part10
اتسعت عينا فتون بصدمة عندما نطقت ريم بكلمة "عشق". انتفضت فتون، وهي تدفع يد ريم بعيدًا عنها، وكأنها ترفض فكرتها جسدياً وعقلياً.
"توقفي! هذا جنون يا ريم! أنتِ تهدمين كل شيء مقدس في داخلي!" صرخت فتون، وكانت نبرتها تحمل غضباً حقيقياً ممزوجاً بالذعر. "كيف تقولين هذا؟ فارس هو سندي! هو أخي الأكبر الذي ربّاني بعد وفاة أبي وأمي! هل تريدين أن ألوث كل هذا الطهر في علاقتنا بمشاعر كهذه؟"
أخذت فتون تسير جيئة وذهاباً، تحاول أن تدافع عن معتقدها الراسخ الذي عاشت عليه سنوات.
"كل ما أشعر به هو تعلق طفلة بوالدها البطل! أتساءل كيف سيستطيع أن يعيش حياته دوني. أغار عليه لأنني أريد أن أظل مركزه. لا أريد منه رابطاً يتجاوز رابط الأخوة والدم. أنا لا أحبه... كحبيب! أنا أحبه ككل شيء في حياتي، و... وهذا لا يعني العشق!"
ابتسمت ريم بحزن وهي تراقب صراع صديقتها. "أنتِ تحاولين أن تخدعي نفسكِ، فتون. عندما يبكي قلبكِ لأن يديه لم تمتد إليكِ على مائدة الطعام، وعندما تتألمين لاهتمامه بامرأة أخرى... هذه ليست مشاعر أخت تجاه أخيها. أنتِ لم تعتادي يوماً أن تنظري إليه كـ 'أخ' بالمعنى الحقيقي، بل كـ الرجل الوحيد في حياتكِ. هذا الفارق الدقيق هو الذي جعلكِ لا ترين إلا رابط الأخوة كـ 'منطقة آمنة'."
"لا. أنتِ مخطئة!" أصرت فتون، ثم في لحظة غضب ويأس، ألقت بالقنبلة التي كانت تخفيها: "لقد أقسم لي أنه لن يتزوج أبداً! هو من زرع هذا التعلق بي! هو من كاد أن ي... ينسى نفسه ويقترب مني!"
صدمت ريم للحظة من الاعتراف الصادم، ثم عادت لتضحك لكنها هذه المرة كانت ساخرة من إنكار فتون. "يا للإنكار! انظري إلى نفسكِ يا فتون! لو كان فارس أخاكِ فقط، لما كان ليتجرأ على تخطي هذا الحاجز! انفصاله عن سمر وبروده تجاهها، وقبلته المنسية تجاهكِ، كلها أدلة صارخة على أنه يقاتل شيئاً بداخله يتجاوز حدود الأخوة بأشواط!"
"لا... لا! هو فقط كان متعباً. كان يفضفض لي كطفلته،" تمتمت فتون، لكن نبرتها هذه المرة كانت ضعيفة ومُرتجفة، وكأنها هي نفسها بدأت تشك في دفاعها.
"أنا لا أريد أن أحبه كحبيب! ليس أكثر من الأخ! لا أريد! لن أسمح لذلك أن يحدث!"
كانت تصرخ على نفسها أكثر مما تصرخ على ريم.
استمعت ريم إلى دفاع فتون المستميت عن فكرة الأخوة، وإصرارها على حقيقة أن فارس لا يمكن أن يكون أكثر من سندها وعائلتها. رأت ريم في عيني صديقتها نظرة الذعر الممزوجة بالإنهاك. أدركت أن استمرارها في الضغط عليها بكلمة "عشق" قد يدفع فتون إلى الانهيار التام.
تنهدت ريم ببطء، وكأنها تستسلم لقدر صديقتها الذي يرفض أن يرى الحقيقة الآن. تركت يد فتون، وتراجعت خطوة، وعادت إلى نبرتها الحنونة والداعمة.
"حسنًا، يا فتون،" قالت ريم بنبرة هادئة حملت الكثير من اليأس. "سأستسلم لأجلك. لن نناقش بعد الآن ما إذا كان هذا عشقًا أم تعلقًا طفوليًا. سأصدقكِ... لكن يجب أن تصدقي أنتِ نفسكِ أيضًا."
جففت فتون دموعها، ونظرت إليها بتساؤل صامت.
"لننجح في إراحة ضميركِ،" تابعت ريم بجدية، "ضميركِ الذي يوبخكِ بأنكِ أنانية لأنكِ لم تتقبلي سعادة فارس. يجب أن تثبتي لنفسكِ، وليس لي، أنكِ قادرة على أن تكوني أخته الحقيقية."
