part12
في غرفة فتون، بعد اعترافها المدوي بـ "عشقك يا فارس!"، وقف فارس جامداً، متلقياً الصدمة كحقيقة سنوات طويلة. لقد كانت الكلمات سهاماً، لكنها كانت أيضاً مفاتيح أقفال.
لم يكن فارس بحاجة للمزيد من الكلمات. لم يمهل نفسه للتفكير في سمر أو الواجبات أو الأخلاق. لقد كان مدفوعاً بقوة الشوق المكبوت الذي فجرته كلمة "عشقك".
اقترب فارس من فتون التي كانت منهارة، وبدون أي مقدمات أو إنذار، أمسك شفتيها بقُبلة عنيفة ومفاجئة، تحمل شوق سنوات طويلة وحبّاً ممنوعاً. كانت قبلته قوية، قاسية، وكأنه ينتقم لنفسه ولها من كل ما عانياه من بعد وإنكار.
ظلت القبلة للحظات طويلة ومكثفة. كان فارس يعمّق من قبلته أكثر فأكثر، وأنفاسهما تعلو وتختلط ببعضها البعض. كان يقبلها وكأنه يثبت ملكيته لها، يثبت أنه لا يوجد شيء في هذا العالم يهم الآن سوى هذه الحقيقة المشتركة بينهما.
عندما أحس فارس بحاجة فتون للهواء، ابتعد لثوانٍ معدودة، فقط ليأخذ نفساً، لكنه عاد يكمل القبلة بعنف وشراهة على الفور، وكأنه لا يقدر على الابتعاد عنها أكثر من تلك اللحظة الوجيزة.
صدمت فتون من قوة مشاعره. كان اعترافها القاسي مدوياً، لكن اعترافه الصامت بالفعل كان أقوى وأشد تأثيراً. لم تكن صدمتها من القبلة بقدر ما كانت من القوة الساحقة التي شعرت بها، ومن حقيقة اللحظة التي فعلا كل شيء ليتجنباها.
ابتعد فارس بالرغم من حاجته التي لم تكتفِ من فتون.... يكفي تراجعاً، يكفي صموداً، يكفي تردداً، سنوات صامتاً كاتماً لمشاعره.... سنوات منذ أن كانت طفلة ومشاعره تصرخ بها. ضمها فارس بقوة حتى كادت أن تتحطم عظامها،.... كل ذلك وفتون منصدمة، لم تكن تصدق أن فارس يكتم كل تلك المشاعر... ظنت... أنه لن يتقبل مشاعرها ويخبرها بأنها طفلة مدللة ويضحك، ولكنه أثبت عكس ذلك. فارس حطم قوانين الأخوة التي كانوا متربين عليها، حطم كل المنطق.
وضع فارس جبهته على جبهتها وكفيه على وجنتي فتون ليقول بتنهد يخرج مشاعر مكتومة منذ دهر: "آه... طفلتي... كم تمنيتُ تلك اللحظة... ظننتُ أنكِ لا تتقبلينني سوى أخاً فقط.... ولكنني.... لم أركِ سوى عشق.... عشق دام لسنوات."
لم تصدق فتون... متذكرة حديث ريم صديقتها... وكانت محقة ريم بكل كلمة تقولها بشأن عشق فارس لها، وأنها شرحت مشاعر فارس في لحظة وهي من عاشت معه سنوات ولم تستطع شرحها أو لعلها كانت تفهمها تماماً ولكنها كانت تخشى حتى البوح بها.
"هل ما زلتِ تقولين إنني أتمّلك... أم أنني أعشقكِ، يا فتون؟"
لم تستطع فتون النطق. كانت الكلمات قد اختنقت في حلقها، لا تسمع سوى دقات قلبها الصاخبة التي تدق طبول النهاية لكل شيء. هي من اعترفت بالذنب، وهو من دفع ثمنه على الفور.
تراجعت فتون خطوة إلى الخلف، ووضعت يدها على شفتيها، وكأنها تحاول محو أثر قبلته، أو محو اللحظة بأكملها. نظرت إليه بصدمة لم يسبق لها مثيل، صدمة الخوف من الحقيقة التي أصبحت واقعًا.
"أنت... أنتَ مجنون!" همست فتون، وقد استعادت صوتها بالكاد.
"أجل! أنا مجنون بكِ!"
أجاب فارس، وعيناه لا تزالان تشعان بالنار. مد يده نحوها، لكنها تراجعت سريعًا.
"لا تقترب!" صرخت فتون، وكانت نبرتها تحمل خوفًا حقيقيًا ممزوجًا بالذجل. "أنتَ متزوج يا فارس! ولديك طفل سيأتي قريبًا! هل جننت؟"
ارتسمت على وجه فارس ابتسامة ساخرة ومريرة: "أنتِ من فكّت قيودي بالاعتراف! ألا ترين؟ أنا لم أعد أفكر في أي شيء سوى فيكِ أنتِ! لا طفل، ولا واجب، ولا أخلاق!"
"لكنني أنا أفكر!"
ارتجفت فتون، وهي تحاول استعادة عقلها الهارب. "هل ستدمر كل شيء من أجل لحظة؟ هل ستدمر عائلتنا؟ وهل سأكون أنا المرأة التي تحطم حياة أخيها! هذا ليس عدلاً يا فارس!
