part11
بالرغم من صراخ العشق المكبوت، قررت فتون أن تتبنى فكرة الحدود التي اقترحتها ريم، ليس بدافع اكتشاف مشاعرها، بل بدافع حماية نفسها من الوقوع في إثم عشق ممنوع ودرء الخطر الأخلاقي عن أسرتها.
أرسل فارس سائقه، فاستقلت فتون السيارة عائدة إلى الفيلا. دخلت بهدوء، لكن بوجه شاحب وعينين محمرتين من البكاء الصامت.
كانت حنان وفارس جالسين في صالون المعيشة يتبادلان الأحاديث الخافتة. ما إن رأت حنان فتون حتى نادت عليها بقلق: "تعالي يا فتون! ما بكِ؟"
توجهت فتون إليهما، لكنها كانت تسير بخطوات ثقيلة كمن يحمل جبلاً. وقف فارس بمجرد أن رأى شحوب وجهها. سألها بصوت يحمل قلقاً أبوياً اعتادت عليه لكنها الآن ترفضه: "ماذا بكِ؟ ما الذي جعلكِ هكذا؟"
رأت فتون في قلقه تملّكاً آخر، فكانت هذه هي اللحظة المناسبة لتنفيذ "الحد". نظرت إليه ببرود مصطنع، لكنها نطقت بكلمات لاذعة وباردة:
"أرجوك... يكفي! يكفي أن تعاملني كأنني طفلة!"
تجمد فارس في مكانه. لقد طفح به الغضب من رسالتها الهاتفية، وهذه النبرة الجديدة كانت القشة الأخيرة. صاح بها بعنف وغضب أجوف:
"ماذا بكِ أيتها الفتاة! أنسيتِ مع من تتحدثين؟"
ارتجفت فتون من الداخل، لكنها تشبثت بخطة التمرد، مجمّدة الخوف في صدرها. صاحت هي الأخرى، تحديه يجابه تملكه: "ذكّرني... من تكون؟"
تدخلت حنان بخوف، وقد ارتجف صوتها أمام هذا الشجار العنيف غير المعهود: "ماذا بكم يا صغاري؟! ماذا حدث؟ كنتم بخير... بالله عليكم!"
صاح فارس بصوت جهوري، وهو يشير إلى فتون بعينين تقدحان شرراً:
"انظري إليها! دللتها حتى تمردت! أمي، أصبحت لا تحترم أحداً ولا تقدر احدا علي الاطلاق!"
عند هذه الكلمات، لم تستطع فتون التحمل. هذا الاتهام بالتمرد والطفولة حطّم آخر جدار للصبر لديها. ألقت بكتبها أرضاً بعنف، وصرخت صرخة قوية مدوية، وكأنها تبث كل الألم والجروح التي كتمتها سنوات:
"يكفيييي! يكفي! يكفي تحكماً وتملُّكاً بي! من أعطاك ذلك الحق؟! أنا لا أتدلل ولا أتمرد! أنا فتاة عادية... خلقها الله يتيمة! ولكن هذا لا يعطيك الحق في أن تمتلكني... كما تمتلك هاتفك أو ساعتك أو مالك أو سيارتك يا سيد فارس!"
تقدمت خطوة، ودموعها تنهمر بحرقة:
"ابتعد عني واتركني وشأني! لقد مللتُ حياتي هذه... أقسم! سأقتل نفسي يوماً بسببكم! أنا أكره كل شيء! وأكره أمي وأبي... لأنهما سبباً في كل شيء! لأنهما لو لم يموتا... لكنت بعيدة الآن! بعيدة حدّ لا أحد يتحكم بي!"
صُعق فارس بالكلمات. أن تكرهه مفهوم، لكن أن تلوم والديها الراحلين، وأن تلق الوم عليهما.. تجاوز الأمر كل الحدود.
