حين عدنا بلا القاب ( ليلة الثلج ) - الفصل التاسع❄️🏔️ - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: حين عدنا بلا القاب ( ليلة الثلج )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع❄️🏔️

الفصل التاسع❄️🏔️

معاذ وقف مذهول، مش مصدق اللي حصل… الدم بقى يتناثر على الثلج الأبيض، كل خطوة تقربه من المشهد كانت بتزيد الصدمة. فجأة… سقط على ركبتيه. قلبه اتقفل، إيده ارتجفت. المفاجأة الأكبر… المرابي هو اللي اتصاب. معاذ ابتلع ريقه بصعوبة، يحاول يتأكد، يحاول يركّز، يحاول يحافظ على هدوءه. لكن دم المرابي كان بيتدفق، يلون الثلج الأبيض الأحمر، الدائرة بتكبر والجو كله ثقل. الجميع ركضوا ناحية معاذ، ظنّينه هو اللي اتصاب، لكن الدم اللي بينتشر على الأرض كشف الحقيقة. إصابة المرابي كانت في بطنه… خطيرة، وخطر الموت قريب. وسط كل ده صوفيا… صوفيا وقفت متجمدة. عيونها كبيرة، يديها مرتجفتين، قلبها يدق بسرعة. الصورة اللي قدامها… دم، دم، دم… وأصوات أنفاس المرابي المتعثرة. التراكب بدأ… مش بس بتشوف المرابي… لا، كأنها بتشوف المريض اللي مات بسبب إهمالها. كل شيء متراكب… كل خطأ ماضي رجع لها في نفس اللحظة. أعراض جسدية ظهرت عليها فوراً: طنين في ودنها، صعوبة في التنفس، وبرودة بتسري في أطرافها. هي مش قادرة… لا جسمياً، لا ذهنياً. معاذ مش قادر ينتظر، قلبه اتحجر من الخوف، عارف إن لازم حد ينقذه… ومفيش وقت. رُفع سلاح من رجالة المرابي، التحضير للثأر بدأ. معاذ رفع إيده بسرعة، وصاح بأعلى صوته " استنى! استنى! احنا هنعالجه! مش هيحصل حاجة!" نظر حوالينه بسرعة، وبحث عن صوفيا وسط الجموع اللي بتقترب. عيناه وقعت عليها… واقفة… متجمدة… مش قادرة تعمل أي حاجة. معاذ بسرعة اخد يردد " هي ! هي دكتورة ! هتساعده! هتساعده تمام!" و ركض ناحيتها، يمسك يدها، يحاول يقنعها " شوفي! شوفي حالته! انتِ دكتورة، انتِ لازم تساعديه…" لكن صوفيا كانت في عالم تاني… الرعب سيطر عليها، الصوت اتقطع… تمتمت بعجز وهي تبص على الدم " مش قادرة! مش قادرة! " الكلام ده خلا معاذ يتوقف، قلبه وقع، بس حاول يلمسها على كتفها، يحاول يهديها انتي مش هتقدري تغمضي عينيكي… لازم تساعدي …ارجوكي ياصوفيا " الهمسات حوالينهم، العيون كلها عليها، الضغط كان لا يُطاق… ومرة واحدة صرخت "أنا مش دكتورة دلوقتي! سيبوني! " معاذ حاول يغطي فمها " صوفيا تماسكي هتبقيي فضحتي نفسك…" رفعت عيونها باكية، الحقيقة ظهرت… دموعها نزلت، وصوتها بيتهز " أنا… أنا قتلت… أنا مش منقذة… أنا… أنا فاشلة…انا اتطردت...مابقيتش دكتورة ..." شعرت بثقل لقب "دكتورة"، كأن العالم كله مستني يصرخ فيها: ابتعدي! إنت مش مؤهلة! رفعت عيونها ناحية والديها… دموعها كانت مالية خدها سألتهم بابتسامة مليانة وجع " انا خيبت املكم مش كده؟" والدها ووالدتها اومؤوا فتحوا فمهم، حاولوا يقولوا حاجة، لكنها بدون أي تردد قطعت عليهم وهربت… ركضت بعيد عن كل اللي حواليها. معاذ كان هيجري وراها، يحاول يمسكها، يثبتها… لكن عمر شده من ذراعه بحزم "مفيش فايدة… مينفعش تجبرها…" معاذ نظر حوله… عارف إن في طبيب تاني موجود، والد عمر كان بيتصل لكن وبكل جدية قال وهو بيسحب ذراعه " صوفيا هي اللي هتعالج المرابي." ما استنى ثانية، قلبه كان بيخبط بسرعة، والثلج بيجري تحت رجليه، والريح بتصفع وشه… انطلق يجري وراها، رغم العاصفة اللي بتقرب، رغم الثلج اللي بيتراكم، رغم البرد اللي بيخنق الصدر… ____ كانت مستخبية ورا صخرة كبيرة، قعدة على حجر متغطي نصه بالثلج، ضامة رجليها لصدرها، وإيديها الاتنين مرفوعين ومغطيين ودانها كأنها بتحاول تمنع العالم كله يدخل جواها. الثلج كان بينزل تقيل، هادي، لكن جوه صدرها كان في عاصفة أعلى بكتير. كانت بتعيط… عياط مكتوم، جسمها كله بيتهز، سنانها بتخبط من البرد ومن الرعب. كل نفس بتاخده كان تقيل، وكل صورة في دماغها كانت بتسحبها لتحت أكتر. قامت فجأة، مش قادرة تفضل في مكانها. مشيت وهي بتعيط، خطواتها مش ثابتة، كأنها بتنسحب من المكان كله، من القرية، من الماضي، من نفسها. انسحاب صامت… كأنه إعلان أخير إن مسيرتها المهنية انتهت، وإن مفيش رجوع. وفي اللحظة دي… كان معاذ بيجري. جريه كان مجنون، رجليه بتغوص في الثلج، نفسه مقطوع، صدره بيطلع وينزل بسرعة. فجأة اتزحلق، كاد يقع، مسك نفسه بالعافية، وقف وهو يلهث. لف حواليه بنظره… وبعدين شافها. أخيرًا. من غير تردد، جري ناحيتها. وقف قدامها فجأة. رفعت راسها بخضة، عيونها حمرا ومنتفخة، وشها متجمد. قال بصوت آمِر، مفيهوش نقاش " قومي. ده واجبك. انتِ طبيبة، ولازم تساعدي." الكلام نزل عليها تقيل. فكرت: ليه مش فاهم؟ ليه مش مستوعب إني ماقدرش؟ إني خلاص؟ قالت وهي بتهز راسها، صوتها مكسور "مش قادرة… مش قادرة يا معاذ… أنا ما بقيتش…" قاطعها وهو بيوجعها من غير ما يقصد، وضرب الوتر الحساس " مش الأطباء بيتحاسبوا قانوني وأخلاقي لو سابوا مصاب ومساعدوش؟" هنا… صوفيا وقفت فجأة. صرخت. صرخة طالعة من قاعها "ده لو كنت لسه طبيبة! إنما أنا… أنا ما بقيتش!" عينه ما نزلتش. قال بثبات وهو بيثبتها " لا. انتِ لسه دكتورة" صرخت أعلى، صوتها اتقطع من كتر الوجع " انت مش فاهم! انت بتطلب من قاتلة تنقذ حياة! الإيدين اللي ماسكهم دول دفنوا إنسان عشان كانوا واثقين زيادة عن اللزوم! عايز المصاب ده يبقى ضحيتي التانية؟! دور على حد غيري… أي حد… إلا أنا!" نفسها اتلخبط، وكملت وهي بتبكي " انت عايزني أقرر؟! أنا مش شايفة حاجة! أنا عمياء من غير الأجهزة اللي اتسلبت مني! آخر مرة قلت “هو بخير”… مات! تضمنلي إن الرصاصة ما قطعتش شريان؟! أنا ما بضمنش نفسي… ما بضمنش عقلي… سيبني!" انهارت. العياط كان بحسرة، وجع قديم متراكم. معاذ بص لها… سكت لحظة. وبعدين فجأة قرب، وحط إيديه الاتنين على وشها، ثبّت وشها بين كفوفه. أنفاسه السخنة كانت بتدفّي وشها المتجمد. ابتسم… ابتسامة بسيطة، غريبة في وسط كل ده، وقال " لو مات، يبقى يستاهل. ده شرير… والاشرار بيموتوا في القصص." هزت راسها بعنف "مش بالبساطة دي…" رد بهدوء، وهو عارف إنها مش بسيطة " عارف. مش بسيطة. عشان لو مات دلوقتي حتى لو شرير أنا هعيش بتأنيب ضمير. ويمكن رجاله يهيجوا علينا ويقتلونا. اهو… مش بسيط، صح؟" وسكت ثانية… وبعدين ابتسم تاني. " بس لو انتِ ساعدتيه… طبيبة أوروبية زيك، ناجحة… ماشي، غلطتي. كلنا بنغلط." صوته بقى أهدى، أصدق " أنا كمان افتكرت إني أقدر