البحث عن الحقيقة - الفصل 4: ما بعد الحطام. - بقلم Abdullah | روايتك

اسم الرواية: البحث عن الحقيقة
المؤلف / الكاتب: Abdullah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 4: ما بعد الحطام.

الفصل 4: ما بعد الحطام.

بعد فترة قصيرة من انتهاء المعركة، تمشي ميساكي بين أنقاض المدينة بصمت. الغبار يتطاير في الهواء، وأشعة الشمس تخترق المباني المحطمة، تلقي ظلالًا طويلة على الحطام. كل شيء حولها يحمل أثر القتال، من الجدران المشققة إلى نيران خمدت لتوها، وتتنفس ببطء محاولة استعادة توازنها وسط الدمار. توقفت ميساكي وقالت بحزن وهي تتفحص الأنقاض: "الوضع هنا ليس جيد." ردت الخريطة بهدوء وهي على يدها: "صحيح… وخاصة بأن زيراليون لم يحدث بها أي هجوم من الوحوش منذ سنوات. فمن كان يتوقع أن تحدث واحدة الآن؟" تساءلت ميساكي: " كيف حدث ذلك برأيك؟" "تحدث هجمات وحوش الطاقة المظلمة بسبب المشاعر السلبية المتجمعة من البشر العاديين في مكان واحد، وبسبب تلك المشاعر تُصنع بوابة تدخل فيها الوحوش إلى هنا." "هل تعنين بأن كان هناك مشاعر سلبية متجمعة بهذه المنطقة؟" أجابت الخريطة: "ليست أي مشاعر… بل كانت مشاعر سلبية كبيرة، كافية لخروج هذه الكمية من الوحوش وانتشارها بكامل المدينة." سألت ميساكي بقلق: "هل يمكن أن يكون سبب حدوث ذلك بسببي عندما قاتلت اللص؟!" "ربما… لكن هذا وحده لا يكفي لحدوث هكذا انفجار من أسراب الوحوش المختلفة." "ما الذي سيكون إذن؟" "لا أعلم." سكتت ميساكي فجأة. "على أية حال، قلتِ بأنك تريدين الذهاب إلى منزل العجوز، صحيح؟ دعينا نتابع سيرنا وننسى ما حصل الآن، فهذه المدينة واحدة من أهم المدن في قارة إيريديان. فلن يستغرق الأمر ثلاثة أيام حتى تعود كما كانت." قالت الخريطة ببرود. "ليس هذا فقط ما يزعجني… فقد يكون هناك…" قاطعت الخريطة كلام ميساكي وقالت: "أنتِ لا تعتقدين بأنك السبب بما حصل، صحيح؟" "ليس هذا ما كنت سأقوله…" قاطعت الخريطة كلامها. "لا يهمني ما كنتِ ستقولينه، أنا وظيفتي هنا لأدلك على الطريق، وليس لأكون معالجة نفسية لك أو معلمًا لك! إذا أردتِ أن أدلك إلى بئر الأمنيات بجانب منزل العجوز، فعليكِ السير بهدوء." تنهدت ميساكي وقالت: "فهمت، فهمت… لم يكن عليك المبالغة هكذا، هاه!" بينما كانت تمشي بين الركام، سمعت أحد المارة يتحدث إلى صديقه بصوت منخفض: "هل رأيت من كان يقاتل تلك الوحوش…؟ لم أرَ أحدًا بهذه القوة من قبل!" رد صديقه بدهشة: "أجل… تقريبًا كأنه… شيء من عالم آخر. لم يستغرق منه سوى لحظات ليقضي عليهم جميعًا... لا أستطيع نسيان شعره البرتقالي المتوهج هذا." ما إن سمعت ميساكي وصف الشعر البرتقالي المتوهج حتى توقفت قدمها عن الحركة، كأن الأرض تحتها شدّتها لتجبرها على الاستماع. ارتفع حاجباها بخفّة، ومرّت ومضة قصيرة في عينيها… خليط من الدهشة واليقين المفاجئ. همست بداخلها بصوت منخفض لم يخلُ من الدهشة: … هل يقصدونه؟ ريوزاكي نيرامارو…؟ لكن قبل أن تنغمس أكثر في الفكرة، دوّى صوت الخريطة بنبرة منزعجة: "هل تنوين التجذر هنا أم ماذا؟" رمشت ميساكي بسرعة، وكأنها عادت من حلم قصير، ثم ردت بسرعة خفيفة الارتباك: "آه… لا، لا. كنت فقط… أفكر بشيء ما." قالت الخريطة وهي تهتز ضجرًا فوق يدها: "تفكرين لاحقًا. الآن نمضي. ليس لدينا وقت لتضيعيه في الوقوف وسط الركام." تنفست ميساكي بعمق وكأنها تطرد آخر خيط من الفكرة: "حسنًا… لنكمل. منزل الجدة ليس بعيدًا." تابعت ميساكي السير وهي تعتمد كليًا على ضوء الخريطة الذي يلمع بخفوت فوق يدها، يوجهها عبر طرق لم تمرّ بها من قبل. ومع اتساع الشوارع قليلًا وابتعادها عن الركام، بدأت المباني تبدو أكثر انتظامًا، وكأنها دخلت جزءًا آخر من المدينة لم يمسّه الهجوم كثيرًا. قالت الخريطة: "منزل العجوز ليس بعيدًا… سنتجه شرقًا بعد هذا المنعطف. هذه أول مرة تزورين منطقتها، لذا لا تستغربي إن بدا المكان مختلفًا." خفضت ميساكي نظرتها قليلًا وهي تفكر بصوت مسموع: "لكن… ما سبب طلبها المفاجئ أن أزورها؟ بالكاد أعرفها والتقينا مرة واحدة فقط." "لا أدري." قالت الخريطة بلهجة عملية. لماذا لم تسأليها عن ذلك عندما قررتِ اصطناع دور البطلة؟" رفعت ميساكي حاجبها بضيق واضح وقالت: "أنا لم أُصطنع شيئًا! أنا فقط لم تتح لي الفرصة لسؤالها حين طلبت مني ذلك." قالت الخريطة بنبرة غير مكترثة: "اجل اجل" ثم تابعت ميساكي الطريق، تنظر إلى البيوت التي أصبحت أكثر هدوءًا وإضاءة. لم يكن فيها آثار معارك، وكأن الهجوم لم يصل إلى هذا الجانب من المدينة إطلاقًا. وهذا وحده جعل خطواتها تخف قليلاً بعد توتر دام لدقائق. بعد دقائق قليلة توقفت الخريطة وأضاءت إشارة صغيرة على حافة الطريق. "هنا. هذا هو المنزل." رفعت ميساكي نظرها إلى بيت خشبي صغير، بسيط وغير مميز، تحيط به أشجار قصيرة وزهور مرتبة بعناية. المكان بدا غريبًا عنها… لكنها شعرت بنوع من السكينة المباغتة بمجرد النظر إليه. تمتمت ميساكي: "إذن… هذا هو. لا أصدق أنني وصلت." "لولاي، لكنتِ بقيتِ تمشين للجهة الخاطئة ثلاث شوارع أخرى." "قد يكون هذا صحيحا، شكرا لك." تنفست ميساكي بعمق، وأغلقت غطاء الخريطة، ووضعتها في حقيبتها، ثم تقدمت نحو الباب بخطوات بطيئة، محاولة تجهيز نفسها للقاء شخصٍ لا تعرفه جيدًا. بينما كانت ميساكي ترفع يدها باتجاه الباب الخشبي، دارت في رأسها عشرات الأسئلة والتحضيرات لما ستقوله. لكن قبل أن تلمس يدفة الباب، فُتح الباب ببطء ليظهر وراءه وجه العجوز الهادئ، مبتسمة كما لو كانت تنتظرها. "أهلاً بك يا ميساكي." "آه!" فزعت ميساكي قافزة إلى الوراء، ثم سرعان ما خفّت صدمتها حين رأت الابتسامة الدافئة ترسم على شفتي العجوز، وتلك العينان الحكيمتان تنظران إليها بود. "لقد عدتِ بسلام... هذا كل ما يهم." قالت العجوز بينما مدت يدها لتمسك بيد ميساكي، تضغط عليها بلطف