صرخ فارس بأعلى صوته، والغضب يمزق صوته، وكأنه يلقي حكماً لا رجعة فيه:
"إذًا... ابتعدي! ابتعدي ولا تجعلي أحداً يتحكم!"
انخرطت حنان في البكاء، وهي تحاول التهدئة بينهما، "يكفي بالله عليكم! عين أصابت أولادي! كنتم جيدين! ماذا حدث لكم صغاري؟ اهدؤوا بالله عليكم! اصعدي يا فتون لغرفتك... واتقي شر أخيكِ يا حبيبتي!"
بكت فتون وركضت إلى غرفتها، بينما جلس فارس، يمسد رأسه بغضب جامح، يتمتم بحدة وهو يكاد يمزق شعره:
"تلك... الفتاة! آوُوف! آوُوف!"
بعد صراخ فتون وهربها إلى غرفتها، لم يشعر فارس تلك المرة بأنه يريد الابتعاد أو تلقينها درساً بالهجر، بل شعر بلهيب يشتعل في صدره، يدعوه إلى التملك أكثر والسيطرة بقوة أكبر.
جلس فارس يمسد رأسه، والغضب يغلي في دمه. سأل نفسه: هل غضبها ذلك نابع من فعلته صباحاً حين اهتم بسمر أمامها؟ هو يعلم تماماً أنها تغار من الاهتمام منذ صغرها، لكنه فعل ذلك استجابة لحديث والدته الليلة الماضية. وجد أن حنان محقة؛ لم يكن يريد أن يجعل سمر تتوتر، وقرر أن يهتم بها قليلاً، ليس بدافع الحب، بل من أجل طفله، حتى لا يجعله يشعر بأنه غير مرغوب فيه.
لو كان يعلم أن ذلك الموقف البسيط سيؤثر على فتون بهذا الحد، لم يكن ليفعله قط. لم يدرِ لمَ غضبت تلك الفتاة لهذا الحد، ولماذا تجاوزت حدود الأدب لدرجة تمني الموت ع ان تكون معه
لكنه لم يستطع كبح شعور التملك. قرر أن يلقنها درساً قاسياً. وتلك المرة لن يبتعد... بل سيقترب لدرجة تجعلها تعود طفلته المطيعة مرة أخرى، حتى لو ظل غاضباً من وقاحتها وتمردها.
♡♡♡♡♡
أما فتون، فطرقت الباب خلفها بغضب، وألقت جسدها المنهك على الفراش لتبكي بقهر وندم على كلماتها الجارحة.
ثم نهضت، وتحدثت مع نفسها بصوت أجش من البكاء والغضب المكبوت: "أنا لا أراك أي شيء في حياتي! أنا أكرهك! أريد أن أبتعد عنك... حتي لا أخسر أحداً آخر! لم يعد لدي أحد لأخسره!"
كانت تعرف أن كلامها كذب، لكنها ألزمت نفسها به. يجب أن تكون حدودها جداراً عالياً يحميها من الاثم ويحميه من نفسه.
꧁꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂꧂
مر أسبوعان في الفيلا كانا ثقيلين وصامتين. هدأ فارس ظاهرياً، لكنه كان يخطط في صمت لكيفية مصالحة فتون وإعادتها إلى دائرة تملكه دون اعتذار.
أما فتون، فكانت تحاول جاهدة تطبيق "الحدود"، تتجنب التحدث مع فارس، وتعود متأخرة قدر الإمكان.
في الجامعة، وبينما كانت فتون تسير في ممر الكلية، أوقفها شاب يبدو عليها محاولات الأناقة المفرطة. إنه أحمد، ابن عمتها سميرة (العمة غير الشرعية). شعرت فتون بقبضة الخوف تلتف حول قلبها، وتذكرت تحذيرات فارس القديمة من الاقتراب من هذا الشاب وعائلته.
حاولت فتون التهرب، لكنه لم يتركها، وأصر عليها بابتسامة مصطنعة وناعمة.
