الفصل الاول : ❄️🏔️
عند كتابة هذه الرواية كنت استمع الى اغنية lovely
اظنها اكثر اغنية ستناسبها وستفهمون ذلك لاحقا
الطريق الجبلي كان قدامها زي ما هو…
ضيّق، متعرج، وصامت بطريقة تخنق.
صوفيا كانت ماسكة الدركسيون بإيدين متشدّدين، العربية بتتزحلق كل شوية على طبقة التلج اللي غطّت الأسفلت نصه، والنص التاني كان طين متجمد، ولا هو رايح ولا جاي.
الهواء برا تقيل، والسماء لونها رمادي باهت، كأنها فاقدة أي رغبة في المطر أو الشمس… زيها بالظبط.
من السماعات كان شغال بودكاست هادي عن التعافي بعد السقوط، صوت المذيع ثابت زيادة عن اللزوم، مستفز.
كانت سامعاه بس مش مركزة، كل كلمة بتعدي من ودن وتطلع من التانية.
بصّت للطريق قدامها وضحكة قصيرة، من غير أي فرحة.
" ولا حاجة اتغيرت… ولا حتى الطريق الزفت ده. "
كرهته من وهي صغيرة.
كانت بتعديه كل شتاء وهي رايحة المدرسة، رجليها بتغرق في الطين، وشنطتها تقيلة، والخوف سابقها قبل ما توصل.
طريق عمره ما كان رحيم… لا مع طفل، ولا مع حد راجع مكسور.
مين كان يتخيل إنها ترجعله تاني؟
هي اللي كانت فاكرة إنها قطعت جذورها، ودفنت القرية دي جوه ذاكرتها، وما رجعتش غير في مكالمات سريعة أو عزومات اعتذرت عنها بسبب الشغل.
شغلها…
حياتها اللي كانت مثال يُحتذى بيه.
طبيبة عامة في واحد من أكبر المشافي برّه، اسمها بيتقال باحترام، وملفها نضيف، وسنين من السهر والتعب كانت بتقول لنفسها إنها تستاهلهم.
لحد اللحظة دي.
لحظة واحدة…
قرار واحد.
مريض دخل بحالة ألم حاد في البطن.
الأعراض كانت قريبة جدًا من حالة شافتها مية مرة قبل كده.
كان لازم تطلب فحص إضافي، أشعة أكتر، تحاليل تأكيدية.
لكنها ما عملتش.
اعتمدت على خبرتها.
على ثقتها في نفسها.
على إحساسها إن هي عارفة.
الوقت كان ضيق، القسم زحمة، وهي مرهقة.
اختارت أسرع طريق… وطلع أغلطه.
النزيف الداخلي ما اتشافش.
التشخيص كان ناقص.
والتدخل اتأخر.
المريض مات.
مش بسبب جهل…
لكن بسبب إهمال غير متعمد.
العيلة قاضتها.
والنقابة سحبت رخصتها سنتين كاملين.
سنتين من غير لقب، من غير غرفة كشف، من غير بدلة بيضا.
وسابوها مع السؤال اللي مابيهدّش
لو كنت اتأكدت… كان هيعيش؟
فجأة العربية هزّت هزة غريبة…
ودواسة البنزين ما استجابتش.
"إيه ده؟!"
قلبها دق بسرعة.
أول فكرة جاتلها: البنزين خلص.
بصّت على العداد.
لا… لسه فيه.
قبل ما تفهم، العربية غرست أكتر، وصوت العجل وهو بيلف في الهوا بقى أوضح.
نزلت من العربية بخطوات متلخبطة، التلج واصل لنص رجليها، والبرد عضّها فورًا.
بصّت حواليها…
ولا حد.
ولا شبكة.
ولا حتى صوت.
العربية كانت معلّقة نصها في التلج ونصها في الطين المتجمد.
شهقت، وصوتها طلع عالي رغم الفراغ.
" لا… مش كده!"
حطّت إيدها على راسها، وبصّت للطريق قدامها…
نفس الطريق اللي كانت فاكرة إنها هربت منه.
واضح إنه ما كانش ناوي يسيبها تعدّي بسهولة.
______
كان سايق عربيته والميوزيك شغالة على صوت متوسط، نغمة هادية فيها شجن خفيف، النوع اللي يخليك تحس إن الدنيا لسه فيها فرصة، لسه ما قفلتش الباب في وشك خالص.
إيده الشمال على الدركسيون، واليمين سايبها براحة، وجسمه متكي شوية في الكرسي.
معاذ كان محافظ على شكله…
معطف طويل بلون هادي، بدلة فاتحة، قميص مقفول نص قفلة، شعره متسرّح بعناية.
