الفصل 1: فرحة لم تكتمل
في قلب قارة إيريديان تقع مدينة زيراليون التي لا تهدأ أبدًا، حيث تكتظ الأسواق بالحركة والضجيج. تتناثر الأشعة الذهبية المنبعثة من سماء المدينة عبر الأزقة الضيقة، لتعكس ضوءها على المعادن النفيسة والأحجار الكريمة التي تزين واجهات المتاجر، فتمنح المكان بريقًا لا يخبو.
وفي قلب هذا الزحام، توقفت فتاة تُدعى ميساكي رينا في منتصف السوق، ملقيةً نظرةً محيرة على خريطة زيراليون بين يديها. كانت تحاول العثور على مكان تجنيد الصيادين للتسجيل وخوض الاختبارات، أملًا في اجتيازها والانضمام إلى أحد فيالق الصيادين في قارة إيريديان.
كانت الشوارع تموج بالأصوات والحركة، والوجهاء يتبادلون الصفقات بأصوات مرتفعة، بينما هي في قلب المعركة… معركة مع الاتجاهات.
"أعتقد بأن الطريق هناك… أو ربما هناك؟" همست لنفسها وهي تنظر إلى ممرات مختلفة.
"آههه، أين أنا حقًا؟ كل شيء هنا متشابه!"
فركت شعرها الأزرق بيدها الأخرى، وكأنها تحاول طرد التشتت من عقلها.
"يبدو أنني سأضل الطريق حتى النهاية!" قالتها بصوت مرتفع، ثم تداركت نفسها بسرعة عندما مرت بجانبها بعض الوجوه المتعجّلة. "آه، إنهم بالتأكيد يظنون أنني أبحث عن والديَّ! هل أنا طفلة ضائعة؟!"
"ماذا لو سألت أحدهم؟" فكرت، ثم ابتسمت بخجل. "أو ربما لا، لا ارغب بأن أكون مثيرة للشفقة في أول رحلة بالنسبة لي."
كانت عازمة على ألا تسأل أحدًا… كانت مقتنعة بأن هذا سيكون "محلّ تندر" في أسواق مارينتال.
ومع ذلك، بدأ اليأس يتسلل إلى قلبها بعد مرور الوقت. نظرت إلى الخريطة مرة أخرى، وحاولت تمرير أصابعها عبر الخطوط التي لا تبدو متوافقة مع واقعها.
ثم… ظهرت صورة في مخيلتها، صورة وجه والدتها، الذي كان دائمًا يرافقها في هذه اللحظات بالتحديد. تذكّرت ذلك الحوار الذي دار بينهما قبل أن تغادر المنزل وتبدأ سفرها لتحقيق هدفها:
قالت الأم يومها وهي تضع شيئًا صغيرًا على الطاولة:
"ما رأيكِ بالحصول على الخريطة الضوئية؟ ستساعدك في رحلتك، وستكون أسهل من الخريطة التي تملكينها الآن."
تنهّدت ميساكي، وردّت بنبرة دفاعية:
"لقد أخبرتك يا أمي، لا أريدها. الخريطة الورقية كافية تمامًا، أستطيع قراءة الرموز وتتبّع المسارات وحدي!"
ابتسمت الأم بهدوء وقالت:
"ميساكي… لا بأس بالاعتماد على الأدوات الحديثة، ليست ضعفًا كما تظنين. الخريطة الضوئية تُظهر لك الاتجاهات لحظة بلحظة، ولن تضيعي معها."
هزّت ميساكي رأسها بإصرار:
"لكنها تجعل كل شيء سهلاً جدًا! ما فائدة المغامرة إن كنت أملك شيئًا يخبرني بكل خطوة؟ أريد أن أتعلم من الطريق، من أخطائي!"
ضحكت الأم بخفة، وقالت بصوتٍ دافئ:
"أحيانًا يا صغيرتي، لا يكون الذكاء في مواجهة الصعوبات، بل في معرفة متى نختصرها."
أجابت ميساكي بعنادٍ لطيف:
"ربما… لكنني أريد أن أثبت لنفسي أنني أستطيع فعلها وحدي، دون أن أحتاج إلى خريطة ضوئية أو أدوات مساعدة!"