"فتون، أرجوكِ، يجب أن تعطيني فرصة للكلام. نحن أبناء عمومة في النهاية. لا تخافي، لن أكلك'!"
بعد إلحاح و"زن" طويل ومحاولات إقناع بأنها يجب أن تتخلص من تأثير فارس وتسمع وجهة النظر الأخرى، وافقت فتون بتردد. كانت خائفة وقلقة لأنها تعرف غضب فارس القادم، لكنها تذكرت أنها لم تعد تعمل له حساباً؛ لقد قررت الاستقلال.
جلست فتون مع أحمد في مقهى قريب من الجامعة بثقة مهزوزة، تحاول التعود على هذه الشخصية الجديدة التي لا تخضع لرقابة فارس.
بدأ أحمد يتحدث عن نفسه، محاولاً إغراءها بالبراءة المفقودة. زعم أنهم مظلومون، وأن العائلة "خدعتهم"، وأن والدته عندما أخذت أموالاً من مصطفى (والد فارس) كان ذلك بدافع المساعدة وليس الابتزاز. كان حديثه كله خداع مُتقَن يهدف إلى كسب تعاطفها وثقتها.
وفي ذروة الحديث، وبجرأة غير متوقعة، طلب أحمد يد فتون للزواج!
تعصبت فتون، شعرت بالغثيان من الخداع والوقاحة. نهضت عن المائدة بحدة، وقررت تركه والانصراف فوراً.
لكن فتون لم تكمل خطوتها نحو الباب. تجمد الدم في عروقها.
رأت فارس يقف عند مدخل المقهى. كانت هيئته غاضبة، عيناه تشتعلان وكادتا أن تحرقا الأخضر واليابس. كان واضحاً أنه يراقبها منذ وصولها.
ابتلعت فتون ريقها بخوف عظيم، لم تعد فكرة "الاختبار" أو "الحدود" تعني شيئاً أمام هذا الغضب المخيف.
اقترب فارس نحو أحمد بخطوات بطيئة ومرعبة. رأى أحمد غضب فارس، فخاف وتراجع للخلف، مهدداً: "فارس! لا تقترب! أن..."
لكن فارس لم يمهله. دفعه بقوة عن الكرسي، ثم لكمه لكمة قوية ومباغتة أسقطته أرضاً.
فارس (بصوت يزلزل المقهى): "أنا حذرتك ألّا تقترب من فتون!"
بدأ الناس يتجمعون لفض الاشتباك. فصلوا فارس عن أحمد الذي كان يتأوه على الأرض. أمسك فارس بيد فتون، وبدأ يضغط على معصمها بقوة مفرطة، وكأنه يعاقبها على جلوسها مع هذا الرجل.
سحبها فارس بغضب عارم وأدخلها السيارة بالقوة. طوال الطريق، سكتت فتون، وهي تعلم أن غضبه وصل إلى نقطة لا يمكن الحديث فيها أو تقديم أي تبرير.
وصلوا إلى الفيلا، ودخل فارس يجر فتون خلفه. كان مصطفى وحنان في قاعة المعيشة.
رأت حنان حالتهما، فسارعت إليهما بخوف: "ماذا بكم يا أولادي؟ ماذا حدث هذه المرة؟"
صرخ فارس بأعلى صوته، دون مقدمات، وكأنه يفرغ غضبه فيهم جميعاً: "هل تعلمون أين كانت هذه الفتاة؟ كانت جالسة مع ابن سميرة في مقهى الجامعة!"
صُدم مصطفى، ووقف من مكانه بذعر: "ماذا؟ مع أحمد؟ يا فتون! كيف ؟"
أما حنان، فتحولت ملامحها للتوتر والذعر، وخفضت رأسها بصمت. لاحظ فارس توتر والدته المبالغ فيه.
فارس (صائحاً بوجه والدته): "أمي! هل تعرفين شيئاً عن هذا؟ قولي! أنا أقسم إن كنتِ تخفين عني شيئاً..."
