part15
مرّ يومان على ذلك الزلزال الذي ضرب أركان "المنزل". كانت حنان خلالهما طيفاً هائماً، جسداً يتحرك بآلية صامتة، لسانها لا يلهج إلا بتمتمات ودعوات خافتة خصصتها لـ فتون، وكأنها تحاول استرضاء القدر. كان قلب حنان يؤلمها بقسوة، ليس فقط خوفاً على ابنتها، بل من ذلك السُم الذي نفثته سمر قبل رحيلها؛ حقيقة مريرة جعلت حنان تعيد قراءة شريط حياتها بالكامل تحت ضوء مختلف.
غرقت حنان في دهاليز الذاكرة، فاستحضرت لقطة تعود لسنوات طوال... كانت فتون حينها برعماً لم يتفتح بعد، في الثالثة عشرة من عمرها، تجلس ببراءتها المعهودة تعبث بكتبها وتلون كراستها. تذكرت حنان كيف مالت فتون برأسها لتزيح خصلات شعرها الناعمة عن كتفها، فكشفت دون قصد عن عنقها المرمرِيّ النقي.
وفي تلك اللحظة، رأت حنان "الخطيئة" قبل وقوعها. لاحظت نظرات فارس
الذي كان حينها شاباً رزيناً في الرابعة والعشرين وهي تلتهم ذلك المشهد. لم تكن نظرة أخ يحنو على أخته، بل كانت نظرة امتلاك، نظرة قناص وجد ضالته، نظرة تحمل من الثقل والعشق ما لا يطيقه عمر فتون الغض. ابتلعت حنان ريقها آنذاك وهي ترى فارس "الرزين" يضعف ويهتز كيانه أمام طفلة، متسائلة برعب لم تجرؤ على البوح به: "كيف يرمقها هكذا؟" لكنها في ذلك الوقت أقنعت نفسها بالوهم.. أقنعت نفسها بأنه مجرد خوف الوصي.
استيقظت حنان فجأة من غفوة الماضي ومن مرارة الذكرى على صوت مصطفى الذي ناداها بنبرة مثقلة بالهموم. انتفضت بذعر، وصورة عنق فتون المرمرِيّ ونظرات فارس العاشقة لا تزالان تحرقان جفنيها.
حين مسح مصطفى على كتفها بقلق، وسألها عما يدور في خلدها. استجمعت شتات نفسها وسألته بلهفة مرتعشة عن حالة فتون، فأجابها وهو يغالب دمعة حبيسة بأن "ابنتهم ستغادر المشفى اليوم، وأن عليه أن يبدل ثيابه ليعود ويحضرها إلى بيتها.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡&♡♡
في المساء، كان الصمت في المنزل أثقل من الجبال. دخل مصطفى وهو يحمل فتون بين ذراعيه؛ بدت كعصفورٍ كُسرت أجنحته، شاحبة لدرجة أن عروقها الزرقاء كانت ترسم خرائط من الألم تحت جلدها المرمرِي. صعد بها إلى غرفتها، والحرص يملأ خطواته، بينما كانت حنان تتبعهما كأنها تحرس شبحاً، والخوف المميت ينبض في عروقهما مع كل شهيق وزفير من صدر فتون المتعب.
في هذه الأثناء، عادت سمر إلى المنزل. لم تأتِ باكية ولا نادمة، بل دخلت والبرود يغلف ملامحها، والشرر يتطاير من عينيها. لم تشفق على حالة فتون التي كانت هي سبباً رئيساً فيها، بل ازداد غلها حين وجدت أن البيت كله يلتف حول فتون، ولم يسأل عنها أحد طيلة اليومين الماضيين. حتى فارس، زوجها الغائب، لم يكلف خاطره بالاتصال ليطمئن عليها، مما زاد من اشتعال نيران الحقد في قلبها. صعدت سمر إلى غرفتها وهي تضرب الأرض بقدميها، متجاهلة مأساة الغرفة المجاورة.
جلس مصطفى بجانب فتون، يحاول رسم ابتسامة مزيفة ليمنحها قوة لا يملكها هو نفسه.