من برّه أي حد يشوفه يقول:
راجل ناجح، واثق، ما عندوش هم.
لكن اللي جوّه صدره كان عكس كده تمامًا.
كان لازم يسلك الطريق الجبلي…
الطريق اللي أي حد عاقل يهدّي فيه، بس معاذ ما عملش كده.
ولا حتى فكّر.
السرعة ثابتة.
أكتر من اللازم.
التلج بدأ ينزل خفيف، حبات صغيرة بتخبط في إزاز العربية، والطريق قدّامه بقى أبيض رمادي، ملامحه بتضيع واحدة واحدة.
المنظر رجّعه سنين لورا…
أيام زمان…
أيام المعاناة،
والفقر،
والبدايات الصعبة.
ابتسامة صغيرة ظهرت على وشه.
وقال لنفسه:
"غريبة… رغم كل التعب، كان في جمال."
وخلّيني أسألكم حاجة…
صدقتموه؟
طبعًا لا.
كل ده كان كذب.
كلام محفوظ، متحضّر، جاهز للإلقاء.
كان ناوي يقوله في خطابه…
يوم ما ينجح،
يوم ما مشروعه للملابس الرجالي يكسر الدنيا،
يوم ما يقف قدّام الناس ويقول
"أنا طلعت من هنا… ومن الفشل… ووصلت"
ما هو ده اللي بيعمله الكل، مش كده؟
الكل بيتكلم عن الفشل كأنه كان محطة جميلة.
كأن الوجع كان ضروري.
كأن الطريق عمره ما كسرهم.
بس الحقيقة؟
معاذ عمره ما حب الطريق ده.
ولا المكان ده.
ولا حتى ذكرياته فيه.
كان بيكره مكان ولادته.
بيكره ضيقه،وفقره، ونظرات الناس اللي دايمًا فاكرة إنك أقل.
بيكره الإحساس إنه لازم يطلع منه بأي تمن.
لكن الحياة ما ادتوش فرصة الخطاب.
رغم ذكائه الحاد في الحسابات…
زي ما أبوه دايمًا يقول،
وزي ما عيلته كانت تفتخر،
وزي ما درجاته كانت بتشهد…
فشل.
فشل فشلًا ذريعًا.
المشروع وقع. الفلوس اللي جمعها… واللي استلفها…
والقروض اللي خدها بثقة زيادة عن اللزوم…
كلها راحت مع الهوا.
ودلوقتي؟
راجع مديون، مش عارف يسد منين ولا إمتى.
بس برضه…
لازم يحافظ على شكله.
" على الأقل ده اللي فاضللي"
قالها لنفسه وهو يعلي صوت الميوزيك شوية.
فجأة…
الطريق نزل نزلة حادة.
العربية اندفعت أسرع من اللي متوقعه. معاذ حس بالدركسيون بقى تقيل. العجل زحلِق على التلج.
" إيه ده؟!"
داس فرامل.ولا فايدة. الدنيا كلها حصلت في ثواني.
عربيته نزلت من التلة بسرعة مخيفة، إزاز العربية اتغطّى بنقط تلج أكتر، والرؤية بقت شبه معدومة.
حاول يلف. حاول يتحكم. لكن العربية كانت خرجت من إيده.
وفجأة…
ظهرت قدّامه عربية من العدم
واقفِة.
ما شافهاش غير في آخر لحظة.
"لااااااااا"
الصوت اتخنق في صدره.
ضربة قوية…
صوت معدن في معدن،
هزة عنيفة خلت راسه يخبط في المسند،
والهواء خرج من رئته مرة واحدة.
ما سمعش صرخة الاستهجان اللي جات من العربية التانية.
ما لحقش يستوعب أي حاجة.
بس حقيقة واحدة كانت واضحة قدّامه وهو ماسك الدركسيون بإيدين مرتعشة
معاذ خبط عربية صوفيا.
والطريق…
اللي عمره ما حبه،
قرر ياخد منه أكتر مما كان مستعد يقدّمه.
______
الوقت عدّى ثواني…
ثواني تقيلة، لحد ما الاتنين استوعبوا اللي حصل.
صوفيا كانت لسه مش فاهمة أي حاجة.
كل اللي حست بيه إنها اتزقّت لقدّام فجأة، جسمها اندفع غصب عنها، والدنيا لفّت للحظة قبل ما تثبت.
قبلها بدقايق كانت راجعة للعربية، الثلج بدأ ينزل، والبرد قرص صوابعها، قالت لنفسها تفضل في السيارة وخلاص.
دلوقتي؟
فتحت باب العربية بعصبية ونزلت.
جزمتها غرزت في التلج، صوت كسر خفيف تحت رجليها، لكنها ما اهتمتش.
