البحث عن الحقيقة - الفصل 3: لقاءٌ مقدر - بقلم Abdullah | روايتك

اسم الرواية: البحث عن الحقيقة
المؤلف / الكاتب: Abdullah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 3: لقاءٌ مقدر

الفصل 3: لقاءٌ مقدر

بعد وصول ميساكي إلى ساحة المعركة، انفجرت الفوضى في وجهها كأن المدينة تناديها للموت. صرخات الناس كانت تخترق الأذنين، والدخان الأسود يلتف حول المباني المحطمة كسحابة سامة. الشرر يتطاير من النيران المشتعلة، والأرض ترتجف تحت وقع الانهيارات. همست بصوت خافت وهي تحدق بالمشهد: "يا إلهي… كيف وصل الوضع إلى هذا الحد؟" لم يترك لها الواقع فرصة. فجأة رأت الوحوش تتدافع فوق الركام، بعضها يركض بانفلات، وبعضها يصدر صرخات حادة تخترق القلب. قبضت ميساكي على مقبض سيفها المائي، فانبثق النصل من بين أصابعها كوميض أزرق يشق الظلام. قالت لنفسها وهي تركض نحو أول وحش: "حسنًا… لنبدأ." قفز الوحش عليها، فصرخت وهي تضربه بقوة: "ابتعد عن طريقي!" انشق جسده في لحظة، فتدحرج على الأرض. لم تهدأ. تقدّم إليها وحشٌ آخر من الخلف، فاستدارت بسرعة وضربته بقاطع سريع جعل شظاياه تتناثر. "اثنان في اقل من 5 ثواني… ممتاز، لكن أين الباقون؟" ظهر ثلاثة من اليمين دفعة واحدة، فشدّت قبضتها ورفعت سيفها استعدادا لصد هجماتهم. هاجمها الأول مسرعا، فتجنبت ضربته بسهولة، ثم قطعت رأسه بحركة واحدة. الثاني قفز فوقها، فرفعت يدها تطلق موجة مائية دفعته للخلف أما الثالث فانقضّ عليها من الأرض مباشرة، فقفزت عاليا معززة جسدها "بالآنا" ثم نزلت مثل السهم بقوة حتى سقط صامتًا. بدأت أنفاسها تتلاحق، وضربات قلبها تتسارع. مسحت جبينها بظهر يدها وقالت بضيق: "عددكم بلا نهاية… وهذا مزعج جدًا." عاد اثنان آخران يجريان نحوها، فاستعدت بآخر ما تبقى لها من تركيز. اندفعت للأمام، سيفها يشق الهواء وصوت خطواتها فوق الحطام يشبه قرع الطبول. قطعت الأول، ثم الثاني، لكن سرعتها بدأت تنخفض… كتفاها يثقلان… وصوت أنفاسها صار واضحًا وسط الفوضى. "ابتعد عني!!" "ما هذا الصوت؟" تتبعت الصوت ووجدت وحشًا ضخماً يمسك بامرأة يقوم بتعذيبها، يضغط على قدمها بقوة بينما تصرخ ألماً: "آآآآآآاه!" وفي لحظة، طار رأس الوحش بضربة سيف مائي عنيفة. كانت ميساكي تقف خلفه، وجهها حازم ونظرتها قاتلة. اقتربت من المرأة وسألتها: "هل أنتِ بخير؟" لكن المرأة لم تستطع الرد، كان الألم يعتصرها، وساقها مكسورة بوضوح. نزلت ميساكي على ركبتيها بجانب المرأة، أغمضت عينيها، ووجهت طاقتها نحو يدها، فأضاءت بنور دافئ وخرجت منها مياه خضراء شفافة. وضعتها على ساق المرأة، فبدأت المياه تعالج الكسور ببطء. تفاجأت المرأة وهمست بامتنان: "شكراً لكِ..." ابتسمت ميساكي: "لا شكر على واجب. اذهبي الآن إلى مكان آمن واحتمي." نهضت المرأة مثالية الهيئة رغم ما مرت به، وركضت بعيداً بعد أن شكرت ميساكي بعينيها. بقيت ميساكي تحدق قليلاً، ثم سقطت على ركبتيها مجددا تلهث بتعب شديد: "هذه التقنية