حين عدنا بلا القاب ( ليلة الثلج ) - الفصل السادس🏔️❄️ - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: حين عدنا بلا القاب ( ليلة الثلج )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس🏔️❄️

الفصل السادس🏔️❄️

في صباح اليوم الموالي… كان معاذ نايم نوم تقيل على الكنبة في الصالة، جسمه ممدود زيادة عن اللزوم، رجله متدلية من الطرف، وكأنه لو اتحرك حركة صغيرة هيقع على الأرض. نَفَسه عالي ومنتظم، نَفَس واحد نايم من غير ولا هم… أو يمكن من كتر الهم تعب ونام غصب عنه. سميرة، أمه، كانت واقفة قدامه، سايبة إيدها على صدرها، وبتبص له نظرة طويلة. هو لامبال فعلاً؟ امبارح كانوا حاطين مسدس على راسه… والنهارده نايم ومرتاح؟ قربت خطوة. ما نادتش باسمه. مدّت إيدها فجأة وشدّت الغطا بعنف. "معاذ!" ما اتحركش. فنزلت إيدها التانية، وزقّته زقّة قوية. "اصحى يا بني!" تمتم بكلام مش مفهوم، ولف وشه للناحية التانية. سميرة انفجرت. شدّت الغطا كله مرة واحدة، ومع الحركة، اتزحلق معاذ من على الكنبة… ووقع على الأرض وهو لسه ملفوف في الغطا زي الشرنقة. "ياااه!" صرخة مخضوضة طلعت منه وهو بيحاول يفهم هو فين. فتح عينه بالعافية، ولما بص لفوق، شافها واقفة، إيديها على خصرها، وشها متكشر، وبتبوصلُه بنظرة ما بتصدقش اللي قدامها. "إنت بتهزر؟!" قالتها وهي بتكتم غضبها بالعافية. "ده درس الصبح يا أمي ولا إيه؟" رد وهو بيفرك عينه، مش مصدق. بصّ على الساعة اللي على الحيطة. لسه ما جتش تمانية. "الساعة لسه تمانية!" قالها باحتجاج. سميرة قربت أكتر. "المصيبة مصيبتك يا معاذ… وإحنا اللي بنولّع!" قعد على الأرض، لسه ملفوف في الغطا، ومدّ إيده يعدّل خصلات شعرها اللي وقعت على وشها. "يا أمي… ما فيش داعي لكل ده." شالت إيده بسرعة. "مفيش داعي؟!" صوتها علي شوية. "طب قولي… هتعمل إيه؟!" سكت لحظة. نظره وقع في الفراغ. وبصراحة قال "مش عارف." كمل بصوت أوطى "بس قدامي يومين… يعني أكيد هلاقي حل." سميرة اتشدّت. نبرة صوتها اتغيرت. "حل؟" وبعدين قالت الجملة اللي وقعت عليه تقيل "الرجالة دول… ما مشيوش. رفع حاجبه فجأة. "إزاي يعني؟" "زي ما سمعت." قالتها وهي بتضغط على كل كلمة. "بيلفّوا في القرية. واقفِين هنا، شوية هناك. كأنهم مستنيين الساعات تعدّي." حصار. الكلمة ضربت دماغه من غير ما تتقال. تنهد معاذ تنهيدة طويلة، شد الغطا أكتر حواليه، وحاول يبان ثابت. "ما تقلقيش… هلاقي حل وأخلّصهم و يمشوا." سميرة بصّت له نظرة مرة. نظرة أم مش مصدقة ابنها، ومش مصدقة نفسها. "إزاي بقينا كده يا معاذ…" قالتها بصوت مكسور. "مرابين بيلفّوا حوالين بيتي…" هزّت راسها، وكملت "حاجة ما حصلتش في عمرنا." لفّت وراحت نحية المطبخ، وهو فضل مكانه. قاعد على الأرض.مغطّى بالغطا. ساكت. فكّر. لفّ ودور. ما فيش حل. ولا طريق. غير واحد بس… الحل اللي دايمًا كان بيهرب له. قرض جديد. _____ كان قاعد على الترابيزة الخشب، قدّامه موبايل بسمة، مفتوح على السماعة، والإيد التانية ماسكة رغيف العيش بيدهنه بالعسل ببطء… بطء واحد دماغه في حتة تانية خالص. الفطار قدّامه كامل: كوباية شاي بتطلع بخار، جبنة، زبدة، والعسل اللي سايح على العيش. بس هو لا طعم ولا ريحة. سميرة كانت في المطبخ، صوت المية وهي بتخبط في الحلة، بتغسل وبتجلي، وبتحاول تبان طبيعية. أبوه كان نازل من بدري، ولا كلمة. ولا نظرة. رنّ الخط. حط العيش على الطبق بسرعة، وعدل في قعدته. "أيوه… صباح الخير." صوته حاول يخليه ثابت. عملي. صوت واحد فاهم هو بيعمل إيه. ثواني… وبعدين الرد جه ناشف. "لا." بلع ريقه. "إزاي يعني لا؟ أنا محتاج مبلغ بسيط بس، مؤقت." الصوت من الناحية التانية كان بارد. "إحنا آسفين يا أستاذ معاذ.حضرتك مش شغال حاليًا، وعليك متأخرات،ومسددتش القرض اللي فات." شد إيده على الموبايل. "طب نقدر نعمل جدولة؟ أي حل؟" ضحكة خفيفة، سخيفة،ضحكة موظف حافظ الجملة. "للأسف لأ. وبالمناسبة… مطلوب منك التسديد فورًا." وشّه شد.قلبه دق أسرع. "آه… تمام." وقفل الخط فجأة.ضغط على زرار الإنهاء كأنه بيخاف الصوت يطلع من الموبايل ويقف قدامه. بس ما لحقش. رن تاني فورًا.رقم تاني. ثم تالت. بص للشاشة… وعرف. "لا… لا…" همس وهو يقفل المكالمة من غير ما يرد. رن. قفل. رن. قفل. سميرة ظهرت عند باب المطبخ. ما قالتش حاجة. بس بصّتله. نظرة أم شايفة ابنها بيغرق قدامها ومش عارفة تمد إيدها. بسمة كانت قاعدة على الكنبة، حاسّة بالجو،مشدودة، وبتراقب الموبايل اللي في إيده كأنه قنبلة. رن تاني. معاذ قفل الموبايل وحطه مقلوب على الترابيزة. دفعة واحدة. سحب نفس طويل. وبص في الطبق قدّامه. العسل سايح. العيش برد. ولا لقمة دخلت بُقه. كان بيهرب. منهم… ومن نظرات أمه، ومن عيون أخته، ومن الحقيقة اللي بقت واضحة أكتر من أي وقت: هو لوحده. ومحاصر. ______ خرجت صوفيا تمشي في شوارع القرية، لوحدها، لابسة جاكيت تقيل، حاطة إيديها في جيوبها، والهوا البارد بيخبط في وشّها. القرية في الصبح كانت هادية زيادة عن اللزوم. هدوء مش مريح… النوع اللي تحس فيه إن في حاجة مستخبية تحت السطح. البيوت الخشب واقفة ساكتة، الدخان طالع من المداخن، وأصوات بعيدة لحيوانات، وحفيف الثلج تحت رجليها. وفجأة… شافَتهم. واقفين عند ناصية الطريق. نفس الرجالة. نفس الهدوم السودة. نفس الوقفة اللي ما فيهاش حياة. المرابين. وقفوا كأنهم جزء من المكان،بس عيونهم كانت صاحيّة أكتر من اللازم.وأول ما عدّت صوفيا من قدّامهم… نظراتهم اتحولت ناحيتها.واحد فيهم رفع عينه ببطء.التاني ثبّت نظره فيها.كأنهم فاكرينها.كأنهم بيربطوا الخيوط. قلبها دق.بس وشّها ما خانهاش. شدّت كتافها،رفعت دقنها شوية،وكملت مشي ولا كأنها شايفة حد. بس جواها الفكرة كانت واضحة ومخيفة: معاذ مش بس مديون… معاذ متراقَب. الرجالة دول مش مستنيين فلوس وبس.دول محاصرينه. محاصرين القرية كلها عشانه. عدّت من الشارعوهي حاسة بنظراتهم لسه في ضهرها. ولما بعدت شوية،وقفت،وأخدت نفس طويل. "يا رب…" همست من غير صوت. في نفس الوقت تقريبًا، كان والد معاذ ماشي في اتجاه تاني من القرية. راجل ضهره محني شوية، بس خطوته ثابتة.