الفصل 5
**
خرجت وردة لتجد العائلة كلها في انتظارها وبالخصوص خالها أبو أحمد... كانت نظراتهم كلها لوم وغضب، ونطق أبو أحمد قائلا بصوت خشن:
- أظن أنك فكرت جيدا في كلامنا واخترت...
وردت وردة بعد فترة صمت وبكل جرأة ... أدهشت الجميع:
- ألا ترى يا خالي أن هذا الاختبار صعب...
وبينما هم في دهشة وخصوصا أبو أحمد ... عندها نطق أبو يوسف بصوت هادئ:
- لاحظي يا ابنتي أننا لم نغضب من حضورك ... رغم أننا أصدرنا قرارا لكل واحد من أفراد العائلة بمقاطعتك... لكن سنين العشرة التي قربتك منا ولأنك خطيبة أحمد بالإضافة إلى أنك اخترت دراسة الطب للعودة إلى الإقامة بالريف كل هذا كان سببا كافيا للعفو عنك ... لكن طبعا بشرط أن تعطينا وعدا منك بأن لا تحاولي الاتصال بها ثانية...
صمت يعم الجلسة لفترة ثم ينطق أبو أحمد بعدما تأخرت وردة في الرد:
- هي صحيح أمك... ورغم كل ما تعرفينه عنها إلا أنه يظهر بأنك مازلت تحبينها ويظهر أيضا أن الأيام التي قضيتيها عندها أثرت فيك ... ومع ذلك لا يهم... المهم أن تدركي شيئا واحدا وهو أن الشرف والكرامة وسمعة أي شخص أقوى من أي علاقة أو حب بل أقوى وأعظم من البنوة والأمومة.
وردت وردة بصوت هادئ وهي تتجه نحو الباب الخارجي:
- تعلمون كم أحبكم وكم أحببت الريف ولو خيروني بين الريف والمدينة لاخترت الريف، لكن أراكم تريدون مني أن أنفذ وعدا، بل قرارا علي الالتزام به ولأنني صريحة معكم فكل ما أطلبه منكم هو أن تمنحوني فرصة للتفكير إذا لم يكن لديكم مانع طبعا.
يحاول أبو أحمد أن ينطق لكنه يتردد مما جعله في حالة غضب لا يدري ما يقول فما كان على أخيه أبو يوسف سوى أن يقترب منه ليقول له بصوت خافت:
- دعها يظهر أنها في حالة نفسية مضطربة وإذا ضغطنا عليها قد نخسرها إلى الأبد وبالتالي نخسر طبيبة القرية التي سنفخر بها.
***
يوصل أحمد وردة إلى الحي الجامعي... وفي طريقهما كانت وردة لا تزال صامتة مما جعل أحمد يسألها قبل أن يتركها في الحي الجامعي:
- هل ستختارين ؟!
وردت وردة وقد اغرورقت عيناها بالدموع:
- سأحاول بقدر الإمكان أن أكسب الاثنين.
ونطق أحمد بصوت متلعثم:
- وإذا لم... ؟!
وتقاطعه قائلة:
- صدقني لست أدري رغم أن جدتي طلبت مني أن أختار أمي... لكن أنا أريد الاثنين.
ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت:
- رباه لا تتخلى عني.
***
تمر أيام قليلة وتفاجأ وردة بحضور سائق والدتها ... وبينما هو في تردد أن يعلن لها سبب حضوره قالت هي:
- أعرف لماذا حضرت ... إنّها تريدني أن أذهب إليها، أرجوك قل لها بأنني بحاجة أن أبقى أياما أخرى بمفردي لأنه ثمة قرار لـ...
ويقاطعها بصوت حزين متقطع:
- وردة ابنتي... أمك... أمك... بحاجة إلى وجودك معها أكثر من أي وقت مضى ...
وتقاطعه للمرة الثانية قائلة بصوت حزين:
- أرجوك يا عمي حسين ... فكري مشغول وأنا مرهقة والامتحانات على الأبواب... ولعلمك وعلمها بأن العائلة وضعتني في موقف اختيار بينهم وبينها وأنا لحد الآن لم أختار لأنني وبصراحة غير قادرة على ذلك.***
بفيلا السيدة لطيفة... كانت الأم مرتدية أجمل ثياب وكان الصالون محضرا لاستقبال المدعوين... تمر الساعات ثقيلة ولا أحد من أصدقائها أوصديقاتها تشرف بقبول دعوتها... وراحت تجلس بإحدى أركان الصالون تائهة بعيون حزينة تتذكر أيام زمان... أيام كان الكل يتسابق لحضور حفلاتها بالمنزل... حيث كان الصالون يعج بالمدعوين ورغم اتساعه يكاد لا يكفي عددهم... تعود من الماضي إلى الواقع وهي تمد يدها إلى الجريدة التي نشر في إحدى صفحاتها «ما قيل عن المليونيرة هو مجرد إشاعة ... وهي الآن تتمتع بصحة جيدة»... كما أرفق الصحفي الذي نشر التكذيب اعتذاره للمليونيرة... تركت السيدة لطيفة الجريدة وقالت بصوت حزين:
- يظهر أن الإشاعة أصبحت حقيقة أما التكذيب والاعتذار يظهر أنه جاء متأخرا ولم يعد له نفع.