تستهلك طاقتي كثيرًا... لكن يجب أن أساعد الجميع بسرعة." وقفت مجددًا، ولكن فجأة شعرت بشيء يقترب. بطرف عينها، رأت وحشًا ينقض نحوها بسرعة جنونية. تفادته بصعوبة، لكنه أصاب خصرها بجرحٌ سطحي. قالت الخريطة بصوت ساخر: "أوه، لو تأخرتِ لحظة لكنتِ دونات بطعم التوت الأزرق لهذا الوحش." ردت ميساكي بتعب: "فلتبقي صامتة الآن، لا وقت لنكاتك." رمت حقيبتها جانبًا، فقد كانت تعيق حركتها. الوحش كان مختلفًا عن غيره، أكبر حجمًا، أسرع، وتحيط به هالة قاتمة. هاجم مجددًا بمخالبه نحو قلبها، لكنها صدته بسيفها المائي وأبعدته. هاجمته فورًا لكنه تفادى هجومها وبدأ بالدوران حولها بسرعة كبيرة. لكن عينا ميساكي لم تخذلها، فقد كانت ترى تحركاته ببطء بفضل قدرة عينيها الاستثنائية. انقض الوحش من الخلف، لكن ميساكي دارت بسلاسة كبيرة، وبدّلت سيفها إلى يدها الأخرى، ثم عززت السيف بطاقة مائية مركزة وضربت ظهر الوحش بقوة، قاطعة إياه نصفين. "تخلصتُ منه أخيرًا..." قالت وهي تلتقط أنفاسها. ذهبت إلى حيث رمت حقيبتها قرب بقايا عربة محترقة، وفتحتها لتطمئن على الخريطة. "مع أني لا أسامحك على رميي، لكن يمكن الاعتماد عليكِ قليلاً." قالت الخريطة أجابت ميساكي بابتسامة مرهقة: "اعذريني، كانت تعيقني في القتال." "حسنًا، طالما أنني لم أتحطم." ابتسمت ميساكي، لكن فجأة تغير الجو. شعرت بهالة مشؤومة تقترب. "هناك وحوش كثيرة قادمة!!" قالت بتوتر. "نعم، وأكثرهم وحوش من المستوى D، وهي أقوى بكثير من تلك التي واجهتِها قبل قليل. هل متأكدة بأنك قادرة على هزيمتهم بحالتك؟" "دعي الأمر لي." بعد انتهاء حديثهم مباشرة أحاطت الوحوش بميساكي من كل الجهات. عشرات المخلوقات الزاحفة، ذات الأجساد المتغضنة والأنفاس الكريهة، وكل واحد منها يملك من القوة ما يكفي لقتل خمسة رجال مسلحين. تنوعت أشكالهم بين ذوي المخالب القاسية، والأفواه المفتوحة بعشوائية كأنها لا تنتمي لكائن حي. لكنهم جميعاً اشتركوا في شيء واحد: النيّة للقتل. شدّت ميساكي قبضة يدها على مقبض سيفها المائي، كانت عيناها لا ترمش، تحدّق في كل حركة، وكأن الزمن يتباطأ من حولها "حرفيا". "تركيز... تنفس... ماء." بدأ جسدها يتوهج بضوء أزرق، وراحت الطاقة تتدفق في عروقها، حتى غلّفت جسدها بالكامل بهالة مائية متذبذبة. "هلمّوا إلي..." قالت بصوت منخفض، أشبه بالهمس، لكنه دوّى داخل ساحة المعركة كأمر لا يُرد. انقض الوحوش عليها دفعة واحدة، كأنهم غريزة واحدة تتحرك. بلمح البصر، قفزت ميساكي للأعلى مستخدمة دفعة مائية من قدميها، ارتفعت عدة أمتار في السماء، ثم دوّرت جسدها في الهواء، وأطلقت عشرات الشفرات المائية نحو الأسفل، كل واحدة منها استهدفت بدقة عنق أو قلب أحد الوحوش. انفجارات من الماء والدمّ... صرخات... هدير... وانفجارات طاقة. سقطت على الأرض بانحناءة خفيفة، ووجهها يتقطر عرقًا، لكنها لم تتوقف. صدّت هجمة ثلاثة وحوش في نفس الوقت بسيفها، ثم دفعتهم للأمام كموجة قوية أطاحت بهم. أحد