مصطفى: "حبيبتي... كل شيء سيكون بخير، أنتِ ستعودين قوية كما كنتِ، أعدك بذلك."
ابتلعت فتون ريقها بصعوبة، وشعرت بوخزة في قلبها وكأن خنجراً ينغرز هناك.
فتون (بصوت متهدج، يملؤه الوجع): "أبي... أخبرني الحقيقة. بماذا أنا مريضة؟ ما هذا الثقل الذي يسكن صدري؟"
فرت دمعة من عين مصطفى، قبل يدها وهمس بكذبٍ أبوي حنون: "أنتِ بخير يا طفلتي... فقط ضغط الدم ارتفع قليلاً ففقدتِ الوعي. ارتاحي الآن، ولا تشغلي بالكِ بشيء."
لم تصدقه فتون؛ رأت في عينيه شبح الموت الذي يحاول إخفاءه، لكن الإرهاق غلبها، فغرقت في سباتٍ عميق يشبه الغيبوبة. دخلت حنان وهي تحمل الشوربة الدافئة، لكن مصطفى أشار إليها بالصمت: "دعيها، لقد نامت... تعالي يا حنان، أريد الحديث معكِ خارجاً."
خرجا إلى الردهة، وجلس مصطفى وقد انهار حصنه.
مصطفى: "أنتِ لستِ بخير يا حنان، ولا سمر بخير، والبيت ينهار فوق رؤوسنا. سمر عادت ولم تسأل حتى عن فتون... ماذا يحدث في هذا المنزل؟"
حنان (بتوتر وهي تشيح بنظرها): "لا شيء يا مصطفى... هي مريضة بسبب الحمل، وأنا... أنا فقط قلبي يحترق على ابنتي."
مصطفى: "أخشى أن أخسر فتون يا حنان. ماذا سأقول لأخي في قبره؟ هل أقول له إنني أضعت وصيتك؟" هل اقول له انني خنت امانته واضعتها....كيف سيكون لي الجرأة للذهاب لقبره....هي الذكرة الوحيدة المتبقية منه، انا اشعر بانني لا استحق اي شئ، انا متعب، متعب بشدة ثم أكمل بلهفة: "يجب أن أخبر فارس... الهموم ازدادت عليّ، وأريد ابني بجانبي. فتون أيضاً، لا تهدأ دقات قلبها إلا حين يكون فارس بقربها."
انتفضت حنان، وفجرتها صرخة مكبوتة: "لا! لا يا مصطفى! فتون في الآونة الأخيرة تتوتر بسبب فارس كثيراً! دعه في عمله، فارس إن علم بمرضها... قد يفعل شيئاً نندم عليه جميعاً!"
لم يكد مصطفى يرد، حتى قاطع صوتهما احدي الخدم ، وقال بكلمات زلزلت كيان حنان:
"سيدي... السيد فارس وصل!"
تعجب مصطفى ونهض بلهفة، بينما شعرت حنان بأنفاسها تضيق. لقد عاد "الإعصار" في التوقيت الخاطئ، أو ربما في التوقيت الذي أراده القدر ليكشف كل الأوراق. فارس عاد، والمنزل الآن على شفا حفرة من الحقيقة المرة.
هبطت سيارة الشركة الفخمة أمام "الفيلة"، وترجّل فارس منها بعد رحلة طويلة، منهياً آخر مكالمة عمل ببرود. كان وجهه مرهقاً، لكنه يحمل تلك الهيبة والثقة المعتادة. لم يكن يعلم أن ثمة أزمة حقيقية تضرب العائلة، أو أن حياة فتون قد تدلت من خيط رفيع.
استقبله مصطفى بلهفة عظيمة مخلوطة بقلق غامض، بينما كانت حنان تحاول جاهدة أن ترسم ابتسامة سعيدة تخفي وراءها عذاب "السر" الذي عرفته من سمر
جلس فارس في الصالون الفخم، ولم يطل النظر حوله. بدأ يبحث بعينيه في أرجاء المكان.
