حين عدنا بلا القاب ( ليلة الثلج ) - الفصل الرابع ❄️🏔️ - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: حين عدنا بلا القاب ( ليلة الثلج )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع ❄️🏔️

الفصل الرابع ❄️🏔️

في بيت عيلة معاذ ... البيت كان واسع، دافي، وواضح عليه إنه بيت ناس “حركة”. مش هدوء أراضي ولا صمت جبال… ده بيت تجارة. في المدخل، صناديق خشب فاضية متكومة على جنب، ريحة قماش جديد مختلطة بريحة قهوة، ورفوف عليها دفاتر حسابات قديمة، وأحذية شتوي متراصة جنب الباب، شكلها مستخدم بس معتني بيها . البيت نفسه مبني حجر، بس من جوه متجدد، أرضية ملسا، شبابيك متقفلة كويس، وستاير تقيلة تحس إن ده بيت حد دايمًا مستني حد ييجي… أو يطلع. أول ما معاذ دخل، شال الجاكيت التقيل من على كتفه وقال بعفوية "أمال فين أوضتي؟ لسه زي ما هي؟" الكلمة نزلت في المكان غريبة. بسمة، أخته، كانت واقفة مستندة على الحيط، شابكة إيديها، وبتبلع ريقها وهي باصة له من فوق لتحت، نظرة عدم تصديق خالص. سكتت شوية، وبعدين قالت "إنت بتهزر، صح؟" معاذ عقد حواجبه "بهزر في إيه؟" رفعت حواجبها وهي بتشير ناحية الممر "أوضتك؟ دي بقت أوضتي." وقف. لحظة صمت. كأنه ما سمعش كويس. "إزاي يعني؟" اتجه نحية الباب الخشبي اللي حافظه، مد إيده عشان يفتحه وفجأة بسمة صرخت "أبيه!!" وجريت، وقفـت قدّام الباب، فردت دراعاتها على عرضه، ظهرها لازق في الخشب، وعينيها فيها تحدي واضح. "دي أوضتي. وخصوصيتي." معاذ بص لها بذهول وهو يحاول يزيحها "إنتي بتهزري؟ دي كانت أوضتي!" في اللحظة دي، ظهر صوت من وراهم. " كانت." والدته سميرة ظهرت من المطبخ، شايلة علبة طحين كبيرة، إيديها مليانة دقيق، وعبايتها فيها آثار شغل. بصّت لمعاذ وقالت بنبرة هادية بس حاسمة "الأوضة دي بقت أوضة بسمة. ودخولها دلوقتي أصعب من دخول مغارة علي بابا." بسمة هزّت راسها بانتصار. معاذ حس إن الدنيا بتهزر معاه. "مش معقول… دي اوضتي و معروفة من الماضي !" بسمة ردت بسرعة، ولسانها طالع منها "والماضي عدى، يا أبيه." وبينما هي فردة دراعتها أكتر " أنا زمان كنت بنام مع ماما وبابا في نفس الأوضة. دلوقتي كبرت، ومن حقي أوضة لوحدي." وبصّت له بنظرة مباشرة " وبعدين… مش إنت اللي قلت إنك مش راجع؟" الكلمة دخلت فيه زي دبوس. معاذ حاول يضحك "طب مش المفروض تفرحي بعودة أخوكي؟" وقرّب منها، ومد إيده وقرص خدها " كبرتي اوي يا بسمة." زقّت إيده "كبرت آه. ومش هسيب الأوضة." تنهد معاذ "طب وأنا أنام فين دلوقتي؟" والدته ردت من غير تردد "دبّر نفسك في الصالة لحد ما نشوف حل." فتح بقه يعترض لكن فجأة سمع صوت أبوه من آخر البيت "على فكرة… ليه ما كنتش بترد على تليفونك؟" الجملة خلت جسمه يشد. ضحكته اختفت. عقله جري. يقول إيه؟ يقول إن التليفون مكسور؟ ولا يقول الحقيقة… إنه هو اللي كسره بإيده؟ عشان محدش من الداينين يعرف يوصله؟ عشان يختفي شوية؟ بلع ريقه "كان… كان فيه مشاكل شبكة." أبوه بص له نظرة طويلة، لكن ما علّقش. معاذ حس إن الاعتراض مش وقته. سحب نفسه بهدوء،وقَبِل الصالة،وقَبِل الكنبة،وقَبِل فكرة إنه ضيف في بيته القديم. في نفس الوقت، والدته كانت محتاجة الطحين. "لازم أعمل حاجة نروح بيها بيت عمر." بسمة سألت "هتعملي إيه؟" "فطير مشلتت." فطاير طبقات رفيعة، متسقية سمن بلدي جاي من حظيرة والد صوفيا أكلة تقيلة، تدي طاقة في البرد ده. "يلا يا بسمة، تعالي ساعديني." بسمة تحركت ببطء، لكن قبل ما تسيب الباب، لفّت وبصّت على معاذ نظرة تحذير. "أوعى تدخل." وبعدين دخلت المطبخ،وهي لسه بتراقب خطواته كأنها خايفة إنه يرجع طفل ويستعيد أوضته… حتى لو بالغلط. ومعاذ؟ وقف في الصالة،باصص حواليه،وحاسس لأول مرة .إن رجوعه .مش زي ما كان متخيل خالص ______ في بيت عيلة عمر بيت عيلة عمر كان مختلف من أول خطوة جواه. مش بيت تجارة، ولا بيت تعب أرض… ده بيت ناس ثابتة. المدخل واسع، أرضيته حجر قديم متلمّع من كتر ما اتداس عليه سنين، ريحة خشب محروق جاية من المدفأة، والحيطان متعلقة عليها أدوات قديمة: مفتاح طاحونة، ميزان حبوب نحاس، وصور أبيض وأسود لرجالة واقفين قدّام مطاحن القمح. البيت كبير، مش صاخب، صمته تقيل، صمت ناس عندها كل حاجة… فمش محتاجة تثبت حاجة. ده بيت “أعيان القرية”. عمر أول ما دخل، شال الجاكيت التقيل، استأذن و لفّ ودخل على طول ناحية أوضته. كان لسه هيقفل الباب، بس صوت خطوات وراه. "عمر… استنى." أمه، نائلة، كانت جاية وراه، ووالده ماشي جنبها بخطوات هادية. دخلوا الأوضة. أوضة عمر بسيطة،سرير خشب تقيل، مكتب عليه أوراق مبعثرة، كتب متكومة، وشباك بيبص على ساحة البيت، منه شايف المطاحن من بعيد. نائلة بصّت حواليها وبعدين بصّت له "إنت جيت فجأة ليه؟ بقصد لو كنت اعلمتنا من قبل او ابكر شوية كنا احتفلنا برجوعك كويس" عمر رد وهو بيفك الجزمة "حبيت أغيّر جو." الرد جه قصير… زي دايمًا. والده بص له بنظرة فاحصة "بس؟" هز عمر كتفه "بس." نائلة كانت عايزة تقول حاجات كتير، أسئلة محبوسة في صدرها: ليه دلوقتي؟ ليه من غير ما تقول؟ ليه باين عليك تعبان؟ لكن والده قطع اللحظة "سيبيه يا نائلة. ما تضغطيش عليه." بصّت له، وبعدين بصّت لعمر. نائلة… الست اللي دلّلته من وهو طفل، ابنها الوحيد،كانت دايمًا نفسها يكون أكتر كلام، أكتر فضفضة. بس عمر من صغره كان كده: ساكت، مغلق على نفسه، يحس أكتر ما يتكلم. تنهدت "طيب… غير هدومك، واستريح. إحنا هنجهز لسهرة النهارده." وهزّت راسها، وخرجت هي ووالده،وقفلوا الباب وراهم بهدوء. عمر فضل واقف شوية. بعدين راح ناحية السرير، وقع عليه تقيل، ولف على جنبه،ساحب البطانية لحد رقبته. سقف الأوضة ثابت. صامت. وهو بيفكر: أنا فاشل… حتى في الكدب. اللي قاله لهم ما كانش كفاية. ولا عمره هيبقى كفاية. الحقيقة موجودة،ومش هتستخبى كتير. كاتب… ولا كتاب نجح. كل اللي كتبه اتقري، وبعدين اتنسى. عمر غمض عينيه.