الفصل الثالث❄️🏔️
الدراجة انطلقت وسط البياض، تشق الثلج كأنها بتتحدى الطبيعة نفسها.
عمر كان سايق بثبات واضح، إيده ثابتة على المقود، جسمه متوازن، حركاته واثقة… باين جدًا إنه مش أول مرة يسوق في ظروف زي دي.
ورا عمر، كانت صوفيا متشبثة فيه بكل قوتها، صوابعها ماسكة في معطفه، والبرد بيقرصها من كل حتة، بسها كانت مركزة قدّامها، عينيها مثبتة على الطريق.
أما وراها، فكان معاذ متشبث فيها، محاول يحافظ على توازنه، وفي نفس الوقت بيحاول يزوّغ راسه يمين وشمال عشان خصلات شعره اللي طايرة مع الهوا ما تدخلش بقه.
تمتم بتذمر
" هو البرد ده جاي مخصوص يغيظني؟"
الهوا كان حاد، بيعدي من خلال الهدوم، وصوت الموتور مختلط بصوت الريح، والطريق قدّامهم منحدر، متغطّي بطبقة ثلج بتلمع تحت ضوء الشمس الخجول.
وبالتدريج…
بدأت القرية تظهر.
كأنها لوحة زيتية مرسومة بإيد الشتا نفسه.
القرية قابعة في حضن الشمال القاسي، محاصرة بالجبال الشاهقة اللي قممها متغلفة بالثلج، لامسة السما.
البيوت الخشبية الملونة طالعة من البياض زي قطع حلوى متناثرة على بساط ناصع.
أصفر باهت، أحمر غامق، ألوان دافية بتقاوم الصقيع، وكأنها بتقول إن جوا الجدران السميكة دي في حياة، في نار مدفا، في أصوات وضحك.
الطريق المنحدر امتد قدّامهم كخيط رمادي، شاق طريقه وسط الجليد، محفور عليه آثار عجلات قديمة وخطوات ناس عدّت من هنا قبلهم، شايلة حكايات صباحات باردة.
وفي البعيد، كان الجسر العملاق باين، واقف فوق مياه قناة زرقا غامقة، رابط القرية بالعالم اللي برّه، كأنه بوابة بين صمت الجبل وضجيج مدن بعيدة.
الجبال حوالين القرية واقفة بوقار، كأنها حراس قدام، والسحاب بيلف حوالين قممها، مرة يبانوا واضحين، ومرة يختفوا في غموض شاعري يخليك تحس إن المكان نفسه بيتنفس.
الهدوء كان طاغي…
غير صوت الريح، وصوت الدراجة، وحفيف الثلج تحت العجلات.
قلب صوفيا بدأ يدق أسرع.
مش خوف…
حاجة أعمق.
انقباض خفيف في معدتها، تسارع في نبضاتها.
المنعطفات مألوفة، شكل الشجر، ريحة الهوا…
مكان كانت فاكرة إنها نسيته، لكنه دلوقتي بيفرض نفسه عليها.
إحساس غريب:
ألفة… لأنها تعرفه.
وغربة… لأنها ما بقتش تنتمي له زي زمان.
فهمت فجأة إن الكره اللي كانت شايلاله طول سنين الغربة يمكن ما كانش كره حقيقي…
كان درع.
درع بتحمي بيه نفسها من الحنين.
وهي مش لوحدها.
عمر كان ساكت، عينيه قدّام، بس شروده باين.
ومعاذ، رغم هزارُه المعتاد، سكت فجأة، وبص للبيوت والجبال بنظرة طويلة.
هما الاتنين غادروا القرية وهم مراهقين، في أول شبابهم…
ودلوقتي بيرجعوا وهم في أواخر العشرينات، محمّلين بخسارات وأسئلة.
الطريق اتسع شوية، والبيوت قربت.
وأخيرًا…
عدّوا من تحت اللافتة اللي بتعلن وجود القرية المعزولة دي.
اسمها واقف هناك، ثابت،
كأنه بيقول لهم:
أهلاً بكم… مهما هربتم، كده كده هترجعوا.
