حين عدنا بلا القاب ( ليلة الثلج ) - الفصل الخامس❄️🏔️ - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: حين عدنا بلا القاب ( ليلة الثلج )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس❄️🏔️

الفصل الخامس❄️🏔️

كانوا قاعدين حوالين السفرة، بياكلوا وبيتبادلوا أطراف الحديث، كلام خفيف يتقال علشان يتقال. كل ما الموضوع ييجي ناحية الشغل، سواء حد يذكر صوفيا كـ دكتورة ناجحة، أو حد يتكلم عن معاذ كرجل أعمال، أو حتى يجيبوا سيرة آخر كتاب نازل، كانوا يلفّوا الدفة بسرعة. يضحكوا ضحكة قصيرة، ويغيروا الموضوع، وكأن الكلمة نفسها تقيلة على السفرة. مرة عن الجو، مرة عن الأكل، مرة عن الذكريات القديمة اللي مالهاش نهاية واللي مش فاكرينها اوي . فضلوا كده لحد ما زهقوا. زهقوا بجد. يمكن ما حدش قالها بصوت عالي، بس التلاتة—صوفيا، معاذ، وعمر—فكروا في نفس اللحظة: يا ريت نقوم دلوقتي ونمشي. الأكل كان لذيذ. طعم قديم، طعم بيت، طعم سنين طويلة ما داقوهوش. حاجة كده تفكرك بزمن أبسط، قبل ما الدنيا تعقد. كان ممكن السلام يكمل. كان ممكن الليلة تعدّي على خير. بس… هو السلام ده كان لازم يتكسر. ليه؟ لأن القرية فجأة… قامت. صوت عالي من بعيد، جلبة، هرج. ناس بتجري، وأصوات غريبة مش مألوفة. غربا. وجوه محدش شافها قبل كده. كانوا بيدوروا على واحد من أهل القرية. وده عمره ما حصل. دخلوا القرية وهم غضبانين، نبرتهم حادة، أسئلتهم مباشرة. يسألوا، يضغطوا، وما عندهمش صبر. وفي الآخر… المعلومة وصلت لهم. اللي بيدوروا عليه موجود دلوقتي… في بيت عيلة عمر. السفرة سكتت فجأة. الضحك اختفى. والهدوء اللي كان مالي المكان من شوية اتحول لثِقل. حد بلع لقمة على الناشف. حد تاني بطل أكل خالص. وبرّه… القرية كلها كانت بتتحرك. والسلام؟ كان أول ضحية. ______ الحديث وقف فجأة جوّه البيت. ولا كلمة اتقالت. الكل بصّ لبعضه، نظرات سريعة، متوترة، كأن كل واحد مستني التاني يفسّر الصوت اللي جاي من برّه. بسمة كانت أول واحدة كسرت الصمت، بصوت واطي وفيه استغراب ' إنتوا سامعين اللي أنا سامعاه؟" ما كملتش جملتها. طرق قوي على الباب خلّاها تنتفض من مكانها، الكرسي وراها اتحرّك بعصبية. دق… دق… دق! أبو عمر وقف، قلبه دق أسرع من إيده. مين اللي يخبط بالشكل ده في ساعة زي دي من الليل؟ قال بصوت عالي شوية، فيه حذر " مين؟" الطرق زاد، أعنف، كأن اللي برّه مستعجل أو غاضب. نائلة قربت منه، وشها شاحب "روح شوف… بس خد بالك، بالله عليك." في اللحظة دي، أبو صوفيا وأبو معاذ قاموا هما كمان، وبإشارة واضحة من إيديهم قالوا للجميع يفضلوا مكانهم. بس ما إن اتحركوا نحية الباب لحد ما لحقهم فورًا: معاذ… وعمر… وصوفيا وراهم، رغم صوت أمها اللي ناداها بخوف " صفاء!" فتحوا الباب. وقبل ما حد يستوعب المشهد، معاذ لمح اللي واقفين برّه… وفجأة استند على الحيطة جنبه، كأن رجله خانته. صوفيا، اللي كانت وراه مباشرة، بصّت له بذهول " مالك؟" كان لسه هتسأل، بس هو رفع سبابته قدّام شفايفه بإشارة سريعة: اسكتي. بصت فورًا لعمر. عمر ركّز في معاذ، نظرة فاحصة، حذرة. وبرّه… الهواء كان ساقع، والرياح بتعدّي بين البيوت، والتِلج نازل بهدوء… حبيبات صغيرة، كأنها بريئة، تناقض مرعب مع اللي واقف قدّام الباب. مجموعة رجالة. كلهم لابسين أسود. وشوشهم غريبة… مش من أهل القرية. بس برضه… مش شكل رجالة كويسين. نقول إيه؟ مرابون. أبو عمر سألهم فورًا بنبرة حادة " إنتوا مين؟ وعايزين إيه؟" الرد جه… بالإنجليزي. الرجالة الكبار بصّوا لبعضهم باستغراب، مش فاهمين غير كلمة واحدة اتكررت — Moe… Moe. مو؟ ما فيش حد هنا بالاسم ده. واحد منهم اتقدّم خطوة وقال — Moe owes us money. مو اقترض فلوس. مقابل فوايد. وما سدّش. ولا جنيه. وهرب. فاكر إنهم مش هيوصلوله؟ فاكر إن الست اللي كان مأجر منها الشقة مش هتتكلم؟ صوفيا كانت بتسمع… وتفهم. قلبها وقع. لفّت راسها فورًا نحية معاذ، اللي عضّ على شفته بغيظ وهمس " الست دي…" وسكت، بس المعنى كان واضح. الثرثارة اللي كان بيتسلى معاها، واللي قالها إنه هرب على بلد أهله. عمر فهم في نفس اللحظة، وقال بسرعة وبحسم " مافيش حد بالاسم ده هنا." في اللحظة دي، الستات بدأوا يطلعوا من جوّه. وأولهم… بسمة. واحد من الرجالة نطق بعصبية — Are you kidding me? They said he’s here. وبعدين وقف لحظة، كأنه بيفتكر — What was his name again? — Muaz… وأشار نحية الداخل — He’s here. صوفيا اندفعت فورًا وقالت بثبات ظاهري " لا، مافيش حد بالاسم ده هنا." ثانية صمت. وبعدين… الرجالة طلعوا المسدسات. الهواء اتجمّد. الستات شهقوا. والقلب وقف. واضح إنهم مش جايين يهددوا وبس. جايين ياخدوه. ومش هيمشوا من غيره. أبو معاذ كان واقف مذهول، مش فاهم كلمة، بس الرعب كان مكتوب على وشه. الكل كان مرعوب. أما معاذ… فاستقام في وقفته. كان لسه مش فاهم كل حاجة، بس أول ما شاف وش صوفيا شاحب، وعمر رافع إيده قدّامها، كأنه حائط بيحميهم من اللي برّه… فهم. في خطر. ______ الهواء كله اتجمد، الثلج نازل بهدوء، لكن الإحساس بالخطر كان بيملأ المكان كله. عمر اتقدم شوية، حاول يتكلم بأدب، بص للرجل الكبير اللي شايل المسدس، وقال " اسمع يا عم… مفيش حد هنا بالاسم ده… تعالوا نتكلم ونحل الموضوع من غير أسلحة." الرجل، من غير أي تغيير في تعابير وشه، رفع راسه وبص في عيون عمر للحظات، ثم رفع المسدس فجأة واطلق طلقة في الهواء. بوم! الصوت مزق صمت الليل. الكل اتراجع لورا، قلبهم وقع. بسمة صرخت، سميرة أم معاذ تقدمت بخوف، أبو معاذ شرد، وسأل " إيه ده؟ إيه اللي بيحصل هنا؟" صوفيا وقفت مذهولة، مش عارفة تتكلم… مش عارفة تقول لهم إيه. هل تقول لهم الحقيقة؟ إنهم جايين عشان معاذ؟ قبل ما تلحق، معاذ اندفع لقدام، خطوة جريئة لكن خطيرة. صوفيا حاولت تمسكه " استنى… ده خطر!" عمر جالها من وراها، دفعها برفق لورا " ابعدي يا صفاء… ده خطر كبير." معاذ وقف قدام المرابي، حاول يتكلم بهدوء، بنبرة محترمة " يا عم… ممكن نتكلم؟ الموضوع ممكن يتحل بالكلام من غير عنف… ممكن تديني فرصة دقيقة…" الرجل ماكنش مهتم بالكلام، رفع المسدس على جبهة معاذ فجأة. العرق بدأ ينزل من رأس معاذ، وجهه بارد، قلبه بيدق بسرعة، والصدمة ضخت خوف في عروق الكل. والده مسك رأسه وقال " ايه ده؟" سميرة وأخته بسمة اتقدّموا على طول، بيحاولوا يحموه، بينما عمر بيحاول يمنعهم " قفوا! أبعدوا…!" صوفيا، في لحظة حاسمة، قالت بصوت مرتعش " معاذ…معاذ تورط مع رجالة مش كويسين وهم جو عشان يصفوا الحساب معاه " معاذ رفع إيده كإشارة للاستسلام، قلبه بينقطع من الخوف، عرقه ينزل على رقبته وظهره، شعور بالعجز يغمره. الرجل سأله " عايز تعيش؟ ولا لأ؟" ثم بدأ يشرح " المبلغ اللي عليك مضاعف… لو الدين كان عشر ألاف، دلوقتي عايزين خمسين آلف فوراً… ولو ما دفعتش ... انت عارف ..." معاذ اتجمد، قلبه وقع " أنا لو عندي الفلوس كنت دفعتها من الأساس !" الرجل قاطعه، بصرامة " مش بهتم… ولا عايز أعرف… لو فكرت تهرب، عيلتك كلها هتدفع الثمن." رجاله رفعوا المسدسات ناحية العيلة كلها، الرهبة كانت واضحة، بسمة تقربت من معاذ، سميرة بتبكي بخوف، وأبو معاذ بدأ يربط الخيوط: ابنه تورط مع رجال خطرين… واضح إنهم عايزين فلوس. معاذ حاول يتوسل " يا عم… اعطيني فرصة… يومين… بس يومين…" الرجل ثبت المسدس وقال " و لو هربت؟" " مستحيل… مش ههرب…" قال معاذ بثقة رغم خوفه. " لو فكرت تهرب… هقتل عيلتك… " رد الرجل. " عارف… ومش هخاطر… " قال معاذ، وهو بيحدق فيه. بعد تفاوض قصير، الاتفاق اتعمل مهلة يومين لتسديد المبلغ. ولو ما دفعش… النتيجة معروفة… الكل هيتحمل. الثلج مستمر ينزل، الجو ساكت تقريبًا، غير صوت الرياح الباردة… القلوب كلها كانت بتدق بسرعة، والخوف مكتوب على وجوههم كلهم. معاذ واقف قدام المسدس، صوفيا وراها، عمر متوتر، وأبوهم وأمهاتهم واقفين يحاولوا يستوعبوا الموقف. _____ دخلوا البيت كلهم، بيت عيلة عمر، والصمت نزل عليهم زي بطانية تقيلة. ولا حد اتكلم… ولا حد عرف يبدأ منين. معاذ ماقدرش يقعد. لف شوية في المكان، وقف، رجع وقف، إيده بتترعش، ونَفَسه مش منتظم. كل المصايب نزلت على دماغه مرة واحدة. انفضح… قدام أهله، قدام القرية، وقدام نفسه. ويومين… قصاد خمسين ألف. رقم لو اتقال في القرية يتضحك عليه، قرية عايشة على الزراعة، على الطحين، على التعب اليومي… مش على أرقام بالشكل ده. لو كان عارف أنه الرجل هيوافق كان طلب مدة اطول ، عشان يومين اللي قالها كانت تعبير مجازي ، رغبة في النجاة . صوفيا كانت واقفة، ضامة دراعتها على صدرها، ضهرها لازق في الحيطة، عينيها ثابتة بس مليانة ترقب. جنبها عمر، ساكت، ملامحه مش باينة، بس جسمه مشدود كأنه مستني مصيبة تانية تقع. صوت عقارب الساعة كان واضح، تيك… تيك… تيك… وبعد انتظار تقيل، والد معاذ كسر الصمت أخيرًا، بصوت واطي بس حاسم "مش هتتكلم؟" سكت لحظة، وبعدين كمل رولا لسه؟ هتشرح اللي حصل ده ولا لأ؟" معاذ حاول يهرب، قال وهو بيبص في الأرض " ما… ما سمعتش؟ صوفيا شرحت قبل كده…" لكن النظرات اللي اتوجهت له، خصوصًا من أبوه وأمه سميرة، خلت الكلام يقف في زوره. سميرة كانت بصاله… نظرة أم مستنية تكذيب، أي حاجة، غير الحقيقة. خطوة واحدة لقدّام. وبعدين فجأة… نزل على ركبه على الأرض. الصوت كان مسموع. كلهم اندهشوا رفع راسه شوية، صوته مكسور " لازم أقول… عارف… لازم أقول.