بعدها راحت تقترب من صورة لوردة من الحجم الكبير كانت معلقة على الحائط وراحت تكلمها بصوت حنون:
- صدقيني يا حبيبتي حضورك لوحده كان سيغنيني عن العالم كله.
وفي الوقت نفسه قادها تفكيرها إلى كلام السائق حسين الذي نقل لها بالتفصيل ما دار بينه وبين وردة لما دعاها الحضور... راحت تنظر إلى بعض علب الأدوية التي كانت موضوعة على إحدى الطاولات، وشرعت تحدث نفسها وهي تقترب من الأدوية «خلاص يا حبيبتي سأعفيك من الاختيار وسأريح الكل من وجودي... ».
يفتح السائق الباب الخارجي ليرحب بالدكتور نجيب عبد العزيز إلى داخل الصالون حيث السيدة لطيفة فإذا بالاثنين يفاجئان بالسيدة ملقاة على الأرض وبجوارها علبة أدوية فارغة لحظتها أدركا أنها أقدمت على الانتحار لكن من حسن حظها أن الدكتور وبمساعدة السائق ورقية أنقذوها في آخر لحظة، ولما بدأت تستعيد وعيها كانت ممددة على سريرها وإلى جوارها الدكتور وما إن استرجعت جيدا وعيها حتى بكت بحرارة وقالت:
- لماذا؟... لماذا أنقدتني؟ ... لا... لا أريد أن أعيش.
ودون مقدمات قال الدكتور:
- لطيفة هل تقبليني زوجا لك على سنة الله ورسوله...
ورغم أنها فوجئت بطلبه... لكنه لم يترك لها فرصة للرد بل تابع يقول بصوت حنون:
- كنت أتابع أخبارك... وكنت أعد الأيام والثواني من أجل العودة والوقوف إلى جانبك... وها أنا أحضر من المطار مباشرة ... وأحمد الله أنني وصلت في الوقت المناسب ... وما أقدمت عليه هوهروب من مواجهة الواقع ... مع أن الذي أعرفه عنك أنك إنسانة أعظم وأقوى من ...
وتقاطعه قائلة بصوت مبحوح:
- لكن الإشاعة كانت أقوى مني... وكم تمنيت أن أضع حدا لها في هذه الحفلة لكن ...
ويقاطعها قائلا:
- لا يا لطيفة أنت أقوى، ولا يهمك ما قيل عنك بل أريدك أن تعتبري ذلك خيرا لك لمعرفة أصدقائك وصديقاتك الحقيقيين.
وردت السيدة لطيفة:
- قد يكون ذلك صحيحا لكن من الصعب تقبل هذه الحقيقة، من الصعب أن تعيش في وسط مجتمع ترى نفسك فيه منبوذا رغما عنك.
أدرك نجيب المرارة التي تعيشها ... وعمق حزنها فقال:
- ما رأيك بخصوص ما عرضته عليك.
فردت:
- لا... لا يا نجيب أنت ...
ورد عليها:
- أنا جاد في طلبي... وتعرفين جيدا أنني من مدة طلبت يدك ومازلت أنتظر ردك... وتعرفين جيدا أنّ طلبي هذا هونابع من كوني لحد الآن لم أعثر على امرأة تملك قلبي وعقلي مثلما ملكتيه أنت من أول يوم رأيتك فيه.
وردت عليه بلباقة:
- حبي لك كصديق هو الذي يجعلني لا أقطع علاقتي بك فأنت نعم الصديق والأخ الذي أنا محرومة منه، وإن كنت لا أفكر في الزواج فهذا لأنني لا أريد أن أفقدك كصديق.
وبعد فترة صمت قال:
- إذن هل لديك مانع أن يكون زواجنا على الورق فقط.
وردت في دهشة:
- على الورق فقط !؟
وقاطعها قبل أن تفهمه خطأ:
- أرجوك لا تفهميني خطأ... فما أقصده هو مساعدتك... نعم أريد أن يتأكد الكل أنك أعظم وأشرف إنسانة قابلتها في حياتي.
