأول مرة، كان مشتّتًا إلى هذا الحد.
لأول مرة، لا يعي ما الذي يجب عليه فعله.
في تلك الأثناء، نزلت وعد برفقة تالين. كانتا قد قضتا اليوم بأكمله مع بعضهما، بين إعداد حقائب السفر، والتخطيط لما ينتظرهما خلال هذا الأسبوع، بين ضحكاتٍ عابرة وصمتٍ يحمل أكثر مما يقول.
لمحت وعد أخاها من أعلى الدرج. كان جالسًا محاولًا الاسترخاء، لكنها تعرفه جيدًا… تعرف ملامحه، وتعرف ماذا تخفي تلك السكينة الظاهرة.
رفعت إصبعها السبّابة إلى شفتيها، مشيرةً إلى تالين بالصمت وعدم إصدار أي صوت.
أكملتا النزول بهدوء، خطواتهما تكاد لا تُسمع، حتى توقفتا عند آخر درجة.
وفي مكانٍ آخر، وفي داخلٍ آخر......
أحوم في ملامحكَ ولا أعلمُ ما أصنعُ سوى الهيامِ
أهو الصوابُ أم الخطأُ، أمّا القلبُ فذاك مُلجَمُ بالأوهامِ
ملامحكَ الهادئةُ الحادّةُ، وشعركَ كالليلِ في الظلامِ
وعيناكَ الرماديتانِ… يا لغرابتهما سحرٌ بلا كلامِ
لم أرَ مثلهما في الأرضِ من قبلُ، ومع ذلكَ يسحرُني بلا كَلامِ
يجذبني إلى أعماقِ محيطِهما، حيثُ يضيعُ الفؤادُ في الأحلامِ
لكنني لستُ جاهلةً لأغرقَ في بحرِ الهوى المظلمِ والغامِ
سأخرجُ منه مبللةَ الثيابِ، وأعودُ أدراجي كما لو لم يكن للقاءِ مقامِ
لا ديني يأبى، ولا عقلي يهوى ما قد يحدثُ بيننا من انفعالِ الهيامِ
ومع ذلك فالابتعادُ خيرٌ، وأحسبُهُ لي سلاماً من صراعِ الأشواقِ والعَلامِ
رأَت وعد أخاها بتلك الحالة، فشعرت بشفقةٍ صامتة تعتصر قلبها. تعرف أنه نام من كثرة التفكير، تعرف ذلك الإرهاق الذي لا يصنعه الجسد وحده، بل تصنعه الحيرة.
توجّهت إلى غرفةٍ في الطابق السفلي، أخذت منها غطاءً، وعادت إليه بخطواتٍ حذرة. غطّته برفق، ثم وقفت قليلًا أمامه، تتأمله بصمت.
سأبقى معك كما بقيتَ معي…
سأسندك كما سندتني طوال حياتي.
لن أتركك أعزل في حرب ضدك عقلك وقلبك ... بين العقل والقلب.
سأقف معك يا أخي، إلى آخر ثواني حياتي.
عادت وعد إلى تالين، التي كانت تجلس عند آخر درجة من الدرج، تسند يدها على ركبتها، وتضع خدها على باطن كف يدها اليمنى، تنظر إلى الفراغ…
ولا شيء هناك سوى الفراغ.
انحنت وعد قليلًا وقالت بصوتٍ هادئ /تالين…
لم تُجبها.
كأن غشاوةً سميكة حجبت عنها السمع والبصر.
أعادت وعد النداء بنبرةٍ أعلى قليلًا /تالييـن…
رفعت تالين رأسها أخيرًا، وقالت بقلّة تركيز وتشتّت /هااا؟ قلتي شي؟
وقفت وعد، ولم يفتها توتر تالين ولا شرودها.
قالت بهدوء /لا يهمك… يلا خلينا نستأذن ونطلع لأماني نودّعها قبل سفرنا.