ثم لمعت فكرة في عيني ريم، فكرة قد تكون طوق النجاة الوحيد لصديقتها، أو ربما فخًا خفياً يكشف الحقيقة بطريقة لا رجعة فيها. اقتربت ريم وهمست بصوت حازم:
"لديّ فكرة... لما لا تختبرين تلك المشاعر؟"
نظرت فتون إليها بتعجب وحيرة، وكأنها تسمع لغة جديدة لم تعتدها. "أختبرها؟ كيف؟"
اتسعت ابتسامة ريم، ابتسامة تخفي وراءها خطة محكمة.
"لو اختبرتِ نفسكِ، يا فتون. أن تجعلي منه أخًا حقيقيًا كما تدّعين. ليس الأخ الذي ينام على وسادة غضبكِ، بل الأخ الذي ترسمين حوله دائرة لا يمكن تجاوزها، حتى لو كان هو من يحاول العبور."
شرحت ريم فكرتها ببطء وتفصيل، وكل كلمة كانت تسقط على روح فتون كحجر ثقيل يكشف الحقيقة:
"الاختبار يتلخص في الآتي: أولًا، عليكِ أن تتجاوزي تمامًا فكرة الغيرة والتملك. أن تفرحي صدقاً لاهتمامه بزوجته. أن تنظري إلى فارس وسمر كزوجين طبيعيين يستعدان لاستقبال طفل، دون أن تشعري بكسر أو طعنة في قلبكِ. ثانياً، عليكِ أن تتقبلي أن فارس أصبح أباً. أن تتجاوزي الوعود القديمة، وتتوقفي عن محاسبته على كذبة طفولية. والأهم... ثالثاً، أن تضعي حدوداً فولاذية بينكِ وبينه. ألا تجعليه يشعر بأنكِ متاحة دائماً، ألا تسمحي له بأن يخترق خصوصيتكِ بـ 'أوامره' أو 'حمايته المفرطة'. أن تجدي مصدراً آخر لاهتمامكِ وسعادتكِ، وأن تدركي أنه يجب أن يعيش حياته كزوج، وأنتِ يجب أن تعيشي حياتكِ كامرأة مستقلة. "
"المعنى الأدق لحديثي هو: أن تجعلي فارس أخًا حقيقاً بلا امتيازات عاطفية، ووقتها فقط... سنرى إن كنتُ أنا محقة في أن هذا عشق، أم أنكِ محقة في أنه مجرد أخوة!"
كانت فتون تستمع، ووجهها يتحول من التعجب إلى التوتر، ثم إلى ثقة زائفة ومضطربة. لقد كانت هذه فرصتها الأخيرة لإثبات صدقها.
وقفت فتون باستقامة، واستجمعت كل ما تبقى لها من قوة وعناد، متجاهلة الصراخ المدفون في أعماقها.
"أنا موافقة،" قالت فتون بنبرة حاسمة وقوية، وكأنها توقع على قرار مصيري. "أنا موافقة على هذا الاختبار. سأثبت لكِ أنني لم أكن يومًا أريده كحبيب. سأصنع لنفسي حدوداً لا يمكنه تجاوزها... ولن أحاسبه بعد اليوم على أي شيء يفعله مع زوجته وطفله."
كانت الثقة تفيض من عينيها الخارجيتين، لكن في دواخلها، كان صوت الحقيقة يصرخ بمرارة وقهر:
... لكنني أعرف الحقيقة يا ريم! أنا أعرف أنني لن أستطيع. لن أستطيع أن أراه يبتسم لسمر دون أن أتحطم، ولن أستطيع أن أسمع كلمة 'طفلي' منه دون أن أشعر بالخيانة. أنا أحبه! أحبه، ولن تنجح هذه الحدود... لكن عليّ المحاولة... عليّ أن أبني الجدار قبل أن أنهار تمامًا داخله!
أومأت ريم، وهي ترى العزيمة الكاذبة في عيني صديقتها. "حسنًا يا فتون. لنبدأ بـ 'الترتيبات الخاصة
لم تكد ريم تنهي جملتها عن الخطط، حتى اهتز هاتف فتون معلنًا عن مكالمة واردة. كان المتصل هو فارس.
كادت فتون أن تضغط على زر الرد بلهفة غريزية، لكن يد ريم سبقتها وأوقفتها في منتصف الطريق.
"توقفي!" أمرت ريم بصوت حاد، وفي عينيها لمعان التحدي. "لنبدأ الآن. الاختبار يبدأ من هذه اللحظة."
استغربت فتون، ونظرت إلى ريم باستفهام ممزوج بالخوف. "ماذا تقصدين؟"
"إن أردتِ أن تثبتي لنفسكِ أولاً وقبل كل شيء أنكِ لستِ مغرمة به، وأنكِ قادرة على جعله أخًا حقيقيًا... عليكِ أن تفتحي وتتعاملين ببرود، كما فعل هو معكِ صباح اليوم!"