أهرب… من الديون، من الحقيقة، من كل حاجة. وما عدّاش يوم ووصلوا. انتِ… لحد إمتى هتهربي؟" قرب أكتر " حتى لو الراجل ده اتعالج، هييجي غيره. واحد تاني هيتصاب. واحد تاني هينزف. حد تاني هيحتاج مساعدة… مش هتساعديهم؟" بصتله بيأس. كانت عارفة… كلامه صح. بس الخوف كان أكبر. قالت بصوت واطي مرتعش " طب ولو في نزيف داخلي وأنا مش شايفاه؟" قال فورًا، من غير تفكير " واثق فيكِ." بلعت ريقها "ولو غلطت في تقدير عمق الرصاصة… زي ما غلطت قبل كده؟" قال تاني، أقوى " واثق فيكِ." مسح دموعها بإيده، بحنية غريبة وسط البرد. وبعدين قال وهو بيحاول يخفف الجو، بنبرة شبه ضحكة " طب ينفع تسرعي تقرري؟ أنا حرفيًا بتجمد." رغم كل شيء… ابتسمت. غصب عنها. تنهدت، وقالت وهي بتحاول تلم نفسها " هو انت سايبلي اختيار أصلًا؟" ابتسامته وسعت. قرب وعانقها بسرعة، حضن شكر أكتر منه أي حاجة تانية. وفي اللحظة دي… كان عمر وصل. كان بيجري، وقف فجأة لما شافهم… واقفين في حضن بعض، وسط الثلج، وسط العاصفة اللي بتقرب. وقف، ما قاطعش. عارف… إن القرار اتاخد. هو اقنعها! _____ رجعوا التلاتة ناحية التجمع. المرابي كان اتنقل جوه البيت، والبيت كله اتقلب. الدكتور كان وصل خلاص. معاذ دخل أول واحد. عمر وراه. وصوفيا… وقفت لحظة عند العتبة. رجليها تقال، نفسها واقف في زورها، كأن الشجاعة لسه ماوصلتش لها. بس أول ما حسّت بنظراتهم… نظرة عمر الثابتة، ونظرة معاذ اللي فيها إصرار أكتر من تشجيع… أخدت نفس عميق، ودخلت. أول ما دخلت، عينيها اتقابلت فورًا مع عيون أمها وأبوها. نظرة واحدة كانت كفاية تعيد كل حاجة. قبل ما تنطق بأي كلمة… أبوها قال بصوت حاسم، مفيهوش عتاب ولا نقاش " ساعدي الراجل… وبعدين نتكلم." الكلمة كانت تقيلة، بس واضحة. كتمت كل اللي جواها، وهزت راسها، وتقدمت. دخلت الغرفة اللي اتحولت شبه غرفة عمليات بدائية. الجو كان خانق. ريحة دم ومطهر رخيص. المحلول الوريدي متعلّق في شماعة خشب، متربط بسلك. لمبة صفرا نازلة من السقف، نورها ضعيف لكنه مركز على السرير. شراشف البيت اتبدلت بفوط بيضا، بعضها متبقع. أدوات بسيطة محطوطة على ترابيزة: مقص، شاش، قفازات، مطهر، وإبر. الدكتور كان راجل كبير، في أواخر الخمسينات، شعره أبيض، صوته هادي بس حازم. رفع عينه وبصلها، وقال "انتي مين يابنتي؟" السؤال نزل عليها زي حجر. سؤال بسيط… بس لأول مرة في حياتها، ماعرفتش تجاوب فورًا. سكتت ثانية. ثانيتين بس، لكن كانوا تقال. الدكتور استدار شوية وقال " لو مفيش دور ليكِ، اتفضلي برا لو سمحتي أنا هبدأ." كانت واقفة عند الباب. رجليها مسمّرة. وفجأة… حسّت بإيدين من وراها. معاذ بص لعمر نظرة سريعة. ولا كلمة. براحتي… الاتنين زقّوها لقدّام، خطوة، خطوتين، وبعدين الباب اتقفل وراها. لفّت بسرعة. الباب مقفول. بصتله بصدمة… بس شافت في وشه إصرار. هو فعلًا… ما بيستسلمش. ابتلعت ريقها. لفّت تاني للدكتور، وقالت بصوت واطي بس ثابت " أنا… أنا طبيبة. دكتورة صوفيا." والكلمة طلعت… تقيلة. بس طلعت. تقدمت خطوة. إيديها كانت بترتعش وهي بتلبس القفازات. حست بنظرات الدكتور عليها، تقييم، حذر، شك. قبل ما هو يفتح بقه ويدي أي تعليمات… هي سبقت. قالت بسرعة، وكأنها بتتمسك