الفصل الثامن 🏔️❄️
كان واقف فاتح الباب، باصص لهم بدهشة حقيقية…
دهشة واحد مش متعود حد يقف قدام بابه مخصوص عشانه. يمكن عشان ماكانش متوقعهم.
يمكن عشان الزيارات بقت كتير فجأة.
ويمكن… وده الأصدق
عشان عمر ما كانش عنده ناس بتيجي له البيت علشانه هو.
معاذ كان واقف قدامه،رافع صندوق الكعك كأنه بيقدمه رسميًا،ابتسامة واسعة على وشه، وورا منه شوية كانت صوفيا واقفة،هادية، بابتسامة مهذبة، عينيها ثابتة.
" هو إيه؟"
قالها معاذ بنبرة خفيفة " مش هتدخلنا؟"
عمر اتحرك خطوة لورا بسرعة
" اتفضلوا… طبعًا."
دخلوا،
والابتسامة لسه معلقة على وشوشهم.
بس عمر اتفاجئ فجأة لما لقى معاذ واقف وراه في الصالة "نحط الكعك فين؟"
ارتبك.
مد إيده بسرعة
" هات… هاته أنا.أخد الصندوق "
ودخل المطبخ شبه هارب،حطه على الرخامة، طلع وهو بياخد نفس قصير.
رجع لقاهم لسه واقفين.
" اقعدوا…"
قالها وهو بيشاور على الكنبة
" ماما وبابا مش موجودين دلوقتي."
معاذ هز راسه
" مافيش مشكلة."
وبص له مباشرة
" أنا أصلًا جيت علشانك إنت."
الكلمة وقعت تقيلة.
عمر بلع ريقه.
ارتباكه زاد لما شاف صوفيا بتأكد الكلام بنظرة صغيرة.
معاذ فضل واقف. قرب خطوة. وعمر لا إرادي رجّع راسه شوية لورا.
" أنا جاي أشكرك."
قالها معاذ بصوت واضح
" بجد… أشكرك."
سكت لحظة، وبعدين كمل
" إنت عملت حاجة كبيرة أوي. مش فلوس بس… إنت وقفت جنبي، وإنت أصلًا ما تعرفنيش."
عمر حاول يرد، بس ماعرفش يقول إيه.
معاذ ابتسم ابتسامة أهدى
"عارف؟مش أي حد يعمل كده. إنت…"
تردد ثانية
صديق وفي فعلاً.
الكلمة دخلت دماغ عمر وفضلت تلف.
صديق؟
يعني إيه صديق؟
هو كده؟
هو إنك تساعد؟
طب ما أي حد ممكن يساعد…
يبقى كل اللي بيساعدنا أصدقاء؟
الأسئلة زحمت دماغه،
بس ما قدرش ينطق ولا واحدة.
وفي اللحظة دي…
الدفة اتحولت.
عمر خد نفس
" بس… الشكر مش ليا لوحدي."
لف ناحية صوفيا.
" اللي المفروض يتشكر بجد…"
قالها بصراحة
" هي الآنسة صفاء."
صوفيا فتحت عينيها بدهشة
" إيه؟ لا.."
" هي اللي جاتلي."
قالها عمر وهو باصص لها
" هي اللي طلبت مني أساعد. من غير ما تطلب حاجة لنفسها."
معاذ لف ناحيتها بسرعة.
صوفيا اتلخبطت. وشها احمر سنة.بصت للأرض،
وبعدين رفعت عينيها. معاذ ابتسم. ابتسامة هادية، صافية.
عينيه مليانة امتنان.
" صوفي…
قال اسمها بخفة
" شكرًا."
كلمة واحدة.
بس كانت شايلة كل اللي ما يتقالش.
سكتوا لحظة.
دفا غريب مالي المكان.
وبعدين معاذ ضحك وقال
"خلاص بقى. من اللحظة دي… إحنا أصحاب."
مد إيده ناحية عمر
" وأنا موجود في أي وقت تحتاجوني فيه."
عمر بص لإيده.
مسكها.
مد ايده الثانية لصوفيا اللي قامت ، بصتله وبعدين مسكتها
يمكن ما كانش فاهم كل حاجة.
يمكن هم نفسهم ما كانواش عارفين.
بس اللي حصل…
كان أكتر من مساعدة.
كان إحياء لطفولة ما كملتش.