كل اللي في دماغها سؤال واحد:
مين الأحمق اللي خبطني؟
لفّت ورا العربية…
وأول ما شافت المنظر، صدرها اتقبض.
العربية اتدمرت.
الصدام الخلفي مهشم، والحديد متني، وكل حاجة كانت بتحبها فيها بقت ذكرى.
" إيه القرف ده؟!"
رفعت إيديها على شعرها الأشقر المصبوغ، اللي كان ملموم ورا راسها بعناية، خصلات هربت مع الهوا والبرد.
لابسة معطف طويل غامق، تحته لبس أسود بسيط، شكله هادي… بس ملامحها دلوقتي كانت أي حاجة غير هادية.
وفي نفس اللحظة…
معاذ نزل من عربيته.
وقف شوية، بيبص على العربية بتاعته، مش مصدق.
الضرر واضح، أكتر مما كان متخيل.
" يا نهار أسود…"
رفع راسه…
وشافها.
حاجبه اترفع تلقائي.
شَعر أشقر، ملامح ناعمة، وقفة واثقة رغم العصبية.
غصب عنه، ابتسامة خفيفة
الابتسامة اللي اتعود يرسمها كل ما يشوف ست حلوة.
بس ما كملتش ثانية.
"إنت مجنون؟! إنت خبطني إزاي كده؟!"
الصوت كان عالي، واضح، ومش أوروبي خالص.
الابتسامة وقعت.
الزير اللي جواه سكت.
واللهجة طلعت.
"آه… مش أجنبية."
فكرها في دماغه من غير ما ينطق.
قرب خطوتين، وقال بنبرة دفاعية
" إنتي واقفة في نص الطريق ليه أصلًا؟! شايفة التلج؟! أنا المفروض أشوفك إزاي؟"
وأشار بإيده حوالين المكان،
التلج في كل حتة، الطريق أبيض، والرؤية محدودة.
صوفيا بصّت له بذهول.
قوصت شفايفها باستنكار، وحست النار بتطلع لجوه صدرها.
" نعم؟!
يعني بقى الخطأ خطأي؟
إنت اللي خبطني، جاي تقولي أنا واقفة فين؟"
قربت خطوة من عربيته، صوتها كان ثابت بس مليان غضب
" أنا هقاضيك.
العربية دي تمنها مش قليل، وإنت بوظتها."
وقفت قصاده، بتبص له من فوق لتحت.
"إنت عارف أنا اشتغلت قد إيه عشان أشتريها؟"
معاذ سمعها…
وشيّف دماغه لفكرة واحدة.
النوع اللي بيحاول يقلد الغرب.
طريقة الكلام، اللبس، الثقة.
ابتسم بسخرية خفيفة وقال
" حلو اوي.
بس أول ما أبقى معايا فلوس أصلّح عربيتي أنا الأول، أبقى أشوف موضوع عربيتك."
صوفيا رفعت حاجبها، مش فاهمة.
"إنت بتستهزأ؟"
سند ضهره على عربيته المدمّرة، حط إيده في جيبه، وقال بهدوء مستفز
" لا خالص.
أنا بس بقولك الحقيقة…
أنا مفلس."
سكتت.
الكلمة نزلت عليها تقيلة.
كأن ده بالظبط اللي كان ناقصها.
من غير ما تحس، رجعت خطوتين، وسندت هي كمان على عربيتها المخربة.
إيديها وقعت على جنبها، وعينيها ثبتت على الأرض المغطاة بالتلج.
" مش معقول…"
قالتها بصوت واطي.
حادث.
عربية مدمّرة.
واحد مفلس.
والطريق الجبلي…
واقف يتفرج عليهم، ولا كأنه ناوي يرحم أي حد فيهم.
______
كان الصمت هو اللي مسك المكان من رقبته في اللحظة دي.
لا صريخ، ولا لوم، ولا حتى نفس عالي… بس صوت خفيف، منتظم، لحبيبات التلج وهي بتقع على الحديد المتهشم.
صوفيا كانت مسنودة على عربيتها، ضهرها لامس المعدن البارد، وعينيها مرفوعة للسماء.
التلج بينزل بهدوء مستفز، كأن اللي حصل من شوية ما كانش كفاية.
جزمتها غارسة في الأرض، وإيديها في جيوب المعطف، بس البرد كان واصلها لحد العضم.
معاذ على بُعد كام خطوة، مسنود هو كمان على عربيته.
راسه مائلة شوية، وبصّته ثابتة قدّامه، مش عارف يبص فين ولا يفكر في إيه.
كل حساباته كانت واقفة دلوقتي، عاجزة قدّام طريق أبيض، ساكت.