الوحوش اقترب من ظهرها، لكنها ركلته بقوة فاندفع إلى الجانب، وقطعت ساق الوحش بسيفها وهي تدور بسرعة. كل حركة منها كانت محسوبة، خفيفة كالنسيم، وقاسية كالموج العاصف. كانت تقاتل وكأنها البحر نفسه. لكن... الضغط بدأ يظهر. أنفاسها تتسارع. عيناها تثقلان. جروحٌ صغيرة بدأت تظهر على كتفها، وجهها، وذراعها اليمنى. همست: "طاقتي... تنفد..." لكنها لم تسمح لجسدها بالاستسلام. وحش ضخم هجم من الأمام، فركّزت طاقتها مجددا في سيفها، وعندما حاول الوحش تسديد لكمة نحوها، قفزت ميساكي نحو يده وبدأت بتقطيع يده إلى أجزاءٍ بسرعة، مما جعل الوحش يزمجر بقوة من الألم ويبتعد عنها. كانوا كثيرين، ومع كل ضربة تنفذها ميساكي، كانت تدفع ثمناً من جسدها وطاقتها. ركعت على الأرض، تتنفس بصعوبة ووجهها مغطى بالغبار والعرق، يدها ترتجف وهي تمسك بسيفها الذي بدأ يضعف بدَوره، وجروحها تنزف قليلا لكنها كانت كثيرة... خدشٌ في خدّها، آثار دماء على ذراعها، وانواع الخدوش في قدمها اليمنى، لكنها لا تزال واقفة. لقد قاتلتُ بكل ما أملك... لكنهم لا ينتهون... همست في داخلها، نظرت حولها لترى أن عشرات الوحوش تُحيط بها. كانت تنهض، تقاتل، تسقط، ثم تنهض مجددًا. وفجأة، هجما عليها وحشان ضخمان، أحدهما قفز من أعلى جدار محطم، والآخر انطلق من اليمين بسرعة خاطفة، كأنهما قررا إنهاكها دفعة واحدة. أغمضت ميساكي عينيها، ارتجف قلبها، فاجأها الخوف... لكنها لم تستسلم. في لحظة خاطفة، تدفقت ذكرى من أعماقها. وسط كل هذا الصخب... لمّا شعرت أن قدميها لم تعد تقوى على حملها، وأن عينيها لم تعد ترى إلا ضبابًا، تهاجمت عليها ذكرى قديمة... كانت تجلس أمام والدتها في حديقة المنزل، والشمس تلامس وجهها بصفاء. "أمي... سأصبح يوماً ما أقوى صيادة في العالم!" قالتها ميساكي الصغيرة وهي ترفع قبضتها إلى السماء. ضحكت الأم بحنان: "أقوى حتى من أخيك؟" "نعم! سأصبح مشهورة مثله... بل أكثر. وسأحمي الناس جميعاً!" كانت عيناها مليئتين بالعزيمة. أجابت الأم بابتسامة: "إذن عليكِ أن تتذكري شيئًا واحدًا يا صغيرتي... القوة ليست فقط في العضلات أو السيوف... بل في القلب. عندما تظنين أن كل شيء انتهى... تذكري لماذا بدأتِ." فتحت ميساكي عينيها اللامعتين، وهمست: "لا... أريد.... الموت الآن!" لكن الوحوش كانا قد اقتربا كثيرًا... لم يتبق وقت. فجأة... تغير كل شيء. الهواء أصبح دافئًا. الضغط تغيّر. ظهر شخص غريب فجأة على الأنقاض... وقف شخصٌ قصير القامة بنفس طول ميساكي تقريبًا، يضع وشاحًا أسود خلف ظهره يرفرف ببطء كأن الرياح احضرته، شعره البرتقالي القصير يلمع بضوءٍ غريب، ووجهه مغطى بكمامة سوداء لا يظهر منها سوى عينين برتقاليتين متوهجتين كشمسين في الغسق. في لحظة... "زهفف!" لوّح بسيفه الذي بدا كتنين ناري نائم، و...