الجزء التاسع: جُدران تصرخ
الجزء التاسع: جُدران تصرخ
"أحيانًا لا يُولد القاتل من رحم الشر... بل من رحم الصمت."
الليل كان خانقًا، والمطر يتساقط كأنه يغسل المدينة من ذنوبها.
لكن بعض الذنوب لا تُغسل... بل تُنقش في الأرواح.
جلس حوجن الطائي في مكتبه، عيناه لا تفارقان صورة عادل المشنوق، وكل شيء بدا وكأنه يعود إلى البداية... إلى ريا أسامة.
يامن مروان، الذي أصبح أقرب لمرافقه من مجرد مساعد، قال بهدوء:
"سيدي، إن كان عادل ضحية جديدة...
فمن التالي؟"
حوجن أغلق ملف القضية، وتمتم:
"ليس من...
بل لماذا؟"
في صباح اليوم التالي، تلقت الشرطة طردًا بلا مرسل.
المحتوى كان خشبيًا، منحوتًا بأشكال غير مفهومة، وحين فُتح...
كان فيه تمثال لرجل بلا رأس، وفي قاعدته نُقشت الجملة:
"الرأس الذي يُدير العيون... يستحق أن يُفقد."
حوجن أصيب برجفة.
هذا لم يكن تهديدًا عشوائيًا...
كان رسالة مباشرة.
أعاد قراءة كل ملفات القتلى منذ ظهور الرسام:
كلهم من رجال السلطة، وكلهم شاركوا في قضية الطفلة ريا أسامة بطريقة أو بأخرى، سواء بإغلاق الأدلة، أو طمس الحقائق، أو الصمت المدفوع.
والأسوأ من ذلك...
جميعهم كان لديهم بصمة واحدة على ملف تلك الطفلة:
توقيع المفتش حوجن الطائي.
أمسك حوجن رأسه بيديه:
"مستحيل... كنت أظن أني أحميها..."
لكن من خارج الغرفة، جاء صوت ناعم:
"كنت تحمي نفسك فقط."
رفع رأسه... لتدخل روان.
الطبيبة الشرعية...
لكنها الآن تخلع الرداء الأبيض، وتقف أمامه كامرأة غاضبة، لا كمهنية.
"كل ما تراه الآن...
هذا الدم، هذه الرسومات...
هي ليست إلا صدى لطفلة تركت لسنوات في الظلام، وأنت كنت تضع سماعات."
حوجن نهض فجأة:
"ما علاقتك بهذا؟"
روان تقدمت منه، وأخرجت صورة قديمة.
كانت الصورة لطفلة تبتسم... لكن خلفها، تقف حنين الممرضة.
"أمي كانت ممرضة المصحة... وريا أسامة كانت أختي."
تجدد الزمن.
روان نظرت إليه بعين دامعة:
"حين دخلت أنت المصحة، ورأيت ريا أول مرة...
كنت تعلم أنها ليست مجنونة...
كنت تعلم!"
حوجن تمتم بصوت شبه ميت:
"أجبرت على توقيع التقرير...
هددوني..."
"كانوا سيغلقون قضيتي بالكامل..."
روان صرخت:
"وكانت هي قضيتك!"
الهواء انقطع.
الكلمات لم تعد تنقذ.
فجأة، سمع صوت صغير، كأن نافذة فتحت في الأعلى.
دخل يامن مسرعًا:
"يا سيدي! وجدت جريمة جديدة...
لكن هذه المرة ليست لضابط!"
حوجن:
"لمن إذا؟"
يامن همس وكأنه لا يصدق:
"حنين... الممرضة.
قتلت في مدخل المصحة، وإلى جانبها لوحة كتب فيها:
'حتى الأجنحة التي حاولت الطيران...لوثها الغبار."
روان انهارت على الأرض.
لكن حوجن وقف ثابتًا.
لأول مرة ليس كمحقق... بل كمن تحجرت مشاعره بلا تردد.
نظر إلى يامن وقال:
"الرسام لا يقتلهم...
بل يعيد ترتيبهم في اللوحة.
ونحن...
نحن الآن في المنتصف."
وفي الليل، وصلت رسالة صوتية إلى هاتف حوجن.
صوت طفل... لكنه مشوه، كان شبحاً هو من يتحدث:
"حوجن... هل تذكر آخر مرة نظرت فيها إلى المرآة؟
لماذا توقفت؟"
الصمت... ثم صوت فرشاة تخدش على الورق، قبل أن يقول:
"أستعد... غداً دورك."