فارس (بنبرة هادئة ومُستفسرة): "أين فتون؟ لم ألمحها منذ دخولي. هل هي في غرفتها؟"
نظرت حنان إلى مصطفى بوجل، محاولة إظهار الأمر طبيعياً.
حنان: "يا حبيبي، ساذهب لاحضر لك شي ! أنت قادم من سفر، والجو بارد. سأحضر لك شيئاً دافئاً... لنجلس ونحتفل بعودتك." توجهت إلى المطبخ بآلية مُرتبكة
جلس فارس أمام والده، وبدأ الشك يتسلل إلى قلبه من فرط "هدوء" والده و"ارتباك" والدته.
فارس مُركزاً نظره على مصطفى: "أبي... أنا أرى توتراً في البيت لم أعهده. ما القصة؟ هل كل شئ بخير ؟"
شعر مصطفى بثقل الهموم كلها يضغط على صدره، فهو لم يجد طريقة بعد ليخبر ابنه أن فتون دخلت المستشفى بسبب وعكة مفاجئة، دون أن يضطر للكذب بشأن طبيعة هذه الوعكة.
مصطفى (بتلعثم، محاولاً التخفيف من الأمر): "لا... لا يا بني.كل شئ بخير وفتون ايضا بخير . هي فقط... مرهقة قليلاً. وهي نائمة الآن، تحتاج لراحة تامة."
تعجب فارس من مبرر والده الغير عادي ولكن فارس لم يقتنع بتلك الرواية الواهنة. وقف فجأة، مُدركاً أن هناك ما يُخفى.
فارس (بصرامة قاطعة): "أنا سأصعد لأراها."
في تلك اللحظة، عادت حنان من المطبخ تحمل كوباً، ورأت ابنها متجهاً نحو الدرج، ففزعت صائحًة:
حنان (بصوت شبه هستيري): "فارس! انتظر! لا تصعد! إنها نائمة، ولا يجب أن تزعجها!"
لكن كلماتها كانت كزيت على نار شكوكه. لم يُعِر فارس صراخ والدته اهتماماً. لقد أكدت ارتباكاتهم الآن أن فتون ليست بخير. انطلق فارس صاعداً الدرج بسرعة، وكأن هناك قوة خفية تدفعه نحوها، لا يعلم أنها قوة العشق الذي يجهل أنه أصبح داءً وشفاءً لقلبها المريض.
اندفع فارس صاعداً الدرج، خلفه مباشرة مصطفى وحنان اللذان كان الذعر يتملكهما. كان مصطفى يلهث محاولاً استجماع قواه لإيقافه، بينما كانت حنان تضرب كفاً بكف، تعلم يقيناً أن غلاوة فتون عند فارس تجاوزت حدود الأخوة. كانت تتصور الكارثة التي ستحل بالبيت بمجرد أن يعرف فارس بمرضها القلبي وخطورة الوضع، فما بالهم وقد اكتفى فقط بمعرفة أنها مُتعبة!
مصطفى (بصوت يختلط فيه التعب بالرجاء): "فارس! انتظر... لا تنفعل، حالتها لا تسمح!"
لم يعر فارس لكلمات والده اهتماماً، وصل إلى باب الغرفة وفتحه ببطء مهيب
كانت غارقة في ضوء خافت. لم يكن هناك أجهزة طبية مرعبة، لكن المشهد كان أكثر إيلاماً. توقف فارس عند حافة السرير، وشعر أن قدميه تخونانه، وأن كل القوة التي عاد بها منذ ابتعاده قد تبخرت.
وجد فتون مُنكمشة كالجنين في فراشها، مغطاة ببطانية سميكة، لكن ضعفها كان بارزاً. كانت هشة، وشاحبة، كأنها نحتت من المرمر البارد. لم تكن تبدو كالفتاة التي اعتادها؛ لم تكن تلك الطفلة المرحة التي تملأ العرين ضحكاً، بل كانت طيفاً على وشك التلاشي.
سقطت نظرات فارس على يدها النحيلة الموضوعة خارج الغطاء، ثم على شفتيها اللتين فقدتا لونهما. تجمّدت الدموع في عينيه.