ولا واحد فيهم كان مستعد يعترف بالحقيقة بصوت عالي.
إنهم عالقين.
الطريق الجبلي فاضي،
مفيش عربيات،
مفيش إشارة شبكة،
ولا حتى صوت بعيد يطمن إن في حد ممكن يعدّي.
المساعدة…
شكلها مش جاية.
صوفيا بلعت ريقها، وبصّت حوالين المكان، كأنها بتدور على أي علامة حياة.
ولا حاجة غير التلج، والبرد، والطريق اللي بقى سجن مفتوح.
معاذ أخد نفس طويل، خرج معاه بخار أبيض، وقال بهدوء، مش موجه الكلام لحد بعينه
" واضح إننا هنقعد هنا شوية."
ما ردّتش.
بس شدّت المعطف عليها أكتر.
الاتنين واقفين،
مسنودين على خرابهم،
وبيعدّوا الوقت وهم بيتفرجوا على التلج…
كان الصمت لسه مفروض نفسه، لحد ما معاذ حرّك راسه ناحيتها وقال بنبرة حاول يخليها خفيفة
"هو إنتي جاية زيارة ولا إيه؟"
وسكت ثانية، وبعدين كمل بابتسامة باهتة
" بس واضح إنك اخترتي أسوأ وقت."
صوفيا نفخت نفس قصير، وبصّت قدّامها للطريق الأبيض.
" يا ريت كانت زيارة."
معاذ لفّ وشه لها، حاجبه اترفع بعدم فهم.
" أمال؟"
سكتت شوية…
وكأن الكلمة تقيلة وهي بتطلع.
" كنت بشتغل."
قالتها بهدوء، وبعدين أضافت
" ودلوقتي في إجازة…"
ابتسامة صغيرة ملهاش طعم ظهرت على شفايفها.
" ويبدو إن الإجازة دي هتطوّل. سنتين على الأقل."
استغرب.
" سنتين؟!"
وبصّ لها باستفهام أوضح.
سكتت تاني.
شدّت المعطف عليها، وبصّت للأرض.
" اتسحبت رخصة الطب بتاعتي."
قالتها بسرعة، وبصوت فيه حاجة شبه الخجل.
"غلط؟"
سألها من غير تفكير.
هزّت راسها آه.
" خطأ طبي."
في ثانية…
معاذ انفجر ضحك.
ضحك عالي، فجأة، من غير حساب.
صوفيا لفّت وشها له بسرعة، عينيها لمعت بغضب.
" إنت بتضحك على إيه بالظبط؟"
ضحكه هدِي شوية، لكنه لسه موجود.
رفع إيده باستسلام.
"استني… استني. مش بسخر منك، والله."
أخد نفس طويل، وقال وهو بيحاول يمسك نفسه
" ده القدر بس…"
وأشار على نفسه بإبهامه.
" أنا مفلس، مديون للودان. راجع هنا أستخبى من الديون اللي مستنياني برا."
بصّ لها، وقال بنبرة فيها سخرية مرة
" وإنتي طبيبة… اتقاضيتِ."
هز راسه وضحك ضحكة قصيرة.
" تحفة، مش كده؟"
صوفيا كانت لسه متوترة.
"مش شايفة إن ده مضحك. الإفلاس، والديون، والمقاضاة… دي أخبار سيئة. "
بصّ لها شوية…
وبعدين مد إيده ناحيتها.
" معاذ. كنت صاحب مشروع ملابس رجالي… سابقًا."
بصّت لإيده ثانيتين،
وبعدين صافحته.
" صوفيا."
قالتها باحترام.
" طبيبة… سابقة."
الإيدين اتفكوا.
بس النظرات فضلت.
كان في حاجة غريبة…
كأن اللحظة بتقول إن اللي حصل مش صدفة.
كأن الطريق ربطهم غصب، في وقت الاتنين فيه واقعين.
فجأة، الهوا شد.
ريح ساقعة عدّت بينهم،
خلّتهم الاتنين يرتعشوا في نفس اللحظة.
صوفيا فركت إيديها وقالت
" إحنا لو فضلنا واقفين كده هنتجمّد."
وأشارت لعربيتها.
" مدفأة عربيتي غالبًا شغالة. لو حابب… نركب لحد ما نشوف حل."
معاذ ما فكرش كتير.
" أيوه… شكرًا."
فتح باب العربية بسرعة ودخل،
كأنه بيهرب من البرد أكتر ما هو بيستأذن.
صوفيا وقفت لحظة، وبصّت له وهو قاعد جوه.
قوّصت شفايفها باستنكار خفيف.
" ذوق… فعلاً."
وبعدين لفت، ودخلت هي كمان.