طفولة بدأت على عربية العم نقال،
وهم رايحين المدرسة،
واتقطعت.
وها هي…
بتبدأ من جديد
_____
عدّت ساعات عليهم وهم قاعدين، الكلام ما بيخلصش…
أغلبه طالع من معاذ.
كان بيتكلم كأنه يعرفهم من سنين، روحه خفيفة أوي، يضحك، يعلّق تعليقات تهكمية تخليك تبتسم غصب عنك.
صوفيا كانت باصة له بنظرة جانبية، نص ابتسامة، ونص تفكير:
هو خفيف دم؟ ولا ثرثار زيادة عن اللزوم؟
وعمر؟ ساكت أغلب الوقت، بيسمع، يراقب، وكأنه لسه بيتعود على وجودهم في بيته.
الوقت جرى من غير ما يحسّوا.
وفي الآخر، قاموا يجهزوا عشان يمشوا.
الساعة كانت حوالي أربعة العصر.
معاذ كان عند الباب، قاعد يلبس حذاؤه، وصوفيا واقفة جنبه، وعمر وراهم بخطوة.
وفجأة…
صوت جاي من برا.
صوت أبو عمر.
كان داخل البيت وهو بيتكلم في الموبايل بعصبية، صوته عالي شوية، نبرته مش مطمّنة أبداً.
كلمات متقطعة، نفس متسارع، وكأن الدنيا قافلة في وشه.
أول ما رفع عينه…
اتصدم.
وقف فجأة، وبص قدامه.
معاذ عند الباب، حذاؤه في إيده ولسه ما لبسوش.
صوفيا واقفة جنبه.
وعمر ابنه واقف وراهم.
قفل الموبايل بسرعة.
واضح إنه ما كانش متوقع وجودهم…
وجود معاذ تحديداً.
سكتت اللحظة.
الكل بيبصله بنظرة واحدة
"في إيه؟"
أبو عمر بلع ريقه، خد نفس تقيل، وقال بصوت حاول يخليه ثابت
" الرجل اللي بعتناه المدينة… مش هيعرف يرجع بدري."
الهواء نفسه تقّل.
كمّل وهو يهز راسه بتوتر
" الطريق اتقفلت… الثلج مسك الدنيا، وفيه عاصفة جاية الليلة. الراجل علّق هناك، ومش ضامن يوصل غير بكرة الصبح."
معاذ اتجمّد مكانه.
الحذاء وقع من إيده على الأرض…
ولا حتى حس بيه.
" بكرة؟"
قالها بصوت واطي، كأنه مش مستوعب.
عمر بص لصوفيا، وصوفيا بصت له.
نظرة قصيرة، مليانة قلق وأسئلة من غير كلام.
أبو عمر حاول يلمّ الموقف
" يعني… ممكن نلاقي حل. إيه رأيك يا معاذ؟ تكلم الرجالة، تقولهم الظروف، تطلب منهم مهلة يوم بس؟ الطريق مقفول، والراجل مش بإيده."
معاذ رفع عينه ببطء.
ضحكة قصيرة خرجت منه… بس ما كانش فيها أي حاجة مضحكة.
" أكلمهم؟ دول ما بيسمعوش يا عمّي. هيقولوا إني بلفّ وأدور. هما كانوا واضحين… الليلة آخر مهلة."
سكت لحظة، وبعدين كمّل بصوت أوطى
" ولو افتكروا إني بكدب؟ ممكن يدمّروا القرية كلها."
أبو عمر بان عليه الحيرة.إيده مسح بيها على جبينه، وقال
" بس الطرق… يعني ممكن تفتح، وممكن الراجل يوصل الليلة، وممكن…"
صوته خف، لأنه هو نفسه مش واثق.
صوفيا كانت ساكتة طول الوقت.
بس فجأة تقدّمت خطوة، واتكلمت بهدوء واضح
" بلاش نقول أي حاجة دلوقتي."
الكل بص لها.
كمّلت وهي تبص لأبو عمر
" نستنى. لو الراجل وصل الليلة يبقى خير. لو ما وصلش… ساعتها نفكر في حل تاني. بس دلوقتي، أي كلام ممكن يبوّظ الدنيا أكتر."
سكتوا كلهم.
برا، الهوا كان بدأ يعلى.
وإحساس تقيل دخل القلوب…
إحساس إن اللي جاي أصعب،
وإن الوقت… مش في صفهم.