حاسس إن اللحظة دي مؤقتة. وإن اللي جاي هيفضح كل حاجة. _____ صوفيا ... خرجت من الحمّام أخيرًا، والبخار لسه طالع وراها، وشعرها مبلول شوية، والبرد مستنيها برّه. كانت لابسة الهدوم اللي أمها جابتهالها. هدوم ريفية تقيلة، طابعها شتوي واضح. جوانتي صوف بني غامق، وجيبة صوف طويلة لحد تحت الركبة، لونها بني محروق، وبلوفر صوف تقيل، نسيجه خشن شوية، لونه بني فاتح مائل للبيج، وفوقه صديري صوف مقفول من قدّام، وحزام جلد بني عريض رابط الوسط. الهدوم كانت دافية… بس مش هي. فيها حاجة بتفكرها إنها رجعت صفاء، مش صوفيا. نشّفت شعرها كويس، وجدلته جدلة واحدة ورا، الشَعر الأشقر المصبوغ باين غريب وسط الجو ده، كأنه مش من المكان. خرجت على الممر، ولفت نظرها صوت حركة في الفناء. أمها… عائشة. كانت واقفة عند السلة، بتجمع البيض واحدة واحدة، بحرص، وإيديها الخشنة المتشققة من البرد شغالة وكأنها بتعمل حاجة مقدسة. صوفيا قربت وسألت "إيه ده؟" عائشة ردت من غير ما تبص "البيض ده… مع اللبن والحليب. هنبعتهم معانا لبيت عيلة عمر." جسم صوفيا شدّ. ااااه… الزيارة. قالت بسرعة، محاولة تكون هادية "ماما، ما فيش داعي لكل ده. إحنا لسه واصلين، والجو برد، والناس تعبانة…" عائشة وقفت، بصّت لها نظرة أم ما بتقبلش نقاش "لا يا بنتي. ده واجب. واللي يرجع بعد غياب يتعمله قدره." صوفيا زفرت بضيق، نفَس تقيل طلع من صدرها. عارفة إن الكلام خلص. لفّت على نفسها وقالت "طيب… هدخل أوضتي." ومشيت. أوضتها . الأوضة كانت في آخر الممر. فتحت الباب… ريحة خشب قديم، وغبار سنين. أوضة بنت مراهقة، رجعت لها وهي داخلة التلاتينات. سرير خشب بسيط، مفرش قديم لونه باهت، مكتب صغير متآكل، دولاب خشب صريره معروف. الحاجات كانت زي ما هي… بس هي اللي اتغيرت. فتحت الشباك شوية، الهوا البارد دخل، وبدأت تنظف. مسحت الترابيزة، رفعت الكتب القديمة، كراريس المدرسة، دفاتر بخط طفولي متعجل. وبعدين شافت الصندوق. صندوق خشب صغير، مركون تحت السرير. قلبها دق شوية. شدّته وفتحته. ألعاب قديمة، دُمى، وشوية أوراق مطوية. فتحت واحدة. خط مهزوز… خط بنت غضبانة من العالم. " مش قادرة أستحمل ريحة الحظيرة. مش قادرة أستحمل التعب. أنا همشي… ومش هرجع أبداً. هبقى شخص تاني." سكتت. الكلام كان ليها… بس مش ليها دلوقتي. حسّت بغربة غريبة، مش من المكان… من نفسها القديمة. قفلت الورقة وحطتها مكانها. لمحت حاجة تانية. راديو صغير، قديم، وشرايط كاسيت. افتكرت نفسها وهي قاعدة بالليل السماعة لازقة في ودانها، بتسمع أخبار مدن بعيدة، وأغاني كانت بتحسّسها إن في عالم تاني مستنيها. قلبت في الصندوق أكتر… وأخيرًا شافت ألبوم الصور. كانت سايباه. قررت ما تاخدوش معاها زمان. مسحت الغبار عنه بهدوء. طفولتها. أهلها كانوا بيحبوا التصوير. كل مرحلة موثقة. صورة ليها… راكبة على ضهر بقرة. وقفة قدّام