وكأنها تريد التأكد من أنها حقيقة واقفة أمامها. ابتسمت ميساكي، شعرت بموجة من الراحة تغسل عنها شيئًا من ثقل اليوم. "شكرًا لاستقبالي." أدخلتها العجوز إلى المنزل. وعيون ميساكي تتفحص المكان جيدا. كان المنزل دافئًا ومليئًا بالحياة؛ أرفف خشبية ممتدة على الجدران تحوي زجاجات صغيرة وعلب مليئة بالأعشاب، توابل غريبة، بلورات ملونة، وجرار تحتوي على مكونات سحرية مختلفة. أصوات خفيفة من ساعة حائط قديمة تصنع إيقاعًا لطيفًا، بينما أكواب وأدوات معدنية متلألئة تعكس الضوء الدافئ، تمنح المكان شعورًا بالحيوية والدفء، وكأن كل ركن فيه ينبض بالحياة. "اجلسي هنا." أشارت العجوز إلى وسادة أمام طاولة منخفضة. جلست ميساكي كما طلبت، بينما همت العجوز لإعداد الشاي. بعد لحظات، عادت ومعها إبريق صغير ينبعث منه بخار ذو لون أزرق مائل إلى البنفسجي، ورائحة عطرية نادرة تملأ الجو براحة وسكينة. "اشربي هذا." قدمت العجوز لميساكي كوبًا من الشاي الدافئ. نظرت ميساكي إلى الكوب المتصاعد منه البخار الأزرق الغريب، ثم نظرت إلى العجوز بنظرة مترددة. "ما هذا؟" "إنه شاي زهرة الياقوت الزمني. سيساعدك على الشفاء." لفت ميساكي أصابعها حول الكوب الدافئ، وشعرت بحرارة مريحة تنتقل إلى يديها. ترددت لبرهة، ثم رفعت الكوب إلى شفتيها وأخذت رشفة صغيرة بحذر. كان طعمه كالزهرة مع لمسة من العسل الطبيعي. لكن ما أدهشها هو الشعور الذي تبع ذلك: دفء ناعم ينتشر في صدرها، وكأن شيئًا ثقيلًا كان يرزح هناك يذوب ببطء. حتى الأوجاع الخفيفة في جسدها من أثر المعركة بدأت تختفي، والجرحات الصغيرة على ذراعيها أخذت بالالتئام أمام عينيها كما لو أن الأيام تمر فيها في ثوانٍ. لم يكن الشاي قد شفى جسدها فقط، بل خفف ذلك الألم الغامض في صدرها. "إنه... مذهل." همست ميساكي، بينما كانت عيناها تشرقان بالدهشة. "شكرًا لكِ يا جدة." أومئت العجوز ثم نظرت نحو ملابس ميساكي المتسخة وملطخة قليلا بالدماء وقالت: "قبل أي حديث، انظري إليكِ... ملابسك ممزقة، وغبار المعركة لا يزال عالقاً بوجهك. لم لا تستحمين أولاً؟ لدي ماء دافئ ينتظرك، وثياب نظيفة ستناسبك." نظرت ميساكي إلى نفسها لأول مرة منذ انتهاء المعركة، ثم رفعت نظرها نحو العجوز بعينين مترددتين. "ألا بأس بذلك؟ لا أريد أن أكون عبئاً عليكِ..." "عبئاً؟" ضحكت العجوز بلطف. "أنتِ ضيفتي، وكل ما أفعله من أجل راحتك هو بكل حب." لم تزل ميساكي تبدو غير مقتنعة تماماً، فتابعت العجوز: "الحمام في نهاية الممر. سأضع لكِ ثياباً نظيفة على المقعد." أخيراً، أومأت ميساكي برأسها بهدوء. "شكراً لكِ... هذا لطف كبير منكِ." إستقامت ميساكي وسارت عبر الممرّ المؤدي إلى الحمّام، خطواتها مثقلة بإرهاق المعركة. وصلت إلى الباب الخشبي البسيط، ففتحته ودخلت غرفة الاستحمام. كان الحمّام صغيراً لكنه نظيف، يتصاعد فيه بخار الماء الساخن برائحة خفيفة من الأعشاب. في منتصفه حوض