تراجعت حنان باكية، واعترفت بصوت خافت: "س... سميرة اتصلت بي قبل أسبوعين. لم أرد أن أزعجك... لقد عرضت عليّ زواج فتون من أحمد... قالت إنها تريد أن تصفي قلبها مع العائلة، وأن تتنازل عن حقوقها..."
جن جنون فارس. لقد تحول الغضب إلى عار على تملكه. صرخ في وجه أمه: "أنتِ! كيف تسمحين لها حتى بمجرد الحديث! كيف تتجرئين! هل نسيتِ من هي سميرة وابنها؟"
عادت حنان تبكي بحرقة: "أنا لم أوافق! قلت لها إن الأمر ليس لي! لا تصرخ عليّ يا فارس!"
وبدأ مصطفى يوبخ حنان على كتمانها لهذا الأمر.
وهنا، وفي ذروة الفوضى، قررت فتون أن تدفع ثمن حريتها وتمردها كاملاً، لتصدمهم جميعاً. تحدثت بصوت عالٍ وثابت، يخفي رعشة قلبها:
"وما المشكلة؟! أحمد هو ابن عمتي! ومن حقي أن أتحدث معه، ومن حقي أن أعطيه فرصة!"
ساد صمت مطبق. نظر الجميع إليها بصدمة، مندهشين من جرأتها وتمردها غير المتوقع. لقد أصابت فتون فارس في مقتل
في تلك اللحظة، لم يعد فارس يرى فتون كـ"طفلته" المتمردة، بل كـ"امرأة" تهدد كيانه وتملكها. تحطمت آخر ذرة عقلانية لديه.
تحول الغضب على وجه فارس إلى جنون صامت ومخيف. لم يصرخ، بل تقدم نحوها ببطء، وخطواته ثقيلة كأنها خطوات حكم بالإعدام. كانت عيناه تلمعان بحمرة غريبة، وكأنه على وشك أن يفقد السيطرة على نفسه تماماً.
رأى مصطفى هذا التحول الخطير في ملامح ابنه. صاح مصطفى محاولاً إيقافه: "فارس! اهدأ! لا تفعل شيئاً تندم عليه!"
لكن فارس لم يسمع. أمسك بذراع فتون مجدداً، لكن هذه المرة كان يضغط عليها بقوة تكاد تكسر العظم، وسحبها خلفه نحو الدرج.
فارس (بصوت مخيف، خافت لكنه يرتجف): "لا. لن نضيع الوقت في مناقشات عقيمة. لن تعطي فرصة لأحد بعد اليوم!"
صرخت فتون بألم: "فارس! اتركني! تؤلمني!"
حاولت حنان إيقافه، وهي تبكي وتتوسل: "حبيبي، اتركها! إلى أين تأخذها؟ اهدأ! ارجع!"
لكن فارس تجاهل الجميع. صعد الدرج بفتون التي كانت تتأوه بين يديه، حتى وصل إلى غرفتها.
دفع فارس فتون بعنف إلى داخل الغرفة، فاصطدمت بالحائط. لم يتبعها إلى الداخل. وقف عند الباب، وصوته يخرج كالهواء من رئة متمزقة:
فارس: "من اليوم، ستبقى هذه الغرفة هي عالمكِ الوحيد. لن تغادريها إلا للجامعة، وبمعيتي أنا فقط! أنتِ ملك لي، ولن يراكِ أو يقترب منكِ أي ابن حرام آخر!"
صرخت فتون بألم ودموع، وهي تحاول الوصول إلى الباب: "أنت مجنون! أنت لا تملكني! اتركني أخرج!"
"أنا مجنون؟" سأل فارس بتهكم مرير. "حسنًا، سأريكِ الآن ما هو الجنون."
أخرج فارس هاتفه، وأجرى اتصالاً سريعاً وهو يراقب فتون بصمت. بعد دقائق معدودة، عاد وبيده قفل ضخم وثقيل أحضره أحد الخدم على عجل.
