طفلتي - part14 - بقلم nasrahkhmis | روايتك

اسم الرواية: طفلتي
المؤلف / الكاتب: nasrahkhmis
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: part14

part14

حين ​سقطت فتون، ولم يكن سقطوها عادياً، بل كان كصوت تحطم مرآة غالية الثمن. في تلك اللحظة، ركضت حنان نحو ابنتها المسجاة على الأرض، صرخاتها كانت تمزق صمت المنزل، بينما وقفت سمر متجمدة، تلمع عيناها بمزيج من النصر الذي تحول فجأة إلى رعب حين رأت وجه فتون الذي بدأ يتحول للشحوب القاتل. ​نُقلت فتون للمستشفى بلمح البصر. هناك، كان في استقبالهم الدكتور محمد. شاب في الثلاثينات، عيناه تحملان وقار الأطباء وحزن من يرى الكثير من الألم. محمد لم يكن مجرد طبيب، كان هو المتابع لحالة فتون، وكان الوحيد الذي يدرك أن جسد فتون هش، ​أجرى د محمد فحوصاته السريعة، ثم خرج لمصطفى وحنان، وجهه لا يحمل سوى القلق المكتوم. ​دكتور محمد: "لقد أخبرتكم... فتون قلبها رقيق، لا يتحمل الهزات العنيفة. هذا الانهيار بسبب توتر حاد، صدمة نفسية جعلت نبضاتها تخرج عن السيطرة. ما الذي وترها ؟وما الذي أغضبها بهذا الشكل؟" ​تطلعت حنان نحو سمر التي كانت تقف بعيداً، تمسك بطنها بتوتر. فجأة، استرجعت حنان صورة سمر وهي تخرج من الغرفة قبل الإغماء بثوانٍ. غضب الأمومة انفجر بداخلها كالسيل.، ساد الهدوء الممر، لكنه لم يكن هدوء سكينة، بل كان هدوء ما قبل العواصف التي لا تذر. جلس مصطفى وحنان على مقاعد الانتظار الباردة، رافضين مغادرة المستشفى ولو لثانية واحدة. ​أخذت حنان تسرد لمصطفى بنبرة محترقة ما رأته من سمر قبل إغماء فتون، وكيف خرجت سمر من الغرفة بملامح لا تبشر بخير. استمع مصطفى بصمت الأب المثقل بالهموم، ثم تنهد تنهيدة طويلة ومسح وجهه بيديه المتعبتين. ​مصطفى: "يا حنان، دعينا لا نسئ الظن بها الآن. سمر في النهاية فتاة وحيدة، ليس لها أم، ونحن بمثابة أهل لها. لا يجوز أن نوبخها على شيء ربما لم تقصده. سمر قد تكون غيورة، نعم، وقد تحاول إيقاع الخلاف بين فتون وفارس، لكنها لا تدرك خطورة حالة فتون الصحية. هي لا تعرف أن قلب فتون هش لهذه الدرجة، والجهل أحياناً يكون سبباً في الخطأ." ​حاولت حنان أن تقتنع بكلامه، حاولت أن تهدئ من روعها وتصدق أن سمر مجرد "طائشة"، ولكن فجأة، التفتت بعينيها نحو الزاوية التي كانت تقف فيها سمر بالقرب من نافذة الممر. ​رأت حنان سمر وهي تنظر نحو باب غرفة العناية المركزة حيث فتون، ولم يكن في عينيها ندم، ولم يكن في وقفتها انكسار. بل شوهدت سمر وهي تبتسم ابتسامة خبيثة خاطفة، ثم تعيد ارتداء قناع القلق فور شعورها بنظرات حنان. ​حنان (بصوت يرتجف من الصدمة): "بل تقصد يا مصطفى! رأيتُ في عينيها نظرة لا تملكها فتاة لا تقصد سوءاً. سمر تريد إزاحة فتون من طريقها بأي ثمن، وهي تعلم جيداً أين تضرب لتؤلم." ​في تلك اللحظة، دخل الطبيب محمد الممر مرة أخرى، مقاطعاً حديثهما. ​الدكتور محمد: "أستاذ مصطفى، حالة فتون ليست مستقرة حالياً، لكنها تحتاج لمن يتحدث إليها حين تستيقظ بشيء من الأمل. هي ترفض المقاومة داخلياً، ​أومأ مصطفى بحزن، بينما كانت حنان تنظر لسمر بتحدٍ، مدركة أن وجود فارس هو الوحيد الذي سيضع حداً لهذه المأساة، ​ ​سحبت حنان سمر بعيداً عن مصطفى، خرجا إلى فناء المشفى حيث يسود هدوء خادع لا يقطعه سوى صفير الرياح. كانت حركة سمر مضطربة، تفرك يديها بتوتر ملحوظ. التفتت إليها حنان، وعيناها تشعان بنبرة حادة لم تألفها سمر من قبل. ​حنان: "أخبريني بلا مواربة... ماذا حدث بينكِ وبين فتون؟ أنتِ كنتِ آخر من دلف إلى غرفتها." ​ابتلعت سمر ريقها بصعوبة، وصوتها يرتعش: "أنا... لم يحدث شيء... فقط... ذهبتُ لأطمئن عليها." ​حنان بابتسامة مريرة: "ومنذ متى وهبطت عليكِ كل هذه الرحمة تجاه فتون؟" ​سمر: "ماذا تقولين يا أمي؟ لقد شعرتُ أنها مريضة، ورأيتُ من واجبي أن أسأل عن حالها... لا أكثر." ​حنان تتقدم نحوها كمن يحاصر طريدة: "انظري يا سمر، جميعنا يعلم نار الغيرة التي تأكلكِ من فتون. لطالما حاولتِ دق إسفين بينها وبين أخيها، لطالما اختلقتِ المشاكل ليغضب فارس عليها. منذ وطأت قدماكِ العرين، لم تعد العلاقة بينهما كما كانت... باتا كالغرباء تحت سقف واحد." ​سمر بدفاع مستميت: "بماذا تتهمينني؟ هل تقصدين أنني فرقتُ بين إخوة؟" ​حنان بصوت يحمل وعيداً مكتوماً: "انظري في عينيّ يا سمر... حاولتُ جاهدة أن أعاملكِ كابنتي، لكنكِ كنتِ دائمًا تخرجين عن طوعي، وتتصرفين كعدوة تسكن في بيتنا. حاولتُ احتواءكِ تحت جناحي، فرفضتِ وعاملتِني كحماة متسلطة. تجاهلتُ أساليبكِ مع ابنتي مراراً... لكن هذه المرة، تجاوزتِ كل الخطوط. استغللتِ مرضها وضعف قلبها لتنفثي سمّكِ فيها. أقسم لكِ، إن حدث مكروه لفتون، سأخبر فارس بكل شيء، ولن يكون لكِ مكان في حياتنا بعد الآن." ​هنا، انفجرت سمر، وتمزق قناع الصمود. صاحت بغضب ممزوج بدموع حارقة: "فتون... فتون... فتون! كفى! كفى ترديداً لهذا الاسم أمام عيني! مللتُ من كوني البغيضة التي لا تستحق، مللتُ من التهميش! أولاً، فارس لم يعتبرني زوجة يوماً. وثانياً منذ دخلتُ هذا البيت وأنا منبوذة من كل شيء. أنتِ كنتِ تفضلين فتون دائماً، وعمي مصطفى لم يسألني مرة واحدة: 'كيف حالكِ؟'. لماذا تفعلون بي هذا؟ لماذا؟" ​حنان بدهشة مشوبة بالشفقة: "أكلُّ هذا الغل تكنّينه لفتون؟ ماذا فعلت لكِ تلك الفتاة؟ هي وحيدة، ليس لها أحد سوانا، لماذا تلاحقينها بحقدكِ؟" ​سمر بنحيب يملؤه الحقد: "وأنا أيضاً وحيدة! أمي فارقت الحياة، وأبي غارق في صفقاته وأعماله. كنتُ دائماً وحيدة وسط الزحام، وحيدة في بيت أبي، ووحيدة بينكم! لماذا تظلمونني هكذا؟" ​ساد صمت مؤقت، رقّ فيه قلب حنان قليلاً. اقتربت منها وقالت بهدوء: "أنا دائماً سأكون بقربكِ... أنا أمكِ يا عزيزتي. كفي فقط عن إقحام فتون في غضبكِ. هي أيضاً ليس لها أحد، ولم تؤذِ أحداً قط. فارس يعاملها كأخت، كابنة... لا تحرميها حنانه، أرجوكِ." ​هنا، انتفضت سمر، وقررت تفجير "القنبلة" التي ستحرق الأخضر واليابس. صرخت بقهر أعمى: "وهل فارس يشعر حقاً بأنه أخ... أم شيء أكبر وأعمق يا أمي؟" ​تجمدت حنان مكانها، واتسعت عيناها: "ماذا تقصدين؟" ​سمر بصراخ هستيري طفح به الكيل: "في كل مرة كان ابنكِ يقترب مني فيها كزوج، لم يكن يلمسني بحب! كان تائهاً، غائباً عن الوعي... كان يهمس باسم 'فتون' وهو بين ذراعي! لم يكن يراني سمر أبداً... بل كان يتخيل في كل مرة أنه مع فتون!" ​وقعت الكلمات على حنان كالصاعقة. شعرت بالأرض تهتز تحت قدميها، والعالم يدور بها. جففت سمر دموعها بعنف وغضب، وتحركت بسرعة جنونية نحو سيارة أجرة ركنت قريباً، تاركة المشفى والبيت، ومتجهة نحو منزل والدها. ​بينما بقيت حنان واقفة كتمثال من ملح، الصدمة شلّت تفكيرها، والحقيقة المرة بدأت تتسرب إلى عروقها لتسمم ذكريات سنوات من الوصاية الزائفة. ​ لم تكن صدمة حنان مجرد خبرٍ عابر، بل كانت زلزالاً هدم كل المبادئ التي عاشت تزرعها في عرينها. لم تعد قواها تسعفها على الوقوف؛ فخانتها ركبتاها لتهوي جالسةً على أحد المقاعد الباردة في فناء المشفى الخارجي. ​وضعت أناملها المرتجفة على شفتيها، وكأنها تحاول منع صرخة مكتومة من الخروج، بينما انهمرت الدموع من عينيها بغزارة، تعكس ضياعها. ​حنان بهمسٍ محترق، يكاد يخرج من بين شفتيها: "فارس... ماذا فعلت؟" ​كانت تتساءل في صمتها القاتل: هل كان العشق ينهش قلب ابنها طوال هذه السنوات وهو صامت؟ هل كان يتخيل ابنة عمه، "طفلته" التي رباها، في أحضان زوجته؟ شعرت بالرعب من حجم الخداع الذي عاشوا فيه. لم يعد فارس في نظرها ذلك الأخ الحامي، بل أصبح رجلاً يحترق بشوقٍ محرم، قلبُه مع فتون، وجسده كان غائباً مع سمر.. وحدث ما كانت تخشاه طوال حياتها ... ​