استحمام قديم مملوء بالماء الدافئ، يرتفع منه بخار لطيف يضفي على المكان شعوراً دافئاً ومريحاً. وعلى المقعد الخشبي المجاور، رتّبت العجوز ثوباً أزرق قطنيّاً ناعماً ومنشفة نظيفة مطويّين بعناية لافتة. "هل جهزته لي مسبقاً؟" أغلقت ميساكي الباب خلفها بهدوء، وبدأت بخلع ملابسها المتسخة. عندما رفعت نظرها نحو المرآة الباهتة، رأت آثار الغبار والدم على بشرتها، لكن أكثر ما شدّ نظرها كان التعب العميق في عينيها الزرقاوانِ. تنفّست ببطء، محاولة استيعاب ما حدث. "لقد كان يوماً قاسياً…"  تنهدت بعمق اقتربت من الحوض وانزلقت في الماء الدافئ. ومع أول ملامسة للحرارة، شعرت بكتلة من التوتر تنفك داخل كتفيها. لكن الهدوء لم يدم طويلاً؛ فمع استرخاء جسدها، بدأ عقلها يعيد ترتيب المشاهد الأخيرة. تذكّرت اللحظة التي كادت فيها أحد الهجمات أن تصل إليها… تلك التي لم تستطع فعل شيء لصدها. لمحت في تلك اللحظة ماكان سيحدث لو لم يظهر نيرامارو ويقطع الهجمة. لم تكن الفكرة مباشرة أو درامية، بل جاءت كتحليل تلقائي لما جرى، كأن عقلها يحاول فهم كل خطوة: "لو تأخّر ثانية أخرى فقط… هل كنت سأقدر على صدّ تلك الضربة؟" ترددت قليلاً، ثم أكملت في داخلها: "ربما… أو ربما لا." لم تكن تفكّر بالموت ذاته، بل بالهشاشة المفاجئة التي شعرت بها في تلك اللحظة. هذا الاحتمال وحده جعل صدرها ينقبض قليلاً. رفعت يديها وضربت خديها بخفة، ليس عقاباً، بل محاولة لإيقاف سلسلة الأفكار قبل أن تنزلق إلى مكان لا تريده. "ما حدث قد حدث… لو كنت بكامل قوتي لتمكّنت من صدّهم وهزيمتهم جميعاً من دون تدخّله. أجل… هذا ما كان سيحدث." ثم سمحت لنفسها بابتسامة صغيرة، كأنها تتعهد بأن تمنح عقلها هدنة. استقرت في الماء مجدداً، هذه المرة بتركيز على الدفء الذي يعيد إليها هدوءها شيئاً فشيئاً. أخذت وقتها في الاستحمام، متعمّدة الاسترخاء كأنه خطوة علاجية بعد نهار طويل. وعندما خرجت وارتدت الثوب القطني، نظرت في المرآة مرة أخرى. بدا وجهها أكثر نقاءً، وعيناها أستعادت بريقها مجددا، وبدا أن ابتسامتها الخفيفة ليست مجرد واجهة… بل بداية استعادة توازنها. بينما فتحت ميساكي باب الحمام، خرجت منه غيمة من البخار الدافئ تحمل عبير الأعشاب المنعش. وقفت في مدخل الممر لوهلة، تتنفس الهواء النقي بعمق. الثوب القطني الناعم الذي ارتدته كان مريحاً على جلدها النظيف، وشعرها الرطب الأزرق ينسدل على كتفيها بخصلات فاتحة لا تزال تتدلى منها قطرات ماء متلألئة. تابعت السير عبر الممر بخطوات هادئة، تشعر بخفة لم تعهدها منذ دخولها المدينة. كل خطوة كانت تبدو وكأنها تُبعدها أكثر عن ثقل الساعات الماضية. وما إن دخلت الصالة، حتى رفعت العجوز رأسها فور رؤيتها، ثم ابتسمت بلطف هادئ. "هكذا أفضل بكثير. تبدين وكأنك عدتِ إلى نفسك." اقتربت ميساكي ببطء وجلست في المكان نفسه الذي كانت فيه قبل قليل، وهي ترتّب طرف الثوب القطني بين