تتأثر لكلامه وموقفه الشهم فتنطق قائلة:
- ألم أقل لك أفضل صداقتك على الزواج لأنني لا أريد أن أخسر وجودك في حياتي كأخ وصديق... لا يا نجيب لا أريد أن يحدث هذا على حساب سمعتك.ورد عليها قائلا:
- إنه الحل الوحيد...
وتقاطعه بصوت مخنوق:
- بل الحل الوحيد هو أن أختفي من حياتهم إلى الأبد...
ونطق الدكتور مندهشا:
- ماذا تقولين؟... أرجوك لا تفكري في الانتحار ما دمت أنا بقربك...
وتتابع السيدة لطيفة بصوتها المخنوق:
- إذا كنت فعلا تحبني ساعدني... أرجوك ساعدني أن أموت على الأقل في نظر كل الناس... فأنا لم أعد أحتمل نظراتهم وتهربهم مني... حتى أولادي استعروا مني...
وتتوقف عن الكلام وقد أغمي عليها ... وما إن جس الدكتور نبضها حتى قام بسرعة وطلب سيارة الإسعاف لنقلها على جناح السرعة إلى عيادته.
وبعد ساعات قلائل تتضارب الأقوال بين مؤيد لفكرة الانتحار وبين انفجار للزائدة الدودية التي كانت سببا في وفاتها.***
تحضر وردة وبقية إخوتها جنازة والدتهم... وعلى مقربة من الفيلا حيث بدأ الاستعداد لمغادرة الموكب الجنائزي.
توقفت سيارة سوداء بداخلها امرأة واضعة منديلا على رأسها حاملة نظارة سوداء... كان يظهر أنها تراقب الموكب الجنائزي باهتمام...
***
بفيلا السيدة لطيفة اجتمعت وردة وإخوتها لاستقبال وفود المعزين... وكان الدكتور نجيب حاضرا وقد أدهشه الحضور المكثف لكل أصدقاء وصديقات السيدة لطيفة... الكل كان يتظاهر بأسفه وحزنه على فقدانها... وبعد انصراف المعزين اجتمع المحامي بكل أولاد السيدة لطيفة وقال لهم:
- والدتكم قبل وفاتها كانت قد طلبت مني إحصاء كل ثرواتها... ولقد تركت وصية ورغبتها أن أقرأها عليكم بعد أسبوع.
ونطقت سعاد:
- وهل لدينا وقت لنترك مشاغلنا... فلماذا لا يكون اليوم مادامنا مجتمعين... ؟
وأمام تشبث المحامي بموعد قراءة الوصية والمعارضة التي لقيها من طرف إخوة وردة احتدت المناقشة... بينما وردة التي لم تشاركهم المناقشة تفاجئ الجميع بسقوطها مغميا عليها... وعلى جناح السرعة حضر الدكتورالجزء-5- من قصة قلب في المنفى
نجيب الذي بعد خروجه من غرفتها طمأنهم لحالها ثم استأذن بالانصراف، بينما كان رضا يطلب من أخته سعاد العودة إلى البلد فكان ردها:
- لا... ليس قبل أن أطلع على الوصية...
ورد عليها رضا:
- بصراحة لولا إلحاحك وكذا حضور المحامي من أجل أن نحضر الجنازة ما كنت لأحضر... فأنا بالرغم من رحيلها عن هذه الدنيا لست راضيا عنها ولن أسامحها.
ونطقت سعاد:
- نحن الآن لسنا بصدد لومها أومسامحتها فهي رحلت، ومادام أنها قد تذكرتنا في الوصية لا بأس أن ننسى الماضي.
وقال رضا بغضب:
- أنا ذاهب ... وسأترك لك وللبقية ما في الوصية.
***
كان الوقت ليلا... وردة نائمة في غرفتها تتقلب على سريرها وإذا بها تفتح عينيها في الوقت الذي ترى فيه خيالا يغادر غرفتها على جناح السرعة ... فتصرخ مفزوعة:
- أمي !؟...
قامت وردة تجري وهي تريد الخروج تقابلت مع السائق وهويحمل صينية العشاء ففاجأته قائلة:
- رأيتها... نعم هي... هي أمي رأيتها...
السائق يترك الصينية ويحاول أن يهدئها... لكنها تصر على رؤيتها... في الأسفل إخوتها كانوا على طاولة العشاء... وما إن سمعوا صوتها حتى اقتربوا من السلم... تنزل وردة من الطابق العلوي وتتجه نحوهم وهي تردد:
- لقد رأيت أمي... نعم رأيتها.
إخوتها يتبادلون نظرات الحيرة... ونطق رامي قائلا:
- أكيد ... كنت تحلمين.