ارتجفت شفتا فتون، وعادت الخشية القديمة لتسيطر عليها. "وماذا لو خاصمني مرة أخرى؟ لو ابتعد عني تماماً؟"
هزت ريم كتفيها بلامبالاة مصطنعة. "وبما سيهُمكِ هذا؟ الأخوة يتخاصمون ويتصالحون. لا تقلقي. تذكري يا فتون: أنتِ لستِ لعبة ليبتعد ثم يعود متى شاء. هذه هي حدودكِ الجديدة. هل نسيتِ؟"
عقدت فتون حاجبيها، ثم همست بتشتت: "كيف..."
"أجيبي، وأنا سأوجهكِ،" قالت ريم، وهي ترفع الهاتف وتضغط على زر السماعة الخارجية، حتى تتمكن هي الأخرى من توجيهها بالهمس.
تلقت فتون الهاتف، وقبل أن تنبس ببنت شفة، جاء صوت فارس العميق من السماعة الخارجية، يحمل لهجة الألفة التي تذيب الجليد، ليستخدم لقبه القديم والمحبب:
فارس: "كيف حالكِ، طفلتي؟"
نظرت فتون إلى ريم بوهن، فغمزت لها ريم ودفعتها برفق.
"بخير،" قالت فتون بنبرة جافة، تخلو من أي دفء أو سؤال عن حاله.
همست لها ريم بصوت منخفض وعاجل: "عامليه بجفاء... اسأليه لماذا اتصل؟"
أخذت فتون نفساً عميقاً، وجمعت كل غضبها المكبوت من مشهد الفطور في هذا الرد: "لـ... لما تتصل؟"
في الطرف الآخر، كان فارس يجلس في مكتبه، يتعجب من نبرة فتون المتغيرة وطريقة سؤالها الجافة. تحولت ملامحه من الهدوء إلى الاستغراب.
فارس: "ماذا به صوتكِ؟ هل... أنتِ غاضبة؟"
"ولما سأغضب؟" ردت فتون، وهي تحارب لكي لا تتغير نبرتها.
ابتسم فارس بتهكم، متوقعاً أن يكشف حقيقة مشاعرها: "رأيت وجهكِ صباحاً... كنتِ عابسة حين لم أهتم بكِ، أليس كذلك؟"
اشتعلت عينا فتون بالغضب من يقينه بأنه يعرف نقطة ضعفها. جاء صوت ريم الحاسم في أذنها: "أخبريه أنكِ لم تكوني مهتمة أصلاً! اهتم بزوجتك! أنا مجرد أخت وا هتمامكِ يجب أن يكون لزوجتك. أنا مجرد أخت،؟"
فتون، وهي تضغط على قبضتها، نطقت بالكلمات التي كانت سكاكين حادة تخترق قلبها وقلبه:
فتون: "لم أكن مهتمة أصلاً. ثم... لماذا ستهتم بي على كل حال؟ الاهتمام يفضل أن يكون لزوجتك التي ستحضر طفلًا منك. أنا مجرد أخت... أليس كذلك؟"
تغير الجو تمامًا في مكتب فارس.
تجمدت ملامحه، وتحولت دهشته إلى غضب مظلم. لقد أصابت فتون وتراً حساساً لم يكن يعلم أنه موجود. كلماتها كانت محقة تماماً، لكنها في الوقت نفسه كانت تحمل جفاءً جارحاً يطعن علاقة دامت عمراً.
زفر فارس بغضب مكتوم، وخرج زفيره قوياً وعنيفاً، ليقول بنبرة لم تعتدها فتون منه مطلقاً:
فارس (بصوت حاد وآمر): "عودي للمنزل باكراً. هيا! وداعًا."
أغلق فارس الهاتف دون انتظار أي كلمة أخرى، تاركًا فتون وريم تحدقان في الهاتف الصامت.
ريم وهي تنظر إلى فتون بعزيمة: "ماذا قلت لكِ؟ لقد جن جنونه! هذا هو الرد الذي نريده! هذا دليل على أنكِ تخترقين أهم حصونه: التملك. هل رأيتِ كيف يغضب حين تتنصلين من 'طفلته'؟"
أما فتون، فكانت يداها ترتجفان وهي تمسك الهاتف. كان قلبها يرتجف، ليس خوفاً من غضبه، بل ألمًا من برودها المصطنع ونجاح خطتها. لقد كذبت على فارس، والأدهى، أنها كذبت على نفسها عندما قالت إنها مجرد أخت.
فتون (بصوت مرتجف): "هو... لقد خاصمني حقًا يا ريم. غضبه لم يكن عادياً."