قطع الوحشين من المنتصف، بخط مستقيم دقيق. تجمد الزمن. ميساكي لم تفهم ما حدث... سوى أنها لم تُصب. تسمرت في مكانها، وعقلها يعجز عن المعالجة. من... من يكون هذا الشخص؟! تساءلت في داخلها، تحدق فيه. وقبل أن تستوعب أي شيء، لوّح مجددًا بسيفه الطويل بحركة واحدة في الهواء... ثلاث ثوانٍ مرت. الوحوش المحيطة... عشرات الوحوش... كلهم توقّفوا، ثم فجأة، انهاروا إلى نصفين دفعة واحدة، كأن خطًا غير مرئي قد مزّقهم جميعًا. ميساكي شهقت، مدهوشة من ما رأته. "مستحيل..." الشخص الغامض لم ينظر خلفه، وكأن الأمر لا يستحق مجهود التفكير. ألغى سيفه من خلال الإغلاق على الآنا، ثم التفت إليها ببطء، بصوته الهادئ:"أنا أدعى... ريوزاكي نيرامارو." ثم تابع وهو ينظر إلى الوحوش الميتة التي تتحلل: "شكرًا لكِ على صمودك أمامهم... ومحاولتك حماية المدينة." رغم الكمامة، كانت عيناه تشعان بالدفء. ميساكي شردت للحظة، ثم تمتمت: "ا... أأه لا داعي لشكري، فهذا... واجبي." رد بابتسامة خفيفة بعينيه فقط، ثم استدار. "وداعًا." قالها ببساطة. لكن ميساكي لم تحتمل، صرخت خلفه: "مهلًا!!!" توقف، وأمال رأسه قليلًا نحوها دون أن يلتفت. "ماذا؟" قالت بسرعة، وقد اندفع كل حماسها مرة واحدة: "هل... هل أنت صياد؟! إذا كنت كذلك، فما هي رتبتك؟ من الواضح أنك قوي جدًا... ربما... مستوى S؟!" ضحك بهدوء، ثم قال: "اعذريني، لا أستطيع إخبارك." خفضت رأسها قليلاً وقالت بابتسامة خجولة: "أوه... فهمت... شكرًا جزيلا على إنقاذي، سيد ريوزاكي." "لا داعي لهذه الرسمية." ثم أضاف بلطف: "اعتني بنفسك." وقبل أن تتمكن من قول شيء آخر... اختفى. تمامًا، كما لو أنه لم يكن موجودًا من الأساس. "من يكون هذا الفتى...؟ هل هو بنفس عمري فعلًا؟ وكيف يملك كل هذه القوة؟" كانت تتنفس ببطء، تحاول تهدئة قلبها الذي ما زال ينبض بقوة… ليس فقط من المعركة، بل من شيء آخر… إحساس غريب لم تختبره من قبل. عندما نظرت حولها، رأت أن كل الوحوش قد اختفت، والأرض غطّتها جثثهم التي لا تزال تتحلل إلى الآن. رفعت رأسها نحو السماء، ورأت أن الغيوم البنفسجية المشؤومة قد تبددت، وبدأت أشعة الشمس تخترق الغلاف الرمادي بهدوء، لتغمر المدينة بلون ذهبي دافئ مجدداً. زفرت ميساكي تنهيدة طويلة، فيها تعب، وفيها راحة، فيها صدمة… وفيها سلام. ارتدت حقيبتها مجددًا، ثم أخرجت الخريطة الضوئية لتتأكد من طريقها. لكن فور ظهور الخريطة، جاءها الصوت المتذمر المعتاد: "هاه! اسحبُ كلامي السابق، لا يمكن الاعتماد عليكِ أبدًا!" رفعت ميساكي حاجبها بتعب مصدوم: "ها؟ لماذا؟" "تخيّلي لو لم يتدخل هذا الشخص الغريب... ماذا كنتِ ستفعلين؟ لا تنسي أنني كنت في الحقيبة، لو متِّ كنت سأُدفن معكِ!" ضحكت ميساكي بخفة، رغم الألم: "ربما... كنتِ ستبكين عليّ؟" صاحت الخريطة بانفعال: "هل تسخرين مني؟!" "من يدري..." قالتها بنبرة مرحة وهي تنظر إلى السماء. "أنتِ حقًا تسخرين مني!! إذًا على جثتي الرقمية لن أدلكِ على طريقك!" "ااااه، انتظري! لم نتفق على هذا! حسناً، حسناً، أعتذر، لذا رجاءً دلّيني على الطريق..." "مرفوض." "أنتِيييييييي!!!" صرخت ميساكي وهي تلوّح بالحقيبة كأنها تهددها.