عندما ذكرت فتون كلمة "أخيها"، كأن فارس أفاق من سكرة المشاعر. شعر ببرودة تعود إلى أطرافه.... ارتسم الغضب على ملامحه قائلاً: "أخيكِ؟"
قالت فتون بنبرة تملئها الألم: "أجل... وستظل كذلك..... كما كنت دائمًا... وكما هم يظنون."
أومأ فارس قائلاً: "من هم يا فتون؟"
فتون لم تتحمل استيعاب أي شيء مما حدث بينهما للتو... عضت شفتيها بقوة محاولة كبح بكائها، ولكن انفجرت ببكاء مرير... ثم جلست أرضاً بعد أن خارت قوة تحملها. فارس ينظر لها نظرات غريبة تحمل حباً ممزوجاً بعشق كبير... جلس فارس بقربها وسألها قائلاً:
"لما انهيارك يا فتون.... ألم يرتاح قلبك بعد؟"
نظرت له فتون قائلة: "من ماذا..... من ماذا سيرتاح قلبي يا فارس؟"
ابتسم فارس قائلاً وهو يجلس بقربها ثم تنهد: "مما حصل بيننا... من قليل.... ألم تكوني تريدين ذلك.... قربي وعشقي لك؟"
هزت فتون رأسها بقوة: "لا..... لا يا فارس.... أنا قاومت كل ذلك لسنوات.... أنا لست أنانية يا فارس."
أمسك فارس بوجهها وجعلها تنظر لوجهه... ثم تحدث بنبرة مليئة بمشاعر هوس: "أنانية...... كيف أنتِ أنانية؟"
فتون ببكاء وهي تخفض رأسها بخجل حتى قبل أن تنطق الكلام:
"لطالما عشت حياتي... وأنا قريبة حد الوتين منك يا فارس... وأنت أيضاً قريب... ولكن ذلك القرب مختلف عن ما يراه والداي.... أبيك مصطفى وأمك حنان... يروننا أخوة لا أكثر...... يظنون أننا نرى بعضنا كذلك..... لا يعلمون ما نقترفه من ذنب الآن.... وإن علموا... سيتبرئون مني يا فارس... وأنا لا أملك سواهم..... ثم وأنك متزوج وهي فتاة مثلي.... كيف آخذ منها حياتها ومنزلها... وأيضاً طفلك.... حياتك يا فارس تكمن في عائلتك.... وأنا لا أريد انتزاعها منك."
فارس بحدة عاشقة:
"أنتِ حياتي وعائلتي... وسعادتي تكمن بكِ وحدك..... أما عن خوفك خسارتك لأمك وأبيك..... هذا مجرد وهم..... فقط لأنك لأول مرة تعترفين برابط جديد بيننا... رابط العشق الذي هم لا يعرفونه إلى الآن... أما زوجتي فهي لم تكن بحياتي أصلاً.... يعني وجودها من عدمه أمراً مفروغاً منه.... وطفلي... لا أعلم مصيره ولكن....... أنا... سأتحمل عواقب أي شيء.... فقط حتى لا أتركك.... أنا انتظرت منك تلك الخطوة منذ دهر يا فتون....... وكنت فاقد الأمل ظنًا بأنك تعتبرينني أخاً..... وأنك لن تشعري بمشاعر غير الأخوة اتجاهي... كنت أدعو الله بأن تشعري باتجاهي بأي شيء آخر.... حتى ولو كان مشاعر إعجاب..... ولكن كنت أنتِ دائماً صامتة... لا تتحدثين بأي شيء.... والآن أتت الفرصة ولن أتركك من بين يدي."
فتون كانت تستمع لكل كلمة بقلب ولهان تائه.... تائه مع نفسها ومع فارس ومع عيونه العسلية..... فتون لم تتحمل كل ذلك.... أبعدته فتون قائلة: "فارس.... كل ما حدث.... سننساه.... واعتبرني أنني لم أتكلم..... انسى ما قولته أنا لك.... وأنت عش حياتك مع عائلتك بهدوء دون مشاكل.... واتركني وشأني."
فارس: "ولما أنسى؟ وهو بالفعل حدث ما كنت أرجاه.... أنا وأنتِ حلقنا لبعضنا بعضاً... ولن يستطيع أحد أن يبعدك عني يا فتون... حتى لو اضطررت لمحاربة العالم."
كان كلام فارس يجعل فتون في غاية السعادة، ولكنها لم تظهر ذلك... فكان تمسكه بها أقوى مما ظنت هي، وكأنه كان ينتظر إشارتها فقط ليخوض حرباً لأجل عينيها وامتلاكها. وكان صمتها يمنعه من أي شيء حيالها... ولكن فتون لم تختار مشاعرها على حساب عائلتها. تحدثت فتون قائلة: "فارس..... أنا لست موافقة... ستظل أخي.... وأنا أختك... وحديثي الفارغ... انساه."
ارتسم الغضب على ملامح فارس قائلاً: "لن أنسى شيئاً.... وأنتِ لي يا فتون... بالنسبة لضميرك أنا سأجعله يرتاح."
