part8
منذ آخر لقاء، لم تنجح فتون في انتزاع بصيص سماح من عينَي فارس، أو حتى إشارة واحدة تحمل في طياتها حلاً. كان في صمته ونظراته جفاء من ينتظر أي ذريعة للابتعاد، وكأنه قد اعتاد هذا الانسحاب المباغت.
بعد يومين، مالت الشمس نحو الغياب، صابغةً الأفق بلونٍ قرمزي شاحب. كان نسيم المساء يتهادى عبر الجنينة، يعزف همسات قديمة على أوراق الشجر، لا يفقه سرّها سوى الأرواح المعذبة.
جلس فارس ومصطفى والده يتحدثان في أمر صفقةٍ ما، بينما كانت سمر، زوجة فارس، تجلس بالقرب منهما ترتشف قهوتها بابتسامةٍ هادئة تخفي ما خلفها. أما حنان، فكانت كعادتها في المطبخ، تُشرف على إعداد الطعام مع العاملين.
في مكانٍ ما، كانت فتون قد أنهكها التعب، فالمذاكرة المضنية قد اختلطت بعصف التفكير في أمر فارس. لم تعد تلك الفتاة الحالمة، بل تحوّلت إلى هيكلٍ هشّ تلتهمه نار الندم.
كانت عيناها تتسمّران عليه، وفي جوفها ضجيج آلاف الكلمات التي تتزاحم لتخرج، لكن الخوف شلّ لسانها. لم تدرِ أيهما أشد وطأة عليها: غضبه المشتعل أم برودة نظراته القاتلة.
كل نبض فيها كان يصرخ مطالباً بالاقتراب، بالاعتذار، بأن تكسر حاجز الصمت لتشرح له أن عنادها لم يكن سوى ستارٍ هشّ يغلف ضعفها وكبريائها الجريح.
شدّت على يدها بقوةٍ حتى ابيضّت مفاصلها، وهمست في حزمٍ كاذب:
"يكفي يا فتون، لم يعد هناك شيء لتخسريه."
اقتربت منه ببطء، خطواتها موزونة كأنها تخوض أرضاً هشة.
سمع فارس دبيب قدميها، ولكنه لم يكلّف نفسه عناء الالتفات. أكمل حديثه كأن وجودها مجرد خيال عابر، أو نسمة مرت في طريقه لا تستحق الانتباه.
وقفت أمامه لحظاتٍ فاصلة، ثم نطقَت بصوتٍ حاولت جاهدة أن تُطعمه القوة:
"فارس، أريد التحدث معك."
رفع عينيه إليها أخيراً، وكانت تلك النظرة برداً قارساً حدّ الوجع، جعلتها تشعر أن الأرض قد انكمشت فجأة تحت قدميها. شبك يديه بهدوءٍ مخيف، واتكأ إلى الخلف، وقال بنبرةٍ جافة لاذعة:
"ابدئي إذًا، واختصري. وقتي محدود."
دهشة مصطفى من قسوة فارس غير المعهودة على فتون، قابلتها ابتسامة فرح خبيثة ارتسمت على شفتي سمر.
ابتلعت فتون ريقها بصعوبة، وحاولت أن تجمع ما تبقى من شتات روحها:
"أردت فقط أن أعتذر... عن كل كلمة وكل فعل صدر مني. لقد كنتُ مخطئة يا فارس، لم أدرك خلف خوفك عليّ سوى قيد، بينما هو كان حصناً منيعاً تحميني به. لكن... ألا ترى أنك كنتَ قاسياً عليّ أكثر مما أحتمل؟"
ظلّ ينظر إليها بصمتٍ ثقيل، صمتٌ لا يعني قبولاً ولا رفضاً.
تابعت وعيناها تلمعان بالدموع المحبوسة:
"لم أعتد منك هذه القسوة. أنتَ الذي كنتَ يوماً أكثر حنانًا من أبي، كنت تخاف عليّ من نسمةٍ تمرّ، فكيف تحوّلت إلى هذا الغضب الدائم الذي يأكل كل شيء جميل بيننا؟"
تدخل مصطفى بابتسامة حانية، محاولاً التخفيف من حدة الموقف: "تعالي يا حبيبتي... أخوكِ لم يحزن منكِ... إنه يحبك."
تنفّس فارس بعمقٍ، ثم تحدث بنبرة هادئة حملت في طياتها صرامة مؤلمة: "أخبرتكِ أنه لم يعد يعنيني أمركِ."