ثم تذكّرت كيف قالت لها والدتها أخيرًا، وهي تلوّح بيدها مودّعة:
"تذكّري، يا ميساكي، حتى الطريق الذي تعرفينه قد يضلك إن أصررتِ على السير بعينٍ واحدة."
عاد صدى تلك الكلمات الآن، وسط صخب السوق، وكأنها همس خافت في أذنها، فتمتمت بابتسامة متعبة:
"وكانت محقّة كعادتها..."
شعرت ميساكي بالحرج من نفسها. "لم أستمع إليها يومًا… كنت أظن أنني أستطيع تدبير أموري بمفردي."
أخذت نفسًا عميقًا وفكرت: لكن من الممكن أن هذه الخريطة بها ما هو ضروري! يمكنني إيجاد الطريق بنفسي.
ومع كل خطوة كانت تشعر بالضياع أكثر، حتى بدأ الغضب يغلي في صدرها. "ليتني استمعت إلى كلام أمي وأخذت الخريطة الضوئية!" صرخت بأعلى صوتها ولكنه اختلط مع ضوضاء المدينة ولم يلحظه أحد.
"أنتِ هناك، يا فتاة!"
سمعت ميساكي نداءً، فالتفتت بسرعة نحو مصدر الصوت، كان الكشك الخشبي يقبع بين الأزقة المكتظة، تلتف حوله روائح التوابل والعطور، وخلف طاولة متهالكة جلست امرأة عجوز ذات شعر أبيض كثيف وعباءة بنية مرقعة.
"نعم، أنتِ يا ذو الشعر والعيون الزرقاء. تعالي إلى هنا."
بعدما أشرت البائعة إليها، أخذت ميساكي خطوة مترددة نحو الكشك، تشق طريقها بين الزحام. وقفت أمام الطاولة المتهالكة، وعيناها الزرقاوان تلتقطان كل تفاصيل العجوز وعباءتها المرقعة.
"هل تحتاجين شيئاً يا جدتي؟"
ردت العجوز بسؤال مفاجئ:"هل قلتِ إنكِ تبحثين عن خريطة ضوئية؟"
ذُهلت ميساكي بسؤال العجوز المفاجئ وقالت بحماس:
"نعم! هل لديك واحدة؟!"
ابتسمت العجوز.
"ما رأيكِ أن تأتي لنتفاوض؟"
مدّت يدها إلى درج خشبي خلفها، وأخرجت شيئًا يشبه بوصلة ذهبية كبيرة، مزينة بنقوش زرقاء سماوية. فتحت الغطاء، فانبعث منها ضوء خافت، وظهرت فوق الطاولة خريطة ثلاثية الأبعاد لمدينة زيراليون بأكملها.
تألقت عينا ميساكي بدهشة.
"مذهل! مدينة زيراليون بالكامل؟! هذه… هذه خريطة حية!"
"وأخيرًا… تنفستُ الهواء من جديد. هل تعلمان كم خانق هذا الدرج؟!"
تلفتت ميساكي في ذهول.
"مـ-من تحدث الآن؟!"
خرج الصوت الآلي الأنثوي الناعم مجددًا من الضوء.
"أنا. الخريطة. هل هناك مشكلة؟ هل في قريتكم الخرائط تلتزم الصمت؟"
"آآاه!! خريطة تتحدث؟! أنا… لم أكن مستعدة لهذا النوع من التكنولوجيا!"
ضحكت العجوز.
"نسيت أن أذكر أنها من الجيل القديم... كانت تكلّم أصحابها لتجنب الحوادث، أو لتوبيخهم أحيانًا."
قالت الخريطة بتنهيدة مسرحية:
"كنت أُرافق الملوك والصيادين العظماء… والآن أجد نفسي بين يدَي فتاة تائهة لا تعرف الشمال من الجنوب."
وضعت ميساكي يديها على خصرها.
"مرحبًا! أنا لست تائهة، فقط... أُعيد تحليل الاتجاهات!"
"كنتِ تدورين في حلقة مغلقة منذ عشر دقائق. الجرذان بدأت تُشفق عليكِ يا فتاه."
زفرت ميساكي في يأس.
"يا إلهي… حتى الخريطة تسخر مني."