خطا فارس بعض الخطوات، ولكن فتون ركضت وأمسكت بذراعه قائلة توقفه: "ماذا ستفعل؟"
"سأطلقها..." كلمة نطقها فارس بغضب... لتغضب فتون قائلة: "هل تراني هادمة منازل.... أنت لن تطلق أحداً.... ولن تمتلكني.... أنت سترجع لحياتك... وزوجتك وطفلك... وأنا سأعود لجامعتي وحياتي..... وسأعود أختك.... ولن أسمح لأي شيء آخر أن يحدث بيننا... أفهمت.... لن أخسر والداي من أجلك."
فارس وهو يمسك معصمها بغضب: "وانا سأخسر العالم لأجلك... لأجل عيناكِ فقط!"
فتون بغضب مماثل: "لن تفعل... هل ستفرض نفسك علي؟"
كانت كلمتها قاسية... ترك فارس يديها بهدوء... نظر لها نظرة حادة قبل أن يقول: "لست أنا يا فتون..... لست أنا من يفرض نفسي على امرأة.... حسنا.... أنت لا تريدين حبي وترفضيه.... وتريني أخيكي.... حسنا... فتون..... براحتك.... أنت من اخترت.... هيا...... تصبحين على خير."
استدار وخرج من الغرفة بسرعة جنونية، وكأنه يهرب من أمامها قبل أن يدمر أي شيء صالح بينهما.
أغلقت فتون الباب خلفه، لكن هذه المرة لم يكن هناك قفل ليحبسها. حبسها الآن أصبح داخليًا، سجنًا من المشاعر المستحيلة.
لم تبكِ. جلست على الأرض، وظهرها مسنود إلى الباب، ووجهها شاحب وخالٍ من أي تعبير. كل ما حدث كان صدمة فوق صدمة. هي اعترفت، وهو أكد الأمر. لم يعد هناك هروب من الحقيقة؛ هما يحبان بعضهما بطريقة محرمة ومستحيلة.
الآن، وقد تركها فارس وحيدة لتواجه عواقب قرارها...
♡♡♡♡♡♡♡
في الصباح، مع همسات الشتاء القادم، كانت السماء مُغيمة ومُحمَّلة بثقل خيبات العشاق. هبطت فتون الدرج، بعد ليلة طويلة من التفكير المُضني والمؤلم. لم تكن كأي ليلة مضت؛ فقد قضتها تبكي وحدها على ما ارتكبته، وما اعترفت به. شعرت بأنها مُذنبة حين ألقت بتلك الكلمات على فارس، مُحاولة تشتيت عقله عن عائلته الخاصة. مهما بلغ عشقها، لم تكن تشعر بأي صواب. كيف سينظر إليها الجميع إن علموا أنها تكنّ مشاعر أخرى لـ "أخيها" كما يدعونه؟ وكيف سيراها المجتمع بعد أن شاركت في تحطيم منزل من أجل مشاعر غريبة ظهرت فجأة؟
رأت حنان ابنتها فاقتربت منها. كانت فتون مثل ورقة هشة يوشك أن يمزقها الريح. لمست حنان وجهها بقلق بالغ، قائلة بخوف أموي:
"أوه حبيبتي... هل أنتِ بخير؟
نظرت فتون إلى حنان بابتسامة حزينة، ورقرت عيناها بالدمع حين مر من أمام مخيلتها شبح خسارتها لهذا الحب والاهتمام من والديها. وكأن فتون انتظرت هذه اللحظة بالذات لتنهار. بكت أمام حنان بقهر، شهقت حنان وضمتها، تمسد على ظهرها بحنان بالغ: "حبيبتي... أنا أعتذر لأنني تركتكِ وحدكِ كل تلك الأيام."
أبعدتها برفق قائلة: "هل أنتِ حزينة؟ هل أنتِ غاضبة عليّ يا حبيبتي؟"
هزت فتون رأسها بالنفي وهي تجفف دموعها: "ولما يا أمي سأغضب منكِ؟"
بكت حنان قائلة: "لأنني تركت فارس يغلق عليكِ غرفتك... دون أن أخرجكِ وتركتكِ وحدكِ... وأنا كنتُ سبب غضب فارس عليكِ."
ابتسمت فتون بحزن وغرقت في حضن حنان مرة أخرى، تستنشق حنان والدتها: "لا يا أمي... ما دمتُ حية، لن أغضب منكِ أبداً.... فأنتِ تعلمين فارس... حتى لو فعلتِ المستحيل... لن ينصاع لكلام أحد."
ابتسمت حنان: "أجل.... لطالما كان يملك عقلاً متحكماً دائماً."
ذهبت فتون وحنان لتناول طعام الفطور. كان مصطفى وسمر جالسين ينتظرانهما. كانت نظرات سمر لفتون تحمل شماتة مبطنة؛ فما فعله فارس وحبسه لها كان بمثابة انتصار لسمر، لكنها لم تعلم بعد بما حدث بينهما.