ر بلع ريقه، وكمل " أنا… من سنة تقريبًا… كنت فاكر نفسي هعرف أعمل فلوس بسرعة… تجارة، شغل، صفقات…" ضحك ضحكة قصيرة مليانة مرارة " بس كل حاجة باظت." سميرة حطت إيدها على صدرها، ملامح وشها بدأت تتغير… من قلق… لاستنكار… لصدمة " استلفت فلوس…" قالها معاذ بهدوء موجع، " في الأول كان مبلغ صغير… وبعدين كل ما أغرق أكتر، أستلف أكتر… لحد ما دخلت مع ناس غلط." بسمة كانت واقفة، فاتحة بقها، مش مصدقة. " إنت بتهزر؟" قالتها وهي بتهز راسها " ابيه؟" هو ما بصّش لها. كمل " لما ما قدرتش أسدد… هربت." رفع عينه لأبوه لأول مرة " كسرت الموبايل… وغيرت المكان… قلت أرجع البلد ومحدش هيعرف." وش أبوه كان متجمد. ولا تعبير. ولا كلمة. ده كان أخوف من أي صريخ. " النهارده… شكلهم لقوني." قالها معاذ وهو صوته بيتهز " طالبين… خمسين ألف… خلال يومين." سكت، وبعدين همس "وإلا…" ماكملش. مش محتاج. سميرة شهقت، خطوة لورا، دموعها نزلت وهي بتقول " خمسين ألف؟! إنت ضيعتنا يا معاذ؟!" بينما عائشة و نائلة يحاولوا يهدوها وأبوه… فضل ساكت. نفسه طويل طلع من صدره، تنهيدة تقيلة، كأنها طالعة من جوّه عمر كامل. الكل تنهد. تنهيدة واحدة مشتركة. تنهيدة ناس فهمت إنهم دخلوا خطر. مش مشكلة عادية. مش خناقة وتعدي. دي ورطة. ومفيش منها خروج سهل. الصمت رجع تاني. بس المرة دي… كان صمت ناس عارفة إن اللي جاي أصعب. _____ والد معاذ ما صرخش. الصراخ ضعف… وهو راجل عمره ما كان ضعيف. وقف قدّام ابنه، وبص له نظرة غُربة. نظرة واحد كأنه بيشوف شخص تاني، مش الواد اللي ربّاه بإيده، ولا الراجل اللي كان بيقف يفتخر بيه وسط الناس. قال جملة واحدة بس، ولا زوّد ولا شرح "أنا ربيت راجل يسندني… ما ربيتش هارب يدفن راسي في الطين." الكلام كان قليل، بس موجع أكتر من ألف صرخة. الخمسين ألف؟ آه رقم كبير… بس ده مش اللي مكسّره. اللي مكسّره بجد كلمة مرابين. كلمة ربا. في القرية دي، دي مش فلوس وبس… دي عار. ابنه اللي كان اسمه يتقال في القعدات باحترام، رجعله مطارد… يتدور عليه بسلاح. معاذ كان واقف ساكت، حاسس إن الكلام ده أقل حاجة يستاهلها. ما حاولش يدافع، ولا يبرر. هو عارف إنه غلطان… وغلط كبير. والد عمر حاول يلطّف الجو، قال بهدوء " يا حاج، استنى بس… كل عقدة وليها حل. هنفكر سوا." والد صوفيا هز راسه موافق " إحنا أهل… ومش هنسيبك لوحدك." لكن والد معاذ رفع إيده إشارة كفاية. " دي مشكلتي أنا." قالها بثبات. " وغلط ابني أنا." "سامحونا على اللي حصل… ما كانش ينفع نكمّل السهرة." وبص لسميرة " يلا يا سميرة… حضّري نفسك." وبسمة؟ كانت واقفة مصدومة، وقلقانة على اخوها معاذ وقف هو كمان.ما ينفعش يستخبى. الغلط غلطه… ولازم يرجع يتحمله. في الناحية التانية، عيلة صوفيا كانت بتتحرك هي كمان. صوفيا كانت متوترة، مش بس عشان اللي حصل، لكن عشان فكرة واحدة دخلت دماغها ومش راضية تطلع: ماذا لو أنا مكانه؟ تخيلت نفسها واقفة قدّام أهلها، بتقولهم إنها اتطردت، إنها بلا شغل، وإن اسمها بقى في قضية. تخيلت نظرة أبوها… وكلام أمها… وحسّت بقلبها يقبض. سحبت نفسها بهدوء ورا أهلها، وهي ساكتة أكتر من أي وقت فات أول ما كل واحد راح في طريقه،عمر دخل أوضته وقفّل الباب وراه. قعد على السرير،وسرح في نفس الفكرة. هو كمان فاشل. مش مطارد… بس فاشل. استغل فلوس أهله، قال لهم كاتب، شغف، موهبة… وبعد كل ده؟ ولا كتاب نجح. سأل نفسه في صمت: لو عرفوا الحقيقة… هيبصولي إزاي؟ هيزدَروني؟ البيت كله كان ساكت. بس العقول كانت مليانة ضجيج. الليلة خلصت… بس المشاكل؟ لسه أولها.