اعتدلت سمر في جلستها بفرح، تستعد في داخلها للغذاء القادم، سعيدة لأن فتون قد بادرت بما كانت سمر تسعى إليه؛ لقد اختصرت عليها الطريق كثيراً نحو تحقيق مرادها.
تجمّدت الدموع في عيني فتون، فنظرت إلى أبيها تستمد منه آخر ما تبقى من قوة. سأل مصطفى باستغراب:
"ماذا حدث لكل ذلك يا فارس؟ إنها أختك مهما كان... هل ستحرمها حنانك؟ ولماذا كل هذا الجفاء؟"
تنهد فارس قائلاً: "أبي... فتون ليست صغيرة، أليس كذلك؟ وعلى كل حال لم أعد شخصاً مهماً في حياتها. ثم إنها ليست بضاعة أتحكم فيها، كل شخص حرّ في تصرفاته وحياته. والآن، اعذروني، سأخرج لإجراء مكالمة.
"
كاد فارس أن يغادر حتى قفزت سمر وركضت وهي تمسك بطنها بألم. وقف مصطفى مذعوراً: "ماذا حدث؟ ما خطب سمر؟"
نظر فارس إلى فتون التي أخفضت رأسها بحزنٍ عميق، فانتفض قلبه بلوم صامت على قسوته. فرغم أن كلمات فتون كانت جارحة لدرجة لم يستطع غفرانها، إلا أنه لم يعتد أبداً على هذا العنف العاطفي تجاهها.
♡♡♡♡
مرّ أسبوعان ثقيلان كأنهما دهرٌ كامل من العزلة. لم يصلها خلالهما صوت فارس، ولا حتى وقع خطاه المألوف في أروقة الفيلا. كان صمته بمثابة صفعةٍ باردة على قلبها، ينهش كل يوم من صبرها قطعة جديدة.
كانت تستيقظ باكرةً دون رغبةٍ في النهوض، تحدّق في الفراغ. تضع الكتاب أمامها فلا ترى الحروف، فكلّ شيءٍ صار بلا لونٍ باهت بعد غيابه.
ذبلت ملامحها شيئًا فشيئًا، وصار الدمع رفيقاً لليلها، والسهر سجناً لعينيها المرهقتين. حتى وردات الغرفة التي كانت تعتني بها، ذبلت كأنها تشاطرها الألم.
وفي أحد الأيام، وبينما كانت تمرّ في ردهة الفيلا بخطواتٍ بطيئةٍ كأنها تمشي في غيمٍ ثقيل، التقت سمر.
ابتسمت سمر ابتسامةً خبيثةً تميل للسخرية، وقالت بصوتٍ ناعمٍ يقطر سمّاً:
"يبدو أن الفصول تغيّرت يا فتون... من كانت تتغنّى بحب فارس صارت اليوم لا تجد حتى ظلّه."
رفعت فتون عينيها نحوها بصمتٍ موجوع... نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تُطفئ نيران غيرة سمر. نظرة مهزومة، منكسرة، تحتها سوادٌ داكنٌ من السهر، وبهت في بياضها وجعٌ لا يُحتمل.
لم تجب.
فما عاد للكلمات مكانٌ في صدرٍ أثقله الندم حدّ الاختناق.
مرّت بجانب سمر دون أن تنبس بحرف، كأنها ظلّ بلا روح، تائهة بين أفكارها، بين وجعها على فارس الذي لم يغفر، وبين خوفها من نفسها التي لم تعد تعرفها.
꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂
مرّت أيّامٌ أخرى ثقيلة، كانت فتون خلالها كمن يسير على حافةِ هاوية لا قرار لها. لم يكن البعد عن فارس مجرّد غياب، بل كان انتزاعًا لروحها من بين ضلوعها. كلّ شيء في البيت بات باردًا، جافًا، لا يطاق، وكأنّ الدفء رحل معه.
أما فارس، فلم يكن في حالٍ أفضل. ادّعى الانشغال في عمله، لكن داخله كان يضجّ بالذنب. لم يستطع محو تلك الملامح المنكسرة، ولا صوتها حين حاولت أن تبرّر موقفها. كان يكره نفسه حين يتذكّر دموعها، ويزداد ضياعًا حين يدرك أنه هو من تسبب في وجعها.
في تلك الليلة، جلس في الجنينة يتأمل الفراغ أمامه، بينما النسيم يعبث بخصلات شعره في صمتٍ غامض.
وفجأة، سمع وقع خطواتٍ بطيئة، مترددة، قادمة من ناحية الممر. رفع رأسه فوجدها...
