قلب في المنفى - الفصل 4 | روايتك

اسم الرواية: قلب في المنفى
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 4

الفصل 4

وترد الأم قائلة: - الوحيد الذي بإمكاني أن أصرح له بشكوكي هو الدكتور نجيب عبد العزيز وهو نفسه الدكتور الذي أرسلني بعد الحادثة وباشر علاجي بعد عودتي... لكن مع الأسف هو حاليا مسافر... وحتى ولو كان موجودا فلا أظن أنني كنت سأتجرأ وأحكي له... لأنني... لأنني... وتسكت عندما يختنق صوتها بالبكاء... وتنطق وردة قائلة: - لأنك خائفة أن تصدق شكوكك... ويعرف الناس حقيقة مرضك فيتهرب الكل منك... وهل تظني أنهم لم يعرفوا بعد... ونطقت الأم في دهشة : - طبعا أكيد لا... فمعارفي على علم أنني مسافرة... تضحك وردة بحزن قائلة: - لا... لا تحاولي أن تقنعي نفسك أنهم لا يعرفون عنك شيئا لحد الآن... الذي عرفته عنك حتى وأنت مسافرة فصديقاتك بالأخص... لا يتوقفن عن السؤال عنك بالهاتف بل مرات تحضرن شخصيا للاطمئنان عنك حتى وأنت مسافرة. لحظتها راح تفكير الوالدة إلى الماضي القريب لتتذكر كيف كان بيتها يكاد لا يخلو من الزائرات للسؤال عنها... وتعود من الماضي إلى الواقع لتنطق بصوت حزين: - معذورون طبعا... إذا كان أقرب الناس إلي قد تخلوا عني بكل سهولة بحجة وبدون حجة... لحظتها تتجه وردة إلى خزانة الملابس... تفتحها وتحضر ثياب لوالدتها وهي تقول بجدية: - هيا يجب أن تقومي الآن معي إلى مخبر التحاليل... وترد الأم في حيرة: - الآن !؟... ونطقت وردة: - نعم الآن ... وحالا... وقالت الأم بصوت حزين: - ممكن أسألك سؤالا قبل أن أجري التحاليل. ونطقت وردة بصوت هادئ: - أعرف هذا السؤال الذي يؤرقك ... فأنت تتساءلين عما إذا ثبت أن الأعراض التي تعانين منها ما هي إلا أعراض لمرض الوساوس ... فماذا سيكون موقفي هل سأبقى أم سأعود إلى بيت العائلة؟ وبعد صمت تتابع: - طبعا سأعود إليهم فأنا بصراحة أحببت الإقامة هناك بل أفكر بعد تخرجي أن أفتح عيادتي هناك... ثم حضوري هنا كان بسبب طلبك ... أما بخصوص بقائي لحد الآن فهو كما تعلمين لأني طالبة طب وكونك المريضة... تشعر لحظتها الأم بحزن عميق وهي ترى وتسمع من ابنتها التي تجاملها كمجرد مريضة بحاجة إلى طبيبة أو ممرضة... تكاد عيناها تغرورقان وهي تنطق قائلة بصوت حزين: - ولو أثبتت التحاليل صحة إصابتي بهذا المرض... وهذا أراه احتمالا أقوى من احتمال إصابتي بمرض آخر... فهل يا ترى ستبقين على الأقل لغاية ما توارينني التراب ؟ كلام الأم وهي تكلمه بصعوبة أثر في وردة ومع ذلك تحاول أن تبدو أمامها عادية وقوية لا تستسلم للعواطف... واقتربت منها وجلست وقالت بصوت هادئ: - لماذا أنت مصرة على إصابتك بهذا المرض اللعين ؟ وتنطق الأم قائلة بصوت المتوسل: - أرجوك... أريد وعدا منك أنك لن تتركيني إلا بعدما... وتضع وردة يدها بكل رفق على فم الوالدة قائلة: - أعدك أنني لست من تترك... تصمت ثم تتابع: - سأبقى لغاية ما أتأكد من شفاءك. ثم قامت وهي تقول: - هيا ... قومي الآن... قالت الأم بصعوبة: - أرجو أن ننتظر إلى غاية عودة الطبيب نجيب عبد العزيز...*** وردة في الجامعة وهي تقترب من صديقاتها... فإذا بها تفاجأ بتهربهن منها وهن تختلقن حججا للانصراف، فمنهن من تقول لديها عمل بالمكتبة ومنهن من تقول بأنها مضطرة للعودة إلى البيت مبكرا لظروف شخصية بل وحتى دفاتر المحاضرة اختلقوا الحجج حتى لا تعيرها ولا واحدة منهن الدفاتر خوفا من العدوى،لكن وردة لم تكن بالفتاة الغبية وقد أدركت سبب تصرفهن فبقيت جالسة لوحدها، فإذا بصديقات الطالبة إيمان يمرن بجوارها وبكل جرأة واستهزاء ترمي إحداهن وردة بالجريدة، وردة تحاول أن تتحكم في أعصابها لكن أمام ضحكاتهن وغمزاتهن تتوتر وتتجه صوب دلال التي رمتها بالجريدة وحاولت أن تنال منها بكل غضب وفعلا كانت ستتركها جثة هامدة لولا حضور إيمان وتدخلها حيث ابتعدت الصديقات ولم تتجرأ إحداهن من الاقتراب من وردة، أولا خوفا من العدوى، وثانيا خوفا من قوة وردة التي ظهرت أمامهن فجأة، بينما نطقت دلال قائلة موجهة كلامها لوردة: - والله كان من الأجدر عليك أن تشفي غليلك وتنالي من الصحفي الذي كتب عن المليونيرة المصابة بمرض العصر. تشعر وردة لحظتها بالإهانة وراحت تقلب صفحات الجريدة بقوة وقرأت عناوين إحدى الصفحات «المليونيرة المصابة بمرض العصر»... لم تكمل قراءة ما كتب تحت العنوان... وأمام تجمع الطلبة تنسحب بسرعة مهزوزة القلب، بينما بقيت صديقات إيمان تتبادلن النكت بضحكات، في حين نطقت إيمان قائلة بغضب: - ما بكن ؟! وردت عليها جميلة: - الطالبة النجيبة ابنة الفلاحين أتضح أنها ابنة مليونيرة ويظهر أنها لن ترث ثروة أمها فقط بل سترث منها مرض العصر أيضا ... وتكمل حديثها بالضحك في حين ردت إيمان في حيرة: - هل لي أن أفهم ماذا تقصدن ؟ ونطقت دلال: - طبعا تعرفين أنّ وردة قد أصبحت غير منتظمة في حضورها إلى الكلية وعندما تحضر فإنّها تأتي في سيارة خاصة رفقة سائق خصوصي لم يكن هذا يحدث من قبل، وفجأة بدأت أعز صديقاتها في التهرب منها... وتابعت جميلة قائلة: - طبعا كل هذا أثار فضولنا وبعد التحريات اكتشفن أن إحدى الطالبات كانت لديها قريبة تعمل بفيلا والدة وردة ومنها علمنا أن والدتها مصابة بمرض العصر، والكل ابتعد عنها ما عدا وردة التي كانت تعيش من قبل ببيت جدتها لأمها وهي الوحيدة التي تقوم برعايتها. ويظهر على إيمان الحيرة والدهشة ... عندئذ قدمت ليلى الجريدة لإيمان... فراحت إيمان تقرأها بصوت مرتفع «فوجئ المجتمع الراقي بإصابة إحدى سيداته بمرض خطير وهومرض العصر والمرأة هذه معروفة ومشهورة فهي كانت مهندسة كبيرة ثم سيدة أعمال ومليونيرة مشهورة... الكل تخلى عنها ما عدا أصغر أولادها التي بقيت لتسهر على رعايتها كونها طالبة بكلية الطب... لكن المسكينة أصبحت غير منتظمة في دراستها فبعد أن كانت الأولى بالكلية أصبحت غير قادرة على متابعة دراستها بانتظام بسبب أمها المليونيرة التي مع الأسف لن ترث منها فقط ثروتها بل من المحتمل أن ترث مرضها أيضا »... يظهر على إيمان التأثر لما قرأته ... وقالت بنوع من الشفقة: - حرام... حرام أن يصنع الصحفي شهرته على حساب سمعة وكرامة غيره*** وبينما تخرج وردة من الجامعة مسرعة فإذا بها تلتقي بابن عمها الذي حضر من أجلها وما إن رأته حتى توقفت وحاولت أن تبدو طبيعية أمامه ... قال وهو يقترب منها: - جئت لرؤيتك. وردت وردة: - الآن فقط تذكرت أن لك ابنة عمة... ورد عليها بعد أن أدرك لومها: - أرجوك لا تغضبي مني ... فأنا كنت أتمنى أن أزورك عند عمتي للاطمئنان عليك وعليها ... بعدها ذهبا إلى نادي الجامعة وجلسا لتناول بعض المشروبات ويكملا حديثهما... حيث قالت وردة: - هل ما زالوا مصرين على مخاصمتي وعدم السماح لي بالعودة إلى بيت العائلة ؟ ورد عليها أحمد في أسف: - مع الأسف كلهم مصرون ... ما عدا طبعا الجدة فهي كما تعلمين عندما يتعلق الأمر بعمتي فإنها تفضل الصمت... تكاد عيناها أن تسبحا في الدموع لتقول: - كيف حال جدتي... كم أنا في شوق إليها... في شوق إلى صمتها الذي يحيرني... وإلى عيونها الحزينة التي أرى أنها تحمل أسرارا لا أعرفها... ورد أحمد: - هل يعقل أن تكوني قد اشتقت إليها وقد مر أسبوعان عن غيابك عنها ... وأنت التي تعودت الابتعاد عنها بحكم الدراسة لأكثر من شهر؟ وأطلقت تنهيدة بعمق وقالت: - فعلا كنت أغيب عنها لأكثر من شهر لكن كنت أصبر، وأخفي شوقي، وأقول العطلة اقتربت وهان البعد... لكن وضعيتي الحالية مختلفة وشوقي لها يزداد مع كل يوم، لأنه ليس لدي ما يعوضني هذا الشوق، فأنا لا أعرف إن كنت سأعود يوما إلى القرية أم لا... ويقاطعها أحمد: - لا أرجوك لا تقولي هذا... ستعودين إن شاء الله أنت وعمتي فأنا لن أتخلى عنك أبدا ... فالذي يصبرني على عدم زيارتك ببيت العمة هو ليس الخوف منهم بل لا أريد لأي واحد منا أن يقطع العلاقة مع بيت العائلة وخصوصا الجدة ... وردت وردة: - معك حق... سنصبر لغاية ما يأتي الفرج من الله... فرغم قسوتهم معي إلا أنني لن أحقد عليهم أبدا. وتحاول أن تصطنع جو الفرحة ... حيث تابعت وهي تبتسم: - وصراحة أكثر فخالي أبو أحمد رغم أنه لا يطيق سماع أو رؤية الوالدة إلا إنني اشتقت إليه. ويرد أحمد: - أنا معك ... فأبي مع الأسف قاس جدا على عمتي وهو جد غاضب منك لأنك أطلت المكوث عندها ... وأنا صراحة أكثر لم أشأ أن أزورك يوميا حتى لا أنقل لك غضبه منك ... وحتى لا تتأخري في رعاية المسكينة عمتي وخصوصا أنها في أيامها الأخيرة. فجأة تغيب ابتسامتها المصطنعة وهي تنظر إلى الجريدة ثم قالت: - هل تعلم يا أحمد؟... أمي ليست مصابة بالسيدا واحتمال كبير أنها مصابة بمرض الوسواس أو أي مرض آخر... ونطق في دهشة : - ماذا تقولين ؟!... وردت بسرعة: - نعم هو ما سمعته بالضبط... فهل يعقل أن تكون مصابة وهي لم تقم بأي تحليل طبي ؟ ويرد أحمد دون أن ينتبه إلى ما يقول: - وهل يعقل أيضا ما قاله أبي عنها ؟! وسألته بدهشة: - وماذا قال عنها خالي؟ وبنوع من التردد حاول أن ينطق لكن وردة تستعجله: - أرجوك تكلم ماذا قال خالي عنها... ؟ وينطق أحمد في هدوء: - أبي في أول الأمر تلقى خبر مرضها باقتناع أنها فعلا مصابة بالمرض لكن فيما بعد ساوره الشك وقال لماذا لا يكون مرضها مجرد حيلة لتتمكن من جلبك إليها... وتتنبه وردة جيدا إلى ما قاله أحمد ويأخذها تفكيرها إلى اليوم الذي طلبت منها الأم تأجيل التحاليل لغاية حضور الدكتور صديقها... لحظتها أدرك أحمد صمت وردة فتابع قائلا: - بصراحة حتى لو كانت شكوك أبي صحيحة فأرى أنه من حق والدتك أن تستعمل كل الطرق لتعيدك إلى حضنها. وتنطق وردة وهي تمسك بالجريدة لترفعها قائلة: - لكن ليس على حساب سمعتها وسمعتي بل وسمعة كل العائلة... ويرد أحمد: - أما أنا فلا أشك أن يكون تصرفها هذا حيلة لإرجاعك إليها مع أنني أوافقها في أن تستخدم أي طريقة لإرجاعك إليها... تقوم وردة بسرعة بعد أن استأذنت من أحمد بالانصراف. *** تصل إلى الفيلا... بالداخل وبالضبط بالغرفة كانت الأم مستلقية على سريرها وعلى مقربة منها جلس المحامي وأمامه حقيبته مفتوحة يحاول غلقها بعد أن وضع بها بعض الأوراق وهو يقول: - على كل اطمئني... المهم أن تقومي بالسلامة... وردت لطيفة: - أنا فعلا مطمئنة على كل شيء ما دمت موجودا... المهم يا أستاذ عادل أن تتكفل بكل أوراق التركة...وهو يقوم لينصرف ... فإذا بوردة تفتح الباب بقوة ودون استئذان ... وكانت تظهر على وجهها ملامح الغضب... حيث أنها لم تلق التحية ولم ترد حتى على تحية المحامي بل فاجاءته قائلة وهي ترمي بالجريدة أمام أمها: - طبعا كانت تمثيلية محبوكة جدا من طرفكما. الأم والمحامي يتبادلان نظرات الاستغراب... في حين فضل المحامي الانصراف بعد أن أدرك حرج والدة وردة... وردة بكل غضب تتجه نحو خزانة الأم لتخرج لها ثيابها قائلة وكلها غضب: - هيا معي ... الآن... يجب أن تقومي بالتحاليل ... وعند دكتور أنا التي تختاره وليس أنت... الأم مازالت مندهشة وفي حيرة من التصرف المفاجئ لوردة ،حيث نطقت: - لكن أنا... وتقاطعها وردة: - أرجوك... لا داعي لأي تمثيلية... الآن سننزل لعمل التحاليل... لحظتها ... السائق يستأذن للدخول قائلا:الجزء-3-من قصة قلب في المنفى - آنسة وردة... في الأسفل آنسة تدعى إيمان قالت أنها طالبة بالكلية نفسها التي تدرسين فيها. تحاول وردة أن تتذكر الطالبة إيمان..من تكون ؟ ... ينصرف السائق لتلحق وردة به بعد لحظات... وهي تقترب من الصالون في الطابق السفلي ... وما إن أبصرت الطالبة إيمان وتعرفت عليها حتى اقتربت منها وراحت تنظر إليها مستغربة من هذه الزيارة غير المتوقعة من طالبة لا تربطها أية صداقة بها، في حين كانت نظرات إيمان مليئة بالحرج بعدها نطقت: - أنا آسفة لهذه الزيارة المفاجئة، ودون سابق معاد. تحاول وردة أن تبتسم قائلة: - لا... أبدا... تفضلي بالجلوس... أهلا... أهلا بك. وما إن جلست حتى قالت إيمان: - لقد أحضرت لك جميع المحاضرات المتأخرة... تسلمت وردة الدفتر وهي في كامل حيرتها من هذه الزيارة ومن هذا التصرف... أدركت إيمان حيرتها فقالت: - وردة... أعرف بأنك مستغربة من زيارتي ومن تصرفي هذا... لهذا أقول لك بكل صراحة... أنا من زمان كنت أتمنى صداقتك... صداقة حقيقية. وردت وردة قائلة: - لكن لا أظن الطالبة إيمان الغنية عن كل تعريف في الكلية بحاجة إلى صديقات... خصوصا صديقات مثلي... وردت إيمان ... وقد أدركت ذكاء وردة: - من حقك ألا تصدقي... بل ومن حقك ألا تصدقيني خصوصا وأنني أنتمي إلى جماعة الطالبتين: جميلة ودلال... وتبتسم وردة وتقول بعد أن أمعنت النظر والتفكير إلى إيمان: - رغم أنني استغربت حضورك إلا أنني أصدق كل كلمة نطقت بها حتى وإن كنت من الجماعة التي تليق بك مظهريا على الأقل واسمحي لي على صراحتي هذه. تشعر إيمان بنوع من الارتياح من صراحة وردة فقالت: - ذكائك وصراحتك وتواضعك ... عملة نادرة لصداقة حقيقية... وقامت واقتربت من وردة ومدت لها يدها قائلة: - هل تقبلين صداقتي ؟ بعد فترة تبتسم وردة وتمد يدها لتصافحها قائلة: - تشرفني صداقتك... لكن قبل أن تنصرفي أريدك أن تعرفي حقيقتي وبالخصوص حقيقة أمي... تبتسم إيمان باطمئنان قائلة: - أعرف ما تريدين قوله ... وردة أنا عرضت عليك صداقتي والصداقة التي أريدها إذا لم تكن أثناء الشدة مع بعض ... فلا داعي لهذه الصداقة. ونطقت وردة مبتسمة في سعادة: - يظهر أنك ستكونين الصديقة الوحيدة لي... وترد إيمان: - أما أنا فأنت الصديقة الوحيدة التي بحثت عنها من زمان... وهي تهم بالإنصراف ... أحضر السيد حسين صينية المشروبات لكن إيمان تعتذر وهي تقول: - أنا الآن مستعجلة وإن شاء الله سأشربها في يوم آخر. وفجأة تتوقف وتنظر إلى وردة التي غابت ابتسامتها... تدرك إيمان ذلك... فتقترب من الصينية التي مازال السائق حسين حاملا إياها فتتناول الكوبين حيث تقدم الثاني لوردة قائلة مبتسمة: - لا بد من شرب نخب الصداقة... وراحت تشرب كل الكوب... ثم ابتسمت فبادلتها وردة الابتسامة وهي تنصرف قالت: - وردة حاولي أن توفقي بين رعايتك لوالدتك وبين الدروس التطبيقية، أما المحاضرات فلا تحملي هما... وما إن انصرفت إيمان... وانصرف السيد حسين بالصينية حتى راحت تستلقي جالسة على الأريكية، وقد أطلقت تنهيدة من الأعماق، وهي تشعر لحظتها بارتياح... وبينما هي جالسة مغمضة العينين، فإذا أمها التي وقفت أمامها تخاطبها بصوت حزين: - هيا بنا... أنا تحت أمرك. تظهر الدهشة والحيرة على وردة، ومع ذلك قامت لتتبع أمها التي راحت تمشي أمامها بخطوات ثقيلة، مما جعل وردة تشعر بعطف وحرج ... قائلة بصوت متردد: - إذا كنت متعبة ... فيمكننا تأجيل ذلك إلى الغد أو لأي... تنادي الأم على السائق حسين وهي لا تبالي باقتراح وردة... وما إن ظهر حسين حتى قالت -متجاهلة مساعدة وردة لها-: - هيا ... ساعدني. ورد السائق: - إلى أين يا سيدتي؟!... وأنت متعبة ويظهر عليك الإرهاق. ونطقت السيدة لطيفة: - أريدك أن تأخذني إلى أقرب مخبر تحاليل. وأمام إصرار الأم رافقت وردة والدتها... *** وبعد أن وصلت الأم إلى المخبر ... أخذت منها كمية من الدم فأغمي عليها... مما أستدعى ذلك بقاءها في السرير لساعات حتى استعادت وعيها... خلالها شعرت وردة بحزن وأسى ... *** بعدها أعيدت إلى الفيلا وتم إحضار طبيب خاص... وعند خروج الطبيب ... قدم لها وصفة الدواء وقال لها: - إنها مرهقة جدا ... ما كان يجب أن تقوم بالتحاليل وهي في هذه الحالة، إنها بحاجة إلى رعاية تامة وراحة كبيرة ... لا أظن أنها تشكو من أي مرض خطير... يبدو أنها أرهقت نفسها أكثر من اللازم ... لكن إذا لم تشف بهذا الدواء فإني أفضل نقلها إلى المستشفى...*** أسدل الليل ظلامه، ووردة جفاها النوم، وهي تتذكر كم كانت قاسية مع أمها... تركت سريرها وراحت تفتح غرفة والدتها في هدوء ... دخلت واقتربت منها... راحت تجلس على الكرسي القريب من السرير ... وما هي إلا لحظات حتى فتحت الأم عينيها مما جعل وردة تدنو منها أكثر وهي تقول: - أرجوك نامي، فأنا إلى جوارك. حاولت الأم أ ن تبتسم ... في حين تابعت وردة قولها: - أنا آسفة... وترد الأم بصعوبة وبهدوء: - ولم الأسف ؟! وردت وردة: - لا داعي لتجاهل تصرفاتي الحمقاء معك. وحاولت الأم أن تنطق قائلة: - بالعكس ... لقد قضيتي على تهربي وعلى خوفي من الحقيقة، ودفعت بي إلى مواجهة مصيري ... لأضع حدا للشكوك التي كانت تراودني ثم... الأم وهي تحاول الكلام بصعوبة،لم يكن أمام وردة إلا أن أوقفتها عن الحديث ... لما وضعت يدها بكل حنان على فمها قائلة بصوت حنون: - أرجوك نامي الآن... أوصاني الطبيب بأن لا أجعلك تقومين بأي مجهود، وأعدك لما ترتاحي ... فلك مطلق الحرية في الكلام... تبتسم الأم ... وأمام إصرار ابنتها أغمضت عينيها واسترسلت في نوم عميق. *** في الصباح.. وردة تحضر بنفسها صينية القهوة للوالدة، وبينما هي تناولها الفنجان حتى نطقت قائلة: - وردة ... هل يمكنني أن أسألك سؤالا ؟! وتشعر وردة بحرج ثم تنطق: - تفضلي... قالت الأم: - أعرف أن عائلتي لها موقف خاص مني ... باستثناء أمي فهي ليس لها أي موقف... لكن أنت ما رأيك في... ؟ وبنوع من التردد قالت وردة: - أنا... أنا … وتقاطعها الأم: - أرجوك... أعرف أنك صريحة... ولتعلمي بأنني سأتقبل ردك مهما كان... وتشعر وردة بحرج كبير ... فلم تنطق بكلمة بل طأطأت برأسها ... حينها تابعت الأم قولها: - أعرف أنهم يقولون عني بأني أغير الرجال مثلما أغير الأحذية... لكن هل لديك مانع أن تسمعي مني قصة حياتي من البداية؟ ... وخاصة قصة زواجي وأزواجي. رفعت وردة رأسها فتابعت الأم حديثها بعد أن أطلقت تنهيدة عميقة: - طبعا لا أطلب منك أن تصدقيني... بل اسمعيني مثلما سمعت حكاياتهم عني... ولم تترك فرصة لرد وردة ... فراحت تحكي لها قصة حياتها بدءا من طفولتها أيام كان والدها على قيد الحياة... فقالت: - كانت أمنية والدي أن ينهي ولداه شريف ومحمد دراستهما الجامعية... لكن الاثنان توقفا عن الدراسة ولم يجتازا مرحلة الثانوية وفضلا ممارسة التجارة مباشرة... فخيبا أمله... ولأنني كنت مجتهدة جدا في دراستي منذ طفولتي وكنت دائما أحلم بأن أكون مهندسة... لهذا اكتفى أبي بتعليمي وأصبحت أمنيته، وراح يشجعني على متابعة دراستي رغم معارضة أخواي وأعمامي وأخوالي باعتبار أن مكان الفتاة في نظرهم ينحصر في البيت ... كما أن الدراسة في الجامعة تتطلب الانتقال إلى المدينة ... وهذا أيضا في نظرهم عار وعيب ... صادف أن أحبني أبو رضا الذي يملك محلا تجاريا في المدينة... طلبني للزواج... لكني في الحقيقة لم أكن أبادله أي شعور لذلك احترم أبي موقفي... لكن ضغط أخواي وعمي جعل أبي يطالبني بالتفكير وإعادة النظر ... ويشاء القدر أن يتوفى الوالد في حادث سيارة ... ينجو منها محمد بينما ... أمي المسكينة فأصيبت بشلل من جراء هذه الواقعة ... ويصر أخواي إما أن أوافق على الزواج أوأن أتوقف عن الدراسة ... فلم يكن أمامي إلا أن أشترط على ابن العم متابعة دراستي الجامعية بعد الزواج... وتم زواجي معه وأنا أدرس في الجامعة... لكن مع الأسف تأخرت عن دراستي عندما كنت حاملا برضا... فكانت فرصة لابن العم ليلح علي في ترك الجامعة للأبد... لكنني صممت وذكرته بوعده لي، غير أنه و أمام إلحاحه وغيرته لم يزدن ذلك إلا إصرارا أنا أيضا على متابعة دراستي ... فساعدتني مربية على تربية رضا حيث كانت ترعاه أثناء غيابي في الجامعة... ولما بلغت سعاد سنة من عمرها نلت شهادة الماجستير... ومن حسن حظي وجدت عملا كمهندسة بإحدى الشركات القريبة من المنزل... كان طموحي أن أحقق ذاتي من خلال عملي ... لكن أبو رضا فاجأني ببيع المنزل والمحل المتواجدين في المدينة واشترى بالمال بيتا وقطعة أرض في القرية... فكان ظنه أن يضعني أمام الأمر الواقع. تتوقف لحظة لما سمعت صوت وردة:- غريب وردت الأم: - ماذا تقصدين ؟ قالت وردة: - ما حدث لك مع ابن عمك هو نفسه الذي يحدث لي مع ابن خالي لكن مع فرق كبير... وترد الأم وعلامات الاستفهام بادية على وجهها: - لم أفهم ماذا تريدين أن تقولي ؟ قالت وردة: - من المفروض أني في نظر العائلة خطيبة أحمد ابن خالي وهو طالب بكلية الآداب ... لقد كان السبب في إكمال دراستي الجامعية حيث وافقت على خطوبتي له شرط أن أكمل دراستي الجامعية ... أو بالمعنى الأصح هو من اخترع حكاية الخطوبة لكي يتسنى له رعايتي بالجامعة... وردت الأم في دهشة: - أنت الآن مخطوبة لابن خالك وأنا... وتقاطعها وردة: - ألم أقل أنّ ما حدث لك هو نفسه ما يحدث لي لكن مع فرق كبير وهو أن ابن خالي إنسان شهم ... فرغم حبه لي إلا أنه أدرك واحترم شعوري الأخوي نحوه ففضل مساعدتي كي أتم دراستي ... ولست أعرف كيف سيكون رد فعلهم لما يطلعون على الحقيقة يوما ما ؟ ثم توقفت وتابعت قائلة: - المهم ماذا حدث بعد ذلك ؟ أنت... وأدركت الأم أن وردة تسمعها فعلا ... فسعدت لما طلبت منها أن تتابع قصة حياتها فما كان على الأم إلا أن تابعت قائلة: - لكنني لم استسلم للأمر الواقع لإحساسي بأن أبا رضا خان العهد والوعد... فصممت البقاء في المدينة للإقامة والعمل... فخسرت قضية حضانتي لأولادي... ورغم أن المحكمة سمحت لي برؤية الأولاد مرة كل أسبوع ... لكن أبوهما وبمرور الأيام حرمني من رؤيتهما... بل حرمت حتى من زيارتهما وزيارة العائلة في القرية... وبعد طلاقي منه نفتني العائلة وتعمدت إنكاري ... ولأنني وجدت نفسي وحيدة ومطلقة وكانت الأعين كلها موجهة إلي ... خصوصا وأنني كنت مقيمة بفندق المغتربات... مما اقتضى الأمر أن أوافق على الزواج من زميل لي بالشركة بمجرد انتهاء شهور العدة... كلانا كان في بداية حياته المهنية فاتفقنا أن نبني حياتنا يدا بيد... عشت معه السنوات الأولى من زواجنا في سعادة ... إذ كنا متفاهمين جدا ... لكن وما إن جاءت أخته المطلقة لتعيش معنا حتى بدأت الخلافات والمشاكل بتدخلها في حياتنا في كل كبيرة وصغيرة... بل وراحت تدعو صديقاتها بمناسبة ودون مناسبة سواء كنا في البيت