الفصل 151
ضوء الشمس يتسلل عبر النوافذ الكبيرة بخفّة سببتها الغيوم القليلة العالقة هناك
بينما برودة عالية تسيطر على جزيئات المكان ..
xxxxب الساعة تقف عند السابعة و النصف صباحاً ..
بينما الأخرى
تتسكّع بنظرها بين زوايا البهو الكبير .. استلقت على إحدى الأرائك
وغاصت بجسدها فيها .. قدم معكوفة تحتها و أخرى ممدة ترتفع أمامها على ذراع المقعد .. يدّها المتهدّلة إلى الأرض تقبض " جهاز التحكم " بإهمال ..
عيناها تتلّون بكل البهجة المُتقَدة على الصورة .. ف مشاهدة الرسوم المتحركة بلا صوت .. دليل
لكآبة لا مُتناهيّة
تتذكَر محادثَتها لجدتها .. و عمها .. يدعونها لحفل صغير هُم بصدده
لكّنهم يتحججون بأنها على شرف عودتها ..
أصبحت أكثر نضجاً لتدرك كذبتهم الصغيرة تلك
جميعُهم لا يحبونها .. و يرونها " متكبرة ، ساخرة " .. يتجنبون الحديث معها
و الآن و بعد عودتها ب مُدة قاربت الشهرين .. قرروا ذلك
زفرت بتعب وهي تقول لنفسها " حسناً ، تبدو جدتي أكثر صدقاً ..
و يبدو بجلاء أنني لن أذهب .. فلست بحاجة للمزيد من الضيق "
انتقل عقلها لصوت آخر مختلف .. قريب
أصبح من اللازم عودتها .. و إلا فقد يقرروا فصَلها
داومت لأسبوع .. لكّنه كان شنيعاً بلا ريب .. غيابها زاد
لكَنّها لا تلوم قلبها
كُل ما هناك يذكَرها بهما الأشخاص .. و المكان .. الضجّيج
و الأحاديث دائماً تتخلل إسميهما .. و يبدو أن هذا الصباح
لا يختلف كثيراً عن صباحاتها الباقيّة
الصمت الذي يحيط بها .. مطبق تماماً
حتّى الأشياء المحيطة بها .. كأنها تتمطى أمام كُل تلك الرتابة مصدرة تكّات خفيفة من باب التسليّة
تفكيرها يحوم حول نقطَة معينة .. و هي تنهض من مكانها تّرتب
" معطفها " الطويل على غير " عادة "
و تلّف طرحتها و نقابها .. سارت نحو حقيبتها القابعة على بُعد
ثم ذهبت لمقّر عملها ..
تفكَر بغباء أحياناً ف تظن .. بأنها لو
سمعت خبر موتهما لكَان هذا أقل ألماً من بقائها مُعلقة تحمل بداخلها
شمعتان متنافرتان للأمل و اليأس
عملت حتّى أصابها إجهاد حقيقي .. لكّنها تستلذ بكُل ما يشغل جوارحها
و اليوم كان صباحها مختلفاً لكَن في المساء
كانت تقف أمام " الاستقبال " و تحمل بين يديها ملفاً تحدّق في صفحاته بتعب محاولة التركيز فيه
لكَنّها سمعت صوت وصوت مألوف جداً
../ سستر ..
إلتفتت نحوه فوجدته بدأ في محادثة ممرضة آخرى
بقيت عيناها تأكل ملامحه بشراهة عجيبة تشتم وجوده بفضول أعمى
تبحث عن ضالتها خلفه أو بين يديه في معطفه .. أو
بخبر ما داخل عينيه
و كأنه أنتبه لوجودها .. ف اصطدمت نظراتهما للحظَة
قبل أن يحّولها هو و يقول بنبرة شك
../ سلمــــى .. ؟
أقترب منها وهو يبتسم و يقول
../ توقعتك ما تجي اليـوم
لمْ تكُن في مزاج يُتيح لها أن تبادله ذلك الإبتسام .. أو حتى سؤاله " لماذا "
لذا تركت ذلك معلق في ذهنها لدقائق قبل أن تشعر بذلك الشخص يتجاوزها و يشّدها من يدها نحو ممر قريب
يُفضَي لـ غرفة الممرضات
و تركت الأول و وقوفه و السعادة الرابضَة في عيناه هكذا
زفرت بغضَب وهي تتوقف عن المتابعة
../ نجوى لو سمحتي .. صدق مو بمزاج لك .. وراااااي شغَل أخلصَه بعدين
قاطعتها الأخرى وهي تقول
../ لاآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ .. هالمرة مرة بس .. فيه وحدة بتشوووفك
قليل من الفضول داعب أعماقها الغارقة في السواد
لأن الأخير غلب القليل ذاك
استدارت و هي تلّوح بيدها ب لا مُبالاة مًصطنعة
../ موب وقته .. بعدين بعدين
لكَن صوت جديد إستنفر آخر خلاياها الميّتة يأساً ..