كانت فتون تسير كأنها فقدت توازنها، وجهها شاحب، تحت عينيها هالات سوداء تشهد على ليالٍ من البكاء والسهر، شعرها منكسر، وابتسامتها التي كانت تضيء المكان قد غابت.
تجمد فارس في مكانه، شعر بقبضة قوية في صدره. أراد أن ينهض ويسألها عن حالها، أن يقول لها كم اشتاق لصوتها... لكنه تراجع فوراً، عاد إلى وضع يده على الطاولة، وأخذ نفساً عميقاً متصنعاً الهدوء، وأخفض عينيه إلى شاشة الحاسوب كأن شيئاً لم يحدث.
اقتربت فتون بخطوات خفيفة حتى وقفت أمامه، كانت نظراتها منكسرة، كأنها تبحث في وجهه عن دفء ضائع.
قالت بصوتٍ خافتٍ متعب:
"مساء الخير يا فارس."
لم يرفع رأسه، اكتفى بردٍ باردٍ أشبه بالتمتمة:
"مساء النور."
ترددت قليلاً، ثم جلست على المقعد المقابل، محاولة أن تستجمع شجاعتها لتكسر الجدار الجليدي بينهما، لكن صوتها خرج مرتعشاً:
"أتعرف... لم أنم منذ أيام."
توقف عن الكتابة على لوحة المفاتيح دون أن ينظر إليها، وقال بفتور:
"ولماذا تخبرينني بذلك؟"
"لأنني... لا أعرف لمن أتكلم غيرك."
رفع رأسه ببطء، التقت عيونه بعينيها المنهكتين والمبللتين بالدموع الموشكة على السقوط. اختنق صوته وهو يسأل:
"فتون... أنتِ بخير؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة هزيلة وقالت:
"بخير... دائمًا بخير كما تظن."
ثم نظرت بعيداً عن عينيه وأضافت:
"فقط... أحيانًا يتعب القلب من التظاهر بالقوة!"
أغلق فارس اللابتوب بعصبية مفاجئة ونهض من مكانه، كأنه يخشى أن ينكشف ضعفه أكثر. قال بنبرة حاول أن يجعلها قاسية:
"فتون، اهتمي بنفسك. لا تهملي طعامك أو نومك... أنتِ مسؤولة عن نفسك، لا أحد سيحملك على كتفه طول العمر."
وقفت فتون أمامه تحدق به بعين دامعة وقالت بهدوء موجوع:
"بل كنت أنت تفعل ذلك يا فارس... كنت تحملني من قبل دون أن أطلب، كنت تهتم بي حتى حين أغضبك... ماذا تغيّر؟"
ارتبك فارس، نظر بعيداً ثم قال بحدةٍ كاذبة ليتستر على وجعه:
"كل شيء تغيّر يا فتون."
اقتربت منه خطوة، ثم أخرى، وصوتها يتهدج:
"إذًا قُل لي... هل ضايقك أنني اعتذرت؟ أم ضايقك أنني موجودة"
تسمرت قدماه في الأرض، شعر بأن الأرض تهتز تحته، فصرخ فجأة:
"توقفي! لا تقولي هذا الكلام مرة أخرى."
سكتت، تنفست بصعوبة، ودمعة تسللت من عينها.
قالت بخفوتٍ يشبه الهمس:
"لا تقلق... لن أقول شيئًا بعد اليوم."
ثم استدارت تمشي ببطء نحو الداخل، وكل خطوة كانت تنتزع من قلبه قطعة. أراد أن يناديها، أن يركض خلفها، أن يقول لها: "أنا خائف عليكِ." لكنه ظل واقفاً، يراقب ظلها يبتعد، وصوتها في أذنه يتردد كدعاءٍ مكسورٍ لم يُستجب له بعد.
جلس فارس بعد رحيلها، وضع يده على وجهه وقال بصوتٍ خافتٍ كأنه يحدث نفسه:
"يا إلهي... ماذا أفعل بكِ يا فتون؟ أنا لا أقدر على قربك... ولا على بعدك."
وفي تلك اللحظة، شعر أن قلبه انكسر بصمتٍ يشبه صوتها حين بكت.
♕♕♕♕♕♕♕
في اليوم التالي، كانت فتون جالسة في مقهى جامعتها تحتسي كوب قهوة وتنظر للفراغ أمامها بشرودٍ عميق. عقلها يدور في حلقة مفرغة حول قسوة فارس غير المبررة، وكيف أن خطأها كان مجرد رد فعل غاضب وغير مقصود على كلماته التي ذكّرتها بيتمها.