***
في منتصف الليلة الموالية جلست وردة في الصالون شاردة الفكر... فإذا بالسائق قبل دخوله غرفته يشاهد ضوء الصالون، فيعود لإطفائه، ولما لاحظا وجود وردة على تلك الحال اقترب منها بهدوء قائلا:
- وردة ألم تنامي بعد ؟
وقاطعته بلهفة وكأنها كانت تنتظر حضوره لتحدثه:
- أرجوك قل لي... أنت كذلك رأيتها أليس كذلك؟
يشعر لحظتها بنوع من الحرج، لكنه أنقذ نفسه برده:
- عم تتكلمين ؟
وردت بنوع من الغضب والألم:
- عن أمي طبعا... حدث هذا في الليلة البارحة هل نسيت بهذه السرعة؟
ورد عليها:
- لا ولكن أنت أكيد ... كنت تحـ...
وقاطعته:
- لا... لا تقول أنه حلم أو تهيؤات ... أنا رأيتها فعلا ... وأنا كنت صاحية في لحظة خروجها... لا أحد يريد أن يصدقني وكأنهم كانوا ينتظرون موتها بفارغ الصبر.
ورد السائق بصوت هادئ:
- وردة ابنتي كل الذي أستطيع قوله لك هو أننا حضرنا الجنازة ورأيناها وهي توارى إلى مثواها الأخير، وكل ما أطلبه منك وأنت تأوين إلى فراشك هو أن تقرئي ما تيسر من القرآن الكريم ... وهذا أولا على روح الوالدة وثانيا حتى يبعث الله في قلبك وفي نفسك الطمأنينة لعلك تستطيعين النوم.
كلامه كان له تأثير عليها مما جعلها تغادر الصالون باتجاه غرفتها.***
في اليوم الموالي... وردة تتجه إلى المقبرة ثم بعدها تتجه إلى مستشفى الدكتور نجيب عبد العزيز... في مكتبه فاجأته بدون مقدمات:
- أريد أن يفتح قبر أمي...
ورغم أنه فوجئ بطلبها وكاد القلم أن يقع من يده إلا أنه ملك أعصابه وبدا أمامها قويا وقال لها بكل هدوء واستغراب:
- وهل يعقل هذا ؟!
وردت عليه:
- أريد التأكد من أن التابوت يحمل جثـ ... تـها ...
ورد عليها حين أدرك أن نطقها لكلمة جثة كان بصعوبة وبتردد:
- لكن لماذا قصدتني أنا بالذات؟... المفروض طلب رخصة للسماح لك باستخراج...
وتوقف ثم تابع وهو يحاول أن يدرك شعورها بالضبط:
- الجثة... فأنت كما تعلمين لاستخراج الجثة و...
وتقاطعه قائلة:
- لأن دفن الجـ...
وتوقفت ثم تابعت بعد ان بلعت ريقها:
- لدفنها لابد من حضور طبيب ولاستخراجها أكيد لابد من طبيب وبما أنها توفيت عندك وأنت من أشرفت على كتابة التقرير الخاص بوفاتها ... وأنت من تابع أيضا مراسيم دفنها فهل...
ويقاطعها:
- تريدين أن تقولي هل أنا متأكد أنها جثتها؟... وهل فعلا توفيت... ؟ على كل إذا مازال لديك شك فأنا تحت أمرك سأتكفل بنفسي لاستخراج الرخصة للسماح لنا بحفر القبر وموعدنا إن أردت الآن...
وذهبت معه إلى المقبرة وقدم لحارس المقبرة الرخصة ... كما اصطحب معه حفارا وعلى مرأى وردة بدأ الحفار عمله وما إن بدأ يقترب من التابوت وهو يزيح التراب عليه بشكل عنيف وسريع في تلك اللحظات الدكتور يشعر بقلق... نفس الشيء كان يلاحظ على وردة (القلق والتردد)... وفجأة تصرخ وردة وبأعلى صوتها:
- لا... لا توقف...
وخرجت تجري... في حين شعر الدكتور لحظتها بارتياح عميق... وبسرعة قدم للحفار بعض النقود وطلب منه إعادة التراب... ثم خرج مسرعا ليمتطي سيارته ويلتحق بها...
***
الدكتور نجيب يزور السيدة لطيفة ... راح يحكي لها ما حدث له مع وردة وهي تستمع إليه في كامل دهشتها قائلة:
- يا الله... وكيف وافقتها بكل هذه السهولة ؟
ورد الدكتور:
- لا أخفي عليك أنه رغم أنني وافقت على طلبها في أول الأمر لظني أنها تريد أن تتأكد عن طريق رد فعلي لطلبها، إلا أنني كدت أن أصرخ لأعلن لها الحقيقة لكن الحمد لله ربنا ستر فكان إحساسها المرهف وبالخصوص نفسيتها المتعبة هذه الأيام وتفكيرها المشتت كله ساعدت في إنقاذ الموقف.