جلست فتون، فابتسم لها مصطفى قائلاً: "هل أنتِ بخير؟ لما أصبحتِ ضعيفة هكذا؟"
ابتسمت سمر وألقت سُمّها ببطء: "يبدو أنها لم تأكل جيداً في فترة حبسها.... فمن اعتاد الدلال... لا يحب الحبس وخاصة لو كان على يد من كان يذهب ويأتي على سياطه.... أليس كذلك يا... فتون؟"
لم تعرها فتون اهتماماً، فيكفيها ما تمر به. مسدت حنان على خصلات فتون قائلة: "هيا عزيزتي... تناولي فطوركِ. تعالَيْ لنخرج سوياً اليوم... نتسوق وتشترين كل ما تريدينه.... ما رأيك؟"
أومأت فتون دلالة على موافقتها وقالت: "حسناً يا أمي.... لأنني أريد أن أحضر بعض الملابس للجامعة."
تعجب مصطفى قائلاً: "هل وافق فارس؟"
رمقته فتون قائلة بيأس: "فارس لم يعد له شأن بحياتي يا أبي."
مصطفى: "ولكن يا حبيبتي... لا تستطيعين أن تخرجي دون علمه."
فتون: "يكفي أنك تعلم يا أبي."
تحدثت حنان بنبرة حنونة: "صغيرتي.... فارس حبسكِ ليس بدافع التملك أو السيطرة عليكِ... هو فقط يخاف عليكِ أن يؤذيكِ هؤلاء البشر.... افهمي ما يحاول فعله لأجلك."
ثم تحدث مصطفى قائلاً: "لقد تمردتِ عليه وعلينا يا فتون... أنتِ أيضاً مخطئة.... وصرختِ بوجهه وقابلتِ من حذّرناكِ وحذّركِ هو من مقابلته... أليس كذلك؟"
أومأت فتون قائلة: "أجل يا أبي، أعترف أنني مخطئة.... ولكن.... هل عندما يخطئ الإنسان.... يعاقب بمثل ذلك العقاب بحرمانه من كل شيء... من أهله وحريته وجامعته ومن نفسه...... ما الخطأ الشنيع الذي فعلته؟ لم أفعل أي خطأ لجعله يفعل كل ذلك..... بي... إلا إن كان شخصاً يملك دوافع هوس التملك بجميع من حوله."
حنان: "يا حبيبتي.... فارس يخاف عليك... مهما يكن فهو أخاكِ."
تلك الكلمة كلما سمعتها فتون تشعر بسكين ينغرز داخلها... ابتلعت ريقها بألم شديد، محاولة ابتلاع الكلمة كما كل مرة وقالت بشرود: "نعم........... أخي."
ابتسمت حنان قائلة: "على كل حال...... هو رحل."
جمدت الدماء داخل عروق فتون وقالت بصدمة: "ماذا..... لأين رحل؟"
ابتسم مصطفى قائلاً: "انظري لها.... من ثوان كانت غاضبة من أفعاله بها.... وحين سمعت برحيله.... تكاد تبكي."
تنهدت سمر بلامبالاة قائلة بهمس: "عائلة مملة..." ثم تحدثت: "ولما تبكي؟ هل هي صغيرة..... على كل حال هو لن يظل طوال حياته بقرب مدللته."
ألقت سمر كلماتها بغضب وأخذت هاتفها ورحلت من المائدة قائلة بأنها ستصعد لترتاح....... بينما فتون قلبها يتألم من حديث سمر... تتردد كلمات سمر داخل أذنيها: "على كل حال هو لن يظل طوال حياته بقرب مدللته."
نظرت فتون لحنان قائلة بارتجاف: "أين.... أين ذهب فارس؟"
شعرت حنان بارتجافة فتون لتقول بطمأنينة: "لا تخافي.... إنه بصفقة عمل.... سيعود بعد شهر أو شهرين."
كلمات حنان تلك جعلت من فتون الفتاة القوية التي طردت حب فارس عنوة من قلبها... لفتاة ضعيفة ترتجف بعشق فارس مرة أخرى دون أي تأنيب لضميرها...... تحاملت فتون بالتظاهر أنها بخير..... استأذنت قائلة: "سأخرج........ سأقابل صديقتي..... ريم..... لم أقابلها... منذ..... أسبوعين."
شعرت حنان بأن فتون ليست بخير، فقالت: "اجلسي لتتناولي فطوركِ."
هزت فتون رأسها نفياً... ثم صعدت وارتدت ملابسها وتحدثت مع ريم ببكاء لمقابلتها في أحد الكافيهات...
꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂
خرجت فتون وحين قابلت ريم أخذتها لمكان بعيد عن الأعين... ومن ثم أجهشت بالبكاء. سألتها ريم أسئلة قلقة متتالية: "لما تبكين؟ هل فعل بكِ شيئاً؟ حاولت أكثر من مرة أن أتحدث معكِ ولكن هاتفكِ مغلق... وأتيت لمنزلك ولكن فارس لم يقبل أن أراكِ.... وقال بأنكِ مللتِ من جو الجامعة...... هل فعل شيئاً؟ هل تحدثتِ معه وعرف شيئاً؟"
تحدثت فتون ببكاء: "لقد سافر يا ريم.... سافر لأنه غضب مني.... تركني مرة أخرى."
