الفصل 3
***
في الأسفل ... في الصالون كان الجدال قائما بينهم...
قالت سعاد موجهة كلامها لكل من مصطفى ورامي وحياة:
- أرى أنكم الأولى والأنسب بمراعاتها والحرص على صحتها.
كلام سعاد أحرج إخوتها وبعد تردد نطق مصطفى:
- قد يكون كلامك صحيح... لكن لا تنسي أنكم أيضا أولادها ومن واجبكم مراعاتها.
ويرد رضا:
- نحن كما ترون نسكن بعيدا عنها... ثم أنا رب أسرة وغير ممكن أن أتركها... وسعاد كذلك فهي أم لرضيعة ووردة غير ممكن أن تترك دراستها...
ونطقت حياة:
- وأنا أيضا عندي ما يشغلني.
وقال مصطفى:
- وأنا كما تعلمون أعيد السنة الأخيرة بالجامعة للمرة الثالثة ولست مستعدا أن أعيدها للمرة الرابعة هذا إذا سمحوا لي طبعا.
ونطق رامي:
- إذن الحل الوحيد هو أن نقيم القرعة.
ونطق رضا بدهشة واحتجاج:
- ولماذا نقيم القرعة فنحن بصراحة لسنا المعنيين فأنتم المعنيون... ثم إذا...
ويقاطعه مصطفى:
- لا... الحل الوحيد هو أن نحضر لها ممرضة خاصة تقوم برعايتها.
ونطق رضا باحتجاج:
- لا... إلا هذا... هل تعرفون ما معنى هذا؟... معناه أن كل الناس ستعلم بالمصيبة التي أوقعتنا فيها حضرة الوالدة … هل تعرفون ما معنى أنها مصابة بالسيدا...
... خارج الصالون... كانت إحدى الخادمات تقترب منهم حاملة صينية المشروبات وما إن سمعت اسم المرض حتى توقفت مندهشة... داخل الصالون ينطق مصطفى قائلا:
- يا أخي حدد موقفك... فأنت لا تريد أن ترعاها ولا تريد القرعة... ولا تريد غيرنا أن يقوم برعايتها...!!
وتنحاز حياة إلى صف مصطفى وتوجه كلامها لرضا وسعاد:
- ألاحظ أنكما تستغنيان عن رعايتها، يا ترى هل أنتم في غنى عن ثروتها بعد موتها ؟
تلك الكلمة وقعت على رأس وردة كالصاعقة... بينما أحس رضا وسعاد بنوع من الحرج ... لدرجة أنهما لم يردا على كلام حياة إلا بعد فترة صمت حيث قالت سعاد بنبرة مترددة:
- لعلمكم ... أننا أصلا لم نكن راضيين على حضورنا بل رفضنا الحضور لولا إلحاح ورجاء وردة...
ويحاول مصطفى أن يرد عليها ... لكن وردة التي ظلت صامتة لفترة تتابع ذلك النقاش تفاجأ الجميع بصراخها:
- يكفي... يكفي أرجوكم... أنا سأرعاها بنفسي.
***
في المطبخ ... اجتمع كل عمال الفيلا من سائق وطباخين والبستاني ومديرة المنزل ... الطباخة التي سمعت حديث الأولاد تنزع المئزر وهي تقول:
- أنا بصراحة بعد الذي عرفته لن أبق هنا ولو دقيقة.
وتخرج ويلحق بها بقية العمال باستثناء السائق ... وكان خروجهم خفية دون أن يراهم أحد.
في الصالون ... بينما مصطفى ورامي وحياة ارتاحوا لقرار وردة ... رضا وسعاد في كامل دهشتهما وهما يحاولان اقناعها للعدول عن قرارها حيث قالت سعاد:
- لا يا وردة ... يجب عليك أن ترجعي معنا حالا... أنت لست مسؤولة عنها...
وينطق رضا قائلا:
- أنت بالذات غير مطلوبة لرعايتها... أنت أصغرنا ثم الدراسة في انتظارك.
وينطق مصطفى:
- بالعكس إنها أحسن واحدة فينا القادرة على رعايتها... فهي طبيبة وستكون حذرة أكثر حتى لا تنالها العدوى ...
ويرد عليه رضا بغضب:
- أصمت أنت ... وردة ليست طبيبة بعد، فهي ما زالت طالبة في السنة الثالثة...
وتنطق وردة بهدوء:
- قد أكون فعلا صغيرة ... ولم أنل الشهادة بعد، لكن ما تعلمته لحد الآن كاف لأرعاها كممرضة على الأقل.