أصابعها. "شكراً لكِ حقاً... لولاكِ لما كنتُ سأتعافى بهذه السرعة. أنا مدينة لكِ بالكثير." انحنت برأسها احتراماً، وعيناها اللتان استعادتا بريقهما تعكسان امتناناً حقيقياً. ابتسمت العجوز بلطف، وهزّت رأسها قائلة: "لا داعٍ لذلك… انا من كان يجب علي شكرك لمساعدتك على هزيمة الوحوش." رفعت ميساكي نظرها بسرعة، والإصرار يلوح في صوتها ونظرتها: "أرفض ذلك… ما فعلته كان واجباً. أمّا أنتِ فقد منحتِني معاملة خاصة، وهذا ما لا أقبله أبداً." تنفّست العجوز بعمق، ثم قالت بنبرة أكثر دفئاً وهدوءاً: "انت لطيفة جدا يا ميساكي، لكن ليس هناك ما أريد منك فعله... أو على الأقل إلى الآن." تقبّلت ميساكي كلامها، ثم قالت بهدوء: "فهمت، اذا إحتجتي اي شيء فلا تترددي بإخباري." أومأت العجوز، وارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة تحمل شيئاً من الارتياح قبل أن تقول: "الآن أخبريني، كيف كانت معركتك ضد تلك الوحوش؟" أومأت ميساكي، ثم أخذت وقتها في إخبار العجوز بما جرى في المدينة منذ اللحظة التي ظهرت فيها الوحوش وحتى انتهاء القتال. شرحت تسلسل الأحداث، وكيف واجهت الهجوم ومحاصرة الوحوش لها، وصولًا إلى اللحظة التي تدخل فيها شخص مجهول وغيّر مجرى المعركة. لم تتوقف عند التفاصيل الصغيرة، بل اكتفت بعرض ما حدث كما وقع. ومع انتهاء سردها، كان واضحًا أن العجوز أصبحت على دراية كاملة بما جرى. "أنتِ مذهلة حقًا." قالت العجوز بنبرة صادقة يملؤها الإعجاب. توقفت ميساكي لحظة، ثم رفعت يدها وفركت مؤخرة رأسها بخجل خفيف، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مترددة. "لا أعتقد أنني كذلك…" مالت العجوز قليلًا إلى الأمام، وعيناها تلمعان باهتمام حقيقي. "وكيف لا؟ لقد واجهتِ هذا العدد من الوحوش وخرجتِ سالمة أيضًا. لديكِ موهبة استثنائية بالنسبة لعمرك." شعرت ميساكي بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجنتيها، فخفضت نظرها احترامًا. "شكرًا جزيلًا لكِ." ساد صمت قصير، قبل أن تغيّر العجوز نبرة صوتها إلى فضول جاد. "هل تستطيعين إخباري من علّمكِ استخدام الآنا والوصول إلى هذا المستوى من التحكم؟" رفعت ميساكي رأسها دون تردد. "أخي راين. رغم أنها كانت مجرد ستة أشهر، إلا أنه علّمني الكثير." تجمدت العجوز في مكانها، واتسعت عيناها بدهشة واضحة. "ستة أشهر؟! هل تقولين إنكِ تعلمتِ التعزيز والاستدعاء والتحكم خلال ستة أشهر فقط؟!" أمالت ميساكي رأسها قليلًا، وكأن السؤال أربكها. "هل… يحتاج أكثر من ذلك؟" شهقت العجوز بخفة، ورفعت حاجبيها بحدة. "بالطبع يحتاج! تعلم الاستدعاء وحده يتطلب أكثر من ثلاث سنوات لفهم طبيعة الآنا التي بداخلك!" تراجعت ميساكي قليلًا وهي تحك خدها بابتسامة محرجة. "آه… هكذا… إذن… هه." تنهدت العجوز، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة تحمل مزيجًا من الذكريات والإعجاب. "كان يجب أن أتوقع