part13
انسحب مصطفى وحنان بهدوء من غرفة فتون، تاركين خلفهما ابتسامتها الواهنة ووعدها المرتجف: "لن أتوتر بعد الآن، أعدك."
في الردهة، تلاصق الاثنان كشخصين يتقاسمان عبء جبل. كانت عينا حنان تفيضان دمعاً ومصطفى يحاول جاهداً أن يربط بين خيوط الأزمة.
مصطفى بهمس متعب: "ماذا سنفعل يا حنان؟ كيف سنخبر فارس؟"
حنان ببكاء خافت: "لا... لا يا مصطفى! أرجوك، لا تخبره! إن عرف، سيعود فوراً، سيترك عمله وسيقلق عليها جنوناً، وتوتره وقلقه سيصلان إليها مهما حاولنا. ثم... ثم ماذا؟ إذا توترت فتون بسببه، هل نفقدهما معاً؟"
هز مصطفى رأسه بالموافقة، وقد أيقن ثقل المسؤولية. كان فارس وفنون كجناحين لقلبه، والآن أحدهما مريض والآخر غائب عن عمد.
مصطفى بقرار حاسم: "حسناً. سنخفي الأمر عن فارس، ولا يجب أن تعلم فتون بمدى خطورة حالتها أيضاً. لن نخبرها عن طبيعة مرض القلب، سنقول لها إنه إرهاق حاد. لا يجب أن تشعر بالخوف فتهمل دراستها أو تخاف من التوتر."
وهكذا، اتخذ الأبوان قراراً قاسياً: أن يحملا السر وحدهما، وأن يعيشا في صمت مطبق، مرتدين قناع الطمأنينة المزيّفة أمام ابنتهما.
مرت الأيام بعد حادثة الإغماء كالحة وثقيلة. تحول المنزل إلى ما يشبه المستشفى المصغّر، حيث يسود الصمت القلق، وتتحرك حنان ومصطفى حول فتون ببطء وحذر مبالغ فيه، يراقبان كل شهيق وزفير، وكل تغير في لون وجهها.
ذهبت فتون لإجراء تحاليل إضافية بناءً على طلب الطبيب، وكانت تلك الزيارات تزيد من قلقها وتوترها. كانت نظرات والديها إليها في طريق العودة تحمل خليطاً من الخوف والحب، نظرات متوترة وعاجزة لا تستطيع أن تخفي شيئاً.
شعرت فتون كأنها تحت مجهر. كانت تدرك تماماً أن الأمر ليس مجرد "إرهاق"، لكنها كتمت شكوكها وأسئلتها، وفاءً بوعدها: "لن أتوتر."
لكن الهدوء الظاهري الذي فرضته على نفسها كان كالقنبلة الموقوتة. فالمصدر الحقيقي لتوترها لم يكن الدراسة أو حتى المرض المجهول، بل هو فارس.
كانت تحاول الاتصال به في أوقات متباعدة، تارة عبر الاتصال الهاتفي الذي لا يجد رداً، وتارة أخرى عبر رسائل نصية قصيرة وحذرة، لا تحمل سوى سؤال عن الحال. لكن صمته كان مدوياً. كان فارس يتجاهلها تماماً.
لقد كانت هذه التجربة قاسية؛ أن تكتشف حب حياتها، ثم تدفعه بعيداً باسم الواجب، ثم يكتشف جسدها أنها لم تعد قادرة على تحمل هذا البعد، والآن، يعاقبها هو بانسحاب تام وكامل.
كان صمت فارس بمثابة السكين البارد الذي يخترق قلبها الهش، نقيضاً لوعدها الأبوي بعدم التوتر. فكيف لا تتوتر وقد شعرت بالرفض التام من الرجل الذي حاربت المنطق لأجله؟ لم يعد الأمر يتعلق بالعائلة، بل بإثبات أنها لا تزال مهمة في عالمه.