ورغم محاولات رضا وسعاد لكن وردة قررت البقاء لرعاية الوالدة... رضا وسعاد غادرا الفيلا... وحتى مصطفى ورامي وسعاد فقد فضلوا مغادرة الفيلا بعد أن كانوا شبه مقيمين عن
ترقبو ا الأجزاء المقبلة بأحداث مثيرة-هل تنجح وردة كممرضة لوالدتها؟
-هل فعلا الوالدة مريضةبمرض العصر وكيف إنتقل إليها إنها أسئلة وردة؟
- ماموقف عائلتها لأمها لما قررت الوقوف الى جانب والدتها.
- ما موقف وردة لما تكتشف أن والدتها مصابة بمرض آخر.
الجزء -2- من قضة قلب في المنفى.
***
بعد خروج الإخوة جميعهم ... شرعت وردة في التجول داخل أركان الفيلا بخطوات ثقيلة... وجهت نظراتها نحو السلم المؤدي إلى الطابق العلوي وراحت تتذكر أيام كانت لا تتجاوز سن العاشرة من عمرها... كانت يومها تنزل السلم..تجري هاربة من المربية... تدخل إلى غرفة المكتب... حيث أمها تراجع بعض الملفات... وما إن اقتربت منها الوالدة تعانقها وتقبلها وهي تقول مبتسمة:
- لا يا حبيبتي يجب أن تتناولي الحليب.
وترد الصبية وردة:
- لكن يا أمي أنا كبرت على كوب الحليب.
تضحك المربية وكذا الوالدة التي تقول:
- أبدا... الحليب للكبار والصغار... ثم ألا تريدين أن تكبري وتكملي دراستك لتصبحي محامية أو طبيبة مشهورة؟تعود وردة من الماضي إلى الواقع... تصعد الطابق العلوي وبالضبط نحو غرفتها... فتحت غرفتها وراحت تتقدم إلى الداخل... كانت غرفة مملوءة بالألعاب ودمى كثيرة... جلست على السرير وراحت تتناول دمية في شكل دب ولحظتها راح خيالها إلى الماضي... كانت تستعد للنوم وإلى جوارها ذلك الدب... الأم تغطيها جيدا ثم تقبلها بحرارة... وردة تنطق قائلة وهي تضحك:
- والدب ألا يستحق قبلة هو الآخر؟
تضحك الأم لبراءة وحيدتها ... وتقبل الدب ثم تعيد تقبيلها وهي تتمنى لها ليلة سعيدة ... تعود من الماضي إلى الحاضر... وهي تنظر إلى الدب الذي بين يديها... بعدها تنظر إلى الساعة... ثم تترك الدب وتخرج لتنزل إلى الأسفل حيث المطبخ فلم تجد أحدا... فراحت تفتش عن عمال الفيلا في غرفهم، فوجدت أنهم غادروا الفيلا بعد أن أخذوا أغراضهم... احتارت وتألمت لهذا الموقف ... وبينما هي تائهة بعيون حزينة فإذا بصوت السائق حسين وهو رجل في العقد الخامس من عمره قال بصوت هادئ:
- لقد عرفوا حقيقة مرضها ففضلوا المغادرة.
نظرت وردة إليه وبعد فترة صمت قالت بصوت حزين:
- على كل إذا أردت أنت أيضا اللحاق بهم و...
ويقاطعها قائلا:
- تقصدين الهروب منها... لا يا ابنتي فأنا...
وتقاطعه قائلة:
- لا والله لا تظن أنني سأغضب لو فعلت ... فهذا من حقك فإذا كان أولادها هربوا منها فما بالك بالغير.
وينطق السائق:
- وأنا يا ابنتي لست مثل الآخرين ... فأنا لا أتنكر لوالدتك التي عشت من خيرها ... ولست مستعد للتخلي عنها...
وترد وردة بعد تردد:
- حتى لو قلت لك بأن مرضها خطير ومعدي.
ويرد السائق:
- صحيح ليس لدي معلومات كافية عن هذا المرض ... وثقافتي محدودة لاستيعاب مدى خطورة هذا المرض ... لكن تأكدي إذا كانت العدوى ستنتقل إلي لتشفى هي ... فأنا مستعد لها مهما كان الثمن...
وترد وردة:
- إنها عدوى خطيرة.
ويجيبها السائق:
- ولو يا ابنتي... ثم إنّ والدتك مريضة، وبغض النظر عن نوع مرضها فهي بحاجة إلى من يقف إلى جوارها، خصوصا وهي في أيامها الأخيرة.