رايح لأصحاب العربيات. للتجّار. للناس اللي ممكن تشتري. عربيات النقل… اللي عاش عمره كله بيجمع فيها. اللي كانت مصدر رزقه، واسمه، وكرامته. كان عارف إن بيعهم يعني إنه يبدأ من الصفر. بس برضه مش هيقف يتفرج على ابنه وهو بيتاخد ولا بيتقتل. دخل أول ساحة، وسأل. اتكلم. سمع ردود مترددة. "الوقت صعب." "المبلغ كبير." "لازم نفكر." وهو كان فاهم. بس ماكانش عنده رفاهية الانتظار. ومع أول حد لمح العربيات وسأل ليه بتتباع، الكلام خرج. وانتشر. زي النار في الهشيم. "المرابين جم عشان معاذ." "ابن فلان مديون." "رجالة سودة في القرية." الناس بدأت تهمس.تسترق السمع. تبص من الشبابيك. القرية كلها عرفت. وصوفيا، وهي ماشية راجعة البيت، كانت حاسة بثقل في صدرها أكتر من البرد. معاذ مش في ورطة عادية. دي ورطة بتاكل في أهله، وفي سمعتهم، وفي القرية كلها. ولأول مرة فكرت بجد: هو هيطلع منها إزاي؟ ______ كانت صوفيا قاعدة على سفرة الغدا مع والديها. طبقها قدّامها… الأكل سخن وريحتُه حلوة ... كانت ساكتة، بتاكل على مهَل، وعينيها بتنزل على الطبق وتطلع تاني، ودانها مركزة مع الكلام اللي بيدور. والدها كان قاعد قصادها، بيشرب شوية شربة، وبعدها تنهد وقال بصوت تقيل "والد معاذ من الصبح وهو بيلف… بيدوّر على مشتري للعربيات." رفع عينه لحظة وبص قدّامه، كأنه شايف المشهد بعنيه. "بس الموضوع مش سهل خالص. إحنا قرية، يا عائشة…مين هنا يقدر يدفع مبلغ زي ده؟ولا حتى نصه." عائشة هزّت راسها بحزن، وحطت الملعقة على جنب. "ربنا يعينه…سميرة غلبانة، والواد معاذ مهما عمل… لسه شاب.غلط، آه،بس ما يستاهلش اللي بيحصله." صوفيا كانت سامعة كل كلمة. مش بتتكلم، بس صدرها كان بيتقل مع كل جملة.عائشة فجأة رفعت صوتها شوية، سؤال طلع منها بعفوية وخوف "طب لو… لو ما لاقاش مشتري؟ساعتها إيه اللي ممكن يحصل؟" الصمت نزل على السفرة. والد صوفيا وقف شوية عند السؤال. مسك الكوباية، لفّها بين إيديه، وبعدين قال بصراحة موجعة "ماعرفش. والله ماعرفش." الكلمة نزلت تقيلة. المستقبل… المصير... كله بقى علامة استفهام كبيرة. صوفيا حست بمعدتها تتقبض. سابَت الشوكة، وسندت ضهرها على الكرسي. يعني معقول… معقول مفيش حل؟ الفكرة قفزت في دماغها فجأة. إيعقل إنه مفيش حد مقتدر هنا؟ رفعت عينيها وقالت بصوت هادي، بس واضح فيه التفكير "هو… هو مفيش حد غني قوي في القرية؟ حد يقدر يساعد؟" والدها بصّ لها، وعائشة سبقت وردّت "كلنا عارفين إن والد عمر من أغنى الناس هنا… بس حتى هو…" سكتت لحظة، وكملت "المبلغ ده كبير اوي يا بنتي." والدها أضاف بهدوء "وحتى لو معاه، مش سهل حد يسلّف مبلغ زي ده. دي مش مسألة خير وبس… دي تضحية" صوفيا سكتت. بصّت قدّامها، والفكرة فضلت معلّقة في دماغها: عمر… بيته… فلوسهم… بس حتى الأمل ده كان مهزوز. رجعت تبص في طبقها، والأكل برد، وهي حاسة إن الدنيا كلها بردت فجأة. _____ كانت واقفة قدّام بيت عمر، تخطي خطوة لقدّام… وترجع خطوتين. أنا مالي؟ هي عمرها ما تدخلت في حياة حد. ولا مرة. هي دايمًا كانت بتيجي نفسها الأول، وبس. لكن دلوقتي… حاسّة إن في حاجة غريبة بتزقّها من ضهرها. كأنها مجبورة. لو كان معاها فلوس، كانت من غير تفكير سلفت معاذ بنفسها، وخلصنا. بس الحقيقة؟ فلوسها راحت. راحت كلّها في المحامين، في قضية كانت فاكرة إنها هتكسبها، وخسرتها… ودفعت تعويض كبير لعيلة كاملة. زفرت نفس طويل،وكأنها بتشد نفسها من شعرها، وبعدين رفعت إيدها وخبطت على الباب. ثواني… وفتحت نائلة، والدة عمر. استغربت شوية من وجود صوفيا، بس ابتسمت ابتسامة ترحيب دافية. " اتفضلي يا بنتي؟" والكذبة اللي كانت صوفيا مجهزاها من بدري خرجت بسرعة " أنا… أنا شكلي ضيّعت إسوارة هنا امبارح." نائلة عقدت حواجبها بحيرة " إسوارة؟ والله ما خدت بالي…" لفّت بنظرها حوالين الصالة، واضح إنها مش فاهمة. " ممكن تكون دخلت في حتة ضيقة، أو وقعت وسط اللخبطة اللي حصلت…" نائلة هزّت راسها " اتفضلي دوري، البيت بيتك." دخلت صوفيا، وعينيها بتلف في المكان، مش على الإسوارة… على البيت. وهي بتتحرك، كانت بتبرر كلامها " أصل اللي حصل امبارح كان فوضى، والناس داخلة طالعة…" نائلة تنهدت بأسف " ربنا يستر…" وسألت فجأة " هو صحيح اللي اتقال؟ إن المرابين لسه بيلفوا في القرية؟" صوفيا كانت بتتظاهر إنها بتدور على الأرض، من غير ما تبصلها " آه… باين عليهم." وفي اللحظة دي، جرس الباب رن. نائلة استدارت بسرعة "أهو حد تاني، أكيد واحدة من الجيران." ومشيت ناحية الباب. قلب صوفيا دقّ جامد. دلوقتي. استغلت اللحظة، وانسحبت جوه البيت أكتر، خطواتها كانت سريعة بس حذرة. دورت بعينيها… حدّست… ووقفت قدّام أوضة مفتوحة. وفي نفس اللحظة… عمر خرج منها. وقفوا قدّام بعض. صدمة واضحة على وشه وهي؟ ما كانش عندها ثانية تضيّعها. " بص… أنا عارفة إن ده شكله غريب، ويمكن وقاحة، كلامها كان بيطلع متلخبط، سريع: إحنا أصلًا ما نعرفش بعض، يعني بالكاد عرفنا إننا عايشين من يومين، وأنا فاهمة إن اللي هقوله دلوقتي تدخل، وأنا عمري ما بتدخل، بس… بس…" سكتت لحظة، وبعدين كملت بنفس واحد " أنا محتاجة مساعدتك… تاني." عمر ضيّق عينيه "مساعدة في إيه؟" " معاذ." الاسم وقع تقيل في الهوا. " معاذ؟" " أيوه." "أنا ما أعرفوش." قالها بهدوء بس بحزم. "وما كنتش أعرف إنكم أصحاب قريبين كده." هزّت راسها بسرعة " لا، لا… إحنا مش أصحاب." سكتت، لخبطة " يعني… ما اعرفوش اوي… بس… مش عارفة… حاسة إني أعرفه." ضحكة قصيرة خرجت منها " حاجة كده… سيبك." عمر سكت. بصّ لها، نظرة طويلة. " مجرد إنكم كنتوا تعرفوا بعض من وإنتوا صغيرين، أو إن في صورة قديمة… ده ما يخليش حد صاحب." سكت ثانية وفكر بعمق " وبصراحة… أنا نفسي ما بفهمش اوي يعني إيه صداقة." الكلمة دي وجعت صوفيا . كتبك… قصصك خالية من المشاعر افتكر الجملة اللي سمعها كتير من دور النشر والقارئين ملامحها وقعت شوية، من الرفض بس هزّت راسها بتفهم. " معاك حق." قالتها بهدوء. " مبلغ كبير… وشخص ما تعرفوش." لفّت عشان تمشي، وبعدين وقفت، رجعت تبص له. "بس قبل ما أمشي…" صوتها بقى أهدى، أصدق " يمكن الكلام ده غريب… بس أنا بتفهم معاذ." تنهدت " إنك تبقى محاصر، وفاشل… إحساس وحش اوي." سكتت، وبصت لنفسها بابتسامة مرة " أنا كمان… يعني… دكتورة سابقة." الإشارة كانت واضحة، زي ما معاذ عرّفهم في أول قعدة. "على العموم… متشكرة إنك سمعتني." لفّت ومشيت. عدّت على نائلة، اللي كانت واقفة مع شوية جارات بيتكلموا بحماس. ولما سألتها باهتمام " لقيتي الإسوارة ياحبيبتي ؟" " آه… لقيتها، متشكرة." قالتها بسرعة، وخرجت. قلبها تقيل، ووشها سخن من الإحراج، وهي مش عارفة… هل اللي عملته كان شجاعة؟