ذلك، ما دام معلمك هو راين. ذلك الرجل قادر على جعل نملة أقوى من فيل إن أراد." رفعت ميساكي نظرها بدهشة خفيفة. "يبدو أنكِ تعرفين أخي جيدًا يا جدتي." ضحكت العجوز ضحكة هادئة، وقالت بثقة: "بالطبع. كان تلميذي… قبل أن يصبح صيادًا." توقفت ميساكي عن الحركة للحظة، وعيناها اتسعتا بوضوح. "…ماذا؟" ساد الصمت في الغرفة لثوانٍ قصيرة، بدت أطول مما هي عليه. كانت ميساكي ما تزال تحدّق بالعجوز، تحاول استيعاب ما سمعته للتو، وكأن الاسم الذي تعرفه منذ طفولتها انكشف فجأة من زاوية جديدة تمامًا. "تلميذكِ…؟" أعادت الكلمة ببطء، ونبرتها تحمل مزيجًا من الدهشة وعدم التصديق. أومأت العجوز بهدوء، وعادت لتجلس بوضعية مريحة، كأنها تسترجع ذكرى قديمة. "نعم. جاءني وهو يملك طاقة خام هائلة، لكنه كان يفتقر إلى الصبر. كان يتعلم بسرعة مخيفة، ويتجاوز الحدود التي أضعها له وكأنها لم تكن موجودة." خفضت ميساكي نظرها قليلًا، وقد بدأت صورة أخيها في ذهنها تتغيّر دون أن تشعر. "هذا… يشبهه فعلًا." ابتسمت العجوز ابتسامة خفيفة. "لكنه لم يكن كذلك دائمًا. راين تعلّم بالطريقة الصعبة، ولهذا السبب دفعكِ للتقدم بهذه السرعة. لم يكن يريدكِ أن تعيشي ما عاشه هو." رفعت ميساكي رأسها بسرعة. "هل كان في خطر؟" تأملت العجوز ملامحها للحظة، ثم قالت بنبرة أقل مرحًا: "كان قريبًا جدًا من أن يفقد نفسه." شدّت ميساكي أطراف ثوبها بين أصابعها، وشعرت بثقل غريب في صدرها. "ولم يخبرني شيئًا عن هذا." "لأنه راين." أجابت العجوز ببساطة. ساد الصمت بعد كلمات العجوز، وبقيت ميساكي تحدّق أمامها، ما تزال تحاول ترتيب أفكارها حول راين. لاحظت العجوز ذلك، فتنفّست بهدوء ثم قالت بنبرة أخف، وكأنها تقطع سيل الذكريات عمدًا: "لكن دعينا نترك هذا الحديث الآن. لكل شيء وقته." رفعت ميساكي نظرها إليها ببطء، وأومأت موافقة، محاولة إخراج صورة أخيها من ذهنها ولو مؤقتًا. تابعت العجوز وهي تغيّر الموضوع بسلاسة: "بالمناسبة… هل لديكِ فكرة عن هوية الشخص الذي أنقذكِ؟" توقفت ميساكي للحظة، وحدّقت في الفراغ أمامها، كأنها تحاول التقاط تفصيلة ضاعت منها. "ليس تمامًا، لكنّي أذكر أنه أخبرني—" كليك… انقطعت كلماتها فجأة. لم يكن هناك طرق، ولا صوت خطوات واضح… فقط ذلك الصوت الخافت لفتح باب المنزل في آخر الممر. تغيّر الهواء في الصالة، وكأن نسمة باردة تسللت إلى الداخل. الظلال عند مدخل الممر تحرّكت ببطء، وامتدّ ظل طويل على الأرضية الخشبية دون أن يظهر صاحبه بعد. ومن عمق الممر، جاء صوت هادئ، يحمل خفة لا تتناسب مع ثقله: "لقد عدت." تصلّبت ميساكي في مكانها، واتسعت عيناها، وقلبها يخفق بإيقاع تعرفه جيدًا. لم ترَ وجهه بعد، لكن صوته وحده. جعل عقلها يستجيب بسرعة. ابتسمت العجوز ابتسامة صغيرة، وقالت بهدوء مرحّب: "أهلًا بعودتك… نيرامارو." في تلك اللحظة، أدركت ميساكي أن الجواب الذي كاد يخرج من فمها... أصبح أمامها.