لحظتها تغرورق عيون وردة بالدموع رغما عنها، بينمايتوجه السائق نحو المطبخ قائلا:
- اذهبي يا ابنتي لترتاحي وأنا سأحضر العشاء.
وتوقفه قائلة:
- لا... دعك من المطبخ... أنا سأتكلف بهذا... فقط قل لي ما هي أكلاتها المفضلة وأنا سأحضرها***
في غرفة الوالدة...
تدخل وردة وبين يديها صينية بها العشاء... راحت تقترب من الأم لتضع الصينية على طاولة بالقرب من سريرها... ثم اقتربت من أمها قائلة بصوت حنون:
- العشاء جاهز.
راحت الأم تنظر إلى وردة لفترة مندهشة قائلة:
- أنت من أحضرت العشاء... أين... !!
وقاطعتها وردة قائلة وبهدوء وبتردد:
- لقد... لقد أخذوا إجازة... ماعدا السائق...
أدركت الأم الحقيقة فقالت بصمت «بل قولي أنهم هربوا» ثم فوجئت وردة بسؤالها:
- وأين إخوتك ؟
تشعر وردة لحظتها بحرج شديد ... تحاول أن تنطق لكن تجد نفسها مترددة فقاطعتها الوالدة قائلة:
- طبعا هم أيضا هربوا.
وتنطق وردة قائلة لتغير الجو الحزين:
- هيا يجب عليك أن تأكلي قبل أن يبرد العشاء.
تحاول وردة أن تقترب من أمها لترفع رأسها وتساعدها على الإستناد إلى الوسادة... لكن الوالدة تبتعد عنها بلباقة قائلة لها:
- أرجوك... لا تحاول الاقتراب مني أكثر ... لا أريدك أن ترثي عني هذا المرض الخبيث.
تحتار وردة من تصرف أمها لكنها لا تبالي وراحت ترفع الملعقة لتؤكلها بنفسها قائلة:
- هيا تفضلي.
لكن الأم تفضل التراجع عن الملعقة قائلة:
- أتركي الملعقة بالصينية وسأحملها بنفسي.
ترددت وردة ... ثم تتذكر ما قالته لإخوتها «أنا التي سأرعاها بنفسي»... تعود وردة إلى الواقع قائلة:
- بل ستأخذينها من يدي... من المفروض ألا تقومي بأي مجهود... هيا تفضلي.
وأمام إصرار وردة ... لم يكن أمام الوالدة إلا أن تتناول حساءها من يد ابنتها ... وبعد أن تناولت ما استطاعت، راحت وردة تحمل الصينية، فاجأتها أمها قائلة بصوت حنون مبتسمة:
- أشكرك على حضورك وبقائك.
وترد وردة قائلة بهدوء:
- بقائي واجب علي بصفتك مريضة وبصفتي أنا طالبة بكلية الطب...
عندها ظهر على الوالدة نوع من الارتباك، فهي لم تكن تتوقع ذلك الرد من وردة... فبلعت ريقها واختفت ابتسامتها... وردة هي الأخرى أدركت أنها كانت قاسية في ردها على أمها...
***
وتمر الأيام...
في الريف وبالضبط في دار العائلة... كانت العائلة مجتمعة... وكانت زينب تقرأ رسالة من أخيها أحمد وما إن أنهت الرسالة حتى نطق أبوها قائلا:
- أسبوع مر ولم تعد بعد... بل ولم تنتظم حتى بكليتها... يا لله اكتبي لأخيك وأخبريه أن يتصل بها... لقد اختارت البقاء معها... إذن لا هي منا ولا نحن منها***
... بالمدينة وبالضبط بالجامعة «كلية الطب»... الطالبة إيمان مع صديقتها... كن تتحدثن... لحظتها تقترب منهن الطالبة جميلة لتقطع حديثهن وهي تقول في كامل فرحتها:
- أبشري يا إيمان أمامك فرصة لتصدر قائمة الناجحين... بنت الفلاحين أصبحت لا تداوم على الدروس ونقاط البحوث الأخيرة جميعها تحصلت فيها نقاط عادية...
في الوقت الذي تشترك فيه بقية الصديقات في هذه الفرحة، نطقت إيمان بصوت حزين وبكل جدية:
- يا بنات يجب أن تفهمن شيئا واحدا وهو أن النجاح وتصدر قائمة الناجحين لن يكون وليد الصدفة وترصد الفرصة... النجاح والامتياز يأتي بالاجتهاد الدائم والمنافسة الشريفة تكون من أجل الدراسة فقط وليس...
وتوقفت تنظر إليهن للحظات ثم قامت لتغادرهن قائلة:
- وليس بالحقد وبالغيرة وبترصد الفرص...