_____
الوقت كان بيعدّي…
ساعة ورا ساعة، وكل دقيقة تقيلة أكتر من اللي قبلها.
السماء غمقت واحدة واحدة، والسواد لفّ القرية، ومعاه لفّ القلوب.
الموعد كان بيقرب، والتوتر كان بيزيد، ملموس في الهوا، في السكوت، في الأنفاس المحبوسة.
التلات عائلات كانوا متجمعين في بيت عيلة معاذ.
الخبر وصل إن الراجل ممكن يتأخر أكتر من كده، ويمكن ما يوصلش خالص الليلة.
والد معاذ ما سابش حاجة للصدفة.
بعت اتنين من الجيران يقفوا عند بوابة القرية،
قالهم
" أول ما تشوفوا حد جاي من برّه… كلموني فوراً."
لكن كل مرة التليفون يرن…
الإجابة كانت واحدة:
" مفيش حد دخل القرية."
الرياح بدأت تعوي. الهوا لسع، والبرد دخل العضم.
والثلج…
كان بيعلن عن نفسه، حبات صغيرة في الأول، وبعدين أكتر، وكأن العاصفة بتقرّب وتقول: أنا جاية.
لما الساعة قربت على عشرة،
معاذ كان واقف مستند على الحيطة، ساكت بقاله كتير.
عينيه مش ثابتة، فكره شغال بسرعة.
وفجأة…
استقام في وقفته.
في اللحظة دي، عرف.
لو هيحمّي الناس دي، لو هيحمي أهله، القرية، الكل…
يبقى لازم يطلع دلوقتي.
لوحده.
ويواجه المرابين بنفسه.
قبل ما هما يقرروا يتحركوا وييجوا هم.
أول ما اتحرك،كل العيون راحت عليه.
"معاذ!"
أمه صرخت باسمه فوراً، صوتها ارتعش.
أبوه وقف، كأنه حاسس باللي جاي.
معاذ حاول يبتسم.
ابتسامة خفيفة، متكلفة، كأنه بيهديهم.
"ما تقلقوش… أنا بس هطلع أتكلم معاهم.هنتحاور، أطلب مهلة. يوم واحد بس… يعني مش هيبقوا بالبخل ده."
قالها وهو بيحاول يقنع نفسه قبل ما يقنعهم.
لكن صوفيا، وهي قاعدة بتبص من الشباك على الهوا اللي بيهيج، فكرت
هو الموضوع فعلاً بالبساطة دي؟
أبوه هز راسه بقوة
" لا. أنا اللي هطلع أكلمهم."
معاذ لف له بسرعة
" لا يا بابا. أنا السبب… وأنا اللي أطلع. هما عايزيني انا"
صوتهم علي شوية،شد وجذب،خوف وكرامة.
وفي الآخر…
معاذ لبس معطفه. الباب اتفتح،والبرد دخل مرة واحدة،
كأنه صفعة.أبوه خرج وراه،شايل الفانوس، نوره أصفر ضعيف، بس عنيد، بيشق الظلمة.
وما كانوش لوحدهم.
والد صوفيا لبس معطفه هو كمان.
ووالد عمر خرج، قبل ما يقفل الباب قال بصوت حاسم
" محدش يتحرك من مكانه."
لكن…
مين يقدر يقعد؟
صوفيا أول واحدة شدّت الجاكيت وقفلت السوستة.
خرجت من غير ما تتكلم.
وعمر، من غير تفكير،طلع وراها فوراً.
برا…
الدنيا كانت غير.الثلج بدأ يغطي الأرض،أبيض ساكت، بس تقيل.الريح بتهب بقوة،تدخل في الهدوم، في النفس، في الخوف. نص الطريق كان باين…
نصه التاني تايه في السواد.
وفجأة…
بانوا.
ظلال سودا بتتحرك.
تقيلة.
ثابتة.
المرابين.
كانوا بيتقدموا ناحية معاذ.خطواتهم بطيئة، بس واثقة.كل خطوة تقرّب أكتر. معاذ وقف. أبوه وراه بخطوة، رافع الفانوس، نوره بيرتعش مع هبوب الريح.
الهوا عوى أقوى.
الثلج لفّ حواليهم.
واللحظة…
اتشدّت.
لحظة مواجهة.
لحظة ما قبل العاصفة.
____
الرجل المرابي وقف قدّام معاذ، بصّ له من فوق لتحت.