_____
عمر وقف الدراجة أخيرًا قدّام مدخل القرية، الموتور سكت، والهدوء رجع يلف المكان.
معاذ قفز أول واحد، رجليه لمست الأرض وهو بيشهق من البرد
" يا ساتر… أنا حاسس رجلي اتجمدت."
صوفيا نزلت بعده بحذر، حاطة رجلها على الأرض واحدة واحدة عشان ما تزحلقش، وبعدين نزل عمر، فكّ الكاسك بهدوء وكأن الرحلة دي كانت حاجة عادية جدًا بالنسبة له.
صوفيا مسكت الخوذة تحاول تشيلها…
شدّت.
ولا حاجة.
الخُوذة تقيلة وإيديها كانت لسه متلجة.
اتقدمت نحية معاذ من غير ما تقول حاجة، وهو فهم فورًا، مد إيديه وشال الخوذة منها.
كانت إيديه مزرقة فعلًا من البرد.
صوفيا وقفت لحظة، عدلت شعرها اللي كان ملخبط من الهوا، وبصّتله بنظرة فاحصة الطبيب اللي بتطلع تلقائيًا، وقالت بنبرة جدية هادية
" إيدك متلجة اوي يا معاذ… بص، أول حاجة ما تحاولش تدفّيها فجأة، يعني لا مية سخنة ولا نار، ده غلط.
افرك إيدك بهدوء، أو حطها تحت إبطك شوية، حرارة الجسم أحسن حاجة.
ولو حسيت بتنميل أو وجع زيادة، حاول تحرك صوابعك ببطء، حركة خفيفة بس، ما تعافرش.
وأهم حاجة دلوقتي، أول ما تدخل مكان دافي اشرب حاجة سخنة، حتى لو مية."
معاذ ابتسم، ابتسامة حقيقية المرة دي، وقال وهو بيهز راسه
" حاضر يا دكتورة… أصل واضح إنك مش “سابقة” أوي زي ما بتقولي."
ابتسمت غصب عنها.
وسكتوا لحظة…
لحظة الوداع بقى.
الاتنين لفّوا نحية عمر في نفس الوقت تقريبًا.
معاذ قال بامتنان واضح
" بجد يا عمر، متشكرين… لو لاك كنا لسه محبوسين فوق الجبل."
صوفيا أضافت وهي بتومأ
" شكرًا فعلًا، عملت معانا واجب كبير."
عمر اكتفى بهز راسه بهدوء وقال
"ولا يهمكم… ده واجب."
مدّ معاذ إيده، صافح عمر، مصافحة ثابتة.
عمر بادله المصافحة بنفس الهدوء.
صوفيا كمان مدت إيدها، صافحته بابتسامة محترمة دافية، وقالت
"متشكرة اوي."
وبعدين…
قبل ما هي ومعاذ يتصافحوا، معاذ ضحك وقال بنبرة خفيفة
" كده وقت الوداع بقى… بس صدقيني، ليلة الاحتجاز دي مش هتتنسي."
ضحكت صوفيا غصب عنها، الضحكة اللي بتطلع من غير تخطيط، ومدّت إيدها صافحته
" وأنا كمان… مبسوطة إني اتعرفت عليك، يا استاذ معاذ."
صافحها، وفي المصافحة كان في حاجة غير الكلام:
ليلة برد، خوف، ضحك، وصراحة…
حاجة صغيرة، بس مش قليلة.
_____
وقفوا التلاتة لحظة، ساكتين.
نظرتهم كانت لقدّام… للطريق اللي داخل القرية، الطريق اللي بيتفرع كأنه بيعرض عليهم اختيارات جديدة.
رجعوا للواقع أخيرًا.
رحلة التلج خلصت.
الخطر عدى.
وكل واحد فيهم فاكر إن اللي جمعهم امبارح انتهى هنا…
أو كده كانوا فاكرين.
فجأة…
بدأوا يشوفوا حركة.
من الطريق اللي خارج من القرية، في الاتجاه العكسي ليهم، ناس جاية بسرعة. خطوات تقيلة فوق التلج. رجالة كتير… وستات قليلين.
كلهم لابسين هدوم شتوي تقيلة، معاطف، قبعات، جوانتي.