بكت السيدة لطيفة بحرارة... اقترب منها الدكتور قائلا بصوت كله رقة وحنان:
- تأكدي أنني دائما إلى جوارك مهما حصل...
ابتسمت رغم دموعها وقالت:
- إنني أريد أن أبدأ حياة جديدة باسم جديد مع أناس جدد... أما أنت ستبقى الصديق الوحيد في حياتي الماضية بل وما تبقى من العمر..***
في منزل رضا ... زوجته وأم أولاده تلح عليه قائلة:
- بصراحة أنا مع سعاد... إذا كانت أمكم غلطت وتخلت عنكم فهي على الأقل كفرت عن ذنوبها بأن تركت لكم نصيبا من ثروتها التي لا تعد ولا تحصى...
ويرد عليها رضا:
- إذا كنت غير راضيا عليها فأنا غير راض حتى على ثروتها فهي لا تهمني...
وتصرخ الزوجة قائلة:
- لكنها تهم أولادك... نعم إلى متى سنظل نعيش هذه الحياة البائسة... حتى الأرض التي تركها لك المرحوم والدك لم تعد صالحة، ولإعادة إصلاحها يجب توفر الإمكانات المادية أومن الأحسن بيعها.
فصرخ في وجهها:
- لا... إلا بيع الأرض.
وتقترب منه وبصوت كله رقة وحنان:
- وأنا معك لست راضية على بيعها لكن أمامك فرصة لا تعوض لتغيير ولو جزء من حياتنا خصوصا إذا تمكنت من إعادة إصلاح الأرض وزراعتها من جديد وبطريقة حديثة.
يظهر على رضا التفكير العميق في كلام زوجته وخوفه من أعمامه.
***
في الكلية... تفاجأ وردة بصديقاتها وصديقات إيمان ... يقتربن منها لتقديم التعازي ... حيث نطقت جميلة بنوع من الحرج:
- كان من المفروض أن نحضر لزيارتك في المنزل لتقديم التعازي لكن...
وتقاطعها وردة بابتسامة حزينة:
- لا... لا عليكن فأنا عمري ما حقدت عليكن وتأكدن أنه سيأتي يوم نتذكر فيه تلك التصرفات وسنضحك بشأنها كثيرا...
ونطقت حنان هي الأخرى بنوع من الحرج:
- لكن تصرفاتنا نحن معك لا تغتفر...
وردت وردة بابتسامتها المعهودة رغم حزنها:
- لا يا حنان... نحن بنات اليوم... ولا بد من النسيان.
بعدها تستأذن وردة في الانصراف... فتنطق إحدى الصديقات:
- يظهر أنها مازالت غاضبة منا...
وترد عليها إيمان قبل أن تنصرف هي الأخرى:
- بالعكس فرغم المدة القصيرة التي اقتربت فيها منها إلا أنني وجدتها تحمل قلبا كبيرا يتسع لحب ومسامحة العالم بأسره، إنها في منتهى الطيبة والرقة ومن المفروض أن تعذروها... فوفاة أمها لم يمض عليه إلا أربعة أيام وهي تفضل الوحدة...
تركب إيمان سيارتها وتلحق بوردة... تتوقف قائلة:
- اركبي يا وردة لأوصلك في طريقي...
حاولت وردة الاعتذار لكن إيمان أصرت ... وما إن همت بالركوب حتى شاهدت على بعد أمتار ابن خالها أحمد... اقترب منها ليسألها عن أحوالها ... تنزل إيمان فتتعرف على ابن خال صديقتها... بعدها يدعوهما أحمد إلى كافتيريا الجامعة... غير أن إيمان استأذنت بالانصراف بلباقة... وبكافتيريا الجامعة جلس أحمد ووردة وما إن سألته عن العائلة حتى قال بصوت متلعثم:
- جدتي بكت بحرارة وتمنت لو حضرت مراسيم الجنازة... لكن...
توقف عن الكلام فنطقت وردة:
- طبعا لم يكن بإمكانها أن تفعل أي شيء أمام جبروتهم...
ونطق أحمد:
- لكنه يخيل إلي أنها لو كانت بعافية أكيد أنها سترمي بكلامهم عرض الحائط وتحضر ولو مشيا على رجليها.
وترد وردة:
- وأنا أيضا لدي الإحساس نفسه ... لكن أخبرني ما موقف العائلة مني ؟
ويشعر أحمد بنوع من الحرج ومع ذلك يستعيد جرأته وينطق بجدية وشجاعة:
- وردة... أبي وعمي ومعظم أفراد العائلة يناصرون رأي أبي وقد منحوك فرصة أخرى لبقائك بالفيلا لغاية قراءة الوصية وبعدها سيحضر أحدهم طالبا منك الاختيار...