تنهدت بضيق، وفجأة، داهمتها ذكرى تلك القُبلة المباغتة. أغمضت عينيها، فشعرت بحرارة غريبة تتسلل إلى جسدها. ابتلعت لعابها بصعوبة، وغرقت في تفاصيل تلك اللحظة... كانت قُبلته حارة ورقيقة حدّ الرقة. بدأ جسدها يرتجف.
فتحت عينيها على قدوم صديقتها ريم. ألقت عليها التحية وجلست بقربها. تعجبت ريم من سكوت فتون الغريب وتغير حالتها في الفترة الأخيرة. سألتها ريم بقلق: "ماذا بك؟"
تنهدت فتون بارهاق قائلة: "لا يوجد شي، فقط متعبة لأنني أذاكر طوال الليل."
لم تصدقها ريم؛ فعينَاها تحملان حزناً دفيناً، وملامحها شاحبة، وشفتيها وكأنهما تختنقان.
سألتها ريم عن الحقيقة مؤكدةً أنها تكذب، وأضافت:
"فتون، حالك لا يعجبني... منذ فترة وأنتِ شاردة، حزينة، وكأن هناك ما كسركِ. أخبريني، أنا صديقتكِ وأكثر من أخت... سركِ في بئر يا حبيبتي."
نظرت لها فتون نظرة دامعة ثم أجهشت بالبكاء، وكأنها فقدت كل أقنعة القوة المزيفة. قالت ببكاء هادئ حتى لا يلاحظ أحد:
"فارس انتهى... فارس أنهى كل ما تبقى بيننا. كنت أظنه وطناً لي، كنت أظنه منزلي، ولكنه حطم كل شيء بكبريائه وقسوته. كيف لأخ أن يحطم أخته ويكرهها لمجرد أنها أخطأت خطأ صغيراً؟ رابط الأخوة ظل يثرثر به لسنوات معي، وحين وضعنا أنا وهو في موقف جاد، تخلى عن كل الأحاديث والوعود... هو أكبر كاذب، وأكبر شخص أناني، ومتكبر، ومغرور، وحقـ..."
"حقير."
قالها فارس من خلفها.
هرعت فتون وريم، التي استأذنت بتوتر وذهبت. أتى فارس وجلس متكئاً بذراعه أمام فتون، وشبك أصابعه ينظر لها منتظراً تكملة حديثها. لكنها غضبت وأخذت حقيبتها وكادت أن تذهب ليوقفها بنبرة حادة قائلاً:
"اجلسي."
رمقته بغضب وهي تجفف أدمعها: "شكراً، لا أريد الجلوس معك."
"أتيت حتى نصفي ما بيننا، لذلك اجلسي. لا أريد اعتراضاً ولن أكرر حديثي مرتين."
تنهدت وجلست عابسة كبراءة طفلة. ابتسم فارس وتحدث قائلاً: "لم العبوس؟ ألا تريدين التحدث معي؟"
تحدثت بضيق وغضب: "لم يعد بيننا حديث... كل شي أنت أنهيته بغرورك."
تنهد فارس وأمال نحوها ورفع حاجبيه، فانعقد جبينه بوسامة وعيناه العشبيتان لمعتا بجاذبية، مما جعل غضب فتون يتلاشى أمام وسامته. ابتلعت ريقها وأشاحت بنظراتها ليكمل فارس:
"أنتِ أخطأتِ خطأ كبيراً... كنت سأتجاهلكِ أكثر، ولكني لم أرد أن أحزنكِ فوق حزنكِ. التجاهل والإهمال لم يكن يوماً بيننا. أعترف أنني انشغلت عنكِ لفترة ولكن ذلك لم أقصد به الإهمال، ولكن الآن كنت أتجاهلكِ بسبب أفعالكِ السيئة... أنتِ لم تعودي طفلتي البريئة، أصبحتِ متمردة يا فتون."
تنهدت فتون قائلة: "أعتذر... سأتأخر على المحاضرة."
أوقفها فارس قائلاً وهو يمسك يديها، تحت نظرات المراقبة والغيرة من بعض الفتيات: "لقد استأذنت لكِ... اليوم لا محاضرات. كنت أريد أن آخذكِ في المساء لتناول العشاء، ولكن لم أرد أن أؤجل ما أتيت لأجله. انظري فتون... كل شي جميل بيننا. و"
قاطعته
"لم يعد يا فارس شيء جميل... كنت أنت الأحَنّ بين الجميع. كنت أنت الأب والأخ والصديق، وكنت لي كل شيء. ظننت أنني حين سأفعل خطأ ستصححه لي برفق ولين... ستعلم طفلتك ماهو الخطأ دون قسوة أو لجوء لأساليبك المغرورة. لست غريبة حتى تعاملني بتجاهل. لو كنت طفلتكِ حقاً ما كنتَ جرحتني يوماً."