وشوشهم باينة بس… مشدودة، قلقة.
في إيدين الرجالة أدوات مختلفة:
فؤوس، عصيان خشب، مجارف…
مش منظر عدائي، منظر ناس خارجة تدور…
ناس خايفة. الجماعة وقفت فجأة قدّامهم. مسافة قصيرة بس بينهم. نظرات حيرة، أنفاس متقطعة، والتلاتة واقفين مش فاهمين حاجة.
ثانية صمت…
وفجأة، واحدة من الستات خرجت من وسط الناس.
قصيرة شوية، لابسة كله أخضر… معطف، قبعة، شال.
عينيها وسعت، وصوتها طلع مبحوح، عالي، مليان خوف ولهفة
"صفااااااء!!"
صوفيا اتجمدت.
عينيها وسعت فجأة، قلبها نط.
"ماما؟… بابا؟"
عمر ومعاذ بصّوا لها في نفس اللحظة.
معاذ رفع حاجبه باستغراب، وبص لها وبعدين للست اللي بتقرب
"صفاء؟"
ما لحقتش ترد.
أمها كانت وصلت لها، سابت كل حاجة وفتحت دراعها، حضنتها بقوة، حضن أم خايفة لحد الوجع.
عيطت… من غير كلام.
دموع سخنة على وش صوفيا المتجمد.
صوفيا كانت واقفة تايهة، مش فاهمة، لكن دراعها لفّ تلقائيًا حوالين أمها.
وأهل القرية قربوا أكتر.
دايرة كبيرة اتكوّنت حواليهم.
همهمات، أنفاس ارتياح، دعوات واطية.
وبينهم…
ظهر أبوها.
راجل طويل، عريض الكتاف، في إيده فأس.
كان باين عليه التعب والقلق.
وقف لحظة، وبعدين بهدوء حط الفأس ورا ضهره،
ومد إيديه وحضن بنته.
حضن صامت…
حضن راجل كان فاكر إنه ممكن يفقدها.
صوفيا صوتها طلع بصعوبة
"أنا… أنا كويسة."
حد من الناس قال
"الحمد لله… الحمد لله."
والحكاية اتلمّت بسرعة.
الرسالة اللي بعتها امبارح.
أول ما الشبكة رجعت في الطريق الجبلي، الرسالة وصلت.
"رجعت القرية… والتلج حاصرني "
الخوف دخل القلوب.
ومع أول ضوء شمس، أهلها وأهل القرية قرروا يطلعوا يدوروا عليها.
لكن هي…
كانت وصلت خلاص.
وقبل ما المشهد يهدى…
صوت تاني نده.
"معااااذ!"
الكل لفّ نحية الطريق التانية المتفرعة.
ومن هناك…
ظهرت عيلته.
أبوه، أمه، وأخته.
وشوشهم كلها لهفة وقلق. كانوا عارفين إنه جاي…
بس تأخر. والتأخير في التلج ده معناه ألف حاجة وحشة.
أخته جريت أول واحدة
"إنت كويس ياابيه؟!"
معاذ ابتسم بدهشة
"أيوه… أهو زي ما إنتي شايفة."
لسه بيستوعب…
وفجأة، من الطريق التالت… ظهروا ناس تانيين.
عيلة عمر. جاية تستقبله هي كمان.
المشهد بقى غريب.
ثلاث طرق.
ثلاث عائلات.
وعدد كبير من الناس واقف في نص البياض.
ضحك، دموع، أصوات، أسامي بتتنادى.
القرية كلها كأنها خرجت مرة واحدة.
أما التلاتة…
صوفيا، معاذ، وعمر…
كانوا واقفين في النص، حيرانين.
لسه من شوية كانوا محبوسين فوق جبل.
دلوقتي…
محاطين بالناس، بالدفا، وبحكايات لسه ما بدأتش.
والتلج…
كان شاهد بس.
_____
الأحضان خلصت أخيرًا، والدموع نشفت، والضحك هدي شوية.
وساعتها بس…
العائلات ابتدت تاخد بالها إن في ناس تانية واقفة.
نظرات اتبادلت.ابتسامات مجاملة. سلامات بإيدين متلجة.