صمتت ريم مشفقة على حالة صديقتها التي تدهورت بسبب ذاك الفارس..... تنهدت ريم وأعطت منديلاً لفتون لتقول بحب: "حبيبتي.... لما أنتِ حزينة؟... أيضاً هذا ما كنا نريده... أن تبتعدي عنه وأن يبتعد عنك... أن نصنع حدوداً، أليس كذلك؟"
فتون ببكاء: "أنتِ لا تفهمين... باليوم الذي رآني أحمد به... ذلك الشاب ابن عمتي..... يومها فارس رآني معه.... ثم بدأت فتون تسرد لها كل ما حدث... إلى أن توقفت حين خرج فارس غاضباً منها، ومن وقتها لم تره إلا حين سمعت من حنان عن خبر سفره."
كانت ريم تستمع لفتون حتى آخر كلمة عن سفر فارس..... هزت ريم رأسها بيأس... ففتون واقعة في متاهة ومشكلة لا يبدو أن لها حلاً.... تخاف أن تكسب فارس فتخسر أهلها... وتخاف أن تكسب أهلها فتخسر فارس ونفسها معه... لم تعرف ريم ماذا ستقول لها بعد كل ذاك الحزن الذي به فتون... إلا أنها دعت لها الله ليجد لها حلاً.
أخرجت ريم نفساً طويلاً ثم بعد لحظات قالت: "انظري يا فتون...... الجميع يخطئ... والجميع يعيش تجارب أسوأ من السوء.... ولكن من يهزم القدر هو من يفوز."
فتون وهي تنشف أدمعها قائلة: "ماذا تقصدين؟"
تنهدت ريم قائلة: "البعض لا يأخذ نصيبه كاملاً... والآخر لا يأخذ شيئاً.... أتعلمين لماذا؟.... بسبب صمته وتركه لحقه بأن يضيع من بين يديه....... نحن نخسر أنفسنا حين نختار غيرنا يا فتون... نخسر حلمنا... حياتنا... وكل ما هو لنا..... ومن أجل ماذا؟... من أجل ألا نُخيِّب آمال أقرب الناس لنا... فنظل طوال حياتنا نخسر كل شيء من أجل أن نجعلهم يروننا دائماً الأفضل... ولكن نظل ننظر على أشيائنا من نافذة الأحلام... ولا نقدر على لمسها حتى. ستخسرين نفسكِ وحبكِ يا فتون لا بد... من أجل إسعاد بعض الناس.... أعلم أن ضميركِ يؤنبك بشأن فضلهم عليكِ، وبشأن أنهم يرون بكِ إنساناً جيداً.... وأيضاً بشأن زوجته وطفله.... ولكن يا فتون هل فكرتِ بنفسكِ بين كل ذلك؟...... فارس بالرغم من بعض الأشياء السيئة به بشأن تحكمه وغضبه.... إلا وأنه بالرغم من ذلك تمسك بكِ.... أنتِ تقولين إنه يقول لكِ إن وافقتِ سيطلق زوجته... وسيحارب العالم من أجلكِ... إن أمسكتِ بيديه... وأنتِ ماذا فعلتِ؟... حرمتيه موافقتكِ وحبكِ ولم تتمسكي به كما فعل هو ... جعلتيه يعلم بشأن حبكِ ثم أخذتيه منه مرة أخرى مثلما يأتي الخبز الساخن أمام الجائع ثم يُؤخذ منه مرة أخرى، فيظل الجائع والبائع خسران... وأنتِ مثل ذلك..... لو ما كنتِ أخبرتيه بشأن حبكِ.... ما كان فارس ليفعل أي شيء خاطئ.... وكان مع الوقت عاش مع زوجته وطفله دون أن ينتظر أي مشاعر منكِ..... ولكنكِ أنتِ جعلتيه يعرف بشأنكِ.... فمهما مر الدهر... لن ينسى أنكِ ابتعدتِ بالرغم من عشقكِ له.... ستظلان محرومين."
تحدثت فتون بدموع قائلة: "ماذا سأفعل يا ريم... أنتِ كنتِ محقة وما زلتِ محقة بكل كلمة..... ولكن لم يكن بإرادتي أن أخبره.... لقد أرغمني وضغط عليّ.... ماذا سأفعل الآن؟ هل سأحرم زوجته وطفله منه؟ هل سأحب رجل متزوج وأُسمّى عشيقته؟ هل سأحب من يظنونه أخي؟... وأهلي.... إن علموا بمشاعري.... ماذا سيفعلون؟..... كل ذلك يقع على عاتقي..... فارس يستطيع تجاهل كل شيء... زوجته... طفله وأهلي... دون أن يبرر... أن يقلق على نظراتهم له... ولكن أنا.... ماذا أفعل يا ريم...... لا أريد أن يرونني على أنني هادمة منازل.... على أنني فتاة سيئة سرقت زوج فتاة أخرى..... لا أريد أن أكون وحيدة... ولا أريد أن أحرم حنان أبي وأمي. أخبريني ماذا أفعل.... أخبريني؟"
تنهدت ريم قائلة: "كل ما أقدر على قوله هو...... اتبعي حلمكِ وقلبكِ."
فتون بشرود: "بحياتي تلك التي خُلقتُ بها.... لا أستطيع أن أتبع أي شيء.... سأدفن مشاعري ولا أُحطّم آمالهم بي."
تنهدت ريم مرة أخرى قائلة: "إنها حياتكِ يا فتون... حياة واحدة لن تستطيعي أن تضيفي عليها عمراً آخر.... حياة عيشيها بكل حب وراحة.... وليس ألم وحرمان.... أنتِ أدرى بما هو حالكِ...... والآن."