رآه مصطفى وحنان اللذان صعدا الدرج متأخرين، وصاحا بذعر: "ماذا تفعل يا فارس؟ هل جننت؟"
قام فارس بتركيب القفل الخارجي بسرعة جنونية على باب غرفة فتون. سحب المفتاح، ونظر إلى فتون من خلال الفجوة للحظة، وكانت نظرة لا تحمل رحمة، بل تملكًا خالصاً.
فارس (بصوت جهوري، مخاطباً الجميع): "من اليوم... فتون ممنوعة من الخروج من هذه الغرفة دون إذن مني! هذا هو المكان الوحيد الذي ستظل فيه بعيدة عن شياطين الماضي والحاضر! حتى تدرك قيمة ما كانت به، وتعود إلى رشدها!"
أدار فارس المفتاح بقوة، سمعت فتون صوت ارتطام القفل الذي حبسها داخل سجنها.
انهارت فتون على الأرض، وهي تضرب الباب بيديها وتصرخ: "افتح الباب! افتح يا فارس! أنت لا تملكني! أنا أكرهك! أكرهك!"
ابتعد فارس عن الباب بخطوات سريعة. نزل الدرج متجاهلاً توسلات والديه ودموع أمه. لم يتوجه إلى غرفته، بل اتجه نحو الباب الخارجي للفيلا.
مصطفى (صائحاً بغضب ويأس): "إلى أين أنت ذاهب يا فارس؟ ا وعقلك يضيع!"
فارس (دون أن ينظر للخلف): "سأذهب لأنهي هذا الموضوع من جذوره! لن يعود ابن سميرة موجوداً ليتحدث عنها مجدداً!"
خرج فارس من الفيلا، تاركاً خلفه حنان ومصطفى في حالة روار وهلع على الابنة المحبوسة والابن الذي فقد عقله. أما فتون، فظلت تصرخ وتضرب الباب
حتي ظهرت سمر على صوت صراخ فتون وهي تضرب الباب، متعجبة من مصدر هذا الضجيج. سألت حنان بقلق مصطنع: "ماذا يحدث؟ لماذا هذا الصراخ؟"
أخبرتها حنان بكل ما حدث من شجار عنيف وتمرد فتون وذهاب فارس ليحبسها. في أعماقها، شعرت سمر بفرحة شريرة؛ فتون دمرت علاقتها بكل العائلة ووضعت نفسها في موضع المخطئة والطفلة المتمردة. لكن هذه الفرحة قوبلت بـ موجة حقد وغيرة طاغية عندما أدركت أن فارس وصل إلى مرحلة الجنون والعنف بسبب فتاة لم يتزوجها، وأن كل اهتمامه بالطفل كان زائفاً.
في هذه الأثناء، خرج مصطفى مسرعاً خلف فارس الذي كان يهم بالخروج من الفيلا. لحق به وأوقفه بالقرب من البوابة.
"اهدأ يا بني! ما الذي حدث لكل هذا الجنون؟ هل ستذهب وتقتله؟" سأل مصطفى بنبرة توبيخ ممزوجة بالهلع.
خرج كلام فارس غاضباً، وأنفاسه عالية وعميقة. زفر بقوة قبل أن ينطق:
"لو اضطررت لقتله... سأفعل! أنا لا أريده أن يقترب من فتون! لن يراها مجدداً!"
تعجب مصطفى من انفعال فارس المبالغ فيه. "ولماذا كل هذا؟ هل فتون جعلتك تفقد صوابك لهذا الحد؟"
أومأ فارس برأسه، وعيناه لا تزالان تشعان غضباً: "أكثر من اللازم، يا أبي! هيا، ادخل. سأعود قريباً."
"لن ترحل يا فارس!" أمره مصطفى بحزم.
فارس (بصوت يشي بالخطر): "بلى، سأفعل يا أبي! هناك حساب يجب أن يصفّى اليوم! وإلا سأظل طوال عمري أصفّيه!"