واضح جدًا إنهم بيعرفوا بعض.
مش معرفة سطحية…
دي معرفة قرية، معرفة عمر، معرفة ناس عاشت مع بعض سنين طويلة.
القرية دي أساسًا مفيش فيها حد غريب.
بس برضه…
كان في حاجة مكسورة. حاجة من الماضي…
الثلاثة نسوها. وفجأة، ومن غير ترتيب، الدعوات ابتدت.
عائشة، أم صوفيا، كانت أول واحدة تتكلم، بصوت عالي شوية، مليان فخر
" إنتوا تنورونا في بيتنا… صفاء رجعت بالسلامة، وبنتي دكتورة ولازم نعملها حاجة تليق بيها."
الكلمة نزلت على صوفيا زي حجر.
وشها اتجمد. عينيها وسعت.
دكتورة؟!
هي لسه ما قالتش حاجة.
ولا عن سحب الرخصة.
ولا عن المقاضاة.
ولا عن إنها عمليًا… قاعدة من الشغل.
وبصّت لأمها بصدمة: إنتي بتتفشخري بيا قدّام الناس… وأنا مليانة خيبة؟
بس ما لحقتش تستوعب أكتر…
الصاعقة اتحولت لمعاذ.
أم معاذ، سميرة بابتسامة عريضة، قالت بسرعة
" لا لا، الدعوة عندنا إحنا… ده معاذ راجل أعمال، وجاي زيارة، والناس كلها تنور."
معاذ حس إن الأرض بتسحب من تحت رجليه.
راجل أعمال؟!
هو لسه امبارح كان بيهرب من الدائنين.
جاي القرية مش فخر…
جاي مستخبي. الديون، القروض، الفشل…
ولا حد هنا يعرف.
لسه بيفكر يبلع الصدمة…
جت الصدمة التالتة.
أم عمر، نائلة ومعاها أبوه، دخلوا بثقة واضحة
" إحنا كمان بيتنا مفتوح… عمر ابننا كاتب، ونحب الناس تشرفنا."
الكل بص لعمر بإعجاب.
كاتب!
ناشر كتاب!
عمر اكتفى بابتسامة هادية، بس جواه كان في ضحكة مُرة.
الكتاب ما نجحش.
محدش قراه تقريبًا.
وكان عايش سنين على مصروف أهله، بيحاول يثبت حاجة ما حصلتش.
ثلاث دعوات.
ثلاث أسر.
ثلاث أكاذيب ناعمة، متغلفة بالفخر.
معاذ حاول يخفف الجو، بص لعمر وابتسم ابتسامة خبيثة "بص بقى… أنا ماكنتش أعرف إني واقف مع كاتب مشهور."
عمر بصله بنظرة جانبية هادية، لكن معناها واضح: ما تصدقش كل اللي بتسمعه.
أما صوفيا، فكانت بتحاول تنقذ نفسها
" ماما، بلاش إحراج… وبعدين مش لازم نروح عند ناس ما نعرفهمش."
الكلام نزل غلط.
غلط قوي.
الكل بص لها باستنكار.
ليه؟
عائشة اتكلمت بدهشة
" ناس ما نعرفهمش؟! إنتي بتقولي إيه يا بنتي؟"
واحدة من الستات قالت
" ده إحنا عِشرة عمر."
وراجل كبير في السن ضحك
" ده انتوا كنتوا بتروحوا المدرسة سوا!"
الجملة نزلت فجأة.
الثلاثة بصوا لبعض.
صوفيا… معاذ… عمر.
مدرسة؟الصور ما جاتش فورًا.
بس فجأة…
زي فلاش.
الثلج.
الطريق الصعب.وصوت راجل جهوري. العم نقال.
الراجل اللي كان بيتطوع في عز الشتا، يلم عيال القرية، ويوصلهم المدرسة بعربيته القديمة.
والتلاتة كانوا دايمًا مع بعض في الكنبة ورا.
صوفيا بلعت ريقها.
معاذ حك راسه.
عمر عقد حواجبه.
مش معقول…
نسيوا بعض للدرجة دي؟
لكن الحقيقة كانت أبسط وأقسى.