رفعَت فتون عينيها المنهكتين ببطء شديد، لتتفاجأ بالظل الواقف أمامها. كانت عيناها لا تقويان على الرؤية الواضحة، لكن القلب عرف صاحبه.
فتون (بهمس بالكاد يُسمع، وكأن كل كلمة تكلفها جهداً جبّاراً): "فارس... هل هذا أنت حقاً؟"
هنا، انهار صمود فارس بالكامل. تقدم خطوة نحو السرير، وجثا على ركبتيه أمامها، ويده تمتد بحذر لتلمس كفها.
فارس (بصوتٍ أجش، لم يرفع صوته لكنه اخترق الجدران): "ما الذي حدث لكِ يا فتون؟ ماذا بك طفلتي. ا؟
رأت فتون في عينيه الرعب والخوف الحقيقي، لا خوف الأخ على أخته، بل خوف من يرى روحه تُنتزع منه. خلفه، كان مصطفى يضع يده على فمه بصدمة وهو يرى انهيار ابنه، بينما حنان كانت تدرك أن المشهد قد انتهى؛ ففارس لن يترك فتون بعد اليوم.
أدرك مصطفى وحنان أن لا فائدة من الوقوف، فالمشهد الآن يحتاج إلى متفرجين لا متدخلين. انسحبا بهدوء من الغرفة، تاركين فارس ليواجه حقيقة ما فعله غيابه، ولعله يصلح بوجوده ما أفسده الزمن والبعد في قلبها الهش.
كانت فتون لا تزال تحت تأثير الصدمة والأدوية، لكن رؤية فارس أعطتها قوة مفاجئة. حاولت الاعتدال في جلستها، فاندفع فارس لمساعدتها. اختلطت أنفاسهما الساخنة للحظات، كانت أنفاس فارس لاهثة من الخوف، وأنفاس فتون حارة من الحمى الداخلية. هذه اللحظة العابرة، لمسة قريبة لا تفصلها مسافة، كانت كفيلة بإعادة ترتيب فوضى الشوق داخل صدر فتون المريض، ومنحتها دفعة من الحياة.
شعر فارس بدفء كفها على ذراعه، وتمنى أن يتوقف الزمن عند هذه اللحظة، ألا يبتعد، ألا يعود إلى واقع كان يمزقهما معاً. ابتعد عنها قليلاً، لكنه ظل قابعاً أمامها، على حافة السرير، ونظراته تفيض بالتأنيب الممزوج بالعشق.
كان يلوم نفسه بعنف؛ كيف تركتها؟ كيف غاب عنها وهو يعلم يقيناً أنها دونه كـ"ورقة شجر عاتية"، تنكسر بأدنى ريح؟ كان يعتقد بغرور الحب أنه ببعده سيعذبها قليلاً، سيعطيها درساً قاسياً كي لا تدفعه بعيداً مرة أخرى... لكن كل شيء أتى على عاتقه هو؛ فمرضت، وكاد أن يفقدها، وكاد أن يفقد معه روحه.
مد فارس يده ليلمس خصلات شعرها المنسدلة، وسألها بنبرة تحمل كل حنان الدنيا:
فارس: "ماذا بكِ يا صغيرتي؟ ما الذي حدث لكِ بعد رحيلي؟"
لكن جنون الشوق الذي كان يملأ فتون تحول فجأة إلى جرح غائر. تذكرت كل شيء؛ غيابه، صمته، وحدتها، وصوت سمر القاسي الذي كاد أن يقتلها. احتدت عيناها الضعيفة، ونظرت إليه بحقد المخذول.
أبعدت فتون يده بعنف، ودفعته بعيداً، وقالت بحدة رغم صوتها المتحشرج من التعب:
فتون: "اخرج!"
صُدم فارس، وتصلب جسده. لم يتوقع هذا الرد القاسي بعد كل هذا الشوق والخوف.
فارس (بذهول لم يخفِ جرحه): "ماذا؟
اخبروني رائيكم بلتعليقات... اتمنى ان تنال الرواية اعجباكم ♡♡