ومع كل تجاهل، كانت فتون تقترب أكثر من نقطة الانهيار، ومن إدراكها أن الصمت هو القاتل الأسرع لقلبها المريض. لم يعد هناك خيار سوى الحركة والكسر، قبل أن تحطمها الأيام بهذا الثقل.
الصمت والتجاهل يفتكان بفتون أكثر من المرض نفسه...
إلى متى ستصمد فتون أمام هذا العقاب؟ وما هي الخطوة التي ستتخذها لكسر هذا الحصار المزدوج: حصار المرض وحصار صمت فارس؟
♡♡♡♡♡♡♡♡♡
جلس مصطفى أمام الطبيب، ينتظر نتائج التحاليل الأخيرة. كان قلبه يخفق بوجل، يُشارك فتون إرهاقها العاطفي دون أن يعلم. أغلق الطبيب الملف أمامه، وعقَد حاجبيه بصمت لم يكن يبشر بخير.
شعر مصطفى بوخزة باردة في قلبه، فسأله بخوف حاول جاهداً أن يكبحه: "طمئنني يا دكتور... هل كل شيء بخير؟"
أغلق الطبيب نتائج الأشعة ورفع رأسه بتنهيدة مثقلة، ناظراً إلى مصطفى بعمق: "علينا الهدوء يا أستاذ مصطفى... والصبر. والأهم، ألا نقلق. حتى هي، يجب ألا تقلق أو تخاف."
ثم تابع الطبيب، ونبرته تحمل ثقلاً لاذعاً: "الآنسة فتون... مرض قلبها ازداد سوءاً، كما أظهرت الأشعة. هناك ثقب بأحد الشرايين، وحالة القلب ضعيفة جداً. يا أستاذ مصطفى، إن توترت فتون، أو تعرضت لأي إجهاد نفسي أو جسدي... قد..."
توقف الطبيب عن الكلام، فاندفع مصطفى يسأله بقهر ويأس: "قد ... ماذا؟"
الطبيب بصراحة قاسية: "وقتها... قد تحدث وفاة في أي لحظة. أنا لا أُخوِّفك، ولكنني أُحذِّر من أي خطأ بخصوص حالتها. يبدو أن المرض وراثي، وقد أصبح الآن في هذه المرحلة الخطيرة. لذلك، لا يجب أن تتعرض لأي مجهود مطلقاً."
قال مصطفى بحزن عميق: "هي لا تعمل أي شيء... فقط جامعتها ودراستها."
الطبيب: "لا تضغطوا عليها بشأن الدراسة... أريحوا قلبها. ثم... وأيضاً... أي مجهود جسدي لا يجوز بعد الآن."
مصطفى لم يفهم: "كيف؟"
صمت الطبيب للحظة، ثم قال بجدية تامة: "فتون لا يجوز لها الزواج... إلى أن تتعافى تماماً."
صُدم مصطفى، الكلمة لم تمر على سمعه فحسب، بل اخترقت قلبه. "ماذا؟!"
الطبيب: "للأسف... فتون لن تتحمل ألم العلاقة أو أي مجهود. فالعلاقة الزوجية أو الجسدية تؤثر على كل خلايا الجسد، وخاصة القلب. لذلك، لن تتزوج خلال فترة علاجها. وإن أتمت العلاج وشُفيت، يمكنها الزواج بعدها بمرور أشهر."
خرج مصطفى من العيادة وهو لا يرى أمامه، يحمل على عاتقه أثقل الأسرار والأخبار. كان ينظر إلى حنان التي كانت تنظر إليه بتوتر شديد، عيناها مليئة بالأسئلة المذعورة، قبل أن ينقل لها مصطفى الخبر غير الجيدخلال نظرته المنكسرة.
ازداد توترهما إلى حد الجنون. لم يعد الأمر مجرد مرض يشفى ، بل حياة على المحك. كيف سيتعاملان مع قلب فتون المريض، وكيف سيحمانها من فارس، الذي هو الآن المصدر الأكبر لتوترها العاطفي؟ والمصيبة الأكبر هي أن الزواج الآن يعني الموت.