صوفيا…
غيرت كل حاجة.
اسمها، شكلها، لون شعرها.
طلعت برا البلد وبقت شبه الأوروبيين، لهجتها اتغيرت، ملامحها اتبدلت.
معاذ…
كان الطفل البدين. اللي الناس بتتنمر عليه
كبر، واتغير، بقى مهووس بالشكل، بعضلاته، بأناقته…
حد يعرفه دلوقتي؟
وعمر…
هو تقريبًا ما اتغيرش.
بس انعزاله من وهو صغير خلاه دايمًا في الهامش.
كأنه كان موجود… ومش موجود.
وقفوا التلاتة وسط الناس.
القرية فاكرة.
وهم ناسيين.
والماضي…
واقف قدّامهم،
بيبتسم.
_____
القرار اتاخد أخيرًا…
الضيافة هتكون في بيت عيلة عمر.
يمكن عشان هما فعلًا أعيان القرية، أصحاب الأراضي الواسعة والمطاحن الكبيرة اللي بتطحن قمح القرية والقرى اللي حواليها، ومخازن الغلال اللي الناس كلها معتمدة عليها في عيشها.
بيتهم هو الأكبر، والمضافة اللي دايمًا مفتوحة، والمكان اللي تتحل فيه المشاكل قبل ما توصل لأي حد تاني.
نفوذهم مش بالصوت العالي، لكن بالثقل…
وأي حد في القرية عارف إن كلمة والد عمر ليها وزن.
ماحدش اعترض، وكأن القرار طلع لوحده من غير نقاش.
العائلات بدأت تفترق واحدة واحدة.
والد صوفيا قرّب منها، إيده الخشنة المتشققة من الشغل في الأرض اتحطت على كتفها بحنية وقال
"متقلقيش على العربية والحاجات، أنا نازل مع شوية من الرجالة أجيبهم."
هو راجل معروف في القرية، عمره كله بين الحقول والحظاير، مسؤول عن شغل الأرض والري، واللبن اللي بيطلع من حظيرتهم بيتوزع على بيوت كتير.
إيديه دايمًا فيها أثر شغل، وأظافره دايمًا مش ناعمة، بس عمره ما اشتكى.
هزّت صوفيا راسها بس، وهي حاسة إن صدرها مقفول.
نفس الكلام اتقال لمعاذ.
أبوه قاله بوضوح
"إحنا كمان هننزل نجيب عربيتك "
عيلة معاذ معروفة في القرية بالتجارة والنقل.
عندهم عربيات نقل، ووكالات بتدخل بضايع من المدينة: أجهزة، ملابس، حاجات ماحدش يقدر يجيبها غيرهم.
هما حلقة الوصل بين القرية والعالم برّه، وسمعتهم في السوق هي رأس مالهم الحقيقي.
علشان كده كانوا دايمًا فخورين بمعاذ، “رجل الأعمال”، الواجهة اللي شايفين فيها نفسهم.
والتلاتة افترقوا…
كل واحد رايح في سكة مع عيلته.
بس ولا واحد فيهم كان حاسس إن اللي جاي حلو.
مفيش حماس، مفيش فضول… بس توتر.
كل واحد فيهم كان عارف، من غير ما يقول، إنه متورّط.
مش تورط طريق ولا ثلج…
تورط حكايات، وكدب، وسمعة معمولة بعناية، وحقايق مستخبية.
صوفيا كانت ماشية جنب أمها، وبتفكر إنها أخيرًا بقى عندها شوية وقت.
وقت تجمع فيه شجاعتها،
وتحاول تصيغ الحقيقة بشكل أقل وجعًا…
رغم إنها من جواها عارفة إن ده أسوأ توقيت وأسوأ رجوع.
بيت صوفيا ...
بيتهم كان بسيط، قديم، دافي رغم البرد.
حيطان حجر، وسقف خشب، وريحه خليط بين حطب المدفأة ولبن سخن وأرض مبلولة.
بيت ناس عاشت عمرها تشتغل بإيديها.
قدّام البيت كانت باينة الحظيرة، وصوت المواشي خافت،
وبراميل اللبن متغطية كويس،
وشوية أدوات زراعة متسندة على الحيط.