إستفزّ حزنها ليقتلها فوخزها بشَدة في حنجرتها
إستدارت تتصَنع إبتسامة تجبرها على التقوسّ للأعلى
لكنها تريد العكَس
../ هلاآ نشوى ..
وجه الأخيرة يصَرخ بسعادة غامرة .. لا توازيها سعادة
صحيح أنها رحلت من هناك دون توديع أي منهم
لكّنها سعيدة هي أيضاُ و في أعماقها لأنها عادت بالسلامة من جديد
../ الحمدلله على السلامَة
نطَقتها بين ذراعيّ الأخرى التي تشّدها بقّوة .. و تهمس لها
../ الله يسلمك .. و مبروووك ليكي على رجعتهم
زفرت بشّدة .. و هي تدفعها عنها و تهمّ بالتحرك لحيث تُكمَل عملها
لكَن يد " نشوى " أحاطَت برسخها
../ سلمى .. مالك يا بنت .. متئولي الحمدلله .. ما يهمش هما رجعوا كيف .. المهم إنهم جنبك دحين ..
فغرت فاهها لثواني قليلة .. أو ربما طغت لدقائق معدودة قبل
أن تستوعب ببطء سُلحفاة
ما تقوله " نشوى " هل عادوا فعَلن
.../ إنتوا متى رجعتوا ؟
صوتها كان خافتاً بل و متحشرج بشَدة
قبل أن تجيبه الأخرى بدهشَة
../ أمس .. هوا المفروض عندنا إجازة بس أنا جيت آخد بعض الأوراق .. بس أخوك وجوزك جو مع الدفعة التانية اليوم الصُبح
و لتكمَل " نجوى " بصوت ساخر
../ إيييه .. و أنا إلي قلت ما بتجينا سلمى اليوم إلا و معاها هدايا رجعتهم سالميــن .. بس مالت علينا
*
أستغفر الله العظيم
*
لاآ تعَلم كيف أصبحت تقف في منتصَف الطريق المقابل
للمشفى ..
وهذه هي المرة الأولى التي تقف فيها في الشارع
ب هذا الزي بينما ترقد عباءتها بسلام في قاع حقيبتها
لا تعلم كيف تركت نشوى ذاهلة في ذلك الممر و بجوارها
لا يهمها كُل ذلك المهم أن تصَل إلى منزلها بأسرع ما يمكن
تركتها سيارة الأجرة على بعد خطوات من بوابة المنزل الرئيسية
بعد أن ألقت له ما لا تدري مقداره لكَن السعادة على ملامحه كفتها
إلتهمت خطواتها الواسعَة الأرض من تحتها بسُرعة عالية
حتى وصَلت لباب الفلّة الرئيسي
لكَنها توقفت هناك لدى الباب
تتأمل البهو الأمامي الكبيــــر .. و خادمَة التي راحت تمسح الأرضيّة في منتصَفه
و المكان يعصف فيه هدوء لا يختلف تماماً عمّا تركته صباحاً
سألتها بصوت خافت لكَن رنّان
../ جا أحد اليوم ؟
لتحّرك الأخرى رأسها بهدوء وهي تجيب
../ لا
هكذا أوقَدت شمعَة أمل محترقَة منذ البداية
شيء ما جعلها تركض متلهَفة مغادة كُل ذلك السواد
شيء ما " آخر " جعلها تتحّرك بيأس مُفرط نحو حجرتها
لا أحد هنا فالخدم يخدمون أنفسهم .. و هي تقبع وحدها
لا حاجَة لكّي تبكي بعد الآن
فيأس في داخلها أستحال لظُلمة متفشّية
ظلمة حقيقيّة لا مادّية فيها
استلقت على سريرها
وهي تتذكَر شيئاً ..
ثم تمتمت بشيء من قبيل
أن عليها أن تشكُر نشوى ..، لأنها جعلتها تبتسم بفرحة ولو لدقائق
أحلمُ أحيانًا بتحطيمِ الحوائطِ الحائمةِ كأشباحٍ من حولي
بإلقاءِ النافذةِ جُثَّةً من النافذة
بالركضِ بلا معطفٍ أو مظلَّة في طُرُقاتٍ عارية
بإذلالِهِ، هذا المطر، وَحْلاً تحتَ حذائي
بالصراخِ عاليًا
عاليًا
حيثُ تسخرُ من وجودي جمجمةُ القمر.