عادا إلى المنزل، يحاولان التظاهر بالهدوء. كانت فتون معهما طوال الوقت، تشعر بان هناك خطباً، نظراتها الثاقبة تترقب أدنى حركة أو كلمة.
فتون بقلب مضطرب: "ماذا قال الطبيب يا أبي؟"
مصطفى وحنان تبادلا نظرة سريعة، وأجبر مصطفى نفسه على الابتسام، رغم أن ملامحه كانت حزينة، وكأنها قطعة من الزجاج المهشم.
مصطفى: "قال... قال إنه إرهاق شديد، لا شيء أكثر. لكن عليكِ أن تبتعدي عن أي شيء يزعجكِ. لن تذهبي إلى الجامعة هذا الأسبوع، وستريحين عقلكِ وقلبكِ تماماً. هل هذا واضح يا صغيرتي؟"
أومأت فتون، لكنها كانت تشك. رأت الألم في عيون مصطفى، والدموع المحبوسة في عيون حنان.
هذا ليس إرهاقاً. هذا ما همست به فتون لنفسها، وهي تدرك أن السر الذي يخفونه عنها أكبر بكثير من مجرد التعب. لكنها لم تملك الشجاعة لتواجههم، ولم تستطع أن تزيد من قلقهم.
الآن، فتون مهددة بخطر الوفاة من أي توتر، وممنوعة من الزواج، ومصطفى وحنان يحملان سرها القاتل.
♡♡♡♡♡♡♡
مرّ الوقت ثقيلاً على فتون، كل دقيقة كانت تُحتسب من رصيد صبرها. كانت تشعر باختناق حقيقي، لا من ضيق المكان، بل من البكاء الصامت على ابتعاد فارس وغيابه القاسي. كانت تجلس في غرفتها، تحتضن وسادتها، ودموعها تنهمر بلا توقف، حتى شعرت بأن صدرها يضيق وبأن أنفاسها تكاد تنقطع.
وفي خضم انهيارها، فُتح الباب ودخلت سمر. كانت تبدو متعمدة في إظهار انتفاخ بطنها بحركة متكلفة ومغرورة، وكأنها تتباهى بـ "دليل الملكية" القاطع.
لمحت سمر وجه فتون المختنق والمُنهار من البكاء، فابتسمت ابتسامة سخرية لا تخفى عليها. انتبهت فتون لوجودها فجففت وجهها سريعاً ورفعت رأسها بحنق.
سمر بنبرة ساخرة باردة: "أوووه.... المدللة تبكي؟ تُرى لماذا؟"
تجاهلتها فتون تماماً، فأكملت سمر بخبث أشد: "أوه... لما أنتِ حزينة؟ هل هناك ما شغلكِ عزيزتي؟ أخبريني، أنا مثل... مثل أختكِ الكبيرة."
لم تجب فتون، فصنعت سمر تظاهراً بالتعب وجلست وهي تمسك ظهرها وتُمسّد على بطنها بلؤم بالغ، قائلة بصوت هادئ ولكنه يغرز كالإبر:
سمر: "انظري... ابن أخيكِ فارس... يتعبني. أشتاق لدلع فارس... لو كان هنا لكان طار من سعادته على طفله.... ولكن ماذا نفعل... عمله، وإلا لكان هنا."
وصلت الكلمات إلى فتون كصاعقة كهربائية. شعرت بوخزة قوية ومؤلمة في قلبها، وكأن الثقب الذي تحدث عنه الطبيب قد اتسع فجأة بفعل هذه الغيرة القاتلة. تماسكت فتون وشعرت كأن جسدها يشتعل من الغيرة من حديث تلك اللعينة، ومن تذكيرها الدائم بحاجز الأمومة الذي فصل بينها وبين فارس.
ابتسمت سمر بانتصار، لأنها رأت وهج الغضب والغيرة في عيني فتون، فأكملت كلماتها الأخيرة التي كانت القشة القاصمة:
سمر: "فارس يحب الأطفال كثيراً.... هو أخبرني أنه يريد أطفالاً كثيرة مني...."