نهضت تالين، وعدّلت ملابسها، وقالت /إيه، معك حق… خلينا نتوكل.
ابتسمت وعد، وسارت تالين بجانبها.
اتجهتا إلى المجلس بعد أن سألت وعد والدتها، وتأكدت أن الموجود هذه المرة هو والدها فقط.
قبل أن تدخل، قالت بصوتٍ شبه مرتفع /أبوي، أنا جيت.
رفع رأسه، ولا يزال يداعب سبحته، وقال بابتسامةٍ دافئة /تعالي يا الغالية.
دخلت وعد ومعها تالين، فابتسم لهما والد رعد وقال بعاطفة الأبوة /كيف بناتي اليوم؟
اقتربت تالين وقبّلت جبينه، ثم فعلت وعد الشيء نفسه، وجلستا بجانبه.
قالت وعد /الحمد لله يا يبّه، إحنا بخير… الله لا يحرمنا منك.
قال والد رعد /الله يحفظكم يا قرة عيني، يا وصية رسولنا صلى الله عليه وسلم.
قالتا معًا /اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بعدها التفتت وعد إلى والدها وقالت /يبّه، أبي أطلبك في شي.
قال مبتسمًا /لو أقدر أجيب لك الشمس بيد، والقمر باليد الثانية… أنتِ اطلبِي، وأبوك يحقق.
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها /أنا وتالين حابين نطلع عند أماني نسلّم عليها قبل سفرنا.
أكملت تالين بحماس /وأوعدك ما راح نتأخر … بليييز قول إنك موافق.
وأضافت وعد بملامحها الطفولية /بليييييز.
ضحك والد رعد وقال /وأنا كم عندي من وعد وتالين؟ يلا أبشروا، موافق… بس لا تتأخرون، قولوا لرعد ياخذكم بسيارته.
قالت وعد بحماس /مشكوووور يا يبّه.
وتبعتھا تالين بسعادة /إييه، مشكور… الله يدومك تاج فوق راسنا.
تذكّرت وعد فجأة وقالت بانزعاج /بس يا يبّه، رعد نايم وشكله تعبان حيل… كسر خاطري، ما أبي أصحيه.
مسح والد رعد على شعر صغيرته، تلك الصغيرة التي كبرت أمام عينيه، وأصبحت تفكّر براحة غيرها قبل راحتها /تقدرون تطلعون مع السايق.
وعد بسرعة /لا لا لا لا… إلا هذا السايق! تبي رعد ينحرنا من الوريد للوريد.
ضحك والد رعد وقال /ما يمسكم شي وأنا أبوكم. لكن قوموا، أنا أودّيكم عشان نرجع بسرعة تنامون، ونطلع بكرا على الطيارة قبل لا تروح.
مدّت وعد يدها إلى تالين لتساعدها على النهوض، وتحت صدى ضحكاتهما تشابكت أيديهما، وتبعوا والد رعد إلى خارج المجلس حيث كانت سيارته مركونة.
فتحت وعد الباب وركبت بجانب والدها في الأمام، بينما ركبت تالين في الخلف.
و اتجهوا نحو شقھم ثالث رفيقتھم ونصف روحھم التي لا تكتمل جمعتھم الا بوجود ثلاثتھم…
....ولا يزالون، حتى الآن، يفكّرون كيف سيمرّ أسبوعٌ من دونها
اقتربت تالين إلى الأمام قليلًا، وقالت /وعد، متى راح ترجعين للمستشفى؟ تدريبك لسه ما انتهى.
حزنت وعد. لكنھا عزمت ....لن تسمح لتعبھا أن يذهب سُدى، ولن يكون هباءً منثورًا. ستعود، وستنهض من جديد بإذن الله.
تجاهلت حزنها، وابتسمت وقالت /لا تشغلين بالك… راح أرجع، وإذا لقيت رسيم راح أتكلم معه بخصوص هذا الموضوع.