وتنطق وردة وقد اغرورقت عيناها بالدموع:
- الاختيار... الاختيار بين من ومن ... إذا كانت هي قد اختارت الرحيل قبل أن أختار أنا... فأي اختيار هذا الذي يطلبونه مني ؟
ويرد أحمد:
- الحقيقة أنا أيضا أكاد لا أفهم طلباتهم منك وقد رحلت المسكينة... لكن تأكدي يا وردة بأنني من الآن أقف إلى جوارك مهما حصل... مع أن الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه هو أنهم يريدون بقاءك في القرية كطبيبة يفتخرون بها...
وعلقت بابتسامة واستفهام:
- غريب !...
ورد عليها:
- وما الغرابة ؟!...أجابته:
- في السابق رفضوا أن تكمل المرحومة دراستها لتصبح مهندسة ... أما أنا فلم يتشددوا في معارضتي بل بالعكس فهم ينتظرون بفارغ الصبر أن أكمل دراستي لأصبح طبيبة...
ورد عليها:
- من حقك الاستغراب... لأن في نظرهم الطب أشرف مهنة وأنسب مهنة للمرأة.
وقبل أن تغادره فاجأته قائلة:
- أوعدني يا أحمد بأنك لن تخالف لهم أمرا.
ورد باندهاش:
- ماذا تقصدين ؟
وردت عليه:
- أنت فاهم قصدي ... لا أريدك أن تعصي أوامر العائلة وبالأخص والدك...
حاول أن ينطق لكن قاطعته:
- أرجوك يا أحمد أوعدني... فأنت بالنسبة لي الأمل الوحيد الذي سيبقى يربطني بالعائلة، فلا أريد أن أخسر العائلة وأخسرك أنت أيضا، على الأقل إلى غاية ما أتبين الأمور وأتخذ القرار المناسب.
ولم يكن أمام أحمد إلا أن يطمئنها ... ثم قال بعدها:
- هل تنوين البقاء بالفيلا ؟
وردت عليه:
- على الأقل إلى غاية ما أتأكد من وفاة أمي...
ورد في دهشة :
- ماذا تقولين ؟
وردت عليه بنظرة تحمل التفكير العميق:الجزء-6-من قصة قلب في المنفى
- أقصد أن أتأكد من وفاتها الطبيعية.
ورد عليها بنفس الدهشة:
- وهل في ذلك شك بأن تكون قد توفيت بـ...
وراحت تبعد عنه الشكوك قائلة:
- لا طبعا... لا أشك في سبب الموت... لكن لست أدري لماذا ينتابني شعور أنها مازالت على قيد الحياة ؟
ويرد أحمد:
- يمكن أن يكون سبب إحساسك هذا راجع لكونك عشت سنين طويلة بعيدة عنها ... ولهذا لم تتقبل بعد أنها رحلت...
وردت بصوت هادئ:
- يمكن.
ويرد أحمد:
- ومع ذلك أرى أن إحساسك يشبه إحساس جدتي...
فنطقت مستغربة:
- وماذا عن إحساس جدتي ؟
وراح يتذكر جدته يوم استيقظت من الحلم صارخة ... فكان أحمد أول من دخل إلى غرفتها ... فحكت له الحلم قائلة:
- رأيت في منامي ابنتي وحيدتي لطيفة التي عاشت سنين عمرها بعيدة عني... رأيتها بجوار القبر تصرخ بقوة وهي تحاول مغادرته ... لكن حراس المقبرة كانوا يمنعونها ... لكنها لم تستسلم فكانت تصارعهم...
ونطق أحمد:
- إنه مجرد حلم... هيا نامي...
وردت عليه قائلة وقد فاجأته بسؤالها:
- هل رأيتهم وهم يوارونها التراب ؟
ونطق مندهشا:
- طبعا... ولم السؤال ؟!...
وردت عليه:
- إنه إحساس... إحساس يقول بأنها لم تمت فهي في قلبي على الأقل تعيش إلى الأبد...
يعود أحمد من خيال الماضي إلى واقع الحقيقة قائلا:
- كلاكما عاش بعيدا عنها، ولأنكما لم تشبعا من حبها وهذا إحساس طبيعي منكما تجاهها...
وردت وردة في صمت «قد يكون كلامك صحيحا ... وقد يكون إحساسنا هو الأصح***
ويأتي موعد فتح الوصية... يجتمع المحامي بأولاد السيدة لطيفة... كان الكل منتظرا حضور رضا ...