ضحكت العجوز بخفة، وسألت:"قبل التحدث عن سعر الخريطة ما رأيك بإخباري عن اسمكِ؟ ومن أين أتيتِ أولاً؟" قالت العجوز
اعتدلت ميساكي في وقفتها، ووضعت يدها على صدرها.
"أنا ميساكي رينا. جئتُ من مدينة صغيرة وهادئة تُدعى ريما، تقع في أقصى شمال قارة إيريديان."
وضعت العجوز يدها على ذقنها مستغربة:"... رينا؟ من ريما؟"
أمالت ميساكي رأسها بفضول.
"أجل... هل هناك خطبٌ ما؟"
هزت العجوز رأسها نافية تساؤلها وابتسمت:"كلا، لا تهتمي، هل يمكنني سؤالك لماذا تريدين الخريطة؟"
ابتسمت ميساكي، ولمعت عينيها بالأصرار والحماس:"أريدها من أجل إيجاد مكان تجنيد الصيادين، لأخطو طريق أخي لأصبح صيادة قوية تنضم إلى اقوى نقابات الصيادين في العالم، ويذكر اسمي بكتب التاريخ."
ابتسمت العجوز بعناية، ونظرت إلى ميساكي بعينين مليئتين بالاهتمام:"هدفك نبيل، يا ميساكي… أخبريني، من هو أخوك الذي تريدين أن تقتدي به؟"
"أخي الأكبر، راين رينا. كان صيادًا، لكنه لم يعد منذ سنوات. لِذا قررت أن أمشي على خطاه… وأصبح أقوى منه."
قالت الخريطة بصدمة: "راين؟! مستحيل… لم أظن أنني سأسمع هذا الاسم مجددًا."
رفعت ميساكي حاجبها، سائلة الخريطة: "أتعرفينه؟"
أجابت الخريطة بغضب: "هاه؟! من لا يعرف هذا الصياد الأسطوري الذي أنقذ القارة بمفرده!"
لم تُبْدِ العجوز أي ردة فعل كبيرة بسبب توقعها ذلك، من خلال كونها قادمة من نفس المدينة "ريما"، وتشابه اسم العائلة ولون شعرها وعيناها مع الصياد الأسطوري راين.
تجمدت ميساكي في مكانها.
"هااااه؟!!! ماذا؟! أُسطوري؟ راين؟!!!"
حدّقت العجوز في وجهها طويلًا، ثم تنهدت:
"راين… يا صغيرتي، أخوكِ ليس مجرد صياد… إنه أحد أقوى الصيادين في القارة. قاتل في حرب الوادي الأسود، وهزم وحش الـ'فيرمس الأبدي' بمفرده، وحتى أنه أوقف أحد الأباطرة السبعة من مسح مدينة كاملة، ومن ثم اختفى فجأة منذ ثلاث سنوات، ومنذ ذلك الحين لم تتوقف الإشاعات عنه."
أغمضت ميساكي عينيها، وضغطت على رأسها بإحباط:
"كل هذا وأنا لا أعرف شيئًا؟! كنت أظنه مجرد مغامر قوي!"
علقت الخريطة ببرود: "تُفهم الآن ثقتك الزائدة… إنها وراثية على ما يبدو."
قالت العجوز: "مدينة ريما معزولة عن أخبار العالم. يبدو أن أخاكِ كان يحميكِ من كل شيء… حتى من شهرته."
قالت الخريطة هذه المرة بنبرة ساخرة: "لا تقلقي… لن يعرف أحد أنه أخوكِ حتى لو أخبرته... لأنه لن يصدقك على أية حال."
تجهمت ميساكي.
"أنتِ اخرسي."
وضعت العجوز الخريطة فوق الطاولة.
"بالعادة كنت سأبيع هذه الخريطة بمئة ألف روبي. لكن… من أجل اخت راين؟ خمسون ألف فقط."
ارتجفت ميساكي للحظة، وملأت الصدمة قلبها.
"خمسون ألف؟!؟... أنا لا امتلك هذا المبلغ حتى!"
خمسون ألف روبي… رقم يفوق كل ما تملكه أو حلمت به. شعرت بالخيبة تغلق عليها الطريق الذي طالما سعت إليه، وكأن هدفها الأكبر ابتعد عنها فجأة بلا رحمة.
"كم تملكين إذن؟" سألتها العجوز بفضول.