أوفي الخارج... في بداية الأمر حاولت أن أتفهم وضعها كمطلقة وأفهم نفسيتها ... فسعيت أن أكون لها أختا وصديقة لأفهمها أن بعض تصرفاتها لا يليق بها كمطلقة ... فعليها المحافظة أكثر على سمعتها ... لكن للأسف لم أتمكن ... وتعقدت الأمور بيننا ... فإذا بي اكتشف أنه تزوج بإحدى صديقاتها... فلم يكن أمامي إلا أن صممت على الطلاق... حصلت على الطلاق وكان الثمن أن أتخلى عن حضانة حياة لصالح أخته... واشترطت عليهما أن أراها أسبوعيا، لكن فيما بعد لم أتمكن من العيش دون ابنتي فحاولت بشتى الطرق أن أعيد حياة لحضانتي لكن دون جدوى ... وبعد طلاقي عرض علي الزواج أكثر من واحد ... لكني قررت أن لا أكرر التجربة بعد تجربتين فاشلتين... غير أن رؤية المجتمع للمرأة المطلقة لا ترحم... خصوصا وأنني أصبحت رئيسة مكتب بعد أن طلبت من الشركة نقلي من الشركة التي كنت أعمل بها رفقة طليقي...وفي مكتبي الجديد أصبحت أشرف على عدد من العمال بالإضافة إلى الاجتماعات التي كنت مضطرة حضورها بداخل المدينة وخارجها ومقابلاتي لكثير من أصناف الرجال ... كل هذا جعلني أعدل عن قراري وأوافق على الارتباط بأحد أكبر أغنياء البلد ... تعرفت عليه عند زيارتي لصديقتي زوجة المحامي عادل ... كان معروف عنه بأنه هو الآخر له تجارب في الزواج ... وكانت كلها فاشلة ... في البداية رفضت وخفت... لكن إلحاحه وثقافته ومنطقه في الحياة غيّر من موقفي ... فكل واحد منا صاحب تجارب فاشلة ... وهذا ما يزيد من فرص التفاهم لتفادي الأخطاء والوقوف أمام صعوبة الحياة ... واشترطت عليه أن أستمر في عملي ... الذي لا علاقة له بمركزه وثروته... فأمدني بكل المساعدات المادية والمعنوية... ولم تمر سنتان حتى أصبحت رئيسة لأكبر الشركات في البلد... وكنت أملك الجزء الأكبر منها باسمي الخاص... رغم أن أبا رامي أراد أن يمنحني مساعدة مادية لأنفرد بالشركة لكنني رفضت وفضلت أن أكسبها بإذن الله بمجهودي الخاص... ومرت السنين وأنجبت مصطفى ورامي... ولم تعق تربيتي لهما في مواصلة دربي ... رغم أن أبا رامي كان هو الآخر يلح علي لأترك العمل وتصفية الشركة... وحاولت مرارا أن أقنعه بأن العمل بالنسبة لي لا علاقة له بالمادة بقدر ما هو تحقيق لذاتي وشخصيتي ودوري ووجودي في هذا البلد الذي هو بلدي طبعا ورغم أنني استطعت إقناعه إلا أنني فشلت في وضع حد لغيرته الزائدة عن حدها ... كانت غيرة قاتلة مما زاد ذلك في كثرة المشاكل التي كانت تبدأ لأتفه الأسباب ... فلم يكن أمامي إلا أن خيرته بين حريتي وغيرته التي ليس لها مبرر ... وتوقفت لحظة حيث تذكرت يوم واجهته بذلك فكان رده باستفزاز: - يظهر أنك تعودت على عيشة المطلقات!! وكان ردها بغضب: - سالم أرجوك حافظ على كلامك... عادت من الماضي إلى الحاضر لتكمل قائلة بصوت حزين: - كلامه استفزني بل أصاب كرامتي ... فلم أعبأ بنفسي إلا وأنا أطلب منه الطلاق... طبعا رفض طلبي وأمام رفضه... فضلت الإقامة بشقة بمفردي بعد أن رفعت قضية طلاق أمام المحكمة... بينما كانت وردة تستمع باهتمام ... ومرة على مرة كانت تنظر إلى الساعة وقد لاحظت الأم ذلك وما إن توقفت لتسألها حتى استأذن السائق في الدخول قائلا: - آنسة وردة السيارة جاهزة. قامت وردة مسرعة قائلة وهي تنصرف: - أمي بعد إذنك ... يجب أن أخرج حالا... تركت أمها تائهة ... تكلم نفسها: «طبعا هي في عجلة للتعرف على نتائج التحاليل... ».*** تصل وردة إلى المخبر... وما إن أخذت التحاليل وعرفت النتائج حتى عادت إلى الفيلا على جناح السرعة... وعند اقترابها من غرفة أمها راحت تخطو خطوات متثاقلة ... دخلت في هدوء ... فلاحظتها الأم ... فزادت دقات قلبها وراودها القلق فعاشت وقتها أصعب لحظات عمرها ... وهي تنتظر ما ستقوله وردة التي ابتسمت وهي تقدم لها التحاليل قائلة: - نتائج التحاليل تثبت أنك لست مصابة بأي مرض. عندها اغرورقت عيون الأم بالدموع وهي تكاد ألا تصدق فقالت بصوت حزين وخنوق بالبكاء: - لا... لا ... أنا لا أصدق ما تقولين... وتنطق وردة: - لست أنا من يقول... بل التحاليل هي التي تؤكد بأن إصابتك هي مجرد وسواس لا أكثر ... وليكن في علمك بأن هذا المرض بقدر ما هو بسيط فإنه ممكن أن يقضي على صاحبه... *** تعود وردة إلى الكلية... تلتقي وردة بصديقتها إيمان... ذلك اللقاء الحميمي أثار انتباه ودهشة كل من صديقات إيمان وحتى صديقات وردة... قالت إيمان لوردة: - لقد عثرت لك على إنسانة في منتهى الطيبة والأخلاق إنها قريبة مربيتي... وردت وردة: - حقيقة أنا عاجزة عن شكرك... وتنطق إيمان : - وهل بين الصديقات حساب وتشكرات... هيا ... هيا بنا إلى مؤسسة الجريدة... *** اتجهتا نحو السيارة... وما إن همت إيمان لفتح باب سيارتها حتى أوقفتها جميلة وبصوت خافت وكأنها لا تريد لوردة أن تسمع قولها: - إيمان ما بك ؟ هل جننت ؟ هل نسيت ؟ ابتسمت إيمان وقالت لوردة الجالسة إلى جوارها داخل السيارة: - وردة هل يمكنك أن تعطيني نسخة من التحاليل التي معك... وقدمت وردة لإيمان نسخة التحاليل بعد تردد... إيمان سلمت النسخة بدورها لصديقاتها ولم تنتظر ردهن وأقلعت بالسيارة... تاركة صديقاتها في كامل حيرتهن... تصل السيارة إلى حيث مؤسسة الجريدة التي نشرت ذات يوم خبرا تحت عنوان «المليونيرة المصابة بمرض العصر»...*** توقفت السيارة... نزلت وردة تسأل داخل المؤسسة عن الصحفي المتخصص في صفحة «عيون على المجتمع الراقي»... وما إن عرفت مكتبه... حتى اقتربت من المكتب واستأذنت بالدخول قائلة: - الأستاذ فؤاد بن صالح. وكان رده بعد أن ترك القلم: - نعم تفضلي... بعد التحية ودون مقدمات فضلت البقاء واقفة قائلة بصوت هادئ: - اسمي وردة... طالبة بكلية الطب... ابنة المهندسة وسيدة الأعمال لطيفة قاسم... وراحت تقدم له الجريدة ثم تابعت: - طبعا كان بإمكاني وبإمكان الوالدة أن ترفع قضية ضدك لرد الاعتبار. وحاول أن ينطق قائلا: - لكن أنا... فقاطعته قائلة: - أعرف ما ستقوله... طبعا تريد القول أن ما نشرته كان دون الإشارة إلى اسم الشخص المعني... لكن لا تنسى أن الرموز التي استعملتها كانت واضحة وضوح الشمس... ولم يكن ذلك من الصعب على أي واحد أن يفك الرموز وأن يتعرف على شخصيتها، على كل أنا لم أحضر لأعاتبك رغم ما ألحق بسمعتها من ضرر. وراحت تسلمه نسخة من التحاليل وتابعت قائلة: - بل جئت بهذه النسخ من التحاليل الطبية ... وبإمكانك التأكد من الأصل من المخبر... سأتركها لك ولضميرك وللصفحة التي تعودت أن تنشر فيها فضائح الناس ... أقصد أسرار وخصوصيات الناس التي هي في نظرك فضائح دون التأكد من صحة المصدر... خرجت وتركته في حيرة من أمره وقد ظهر عليه الندم حيث راح يقلب صفحات الجريدة ثم صفحات التحاليل في آن واحد... ثم توقف لحظة وقد نظر إلى الأوراق التي أمامه نظرة لها بعد ... ثم أمسكها وراح يتردد بين أن يقطعها أوأن يكمل كتابتها ... وفي الأخير يقرر تقطيعها. *** بعد يومين قررت وردة مغادرة منزل الوالدة بعد أن أحضرت لها سيدة اسمها رقية في حوالي السادسة والخمسين من عمرها لتساعدها في المنزلالجزء-4- من قصة قلب في المنفى كانت وردة في الحديقة ... وقد أعطت حقيبتها إلى السائق ليضعها في السيارة... الأم وإلى جوارها خادمتها رقية... اقتربت وردة منها ومدت يدها لها قائلة: - أراك بخير ولا أوصيك بصحتك ... فلا داعي لإرهاق نفسك وتجنبي كثرة الوساوس. تحاول الأم أن تبتسم وهي تقول: - كم تمنيت لو تبقين لحضور الحفلة على الأقل. وردت وردة بابتسامة وتفاؤل: - أنا آسفة، علي أن ألحق بالعائلة لأصلح ما فاتني ... لعلي أتمكن من إقناعهم قبل أن يفوت الوقت ... فيكون النفي إلى الأبد... تأثرت الوالدة لكلمة النفي ... ومع ذلك حاولت أن تبدو طبيعية في حين قالت وردة لرقية: - طبعا لن أوصيك بالوالدة. وردت رقية: - هي في عيني... اطمئني. وهي تركب بالسيارة حاولت الأم أن تناديها وتقترب منها لكنها ترددت ولم تجرأ ... وقبل إقلاع السيارة تبادلتا نظرات صامتة بعيون حزينة، حيث قالت وردة في صمت «أعرف أنك تودين احتضاني وبقوة» وردت الأم بصمت «لماذا تحرمينني من احتضانك؟» وردت وردة بصمت «آسفة رغما عني ... لو فعلت ذلك فأكيد سأبقى وسيكون من الصعب علي أن أنسحب من حضنك» وترد الأم وقد بدأت السيارة تختفي من أمام عينيها «سأنتظرك يا عمري إلى آخر العمر»... وما إن خرجت السيارة من الفيلا حتى طلبت من السائق المرور بكلية الآداب. *** في الكلية ... التقت بأحمد حيث قالت له: - أحمد لا يهمني الآن أن يرانا أحد من العائلة مع بعض، لأنني ذاهبة الآن إلى القرية ... وأريدك أن تصطحبني إن لم يكن لديك مانع. ورد أحمد بألم وأسف: - أعذريني يا وردة فأنا لا أستحق شرف اصطحابك. وردت عليه: - لا عليك يا أحمد. ورد أحمد: - أنا فعلا غبي... كم أكره نفسي حين أتذكر أن في