رضا بالقرب من الفيلا كان واقفا... مترددا... تذكر لحظتها ما قاله لزوجته متلعثما «لو ذهبت إلى أعمامي سيأخذون مني موقفا» وردت عليه «لكنك تدري لو ذهبت إليهم وطلبت منهم المبلغ لاستصلاح الأرض فلن يعطونك شيئا ... صحيح أنهم كانوا يعطونك بعض المال كسلف لكن بمجرد دخول الشهر فإنهم يأتون ليطالبونك بالمبلغ فما بالك لو طلبت منهم مبلغا كبيرا لترده لهم بعد مدة بالتقسيط؟ طبعا الأكيد سيديرون لك ظهورهم»...
وفي الأخير رضا يقرر الدخول... وما إن التحق بالجلسة العائلية حتى اقتربت حياة من مصطفى وقالت بصوت خافت:
- حضوره غريب ... ألم يكن ضد الوصية والثروة...
ويرد مصطفى عليها:
- إنه موعد فتح الوصية، ولفتحها بريق خاص...
وما إن استعد المحامي لقراءة الوصية حتى كانت الأنظار مشدودة إليه، فراح يفتح حقيبته ويرتدي نظارته، وما إن أمسك بالملف ليبدأ قراءة أول صفحة له حتى توقف لحظة لينظر إلى كل واحد ... فكان الكل في حالة قلق وانتظار على أحر من الجمر باستثناء وردة التي كعادتها انزوت جالسة لوحدها تائهة وكأن قراءة الوصية لا تعنيها...
يبدأ المحامي بعدها قائلا:
- أولا أعلمكم بإحصاء كامل للتركة كما أتمنى منكم سماع الوصية للآخر... إن المرحومة السيدة لطيفة قاسم الشهيرة بسيدة الأعمال شهرزاد... كانت تملك بالإضافة إلى هذه الفيلا شقة بحي الأزهار وثانية بحرية وسيارتين خصوصيتين لها وست عربات من الوزن الثقيل وأربعة من الوزن الخفيف وحافلتين من الحجم الصغير تابعين للشركة بالإضافة إلى أسهم وأموال في البنوك الداخلية والخارجية ... وقامت بتقسيم التركة وهي في كامل قواها العقلية وبإمضاء شاهدين، على كل من أولادها ووالدتها، فكان نصيب كل واحد كالتالي، بالنسبة للوالدة وهو شيك بالدولار وقدره خمسون ألف دولار... أما الفيلا والشركة وما هو تابع إليها بنسبة ستون بالمائة وكذا السيارتين الخصوصيتين والأموال المودعة في البنوك الخارجية فهو من نصيب وردة أما ما تبقى فهو مقسم بالتساوي على بقية إخوتها وهم رضا وسعاد قاسم وحياة عبد المنصور، ورامي ومصطفى رضوان ونصيب للسائق و كذا للسيدة رقية نظير خدمتهما لها بأمان وإخلاص.
وما كاد ينهي قراءة الوصية حتى كانت علامات الدهشة بادية على كل وجوههم حتى وردة التي لم تظهر في الأول اهتمامها بالوصية ... وكان أول من نطق وهو في كامل غضبه مصطفى:
- وهل يعقل هذا ؟
ويحول نظره نحو وردة وهو يقترب منها ويتابع قوله:
- أصغرنا أكثرنا وأكبرنا نعيما بالوصية، أم أن هذا كان نتيجة رعايتك لها فطلبت الثمن غاليا ... ؟
ونطقت حياة:
- طبعا استغلت فرصة غيابنا عنها...
لم تنطق وردة بكلمة بل وجهت نظرها إلى رامي الذي نطق هو الآخر قائلا:
- صحيح أنت أصغرنا لكن كنت أذكانا جميعا يوم ظننا أن رعايتك لها كانت باسم الطب وليس باسم المال ...
وبعدها تحول نظراتها نحو رضا وسعاد وكأنها تريد أن تقول لهما «وأنتما أليس لديكما ما تقولانه ؟ »... رضا يقوم ويوجه نظره نحو وردة وتتبعه سعاد فكانت نظراتهما لوردة نظرات لوم كأنها تقول «يظهر أنك فعلا كنت أذكانا» ثم يغادرا الفيلا... بعدها يقول مصطفى بكل غضب:
- لا... لن أسمح لك بأن تستولي على كل الثروة ... بالقوة أو بالمحكمة سآخذ حقي وزيادة...
ويتبعه رامي وكذا حياة التي قالت هي الأخرى:
- بل كل واحد منا سيأخذ حقه كاملا وزيادة...
وما إن خرجوا وبقيت وردة لوحدها في المكتب بصحبة المحامي الذي راح يقترب منها قائلا:
- تفضلي هذه هي مفاتيح الشركة وهذه كل الأوراق التي تهمك... وأنا طبعا سأبقى إلى جوارك لتنفيذ وصية المرحومة...