الكاميرا، لابسة قبعة قش. ضحكت بخفة "أنا لبست القُبعة دي إزاي؟" قلبت الصفحة. صور أكتر. وفجأة… وقفت. صورة قدّام عربية العم نقال. عيال القرية كلهم متجمعين. عينها وقعت على طفل تخين، واقف وهو ماسك سندوتش كبير. وطفل تاني… قاعد بعيد شوية، في إيده كتاب، نظره مش مع الباقي. وقريبة منهم… بنت. عقدت حواجبها بتفكير. "ده… الاستاذ عمر؟" لا… مش متأكدة. قربت الصورة أكتر. والطفل التخين… ذاكرتها ضربت فجأة. طفل كانوا بيتريقوا عليه، بس كان دايمًا راجع تاني يوم، وسندوتشه أكبر. قلبها دق بسرعة. "استنى… لا… مش معقول." بصّت للصورة، وكأنها شايفة الماضي وهو بيضحك لها. القرية ما نسيتش. هي اللي حاولت تنسى. ______ غابت الشمس ورا الجبال بهدوء، والسما اتحولت من أزرق باهت لبرتقالي غامق، وبعدين لرمادي تقيل، وكأن الليل بينزل واحدة واحدة على القرية. في بيت عيلة عمر، الاستعدادات كانت شغالة من بدري، ودلوقتي قربت تخلص. نور أصفر دافي طالع من الشبابيك، ودخان خفيف بيطلع من المدخنة، وريحة الأكل… ريحة تشد الواحد من الشارع. ريحة سمن بلدي سايح، ولحم مستوي على نار هادية، وشربة سخنة بالبهارات، ومزيج غريب من القرفة والفلفل الأسود. ريحة بيت مستعد يستقبل ناس. المعازيم بدأوا يوصلوا، أصوات خطوات على الثلج، سلامات وتهاني، وأصوات ضحك مكتوم. صوفيا كانت ماشية ورا أبوها وأمها، شايلة علبة البيض بإيديها الاتنين، وحاسّة إن المشهد كله مش حقيقي. إزاي وصلت لكده؟ من عربية عالقة في الجبل… لسفرة كبيرة في بيت ناس غريبة. دخلوا الفناء، وباب البيت كان مفتوح، الدفا طالع يقابلهم. السفرة كانت متجهزة جوه، طاولة طويلة من الخشب التقيل، مفروشة بمفرش أبيض سميك، عليها أطباق فخار، وقدور كبيرة بتفور، وطبق لحم في النص، وشوربة، وخضار، وعيش سخن ملفوف في فوط. أصوات ترحيب علت. نائلة، أم عمر، ست ملامحها هادية، لبسها تقيل وأنيق، ابتسامة ثابتة. رحبت بعائشة بحرارة، وسلمت على أبو صوفيا اللي فضل يتكلم مع اب عمر صوفيا كانت واقفة جنبهم، بتبص حواليها، تحاول تفتكر أي اسم… أي وش. ولا حاجة. هي تعرف بس عمر. معرفة سطحية. سواق الدراجة. لما عينيهم اتقابلت، اكتفت بإيماءة احترام بسيطة، من غير كلام. لحد ما سألت بارتباك حد عايز يخلص من المهمة "أحط البيض فين؟" قبل ما حد يرد، حسّت بحد قريب. عمر. وقف قدّامها، قامته الطويلة عملت ظل خفيف عليها، مد إيده وأخد العلبة من بين إيديها من غير كلام، نظرة سريعة، وقال " أنا أخده." سابته وشكرت بإيماءة. نائلة قالت لعائشة "ما كانش ليه داعي التعب ده كله." عائشة ردت بسرعة "ده أقل واجب… وإحنا تحت أمركم، لو محتاجين حاجة." نائلة ابتسمت "تسلمي." وفجأة… كلهم لفّوا ناحية الباب. صوت حركة جديدة. باب بيتفتح. عيلة معاذ وصلت. أبوه وأمه، وأخته بسمة، ومعاذ. كان لابس بالطو شتوي غامق، صوف تقيل، شارف أبيض، بِنطلون غامق، جزمة جلد نضيفة. مظهره مهندم… زيادة عن