***
... في النادي
اجتمع الإخوة الثلاثة، مصطفى، رامي وحياة حيث قال مصطفى:
- بصراحة أنا خائف أن تشك في غيابنا عنها.
ونطقت حياة:
- تشك لو كنا نذهب إليها نأخذ منها أي دراهم وهي في هذا الظرف.
ورد عليها رامي:
- فعلا فنحن اتفقنا أن لا نأخذ منها ولا درهم وهي مريضة، ثم ابتعادنا عنها طبيعي بحجة أننا على أبواب الامتحانات.
ونطق مصطفى:
- تشك أولا تشك فأيامها أصبحت معدودة، مسكينة وردة يظهر أنها لن تصمد بعدها لتلحق بها.
وتنطق حياة:
- لا اطمئن فهي طالبة ذكية في كلية الطب وأكيد أنها قادرة على حماية نفسها.
ويرد مصطفى:
- أخشى أن يكون كلامك صحيحا.
وتضحك حياة وتقول:
- وهل يعقل طالبة في السنة الثالثة طب تصبح في يوم وليلة طبيبة وقادرة على حماية نفسها من ألعن الأمراض حتى لو كانت فعلا أذكى الأذكياء.
ويضحك الثلاثة...***
بالفيلا كانت وردة جالسة في الصالون أمام الموقد وكان على مقربة منها السائق حيث كان يحدثها قائلا:
- صحيح أنهم تربوا عند آباءهم ... لكن وما إن كبروا حتى ألفوا بيت الوالدة فهم لا يغادروه إلا نادرا... والغريب أنّه من حوالي شهرين حياة ومصطفى قررا الاستقرار عندها.
بعدها استأذن منها ووجه لها سؤالا بعد تردد:
- لكن قولي لي يا وردة لو لم تكوني طالبة طب هل كنت ستبقين إلى جوارها؟
وكأنه فاجأها بسؤاله... ولما قرأ الصمت في عيناها أدرك نفسه فقال:
- أرجو المعذرة يا ابنتي يظهر أنني تدخلت أكثر فيما لا يعنيني.
وبعد فترة صمت ردت وردة بهدوء وبصوت حنون:
- لا بالعكس... أنت تسألني سؤالا لا طالما خطر ببالي ولم أجرأ أن أصارح به نفسي ... صدقني لو قلت لك أن إجابتي عن هذا السؤال هي...
وتوقفت ووجهت نظرها إلى أعلى السلم ثم أكملت بعد تنهيدة عميقة:
- لست أدري ... نعم لست أدري ماذا سيكون موقفي لو لم أكن طالبة طب، لكن كل الذي كنت أشعر به وأنا هناك في بيت العائلة ثمة شيء كان يشدني ويدعوني للبقاء هناك، ولما حضرت هنا شعرت أن ثمة شيء هنا هو الآخر يشدني ويدعوني للبقاء.
في تلك اللحظات تسمع وردة صوت أمطار غزيرة وبرق ورعد شديد مما جعلها تقوم بسرعة نحو الطابق العلوي وبالضبط نحو غرفة والدتها... لهفتها في الذهاب بسرعة إلى غرفة أمها جعل السائق يقول بصوت خافت بعد أن غادرته وردة:
- الأكيد فعلا أنك لو لم تكوني طبيبة لكان التصرف نفسه مع والدتك.
ثم دعا ربه من الأعماق بشفاء الأم.
***
تقترب وردة من سرير أمها فوجدتها تسعل ولم تنم بعد ... فتناولها الدواء وراحت تقدمه لها قائلة:
- تفضلي إنه موعد الدواء...
وفجأة دوى صوت الرعد ... فاهتزت يدها ... لتسقط الملعقة قبل أن تصل فم والدتها... فتضطر إلى مساعدة أمها على تغيير الثياب... وفي الأخير تنصرف إلى الحمام... وهي تغسل يديها فإذا بعينيها تستحمان في الدموع فترمي بقطعة الصابون من يدها وتنظر إلى يديها ثم إلى وجهها في المرآة وتنطق وهي تبكي:
- هل يعقل هذا يا رب؟ ... أغتسل وأنظف نفسي وأغير ثيابي كلما اقتربت منها ولمستها... لا... لا... لا يا رب... ...
***
في اليوم الموالي... وفي الصباح... بعد أن تناولت الأم قهوة الصباح... همت وردة لحمل الصينية فأوقفتها الأم لما قالت:
- هل لديك دراسة هذا الصباح...