أول ما دخلت، عائشة ما سابتش بنتها.
ماشيّة وراها خطوة بخطوة، عينيها مليانة لهفة وأسئلة.
"طمنيني يا بنتي… الشغل عامل إيه؟ حياتك هناك ماشية إزاي؟ إزاي تيجي فجأة بعد السنين دي كلها؟"
"وأنا كنت ببعتلك… أفراح، مناسبات، حتى لما الحاجة الكبيرة ماتت… ماجتيش." صوتها كان فيه عتاب مكتوم، بس كمان فضول كبير.
صوفيا كانت بتلف في البيت، تفتح باب، تقفل باب، تبص في الأرض، في الحيطان… أي حاجة غير عيون أمها وفي الاخير قالت
"أنا… كنت عايزة أستحمى بس يا ماما، الطريق بهدلني."
عائشة وقفت لحظة، وبعدين قالت بسرعة
"طب ماشي، هفتحلك الحمام، ولو مالقتيش هدوم، أستلفلك من عند أم حسن...عشان بصراحة مافيش حاجة بتاعك هنا ...واواعيك القديمة صغيرة عليكي اوي والباقي منها اعطيناه"
صوفيا قوصت شفتها تلقائي
"هدوم حد تاني؟"
الفكرة كانت مستفزة ليها،
هي اللي عمرها ما لبست غير حاجتها، ماركات، أقمشة ناعمة…
بس إيه اللي بإيدها؟
شنطتها في العربية، والعربية لسه في الجبل.
هزّت راسها باستسلام
"ماشي." وهي متمنية كل ده يخلص وترتاح
أمها خرجت، وسابتها لوحدها.
وهنا… بدأت المشكلة الحقيقية.
معركة الاستحمام
الحمّام كان صغير، سقفه واطي، والبلاط بارد كأنه تلج.
مفيش دوش.
مفيش سخان.
فيه بس طشت، ودلو، وقدر نحاس كبير.
في قرية جبلية معزولة، وفي قلب الشتا،
الاستحمام مش رفاهية…
ده حرب.
المية بتتسخن في قدور نحاس فوق وابور الجاز،
وتستنى…
وتستنى…
وتستنى لحد ما البخار يطلع،
وبعدين تشيلها في دلاء، وتمشي بيها بحذر كأنك شايلة نار.
صوفيا كانت واقفة في الحمام سنانها بتخبط من البرد.
بصّت للقدر اللي قدامها، والبخار طالع منه خفيف.
افتكرت عيادتها.
افتكرت الحمام الواسع، الدوش اللي بيلسع جسمها بمية سخنة بضغطة زر.
افتكرت نفسها وهي “الدكتورة صوفيا”.
ودلوقتي…
هي صفاء.
صفاء بنت الأرض، بنت الحظيرة،
اللي أهلها طول عمرهم شايلين اللبن والزرع،
وهي دلوقتي شايلة دلو مية.
مرارة غريبة مسكت قلبها.
مدّت إيدها تشيل الدلو…
وفجأة !
كوكوكوكو!
صرخة حادة خرجت من حلقها "يااااه!"
دجاجة!
دجاجة كاملة، بريشها، قافزة جوه الحمام!
اتلخبطت، زعقت، رجعت لورا، والدلو اتقلب من إيدها.
المية السخنة اتكبت على الأرض، والبخار ملي المكان.
"إيه ده؟! إيه اللي دخلها هنا؟!"
الدجاجة جريت، خبطت في رجليها، وهي تصرخ أكتر وتحاول تلم نفسها.
قلبها بيدق بسرعة، مش عارفة تضحك ولا تعيط.
وقفت مكانها، مبلولة، بردانة، ومصدومة.
وبصّت حواليها.
وقالت بصوت واطي، مكسور
"أنا… رجعت إزاي لكده؟"
وبرّه الحمام، صوت أمها كان جاي من بعيد
"صفاء؟ إنتي كويسة؟"
صوفيا سكتت.
بصّت للأرض، للبلاط المبلول، للبخار اللي بيطلع…
وحست إن الليلة دي لسه طويلة اوي