وقفت ريم قائلة: "كان الله بعونكِ يا حبيبتي...... أنا يجب أن أذهب."
أومأت فتون لها قائلة: "حسناً عزيزتي... و..... أيضاً شكراً لكِ... لولاكِ ما كنتُ أعرف كيف أفضفض أو أجد حلاً."
ابتسمت ريم بسخرية مريرة: "ليتني وجدتُ لكِ حلاً."
رحلت ريم وظلت فتون جالسة.... غارقة بعالمها الأليم..... فكلما حاولت أن تجد حلاً غرقت أكثر، وكأن حلول العالم قد انتهت.
♕♕♕♕♕♕
في المساء، جلست فتون بقرب حنان أمام شاشة التلفاز... وكان الشتاء بالخارج قوياً. مصطفى يضع نظارته يقرأ الجريدة، والجو مليء بالحب والدفء... ولكن بالرغم من كل ذلك فتون تشعر بالسقيع... السقيع والبرودة الشديدة داخل خلايا جسدها... ارتدت ملابس كثيرة وثقيلة وما زالت ترتجف... لم تعلم أنها فقط تفتقر إلى شيء آخر غير الملابس... شيء أدفأ.. أحن... وأجمل. استأذن مصطفى للذهاب للنوم... بعد أن قبل جبين حنان وفتون التي ابتسمت على حب أبيها مصطفى لأمها، بالرغم من كل تلك السنوات... وما زال حبهما قوياً لم يغيره أو يقلله الزمن.
حمحمت فتون بعد تفكير عميق في حديث ريم لتقول متسائلة حنان: "أمي."
ردت حنان عليها وهي ما زالت عيناها معلقة على الشاشة بانتباه: "اممم."
ابتلعت فتون ريقها قائلة: "أريد أن أسألكِ سؤالاً."
نظرت لها حنان... ثم أغلقت الشاشة قائلة: "اسألي حبيبتي."
تنهدت فتون قائلة: "ماذا لو.... أمامكِ حلمكِ.... حُلم بأن تملكين حقيبة باهظة الثمن... وتريدينها بشدة... وظللتِ طوال حياتكِ تحلمين بأن تكون لكِ تلك الحقيبة.... ولكن أهلكِ لا يملكون المال... وأنتِ لا تستطيعين أخذها حتى لا يحزن أهلكِ لأنهم لا يستطيعون إعطاءها لكِ..... والحقيبة بيد أحد آخر..... وأنتِ معكِ المال.... تلك الحقيبة تريدكِ أنتِ أو تليق عليكِ أنتِ ولا أحد سواكِ.... وقتها ماذا ستفعلين؟ هل ستأخذين الحقيبة من يد من يحملها بمال يستحقه أهلكِ أكثر.. أم تحققين حلمكِ وترمين كل شيء خلفك.. مشاعر من يحملها ومشاعر أهلكِ لتأخذي الحقيبة وتنصاعين لحلمكِ؟"
ابتسمت حنان... وجذبت فتون نحوها تضع رأس فتون على قدميها كما كانت تفعل معها منذ الصغر.... ثم بدأت حنان تدلك خصلات فتون برقة حتى كاد يذهب توتر فتون... لتقول حنان: "حسناً... سؤال جميل...... لو كنتُ أنا حنان... كنتُ سأختار أهلي....."
انقبض قلب فتون وابتلعت ريقها ولكن حنان أكملت قائلة: "ولكن إن كنتِ تلك الفتاة العنيدة فتون... والتي خُلقت للدلال والثقة بالنفس والرزانة... كنتِ ستختارين الحقيبة."
اعتدلت فتون سريعاً بفرح لم تظهره وقالت بلهفة: "حقاً؟"
أومأت حنان وأعادت رأس فتون على قدميها لتكمل: "جميعنا مختلفون وتفكيرنا وزمننا... أنا خُلقت ببيت فقير ووالدكِ كان غنياً.... لو كان معي بعض الأموال وأريد شيئاً.... سأُفضّل أهلي... لأنني تربيت ببيت بسيط... فخُلقت بداخلي أن أُفضّل أي أحد على مشاعري الخاصة... عشتُ طوال حياتي أحاول تغيير شخصيتي وأن أُفضّل نفسي دائماً... حتى أتى ذاك اليوم الذي أتى به مصطفى بيتنا... واعترض الجميع... بالرغم من أن والدكِ محمد رحمه الله ووالدكِ مصطفى أقرباء أبي... أبي يكون عمهم... ولكن أبي خُلق على طباع عنيدة متسلطة كما هو فارس الآن.... رفض حُبّنا ومصطفى لأن مصطفى كان غنياً وأخبرني أنه لن ينفعني.... ولأول مرة أصررتُ على أن آخذ ما أريده دون أن أنظر لمشاعر أحد.... أفهمتِ يا حبيبتي؟.... والآن انظري... أنا وأبيكِ.... الحمد لله.... في حياة دافئة وجميلة.... أنتِ كفتون.... لن تُضحّين... ستأخذين الحقيبة ولن تضيعي عمراً من أجل شيء تحلمين به.... أبيكِ وأمكِ لن يحزنا حين تأخذين أحلامكِ وما تحبين... بل بالعكس... سيفرحان لأن طفلتهما تأخذ وتحقق أحلامها.... هذا ما سيريدوه."