غضب مصطفى من تمرد ابنه عليه، ورفع صوته محاولاً إيقافه بمنطق الواجب والاحترام:
"لن ترحل يا فارس! أنا سأحل الأمر. لا تخف. فتون لن تتزوج من ذلك الأحمق. هي ابنتي ولن أجعلها بين أيدي هؤلاء الأوغاد! ولكن إن ذهبت الآن... سأفهم أن كلمة والدك واحترامه... ليس لهما أي معنى بالنسبة لك!"
زفر فارس بضيق شديد، وحاول أن يتمالك غضبه، متراجعاً عن خطوته الأخيرة أمام تهديد والده الذي يقدّره. أخذه مصطفى إلى الداخل بعد أن هدأ قليلاً.
ثم تحول الصراخ والغضب من فارس إلى حنان. بدأ مصطفى يلومها كيف سمحت لسميرة بمجرد الحديث عن زواج فتون، بينما ظل فارس صامتاً، لم يعد يوبخ والدته، بل خصمها تماماً.
♡♡♡♡♡♡
مر يومان. كانت فتون حبيسة غرفتها، تبكي فقط وتترجى من يفتح لها الباب. كان الخدم يذهبون إليها ليعطوها الطعام والماء، ويخرجون بسرعة خوفاً من رد فعل فارس.
أما فارس، فقد خاصم والدته ولم يعد يتحدث معها، رغم محاولات حنان اليائسة التحدث معه والبكاء بين يديه، لكن دون فائدة.
في المقابل، حل مصطفى أمر أحمد وسميرة كما وعد فارس، متوعداً إياهم باتخاذ إجراءات قانونية صارمة، وانتهت تلك المشكلة الخارجية.
في المساء، كانت سمر تجلس بالقرب من فارس، محاولة الالتصاق به والحديث معه. استغلت هذه الأجواء المتوترة لتثبت وجودها كـ "المنطقة الآمنة". لكن فارس لم يعد يتحمل أي شيء منها.
ابتعد عنها قائلاً بصوت خافت لكنه مشحون:
"سمر، لا تقتربي! فناري قد تحرقكِ أنتِ الأخرى!"
شعرت سمر بالمهانة والحزن المصطنع، متسائلة: "ماذا بك؟ كنت تعاملني جيداً قبل يومين... ماذا حدث ليُقلَب الحال هكذا؟"
تركها فارس ورحل، فهو لا يريد الانشغال بها هي الأخرى، فكل تفكيره الآن محصور مع تلك الفتاة التي لغبطت صفو حياته وألقت به في متاهة الجنون.
تمتم فارس وهو يتجه نحو مكتبه:
"لنرى يا فتون... لمتى ستكابرين على تمردكِ ذلك؟"
♡♡♡♡♡
مر يومان آخران. فتون لا تذهب للجامعة، ولا تخرج من غرفتها. قاومت ريم قلقها في البداية، لكن غياب فتون الطويل وإغلاق هاتفها جعلاها تشعر بالخطر. قررت أن تذهب بنفسها إلى منزل فارس.
وصلت ريم إلى الفيلا، وسألت عن حالة فتون. قابلها فارس بنفسه، وواجهها بنظرة باردة تخفي العاصفة.
فارس: "إنها بخير لا تقلقي. فقط إنها لا تخرج... لأنها ملّت من جو الجامعة."
لم تصدقه ريم، وشعرت بأن شيئاً ما خطير يحدث. طلبت مقابلتها بشدة، لكن فارس رفض ببرود مطلق:
"لا..."
شعرت ريم بالغضب الجامح من سيطرته، ورأت أن فتون لم تفعل شيئاً سوى تبديل سجن بآخر. ذهبت ريم وهي تتواعد بالعودة مجدداً.