بالعلم عشان ما تقعش "الإصابة في البطن، مدخل الرصاصة واضح، مفيش مخرج. الضغط كان منخفض عند الوصول، بس استجاب للمحلول. لازم نثبت الحالة الأول، نوقف أي نزيف خارجي، ونقيّم لو في علامات نزيف داخلي. ممنوع نحركه بعنف. لو النزيف مستمر، نحتاج تدخل محدود، تنظيف، ومحاولة سيطرة موضعية… من غير تعقيد." الدكتور بصلها. ثانية. وبعدين هز راسه. " تمام… كمّلي." إيديها كانت لسه بترتعش… بس عقلها اشتغل. برا الغرفة… كان معاذ واقف مستند على الحيطة، إيده متقبضة، ووشه جامد. عمر واقف جنبه، عينيه رايحة جاية ناحية الباب. برا كمان، رجالة المرابي كانوا متجمعين، واقفين حوالي البيت، سكات، بس جاهزين… كأنهم مستنيين لحظة موت رئيسهم عشان يولّعوا الدنيا. عمر قال بصوت واطي " هو احنا كده مش بنضغط عليها زيادة؟" معاذ ما لفّش ناحيته فورًا. فضل باصص للباب، وقال بهدوء غريب "الضغط ده موجود جوهها من زمان. احنا بس خلّيناها تواجهه بدل ما يفضل ياكلها." عمر بصلّه. نظرة طويلة. تفكير. معاذ لفّ له، وابتسم ابتسامة صغيرة، واثقة " وأنا واثق… إنها هتطلع أقوى." ____ جوه الغرفة… الوقت كان واقف، أو يمكن بيعدي ببطء تقيل.المرابي ممدد، وشه شاحب، أنفاسه متقطعة.الدم اتنضف على قد ما يقدروا، والجسم اتغطى إلا مكان الإصابة.صوفيا واقفة قدام الجرح. إيديها لسه بترتعش… بس مش زي الأول. الدكتور قال بهدوء " ابدئي." أخدت نفس عميق.الهواء دخل صدرها وحرق.بس ما رجعتش لورا.بدأت تنظف الجرح، واحدة واحدة. الشاش… المطهر… حركاتها بقت أهدى، أبطأ، محسوبة. قالت وهي مركزة " الرصاصة مستقرة… قريبة من السطح نسبيًا… مفيش تمزق واضح لشريان كبير." الدكتور قرب أكتر. " تمام… خدي وقتك." دخلت الأداة بحذر.إيديها وقفت لحظة. ذكرى… صورة… صوت.غمضت عينيها نص غمضة، وبعدين فتحتهُم. لا. دلوقتي. شدّت. بهدوء. بتركيز. والرصاصة… طلعت.صغيرة.قبيحة. معدن بارد كان ممكن ينهي حياة. حطتها في صينية معدنية. الصوت الصغير اللي عملته وهو بتقع كان أعلى من أي صريخ. أنفاسها خرجت دفعة واحدة. " تمام… النزيف تحت السيطرة." الدكتور هز راسه. " شغل كويس." بدأوا الخياطة. غرزة… غرزة. إيدها كانت بترتعش شوية، بس كل غرزة كانت أدق من اللي قبلها. مع آخر غرزة… شدّت الخيط. وقفت. بصت للجرح. مقفول. نضيف. ساكن. الدكتور خلع القفاز وقال " خلاص. الحالة مستقرة. الراجل هيعيش." الكلمة خرجت… ونزلت على البيت كله زي المطر بعد حريق. الدكتور خرج الأول. الناس قربت عليه فورًا. " الرصاصة اتشالت. مفيش خطر دلوقتي." ارتياح… همهمات… أنفاس اتسحبت بعد حبس. وبعدين… خرجت صوفيا.وشها شاحب.شعرها ملزق على جبينها من العرق.إيديها بتترعش لسه. لكن… كانت مبتسمة. معاذ وعمر ما سمعوش صوت حد.أنظارهم راحت لها هي وبس.قالت بصوت مبحوح، بس فيه حاجة بتلمع " نجحت… عملتها." معاذ ابتسم ابتسامة واسعة، من القلب، ابتسامة حد كان مستني اللحظة دي.عمر ابتسم ابتسامة خفيفة، هادية، بس صادقة. معاذ رفع إيده فجأة " خمسة!" بصتله ثانية… وبعدين رفعت إيدها وضربت إيده. طَق. وعمر، من غير ما يتكلم، رفع إيده هو كمان.وضربوا خمسة. لحظة بسيطة.بس كانت إعلان.مش بس إنقاذ حياة… لكن رجوع حاجة كانت ضايعة.