ريم (وهي تحاول إعادتها إلى أرض الواقع): "غضبه ليس لأنكِ أخته، بل لأنكِ هربتِ من تعلقه. والآن، يجب أن نتمسك بالخطة. لنذهب لنبدأ في بناء 'حياة فتون المستقلة' التي ستشعله غيظاً!"
نظرت ريم إلى فتون بعد أن أغلقت الأخيرة الهاتف مع فارس على نبرة غضب حادة. كانت فتون في حالة ذهول، يديها ترتجفان، لكن ريم استعادت رباطة جأشها بسرعة.
"ممتاز! هذا هو رد الفعل المطلوب. هذا يعني أن الأمر يهمه، وأنه يشعر بالتهديد!" قالت ريم بحماس، محاولة دفع فتون نحو الخطوة التالية. "الآن، يجب أن نتأخر. لا تعودي للمنزل باكراً. لا تسمعي كلامه ولا أوامره!"
لكن فتون رفعت رأسها، ووجهها شاحب، وعيناها مليئتان بالدموع والقلق.
"ريم! لا تفهمين! أنتِ لا تعرفين طباع فارس!" قالت فتون بنبرة متوسلة. "بإصراركِ هذا، سأخسره تماماً، حتى كـأخ! هذه الحدود التي نرسمها الآن هي أسلاك شائكة ستقطع آخر خيوط العلاقة بيننا، ولن يعود يسامحني!"
شعرت ريم بالإحباط من تردد صديقتها، لكن إصرارها على دفعها للاعتراف كان أقوى. "أنا لا أريد أن تخسريه، بل أريدكِ أن تستعيديه كاملاً! أريدكِ أن تعترفي لنفسكِ أولاً قبل أن تضيعيه من يديكِ تماماً! اعترفي بحقيقة مشاعركِ!"
هنا، انفجرت فتون. دفعت ريم بعيداً عنها وصرخت بصوت مخنوق ومرير، مختلط بالبكاء:
"حسناً! حسناً! لنفرض أنني أعشقه! لنفرض.... لنفرض أن كل هذا الجنون، وهذه الغيرة، وهذا الانهيار... هو عشق، فماذا سأستفيد يا ريم؟ هو متزوج! لديه عائلته! هل سأخرب كل ذلك عليه، وعلى سمر؟"
توقفت فتون لتلتقط أنفاسها، ثم تابعت بحدة أكبر، وكأنها تلوم نفسها على مجرد الشعور:
"انسَي كل شيء! انسَي فارس وزوجته وطفله! ماذا سأقول لأبي مصطفي وأمي ؟ هل سأنسى فضلهم عليّ وعقد الأخوة الذي باركاه؟ هل سأخون الرابط الأخوي المقدس من أجل نفسي الأنانية؟ ماذا سأفعل يا ريم؟ حتى لو كان حديثكِ صحيحاً، هل سيهون عليّ قلبي أن أدمر حياة فتاة مثلي وحامل، وأدمر فارس، وأبي وأمي؟"
كان صراخ فتون صرخة يأس أخلاقي حقيقي، كشفت عن عمق الصراع بين الرغبة (العشق) والواجب (الأخلاق والوفاء).
اقتربت ريم وهدأت فتون بحزن عميق، محتضنة صديقتها المنهارة. "أنا لم أقصد أن أجعلكِ تائهة. لكنكِ أنتِ بالفعل تشعرين بأنكِ داخل متاهة. مشاعركِ المضطربة وكل شيء... لا تغرقي نفسكِ أكثر يا فتون."
تراجعت ريم عن خطتها بالكامل، فرؤية انهيار صديقتها جعلها تدرك أن الضغط عليها الآن لن يأتي إلا بنتائج عكسية.
"حسنًا، سنلغي كل شيء يا فتون! خططنا وكل شيء. لن نفعل أي شيء من أجل الجميع، وانسَي أحلامكِ التي لا يمكن أن تتحقق."
لكن ريم عادت ووضعت خطاً أحمر أخيراً، لإنقاذ فتون من المزيد من الألم.
"لكن عليكِ أن تضعي حدوداً بينكِ وبين فارس كما اتفقنا،" قالت ريم بنبرة نهائية. "لا تجعليه يقترب... فيأخذ روحكِ أكثر. ابتعدي عنه بمسافة آمنة... حتي لا تجعلي أحدًا يحزن منكِ، ولا تجعلي قلبكِ يتحطم أكثر."
تركت ريم فتون، وابتعدت بخطوات بطيئة ويائسة، تاركة صديقتها وحيدة على الدرج.
بينما جلست فتون، بكت بصمت عميق وممزوج بالذنب على كل ما تمر به. لم يعد صراخاً، بل بكاء هادئ ومؤلم، كأن روحها قد استسلمت للقدر الذي حكم عليها بالوحدة.