اللزوم شوية. بس اللي يعرفه كويس، هيلاحظ توتر خفيف في حركته. في إيدهم علبة كبيرة. الفطائر المشلتتة. ريحة السمن البلدي سبقتهم. سلموا، التحيات اتبادلت، والبيت بقى مليان. وصوفيا واقفة في النص، حاسّة إن الحكاية أكبر منها، وإن اللي جاي… مش بسيط أبداً. _____ كانوا بيستعدوا يقعدوا في أماكنهم حوالين السفرة. الكراسي بتتزق على الأرض الخشب، وأصوات الصحون وهي بتتحط، وجو دافي مليان كلام وترحيب. بسمة سبقت بسرعة، سحبت الكرسي وقعدت، كأنها بتعلن إن المكان ده محجوز من بدري. صوفيا كانت لسه هتمد إيدها على الكرسي اللي فاضي جنبها، لما فجأة… حسّت بنَفَس قريب منها. قريب زيادة عن اللزوم. صوت واطي، نبرة لعب " يعني اسمك الحقيقي… صفاء؟" رفعت راسها فورًا. كان معاذ واقف جنبها، قريب، واريب قوي. ابتسامة التسلية اللي بقت تحفظها مرسومة على وشه، نظرة عارف إنه لمس حاجة حساسة. اسمها الحقيقي. الاسم اللي سابته وراها من سنين. هي ما كانتش ناوية تقول، ولا شايفة إن ليه معنى دلوقتي. بس بدل ما تتلخبط… ابتسمت ابتسامة خبيثة، وقالت بهدوء "وأنت كمان ما قلتليش إنك كنت طفل تخين أوي وانت صغير." نبرتها كانت خفيفة، بس عينها كانت مركزة عليه، بتستنى تشوف. هل أصابت الوتر؟ هو سكت لحظة. حاجبه اتحرك سنة. وبعدين… ابتسم. بس ما كانتش نفس الابتسامة. مال براسه ناحيتها، قلل من قامته شوية، حاطط إيديه في جيوب معطفه، وصوته واطي "آه… كنت. بس دلوقتي الوضع اتغير، مش كده؟" كان قريب. قريب زيادة. ريحة عطره خفيفة، صوته واطي، وحضوره فجأة تقيل. صوفيا لقت نفسها بتتوتر، حرارة خفيفة طلعت في وشها، خدودها احمرت من غير إذن. دفعتُه بإيدها بسرعة "ابعد شوية!" في اللحظة دي بالظبط، العائلات بدأت تقرب، الكلام علي، والضحك زاد. نائلة وزوجها بيرحبوا بالكل، وبيقولوا "اتفضلوا… اقعدوا، البيت بيتكم." معاذ قعد جنب صوفيا، وكأنه الموضوع محسوم من غير اتفاق. ميل ناحيتها وهمس "بس قوليلي… عرفتي منين موضوع التخن ده؟" كانت باصة قدّامها، للأطباق اللي قدامها، ونائلة بتحط لها أكل في طبقها وبتقول "كلي يا بنتي، ده أكلك." ابتسمت لنائلة بأدب، وبصوت واطي ردت عليه "لقيت صورة… صورة لينا واحنا صغيرين." معاذ وقف وهو بيصب اللبن في كبايته، قال باستغراب "صورة؟ أنا ما كنتش أعرف إن في صورة زي دي." قالت وهي لسه ما بصتش له "ولا أنا… بس واضح إن كلامهم صح. إحنا درسنا سوا، أنا وإنت… وحتى الأستاذ عمر كمان." في اللحظة دي، عمر اللي كان قاعد قدّامها رفع راسه فجأة، كأنه بيتأكد إنه سمع اسمه. معاذ بص له وقال "أيوه، شكلك كنت معانا." عمر ما ظهرش عليه أي تعبير. ولا دهشة، ولا ابتسامة. قال بهدوء "مش فاكر… أنا ما كانش ليا أصحاب. كنت بروح المدرسة وأرجع." بس وهو بيبص على صوفيا، في إحساس غريب عدّى جواه. مش ذكرى واضحة… بس إحساس إنه يعرفها. حتى لو عقله مش مساعده يفتكر. والسفرة بدأت، بس الماضي… قعد معاهم