هنا، لم تستطع فتون التحمل. شعرت بغمامة سوداء تتجمع أمام عينيها، وضربات قلبها أصبحت سريعة ومختلة لدرجة أنها كادت أن تفقد الوعي مرة أخرى.لم تكن تعلم أن أي انفعال يكون قاتلاً، لكن ألم القلب كان أقوى من الخوف.
نهضت فتون فجأة، تتنفس بصعوبة وكأن الأكسجين قد سُحب من الغرفة.
فتون بصوت بالكاد مسموع، يحمل تهديداً وانهياراً: "اخرجي من غرفتي الآن يا سمر!"
لم تكترث سمر لطلب فتون المرتعش، بل وجدت في ضعفها وغضبها فرصة لا تعوّض لتفريغ غلها. وقفت أمام الباب المغلق بابتسامة متكلفة، وحاجبتها مرفوعة باستعلاء.
سمر بخبث وكلمات لاذعة: "أخرج؟ ولمَ يا حلوة؟ هل أزعجتكِ حقيقة أنني هنا وزوجي في رحلة عمل من أجلي ومن أجل ابنه؟ أنتِ تنسين يا فتون أنكِ مجرد طفلة مدللة، لا تتحملين كلمة! أتعلمين، فارس لم يكن ليغادر هكذا لولا أنكِ أثقلتِ عليه بكثرة مشاكلكِ وتملُّككِ الغريب! هو الآن يشعر بالحرية... أرجوكِ، لا تجعلي قلبكِ الصغير يغار من طفل لم يأتِ بعد، لأن فارس، يا عزيزتي، لن يعود إلى حضن أخته ليشتكي لها."
كانت كل كلمة من سمر تسحق فتون كضربة مطرقة على زجاج هش. شعرت فتون بوخزات متتالية ومميتة في صدرها، وأصبحت الغرفة تدور بها بسرعة جنونية. لم يعد هناك هواء، ولا مقاومة.
حاولت فتون أن تصرخ، أن تنطق كلمة واحدة، لكن جسدها خذلها. أصدرت حشرجة مكتومة، ووضعت يدها على صدرها في محاولة يائسة لتهدئة نبضات قلبها الثائر...
وبهدوء مُفزع، لم يتناسب مع عنف المشهد الداخلي، سقطت فتون على الأرض للمرة الثانية، فاقدة للوعي.
تجمدت سمر في مكانها، زالت ابتسامتها الساخرة وحلت محلها نظرة صدمة ووجل حقيقي. لم تكن تتوقع أن تكون فتون بهذه الهشاشة. اقتربت منها خطوة، ونظرت إلى وجه فتون الشاحب. فجأة، بدأت سمر تخاف من عواقب فعلتها. لو حدث لها شيء، لكانت هي السبب، وفارس لن يرحمها أبداً.
في هذه اللحظة، فتحت حنان الباب لتصعد لفتون. رأت سمر، التي كانت في طريقها للخروج من الغرفة، ووجهها يحمل قلقاً واضحاً كانت تحاول إخفاءه.
مرت سمر بجوار حنان، ثم توقفت فجأة. وبسرعة خارقة، تحولت نظرة الوجل إلى دموع مُتصنّعة وخوف مُبالغ فيه. أمسكت سمر بذراع حنان، وبدأت تتصنع البكاء والشهقات:
سمر بصوت يرتجف بتمثيل بارع: "يا أمي... فتون... فقدت الوعي! كانت تتحدث معي للتو... أظنها حزنت لأن فارس غائب عنها. أرجوكِ، بسرعة!"
لم تستوعب حنان كلام سمر كاملاً. فقط رأت ابنتها ساقطة أرضاً، فخرج صوتها المرتجف بصراخ جديد من الرعب. دفعت حنان سمر جانباً وهرعت نحو فتون، تُمسك برأسها وتصرخ باسم مصطفى والطبيب في وقت واحد.
حنان بانهيار: "مصطفى! مصطفى! اطلب الطبيب! ابنتي! فتون!"