فتون وقالت: "وماذا عن والدكِ.... هل سامحكِ؟"
ابتسمت حنان قائلة: "بعد عدة سنوات سامحوني.... ولكن أبي وأمي سامحهم الله ورحمهم توفيا بعدها بسنة من بعد مصالحتنا."
فتون: "رحمهم الله..... لأول مرة أسمع قصتكِ تلك."
ابتسمت حنان قائلة: "لأنكِ لم تسأليني."
فتون لا تعرف لم ارتاحت... سألتها حنان قائلة: "ولكن ما الذي أتى بخاطركِ حين سألتِ ذلك السؤال؟"
وقفت قائلة: ".... لا شيء.... سؤال سخيف... أتى ببالي... دون جدوى..... هيا أمي تصبحين على خير."
قبلت فتون والدتها وذهبت إلى غرفتها وقد حسمت الأمر. ستتخذ فتون خطوة جريئة من أجل حلمها....... لن تنتظر بأن يمر العمر دون أن تأخذ ما تتمناه...... فتحت هاتفها... ظهر رقم فارس أمامها... ومن ثم قامت بالاتصال عليه.
مرة وراء الأخرى..... لم يجِب فارس....... شعرت فتون باليأس... قائلة: "إنه غاضب مني لدرجة لا يستطيع حتى أن يستمع لي."
ثم وضعت هاتفها على الكومود وحاولت أن تنام لتجرب غداً مرة أخرى... ولكنها فشلت وكأن النوم هرب منها ولا يريد الحضور.
الآن، وقد حسمت فتون قرارها باتباع قلبها، وفارس غائب ورافض للرد.
ظلت فتون ساهرة طوال الليل، عيناها معلقتان بهاتفها الذي أبى أن ينير باسم فارس. كانت تنتظر رنة، رسالة، أي همسة تكسر جدار الصمت الذي فرضه عليها بانسحابه، لكن لا شيء. لم يرن، ولم يسأل. كانت تلك الليلة هي العقاب الأشد قسوة على قرارها.
مع بزوغ الفجر، كانت فتون مجرد هيكل مُرهق، الدوخة تتلاعب برأسها من قلة النوم والتوتر العاطفي. لكنها تحاملت على نفسها، ارتدت ملابس الجامعة، عازمة على أن تستعيد السيطرة على حياتها ولو ظاهرياً.
هبطت الأدراج ببطء شديد، مُتعبة، وعيناها بالكاد تريان. شعرت بالغثيان والدوار يشتد، وكأن العالم يدور حولها بسرعة. كانت في منتصف الطريق نحو الصالة حيث تتوقع رؤية مصطفى وحنان...
على دخلة الصالة، وبينما كانت حنان تهم بالدخول من المطبخ، سمعت حشرجة خافتة. رفعت حنان بصرها لتجد فتون تترنح بعنف، يداها تبحثان عن شيء تستند إليه، ولكن الأوان قد فات.
فجأة، وبدون مقدمات، سقطت فتون أرضاً، جسدها الهش ارتطم بالأرضية الخشبية بهدوء مُفزع، وسكونها كان أشد إثارة للرعب من أي صراخ.
تجمدت حنان في مكانها لثانية واحدة من الصدمة، ثم انطلق صوتها كصافرة إنذار، صرخة حادة اخترقت سكون المنزل: "فتوووووون!"
كانت رؤية فتون غائمة، الألوان ممزوجة والظلال تتمايل. تحاول عقلها إدراك محيطها، ولكنه فشل في البداية. ثم بدأت الأصوات تتضح، همسات قلقة، وأنفاس قريبة. آخر شيء تذكرته كان الدوار وهي في طريقها للجامعة.
حاولت تحريك رأسها ببطء، فاستقرت الرؤية أخيراً. وجدت نفسها في سريرها بغرفتها، وحولها وجهان ينضحان بالقلق والتعب.
كانت حنان تجلس بجوارها على حافة السرير، ومصطفى يجلس على مقعد قريب، يداه متشابكتان ووجهه مهموم.
عندما شاهدا عينيها تفتحان بالكامل، قفز مصطفى إليها وحنان أطلقت تنهيدة فرح طويلة.
انحنى مصطفى على فتون وقبل جبينها بحب عميق، ثم جلس بجوارها على السرير.
مصطفى بحب أبوي لا يخفى: "ماذا بكِ يا حبيبة والدكِ؟قلقتنا عليكِ، يا روحي. قلقنا عليكِ كثيراً. هل أنتِ بخير الآن؟"
ضغطت فتون على يد والدها، شعرت بالدفء والأمان، لكنها لم تجد الكلمات لتصف حجم الإرهاق العاطفي الذي جلب لها هذا الانهيار الجسدي.
فتون بصوت بالكاد مسموع: "أنا... أنا بخير الآن يا أبي. لا تقلقا. ربما لم أنم جيداً."
نظرت حنان إلى مصطفى بنظرة ذات مغزى، وكأنهما يدركان أن المشكلة أعمق من مجرد قلة نوم.