وبعد ذهابها، أخرج فارس مفتاح الغرفة من جيبه، ونظر إليه طويلاً بابتسامة قاسية لم تصل إلى عينيه. تمتم بصوت خافت وهو يعيد المفتاح إلى جيبه:
"لنرى يا فتون... لمتى ستظلين متمردة؟"
بعد يومين آخرين من الحبس، عاد فارس إلى الفيلا مساءً، منهكاً لكنه لم ينسَ صراع الإرادات الذي فرضه. ساد المنزل صمت ثقيل، صمت يشبه صمت المقابر، لا تكسره سوى الهمسات المتوترة بين حنان ومصطفى.
اتجه فارس بخطوات بطيئة نحو غرفة فتون. وقف أمام الباب الموصد بالقفل الثقيل، ووضع يده على الخشب للحظة. لقد حان وقت المواجهة، فقد ملّ صمتها الذي كان أشد عليه من صراخها.
أخرج المفتاح من جيبه، وفتحه بهدوء متعمد.
عندما سُحب القفل، فُتح الباب ببطء. كانت الغرفة غارقة في عتمة شبه كاملة، لكن ضوء الممر كشف عن فتون. كانت تجلس على الأرض بجوار السرير، وقد فقدت كل طاقتها.
وما أن رأت فارس، حتى كان رد فعلها غريزياً، أسرع من الوعي ومن القرار. نهضت فتون كمن لدغته حية، وركضت نحوه باندفاع ساحق.
دفنت وجهها في صدره، وضمت فارس بقوة يائسة، وكأنها طفلة عادت إلى مأمنها بعد رحلة ضياع طويلة. كانت اللحظة صامتة، لكنها مليئة بالاعتراف؛ اعتراف بعشقها الخفي، واعتراف بحاجتها المذلة له.
فارس، الذي جاء غاضباً يريد تلقينها درساً، ذاب غضبه فوراً أمام هذا الحضن المفاجئ. شدد ذراعيه حولها بغريزة تملك وحماية، وهو يستنشق رائحة شعرها، وكأنها عادت أخيراً إلى مكانها الطبيعي.
فارس (همس بصوت مبحوح): "فتون... طفلتي..."
لكن الكلمة أيقظتها.
أيقظتها كلمة "طفلتي" التي كانت تستخدم للتملك والحبس. تذكرت فتون فجأة القفل الحديدي الذي كان يفصلها عنه، تذكرت لكمته لأحمد، وصراخها وتمني الموت.
ابتعدت فتون عنه بسرعة مفاجئة وموجعة، وكأن يدها لمست ناراً.
لم تتحدث، لم تصرخ، ولم توبخ. كانت طاقتها قد نفذت تماماً. نظرت إليه بعينين لا تحملان غضباً، بل تحملان خيبة أمل عميقة وجرحاً لا يُشفى. كانت هذه النظرة تقول: كيف تفعل بي وانت كنت تخشي كل شي عليَ"
ظلت فتون صامتة، تتراجع خطوة بخطوة حتى جلست على حافة السرير، تدير ظهرها إليه ببطء.
كان هذا الصمت أشد قسوة على فارس من كل الصراخ. كان يتمنى أن تصرخ فيه أو تضربه، لكن صمتها الممزوج بالخذلان جرح كبريائه وعشقه المتملك.
فارس (بصوت مرتبك): "فتون... أنا... أنا لم أقصد..."
لم ترد فتون، ظلت جالسة وظهرها إليه، تنظر إلى الحائط بلا هدف.
فارس (محاولاً إثارة رد فعلها): "تلك الطريقة في الحديث معي، ودفاعكِ عن ابن سميرة... جعلتني أفقد السيطرة! أنتِ تعلمين من هو أحمد وعائلته! أنا أحميكِ!"
هنا، همست فتون بصوت خافت جداً، صوت بالكاد سُمع، وكأنها تتحدث إلى نفسها:
"أنتَ... لا تحمي. أنتَ تتملك."