فتحت حقيبتها ثم أخرجت محفظتها منها وفتحتها.
"لدي ما يقارب... خمسة عشر ألف فقط..."
أطلقت العجوز ضحكة خافتة، تخلّلها سعالٌ متعب.
"خمسة عشر ألف فقط، أليس كذلك؟" قالت وهي تميل رأسها إلى الجانب. "حتى هذا المبلغ لا يشتري نصف بوصلة اليوم."
انكمشت ميساكي في مكانها، وشعرت بحرارة الخجل تزحف إلى وجهها.
أغلقت محفظتها ببطء، وكأنها تغلق معها آخر بصيص أمل.
"أفهم…" ثم تنهّدت، ورفعت عينيها نحو العجوز بابتسامةٍ حزينة.
"شكرًا على وقتكِ، يا جدتي… آسفة لإزعاجك."
استدارت لتغادر، لكن العجوز بقيت تنظر إليها بصمتٍ طويل، كأنها تزن شيئًا في خاطرها.
ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
"انتظري يا فتاة."
توقّفت ميساكي، دون أن تلتفت.
"تعلمين… كنت أظن أن اخت راين ستكون مختلفة. متكبرة، مغرورة… لكنك تشبهينه أكثر مما تظنين."
التفتت ميساكي بدهشة خافتة، لكن قبل أن تنطق، دفعت العجوز الخريطة نحوها فوق الطاولة.
"خذيها."
اتسعت عينا ميساكي، ترددت لحظة ثم همست:
"ماذا؟ لكن… لا يمكنني قبولها مجانًا!"
ابتسمت العجوز بهدوءٍ يشوبه دفء غامض.
"اعتبريها هدية لتحقيق حلمك."
رفعت الخريطة صوتها فجأة، بنبرة ساخطة:
"هل تمزحين؟! أنا لست مسؤولة عن فتاة لا تفرّق بين الشرق والغرب!"
ضحكت العجوز بخفة، وربّتت على الغطاء الذهبي.
"اصمتي، يا لسان النحاس… لقد وجدت صاحبتك الجديدة."
أخذت ميساكي الخريطة بيدين مرتجفتين، تحدّق في الضوء المتوهج المنبعث منها، ثم همست بخجلٍ صادق:
"شكرًا لكِ… لا أعلم لما ساعدتِني، لكنني ممتنّة حقًا."
اكتفت العجوز بابتسامة هادئة، وأومأت برأسها دون أن تقول شيئًا، بينما انصرف الضوء المتراقص على وجهها مع نسيم المساء الخفيف.
تمتمت الخريطة ببرود:
"أنا أُباع كل مرة لأسباب عاطفية… أين كرامتي الرقمية؟"
"أعدكِ بأن أستخدمك في مهام عظيمة!" قالت ميساكي
"ممتاز… فقط لا تضيّعيني أو تتركي علىّ آثار طعام، رجاءً."
"موافقة!"
وفجأة، بينما كانت ميساكي تتأمل الخريطة بإعجاب، شقّ السوق صوت خفيف أشبه بصفير هواء، تبعه ومضة ظلّ انزلق بين المارة. قبل أن تدرك ما يحدث، شعرت بوزن الخريطة يختفي من بين يديها.
تسمرت للحظة، ثم صاحت بصوت مرتجف:
"ماذا…؟!"
رفعت عينيها، لتلمح شخصًا مقنّعًا يركض مبتعدًا، والخريطة المضيئة تلمع بين يديه.
"أيها اللص السخيف!!! أعد الخريطة فورًا!"
التفت الناس حولها بدهشة، وتعالت الهمهمات في السوق، بعضهم حاول اللحاق بعينيه، وآخرون تراجعوا خوفًا من الفوضى.
صرخت العجوز وقد ارتفعت من مكانها:
"يا إلهي! لقد اختفى!"
اندفعت ميساكي بكل سرعتها بين الأزقة الضيقة، تشق طريقها بصعوبة وسط الحشود المربكة، عيناها مثبتتان على ذلك اللص الذي يراوغ ببراعة. لم يكن مجرد سارق عادي، بل محترفًا، حركاته سريعة، دقيقة، وكأنه يعرف كل زاوية في المدينة عن ظهر قلب.