بـآحـث عن مرفأ - الفصل 4 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بـآحـث عن مرفأ
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 4

الفصل 4

كثيرا ما تكون الكتابة عندي رغبة تشعل أصابعي .. تمنعني من التفكير في شيء غيرها وكثيرا ماتكون إحساسا بآخرين يشاركونني وجع البوح..وصديقي هنا التقيت به ذات حزن .. وحدها الأحزان تضرب لنا موعدا للقاء .. كان بيني وبين أنينه تواطؤ ما .. لذا جعلت له شيئا في داخلي يحتوي حزنه ..كنت أحسه الطفل الذي ( ا )ارتدى ثوب الكبار ومارس اللعبة .. قال لي: من أنت ؟ قلت : أخوك . واكتفى بها ..علاقتي به قصيرة كحروفه المترددة الحالمة بفتح بعيد .. لم يكن يكتب نفسه بقدر ما كان يمارس في كتابته خداعها .. ربما لأنه يعرف أن الكتابة اعتراف صامت بجريمة الصدق .. كنت أقيس استعداده للبوح ..فوجدت استعداه للصمود أكبر .. كنت وأنا أكتب له أشاركه ألمه وأحس أنينه داخلي .. فتحت له دفترا خاصا ليَعبرَ من خلاله لي .. أوحيت له أن الورقة والقلم صديقان لا يخونان أبدا فاكتب ما تشاء وقتما تشاء وسأقرأ .. هل تراه فهمني ؟ أم كان وجعه أكبر من قلبي وحرفي ؟ لا أدري غير أنه قابلني بالصمت .. كتب لي ..لم أعد أقوى على الكتابة ,عاجز عن البوح .. وتركته ..في انتظار أن يعود يوما .. ولم يعد .. . ***** مابك ؟ هل تظنين أن الورق ساحة نُركض فيها خيل الحنين ..نطارد بعضنا بعضا ولا نتبين خطاً لنهاية الركض ؟ أم تظنين أنا نختار الكلمات التي سنكتب قصتنا بها؟ ألم تلحظي أني أحب الكتابة باللون الأسود ..لا لأني أراه لونا محايدا بل لأني أراه لون الحداد .. حسنا ..سأحدثك الآن عن شاعر يشبه الكتابة .. فصديقي هنا شاعر ..شاعر بكل ما تحمله الكلمة ..بيد أنه لم يكتب لي ولم أفكر يوما أن أكتب له .. وبرغم ذلك التقينا على بوابة بريدي من باب آخر غير باب الغرباء .. كُلفت من عملي أن أكتب له خطابا مدججا بالرسمية مثقلا بكلمات المجاملة .. لكنه رد علي بخطاب عنونه (إلى إنسان رأيته خلف حرف) .. وكنا على موعد صُنع لنا .. كان يشبه كل الأشياء التي أحببتها ..وكل الشعراء الذين أحببت القراءة لهم .. كل ما يقوله شعرا حتى حروفه العادية تنقلك لعالم تصعب معه الرؤية ويصعب معه النسيان , وراح الشاعر يملئ بريدي بأشيائه وفوضاه .. ويحتل جزءا مهما في ذاكرته .. حضوره طاغ ..ولا يرضى بغيره , وكنت أتعامل معه كما يتعامل الرسام مع لوحة .. فرشاة ناعمة وألوان زاهية وحرص شديد إلا يحدث اختلال ولو كان بسيطا فيخدش اللوحة .. التقينا إذن وكان كلانا بركانا خامدا قابل في لحظة أن يكون دمارا .. هل سمعتِ يوما عن السحر الغامض الذي يحدث جاذبية لا علاقة لها بالجمال؟ , إنما هي جاذبية الخطر التي تشدك لمغامرة لتكتشف عالم شاعر يكتنفه ما يكتفه من غموض ومن ثورة مكبوتة تحتاج لها متنفسا .. شاعر غريب في أرض لا تترجم لغة الشعراء..كثيرا ما يبدأ البوح ثم يكتمه .. قلت له يوما : ما حلمك ؟ قال: مدينة .. قلت : أي المدن ؟ قال: لا جغرافيا لها .. ولا اسم.. كنت أحترم سره .. وكان يحترم صمتي ..لكنه اختفى ذات غفلة .. ربما وجد مدينته , وربما اغتالته رصاصة غباء لا تعرف كيف يتنفس الشعراء .. . . هؤلاء من أسميتهم يوما أصدقائي امرأة وأربعة رجال .. علاقاتنا كانت متداخلة متشابكة.. كأنما كنا على طاولة جلسنا عليها نحن الخمسة .. نخلق قوانين جديدة لعالم نتمناه ..كأنما نعيد صياغة الأحداث ونكتب أنفسنا التي أضعناها على حافة حلم .. جئنا الحياة محملين بالأحلام ..ظننا أننا نجاهد بقلمنا ليعيش الحلم عمرا أطول .. لكننا بقينا حتى شهدنا موت أحلامنا زرافات ووحدانا . وجدتهم جميعا في حين كنت أريد واحدا ..وفقدتهم جميعا لأن المساحة الجميلة داخلي لم تكن تحتمل تناقض الأوفياء ولا تحتمل التيه .. غالبا ما تقودنا الكثرة إلى لا شيء ..خرجت خالي الوفاض منهم .. غير قصة منطرحة في كتاب أعقبت حديثي صمتا .. كانت لا تزال تنظر لي.. تنتظر أن أكمل .. أما أنا فقد شغلتني السماء عن الموجودات حولي.. أسندت رأسي على ظهر الكرسي وسبحت في عالم آخر لا يمكن أن تعرفه .. قالت : هل انتهت الحكاية .. قلت : مازال بريدي مكتظا, لكني بعد هؤلاء أغلقت قلبي .. أثق أن يومًا سيأتي،ننظر فيه إلى الوراء ونقول كم كنا نحب .. وكم كنا نتألم.. انتهت ..