تجمد فارس، الكلمات كانت صريحة وموجعة. لقد كشفت عن جوهر المشكلة.
"أنتِ تتهمينني بالتملك؟
أدرك فارس أن صمتها واتهامها بـ "التملك" كان طعنة في جوهر وجوده الذي كرسه لحمايتها. حاول الدفاع عن نفسه بالتبرير الوحيد الذي يملكه.
(بصوت يرتجف بين الغضب والألم): "تتهّمينني بالتملك؟! أنا أتهم نفسي بالجنون كلما خفتُ عليكِ لحظة! ما تدعينه أنتِ تملكاً... أنا أدعوه خوفاً... حباً..."
توقفت فتون عن البكاء، وظلت جالسة وظهرها إليه، مصممة على عدم منحه نظرة واحدة. الكلمات لم تعد تفيد؛ فالتبريرات لم تُلغِ فعل القفل.
ثم نهضت، وكأنها قررت الانسحاب التام من هذه المواجهة. اتجهت نحو الشرفة الزجاجية، تنظر إلى السماء المظلمة بعينين كستهما الدموع الغزيرة. كانت تتنفس بصعوبة، تحاول استنشاق الهواء البارد لتهدئة النيران المشتعلة في صدرها.
وفجأة، شعرت بحرارة تقتحم ظهرها.
كان فارس قد تحرك خلفها بصمت قاتل. ذراعه القوية جذبت فتون بعنف، لتصطدم بظهرها العاري بصدره الصلب. حاوطها بقوة شديدة، تملكاً لا يمكن إنكاره، وكأنه يعيد دمجها في جسده. دفن وجهه داخل خصلات شعرها، يستنشق عبيرها بشراهة أشعلت جنوناً قديماً.
غرق بها. في تلك اللحظة، لم يكن يملك أي قرار أو منطق، كان مجرد رجل يعشق امرأة ويقاتل العالم من أجلها.
كانت هذه هي اللحظة التي تخشاها فتون. اللحظة التي فعلت كل شيء لأجل ألا تكون هكذا. ابتعلت ريقها، محاولة مقاومة مشاعرها التي كانت تتسلل في عروقها كالسم. لم تعد تحتمل. يجب أن توقف الأمر الآن!
جمعت آخر ما تبقى من قوتها، دفعت صدره بقوة وهي تبكي بصوت مهزوز ومتهدج:
فتون: "أرجوك ابتعد! أرجوك! أخاف أن يطول العناق... فأنجرف أكثر!"
أرغم فارس نفسه على الابتعاد، وكأنها طعنته بسكين ليتركها. كان الشوق هنا أقوى من قوتهما كلاهما. نظر إليها بعينين متسعتين، يرى في دموعها اعترافاً لم يجرؤ يوماً على طلبه.
و (بصوت خافت وكأنه يهمس بسر): "انجراف في ماذا يا فتون؟"
في تلك اللحظة، تحطمت جميع الحصون. انفجرت فتون باكية، لم تعد تكترث بالصوت العالي ولا بمصيرها ولا بصدمة الأسرة.
فتون (صارخة بأعلى صوتها، وهي تضرب صدره بيديها الصغيرتين):
"في عشقك يا فارس! في عشق كل شيء بك! في قربك... في أنفاسك... وحتي غيرتي... حين تهتم بتلك التي يسمونها زوجتك!"
توقفت فتون عن الصراخ، وغطت وجهها بيديها وهي تنهار تماماً، محاولة كبت الشهقات. لقد لفظت الحقيقة أخيراً.
وقف فارس جامداً، صدمته كانت أعمق من غضبه السابق. لقد جاء ليوبخها ويعيدها إلى طفلته المطيعة، فجعلها تعترف أمامه بأنها تعشقه، وبسبب عشقه هي تنهار وتتمرد. كانت هذه اللحظة هي الانتصار المطلق، لكنه كان انتصاراً موجعاً ومدوياً يهدد بتدمير عالمهما.