نظرت إليه دون أن تمد يدها لتناول المفاتيح والأوراق ونطقت بصعوبة وبصوت هادئ:
- لا أريد شيئا... لا أريد شيئا مما تركته ولا حتى ثمن رعايتي لها...
ويقاطعها المحامي:
- كلا يا ابنتي لا تفهمي وصية المرحومة خطأ مثلما فهمها إخوتك... ما ورثتيه عنها لم يكن ثمن رعايتك لها أثناء مرضها إنه حقك...
وردت بنفس الهدوء وبعيون مغرورقة بالدموع:
- صدقني أنا فعلا لا أريد شيئا مما تركته... لا أريد شيئا... لا أريد شيئا..
ربت على ظهرها وقال وهو يغادرها:
- على كل يا ابنتي كل ما أطلبه منك هوأن تفكري ولا تتسرعي في قرارك...
***في الجامعة... وبالضبط في الكافتيريا... كان أحمد جالسا مع وردة وكان رده عما سمعه منها فيما يخص الوصية:
- وأنا أوافق المحامي ... لا أريدك أن تتسرعي في قرارك قبل أن تتأكدي فعلا أن الثروة من حقك ...
في تلك اللحظات يلاحظ اقتراب الصديقة إيمان... فقال:
- وردة... أليس تلك صديقتك إيمان ؟
نظرت إلى حيث وجه نظره... أدركت لحظتها وردة نظرات الإعجاب بادية على أحمد وما إن وصلت إيمان حتى قام لتحيتها في نفس الوقت قام ليحضر المشروبات... فتابعت وردة نظرات إيمان لأحمد فابتسمت في سعادة ...
يعود أحمد محملا بالمشروبات فوجد إيمان تقول لوردة:
- لا يا وردة ... أنا بصراحة ضد تصرفك مادام أن والدتك أوصت بذلك فهوحقك ... فلماذا الاعتراض؟
وكان رد أحمد:
- لقد تعبت قصد إقناعها بالعدول عن قرارها، فهي ترفض الوصية وإن قبلتها فإنها تشترط إعادتها وتقسيمها من جديد بالتساوي، وكل هذا لتبرهن لهم أنها لم تنل ذلك النصيب الأكبر ثمنا لرعايتها لها... مع أنني أرى بأنهم لا يستحقون ولو مليما من ما تركته.
وتنطق وردة:
- إنه الحل الوحيد وعلي تنفيذه، أو التخلي عن الوصية، وبالمرة أرتاح ويرتاح الكل***
وحين عادت وردة إلى الفيلا فوجئت بخالها أبو أحمد بانتظارها أمام باب الفيلا... ورغم دهشتها إلا أنها حاولت أن تبدو طبيعية لتدعوه إلى الداخل غير أنه خاطبها بصوته الخشن قائلا:
- ما جئت لأتحدث معك ... كل ما أبتغيه منك هو معرفة قرارك.
ولم يترك لها فرصة للكلام وتابع قائلا:
- هل ستقبلين بهذه الثروة الوسخة ... عليك الاختيار بين سمعة العائلة التي أصبحت تنتمي إليها وبين هذه الثروة المشبوهة ...؟
لحظات قلق وتردد تشعر بها وردة، وهي صامتة لا تستطع فيها النطق ولوبكلمة واحدة، بينما الخال يواصل كلامه:
- حسنا لقد فهمت ردك يظهر أنها تمكنت من إغراءك أثناء بقائك معها لذلك فمن اليوم لست منا ولا عائلة لك في الريف.
غادرها تاركا إياها في دوامة من القلق والتردد... وفجأة تدخل تجري مسرعة نحو غرفتها ودموعها على خديها، وراحت تحضر حقيبتها وفي نفس الوقت تتذكر أمها يوم رأتها رغم أن الكل كان يؤكد لها أن ذلك مجرد تهيؤات ... وراحت تردد بصوت مبحوح:
- آسفة يا أمي لا أريد منك شيئا ... لأنني لا أريد أن أعيش وأموت مثلك وحيدة منبوذة.
حملت حقيبتها، وهي تخرج من الغرفة، وجهت نظرها نحو غرفة أمها حيث الباب شبه مفتوح ... فتركت الحقيبة وراحت تقترب لتفتحه بكل هدوء، فإذا بها تفاجأ بالغرفة مقلوبة وقد تناثرت حاجيات أمها هنا وهناك من ثياب وأوراق وصور وكل لوازم الغرفة... فتراجعت إلى الوراء وما إن حاولت أن تصرخ لتنادي على السائق ورقية حتى فوجئت بهما أمامها، فنطق السائق:
يتبع