وقبل أن ترد وردة قالت في صمت «دراسة... أكاد أنسى أنني طالبة» ثم تنطق قائلة:
- ولماذا السؤال ؟
وقالت الأم:
- لا... فقط أردت أن تبقي معي لبعض الوقت ما دام أنك في المساء تصرين على أن أنام مبكرا...
وردت وردة في صمت «لم تعد مواعيد الدراسة مضبوطة معي من يوم حضوري»... بعدها نطقت بصوت مرتفع وهي تجلس بالقرب منها:
- تفضلي فأنا دراستي بعد ظهر هذا اليوم...
وقالت الأم بعد تردد:
- ممكن أسألك سؤالا؟
وقالت الابنة:
- طبعا تفضلي.
لكن الأم وجدت نفسها في موقف حرج فلم تجد ما تقوله حيث شرعت تكلم نفسها «الحقيقة أسئلة كثيرة أريد أن أسألها لك لكن ؟!»... أدركت وردة ذلك التردد والحيرة على وجه ولسان الأم ... فنطقت قائلة:
- إذن أسألك أنا ... إن لم يكن لديك مانع؟
وكأن وردة أنقذت أمها من موقف حرج... حيث نطقت الأم وصوتها تكسوه نبرة السعادة:
- تفضلي يا ابنتي اسألي أي سؤال يخطر ببالك.
ونطقت وردة دون مقدمات:
- كيف انتقل إليك هذا المرض ؟
تصمت الأم وقد فاجأها سؤال ابنتها... وردة بدورها تشعر بأنها أوقعت أمها في موقف حرج فقالت:
- أنا آسفة... إذا كنت أحرجتك بسؤالي... فأنا لم أبغ من خلاله سوى معرفة الحقيقة، فأنا أعرف أن هذا المرض ينتقل إما عن طريق نقل الدم أو...
وتتوقف لحظة لتنظر إلى أمها ثم طأطأت رأسها في إحراج مما جعل الأم تدرك جيدا كلام ابنتها وتشعر بحزن عميق ثم تستجمع كل قواها لترد على ابنتها:
- أكملي وقولي بعلاقات لا شرعية... لا... لا يا ابنتي لست من ترضى لنفسها بالحرام... أنا صحيح ارتبطت في حياتي بأكثر من رجل لكن ذلك قدري وكان على سنة الله ورسوله...
وسكتت للحظات فنطقت وردة بعد أن أدركت غلطتها غير المقصودة:
- أنا آسفة... فأنا كما سبق وأن قلت لك أردت أن أعرف الحقيقة، لأن طرق انتقال هذا المرض معروفة.
ونطقت الأم بصوت يائس وحزين:
- لا بأس... مادام أنك طرحت السؤال ... وتريدين معرفة الحقيقة سأقولها لك... المهم أن تصدقينني...
وبدأت الوالدة تحكي قائلة:
- كان طبيبا... أشرف على علاجي بدءا من الغيبوبة التي دامت شهورا وشللي الذي دام أكثر من سنتين. كان نعم الأخ ونعم الصديق... زرع في قلبي الإيمان والثقة بنفسي بعدما كنت قد كرهت الحياة ... تمنيت الموت على أن أعيش بقية عمري مشلولة أشحت الشفقة والمساعدة... طلبني للزواج وأنا لا أزال مشلولة أتحرك في كرسي العجلات... رفضت ذلك بلباقة رغم تأكدي من حبه لي وصدق مشاعره... ومع ذلك كان يذكرني بالموضوع مرة بعد مرة... لكن الحقيقة أنني لم أعد أفكر في الزواج من زمان وبالضبط من يوم طلاقي من أبيك...
تتوقف للحظة لتدرك نفسها قائلة:
- أقصد من يوم رحيل والدك ... ومن شهر جاءني خبر وفاة الطبيب الصديق بمرض العصر ومن يوم عرفت سبب وفاته... غادرني النوم وبدأت أتذكر أيام إشرافه على علاجي... وبدأت أعراض غريبة تظهر علي كالحمى... فانتابني الشك بأن يكون المرض انتقل إلي... ففكرت أن أعرض نفسي على الطبيب لكن خفت فرحت أقرأ كل ما كتب عن هذا المرض وأعراضه فوجدتها نفس الأعراض التي بدأت تظهر علي فكان من الطبيعي أن أعرف بأنني مصابة بهذا المرض...
وتنطق وردة وهي في كامل اندهاشها:
- تقصدين أنك تأكدت من إصابتك بالمرض عن طريق الشك وما قرأتيه في الكتب والمجلات... وليس عن طريق التحاليل الطبية... هل يعقل أن تكوني مصابة لمجرد الشك ؟