يوم من الأيام كانت فتاة من العائلة عنيدة وشجاعة وأكثر جرأة مني لا يهمها شيء في سبيل تحقيق ما تريد وما تقتنع به... وردت وردة: - لكن جرأتها كلفتها النفي الأبدي من طرف العائلة ... بل إن الحكاية نفسها تكاد أن تتكرر معي إن لم ألحق الآن لأوضح الأمور. ورد أحمد: - بصراحة ورغم ذلك فإنّي أحيى فيها جرأتها التي جعلتها تضحي بالكثير في سبيل تحقيق طموحاتها وبناء نفسها بنفسها... أما أنا وبمجرد أن تلقيت تهديدا يحذرني من الاتصال بك ... حتى رحت أنفذ طلباتهم وتهديداتهم... وأحي جرأتها وشجاعتها فيك أيضا. وتدرك وردة عمق حزن أحمد فتقول: - أنا أقدر موقفك ولست غاضبة منك، بالعكس أنا التي أرادت ذلك منك حتى لا تنقطع أخبارهم عني إلى الأبد... ولو كنا الاثنان منفيين معا... فكيف سنفكر في العودة إليهم مع بعض، والذي سيشجعني أكثر للعودة بقلب جامد هو ذهابك معي الآن. توقفت لحظة ثم تابعت: - إذن ماذا قلت ... هل ستذهب معي أم... ؟ ويقاطعها قائلا وقد ارتاح لكلامها: - طبعا... طبعا يدي في يدك ولا يهمني رد فعلهم. بعدها قالت وردة: - أذكرك يا أحمد ... لقد أتضح أن أمي ليست مصابة بالمرض، فكان الأمر مجرد وساوس فقط. سعد أحمد للخبر في حين تابعت وردة قائلة: - كم أنا في شوق كبير إلى كل أفراد العائلة وبالخصوص جدتي. ورد أحمد مبتسما: - جريئة أنت مثل أمك وأمنيتي أن أنال منكما ولو قسطا ضئيلا من هذه الجرأة... *** تصل وردة إلى القرية بصحبة أحمد ... وفي غرفة الجدة راحت وردة ترتمي في حضنها وهي تبكي شوقها الكبير، وقالت وردة للجدة: - كم اشتقت إليك. وبعد فترة صمت فاجأتها جدتها قائلة: - كيف هي أحوال أمك ؟ أدركت وردة ذلك الصوت الحزين فقالت: - قولي لي يا جدتي... هل تحبينها ؟ وتغرورق عيون الجدة بالدموع رغما عنها وتقول: - ومن منا لا يحب ضناه ؟! وردت وردة في دهشة: - غريب ؟!...وردت الجدة قائلة: - من حقك الاستغراب يا حبيبتي. وراحت وردة تتحدث بصوت هادئ: - لا أذكر يوما تحدثت فيه عنها تلقائيا ونطقت باسمها ... لا بكلمة سيئة ولا بكلمة طيبة ... حتى عندما كان الكل يتذكرها ويقول عنها أشياء كثيرة تبدأ كلها بالمطلقة سيئة الأخلاق كنت تفضلين الصمت،كان صمتا لدرجة تثير الحيرة ... فكان من المفروض أن تردي عليهم مدافعة عنها أو... وتقاطعها الجدة والدموع تملأ عينيها: - أو أشاركهم ظلمهم وتعنتهم... ذنبها الوحيد أنها قالت «لا... بل أريد متابعة دراستي الجامعية» ... ولما فشلت في أول زواج لها... كان جزاؤها النفي... ولما وجدت نفسها وحيدة، غريبة وفشلت في بناء أسرة مستقرة... كانت في نظرهم تلك الفاسدة التي تغير الرجال كما تغير أحذيتها. ونطقت وردة قائلة: - إذن لماذا هذا الصمت؟ مادام تحبينها ومدركة أنها مظلومة... أذكر أنها لم تراك من مدة طويلة... وأذكر أيضا أنها آخر مرة زارت بيت العائلة وهو اليوم الذي جاءت تطلب مني العودة معها... يومها سألت عنك ... كما أنه لم يسمح لها بالبقاء مدة أطول بعد أن رفضت العودة معها... أما أنت فقد بقيت بعيدًا ولم تقابليها، وبعد ذهابها غلقت الباب على نفسك وبكيت بشدة غير أنه ولا أحد قد رأى دموعك... ولما فتحت الباب لمحت دموعك التي كنت تخفينها مثلما أخفيتها أنا أيضا ولا أحد كانت عنده الجرأة أن يسأل الثاني سبب أثار تلك الدموع. وترد الجدة بصوت مخنوق بالبكاء: - حبست عواطفي عنها رغما عني ... كنت خائفة أن تراني فآخذها في حضني لأروي شوقي الدائم إليها ... ولأنني كنت متأكدة بأنهم لن يتركوها مدة أطول على الأقل لغاية ما أرتوي من شوقها... تصمت للحظة ثم تتابع: - أمك يا وردة... صحيح أنّها عاشت أكثر سنين عمرها بعيدة عني ورغم جرأتها وعنادها فهي تربية يدي ولن أشك في كرامتها وشرفها ولو للحظة واحدة من عمري... بعدها قامت وردة وتبادلت مع جدتها نظرات حزينة ومدت يدها بكل حنية لتمسح لها دموعها ... وإذا بالجدة هي الأخرى تمد يدها لتمسح دموع حفيدتها في حين قالت وردة: - رغم كل ما قيل عنها ورغم مواقف الشبهات التي أوقعت فيها نفسها ... ولا أنكر أنني في كثير من المرات صدقت أنها أما غير شريفة إلا أنني ما كرهتها أبدا وإن كنت رفضت أن أعود للعيش معها فهذا لأنني أحببت عيشة الفلاحين... وأحببت البقاء إلى جوارك. ونطقت الجدة: - وردة حبيبتي حاولي أن تكسبي الاثنين معا..وإن كان لابد أن تخسري طرفا فلا أريدك أن تخسري أمك مهما كان الثمن.