عينيه نزلت على إيديه… فاضية.
مفيش شنطة.
مفيش كيس.
مفيش ولا ورقة.
" الفلوس فين؟"
قالها بهدوء يخوّف أكتر من الزعيق.
معاذ كان واقف إيديه عريانة،صابعه مزرّق من البرد،الدم شبه واقف فيها.
بلع ريقه. وأخد نفس عميق…
الهوا الساقع دخل صدره، ولسع.ولما اتكلم، أنفاسه السخنة طلعت قدّامه بخار.
" الفلوس…"
صوته طلع مبحوح.
" الفلوس جاية."
المرابي رفع حاجبه بسخرية.
معاذ كمّل، بسرعة، كأنه خايف الكلمة تقع قبل ما تكمل
"الراجل اللي راح يجيبها من المدينة اتعطّل. الطرق اتقفلت.
التلج…"
وأشار حواليه.
" إنت شايف الدنيا عاملة إزاي."
سكت ثانية، وبعدين قال
" بس أنا بوعدك. بكرة… بكرة الفلوس تكون قدّامك."
صمت.
المرابي ما ردش.بص وراه لرجالته.وشوشهم سودا، زي هدومهم،واقفين ثابتين، كأنهم جزء من الضلمة.
وبعدين رجّع عينيه لمعاذ، وابتسم ابتسامة جانبية، مليانة استهزاء.
" يعني إنت جاي تقولّي الكلام ده بعد يومين؟ بعد ما قعدتنا في التلج والبرد ده؟"
قرب خطوة.
" طب ما كنت من الأول تقول إنك معكش فلوس. كنّا خلصنا عليك، ومسحناك، ومشينا."
صوت الريح علا.الفانوس في إيد أبو معاذ اهتز.
معاذ هز راسه بسرعة
" لا… مكانش ينفع. أنا كنت مستني. كنت فاكرها هتوصل."
صوته بقى أضعف
" والله ما كنت ناوي أضحك عليك."
المرابي فرد ضهره، وقال ببرود قاتل
" طيب."
الكلمة نزلت تقيلة.
" لك بكرة."
معاذ عينيه لمعت أمل، ولسه هيتكلم…
لكن الرجل لفّ راسه ناحية رجاله، ورفع إيده إشارة بسيطة.
"اهدوا البيت."
اللحظة اتجمدت.
" إيه؟!"
صرخة طلعت من معاذ.
" لا، استنى! أنا وعدتك! بكرة هدفع!"
لكن الرجال اتحركوا.
فؤوس.
عصي.
حديد.
أول ضربة نزلت على باب البيت.
خشب اتكسر.صوت فرقع في الليل.رجالة القرية اندفعوا.
عصي قديمة، فؤوس صدية.كبار في السن، ضهرهم محني،
بس قلوبهم واقفة.
اشتباك.
صراخ.
ضرب في ضرب.
عمر دخل فجأة،وشه متغضب،رفع عصاية ودخل فيهم.
ضربة جت على جبينه،الدم نزل فوراً.
"عمر!"
صوت صوفيا شق الهوا.
الستات خرجوا من البيوت.
صراخ.
بكا.
حد بيشد حد.البيت بيتكسر.شبابيك بتتهشم.حجارة بتقع.
معاذ كان بيجري بين الناس
" بس! استنوا! ده بيتي!"
وفجأة…
صوت معدن.
المرابي طلع مسدسه، ورفعه في وش معاذ.
" كلكم تقفوا. ولا أفرغ السلاح ده فيهم "
معاذ قرب خطوة، ومد إيده على المسدس، عينه في عين الراجل.
" سيبه. اضربني أنا. بس مش البيت. ده كل اللي عندنا."
المرابي زقّه بعنف بس معاذ كان يقاوم ويحاول يشيل منه السلاح
" إنت نكثت بالعهد."
صراخ.
حد وقع.
خشب بيتهد.
وفجأة…
طاخ.
صوت الرصاصة دوّى.قاطع كل حاجة.الضرب وقف.
الكل اتجمّد.صوفيا كانت ماسكة باب بيت بيتكسر…
إيدها وقفت في الهوا.عمر مسك جبينه، الدم بين صوابعه.بسمة اللي كانت بتزعق وتشور بالعصا
الكل رفع راسه.
الهواء وقف.
والسؤال واحد في العيون كلها:
مين اتصاب؟