حنان بحنان: "فليلة البارحة كانت قاسية على قلبكِ الصغير يا ابنتي. لكن الحمد لله أنكِ استعدتِ وعيكِ. لقد أرسلنا في طلب الطبيب ليطمئن عليكِ، وسيأتي قريباً."
دقائق مرت وكأنها دهر. وصل الطبيب وأجرى الفحوصات الأولية بسرعة وهدوء، بينما مصطفى وحنان يجلسان على أحر من الجمر، وعيونهما تترقب حركة الطبيب وإشارة منه.
بعد انتهائه من فحص فتون، طلب الطبيب من مصطفى وحنان مرافقته خارج الغرفة للحديث في أمر جدي.
في الخارج، أغلق الطبيب الباب ووقف أمام الزوجين القلقين، وقد ارتسمت على وجهه علامات الجدية.
الطبيب بهدوء شديد: "ما حدث لفتون اليوم هو نتيجة إرهاق عصبي وجسدي شديد، لكن المسألة أعمق من مجرد قلة نوم. بعد الفحص السريع، يبدو أن هناك مشكلة خفية في القلب."
اتسعت عينا حنان ورُفعت يداها إلى فمها بصدمة مكتومة.
مصطفى بصوت أجش بالكاد خرج: "قلبها؟ ما الذي تقوله يا دكتور؟"
الطبيب: "أنا بحاجة لمزيد من التحاليل، ولكن الأعراض تشير إلى مرض قلبي مزمن لم يتم اكتشافه من قبل. ما حدث لها اليوم هو إغماء وعائي مبهمي، سببه التوتر الحاد والمشاعر المكبوتة. يجب أن تكون فتون تحت الملاحظة الدقيقة، وأهم من ذلك... يجب ألا تتعرض لأي ضغط نفسي أو توتر عصبي مطلقاً. أي انفعال حاد قد يسبب لها... لا قدر الله... جلطة أو أزمة مفاجئة."
كانت هذه الكلمات كالصاعقة التي ضربت مصطفى وحنان. حنان بدأت بالبكاء بصمت، ومصطفى كان وجهه قطعة من الخشب، يحاول استيعاب المصيبة.
الطبيب بصرامة: "هذا الأمر جدي جداً. يجب أن تعيش فتون حياة هادئة تماماً، بعيدة عن أي صراعات أو قرارات مصيرية متوترة. سأكتب لها على بعض الأدوية المهدئة للقلب والأعصاب، وسنبدأ الفحوصات غداً."
تنهد مصطفى بضعف: "حسناً يا دكتور... حسناً."
♡♕♡♕♡♕
السر الثقيل في عيونهم
عاد مصطفى وحنان إلى الغرفة، وقد تبادلا نظرة سريعة فيها قرار صامت: يجب أن يبقى هذا المرض سراً عن الجميع، خصوصاً عن فارس. لا يريدان أن يثقل كاهلهما بهم هذا الخبر، ولا أن يعود فارس من أجلها
جلست حنان بجوار فتون، تحاول أن تخفي دموعها التي كانت تحرق عينيها. كانت تُظهر ابتسامة مصطنعة، بينما تضغط يدها على يد ابنتها برقة مفرطة، وكأنها تخشى أن تنكسر بين يديها.
لاحظت فتون هذا التغير فوراً.
كانت عيون حنان المُنتفخة من البكاء ورقة مصطفى المبالغ فيها واضحة. همسا لبعضهما البعض خارج الغرفة، وها هما يعاملانها كأنها بلورة على وشك التحطم.
فتون بحدسها الذكي، لم تستطع أن تتقبل التفسير السطحي لـ "قلة النوم".
فتون بتساؤل خفيف: "أمي... ما الذي قاله الطبيب؟ هل... هل أنا بخير حقاً؟"
تجمد مصطفى للحظة، ثم سارع بالرد بحدة مصطنعة: "أجل يا روحي، بخير تماماً! فقط بعض الإرهاق. لقد وبخنا الطبيب لأننا لا نهتم بنومكِ وراحتكِ. ستتوقفين عن كل هذا التوتر بخصوص الجامعة والخروج، أليس كذلك؟"
حنان تتدخل بسرعة، محاولة تلطيف الأجواء: "أجل، فقط إرهاق. لكن انظري إلينا، يا صغيرتي، نحن قلقون جداً... لا نريد أن نراكِ هكذا أبداً. أرجوكِ، اعتني بنفسكِ من أجلنا."
لم تقتنع فتون. كانت نظراتهما تخفي شيئاً ضخماً، شيئاً يخصها هي بالذات. شعرت ببرودة تسري في أطرافها. التوتر العاطفي الذي كان ينهكها أصبح الآن خوفاً حقيقياً على وجودها.
لماذا كل هذا الخوف المبالغ فيه؟ ولماذا هذه الأوامر الصارمة بعدم التوتر؟
في أعماقها، تيقنت فتون أن هناك سرًا كبيراً، وأن جسدها يحمل عبئاً أثقل من مجرد عشق ممنوع. لكنها اختارت الصمت، لكي لا تزيد من قلق والديها.
فتون بهدوء غريب: "حسناً يا أبي... لن أتوتر بعد الآن. أعدك."
♡♡♡♡♡♡