"فتون أنتِ لا ترين أفعالكِ... منذ صغركِ أوصيتكِ على حماية نفسكِ من كل شيء، لأنه سيأتي يوم ولا أكون معكِ وبقربكِ، وأنتِ ماذا فعلتِ؟ رافقتِ فتية... ارتديتِ ملابسكِ ملفتة أبرزت مفاتنكِ التي كبرت بشكل ملحوظ."
خجلت فتون فأخفضت وجهها. ليكمل فارس بجدية: "انظري... خجلتِ من حديثي. تخيلي وأنا أقرب شخص لكِ خجلتِ مني... فكيف للغريب وللشباب والذئاب التي بالخارج أن نظرت لكِ نظرة شهوة أو رغبة أو ألقت عليكِ إحدى كلمة مثل تلك؟ وقتها ماذا ستفعلين؟ هل ستخفضين رأسكِ وأنا من علمتكِ أن يظل رأسكِ مرفوعاً مهما حدث؟ إن أردتِ أن يظل رأسكِ مرفوعاً بفخر وثقة... عليكِ فعل ماهو يستحق ذلك وليس العكس. ارتدي واسعاً، ابتعدي عن صحبة السوء ولا تقربي الفتية... العالم بشع وأنتِ بريئة... أخشى أن يلوثكِ العالم يا فتون، وأنتِ أكثر شيء بريء ونظيف رأيته في حياتي."
كل كلمة كان يخبرها بها كانت جميلة مشجعة وصحيحة شعرت بالاقتناع. تنهدت وجففت دمعتها الهاربة. وقالت بعتاب: "هل كلما سأخطأ بحقك ستبتعد يا فارس؟"
ابتسم قائلاً: "هكذا يعاقب المُحب أحبائه، ليرى قوة حبهم له... وأنا كنت طوال تلك الفترة يا فتون أشعر بالضياع بدونكِ. ولكن كلماتكِ كانت قاسية... أنتِ أطهر شيء وأقرب شيء لي... تشبهين نفسكِ ببضاعة... وتتهمينني بأنني متملك ومتحكم في أشياء لا تخصني... كل كلمة قلتِها أوجعتني، لذلك كان عليّ معاقبتكِ قليلاً."
لا تدري لماذا خرجت منها تلك الجملة ولكن بالفعل قالتها: "لما قبلتني يا فارس بذلك اليوم؟"
صمت فارس وكأن صمته جواب. توتر الجو بينهما ليقول فارس: "فتون اعلمي أنكِ فهمتني خطأ... ما بيننا ليس أكثر من رابط أخوي... أعلم أنني أخطأت، ولكن وقتها لم أكن أقبلكِ كفتون أختي."
ابتلعت فتون ريقها بخجل ليكمل فارس: "تخيلتكِ سمر زوجتي... وقتها كنت مرهقاً ولم أفهم لماذا حدث ذلك. تعلمين أنني أتغيب عن سمر كثيراً، فذلك لأنني كنت مشتاقاً لها."
أومأت بإيجابية، ولكن قلبها رفض تقبل حديثه. غزّة شديدة اقتحمت قلبها لا تعرف سببها. هل لأنها لم تكن تريد سماع ذلك؟ وأنها تمنت لو أنه أخبرها بشيء آخر لا تدري ما هو؟!
ابتسم فارس محاولاً تغيير الأجواء: "ابتعدت عنكِ قليلاً فقررتِ قتل نفسكِ ببطء؟"
ضحكت فتون قائلة باعتراف: "أعترف أنني كنت ضائعة بدونكِ، وأيضاً أي شيء بدونكِ ليس له معنى."
كاد فارس أن يتحدث حتى صدع رنين هاتفه ليجيب قائلاً: "نعم أمي؟"
صمت بصدمة وتغيرت ملامحه. فجأة نظر لفتون بضيق، فسألته فتون بقلق: "ماذا؟"
أغمض فارس عينيه ومسد على جبينه قائلاً بتعب: "هيا نذهب للمنزل."
انقبض قلب فتون لتسأله بخوف: "ماذا حدث؟ من المتصل؟ هل أبي وأمي بخير؟"
أومأ فارس قائلاً: "لا تخافي... سمر فقدت الوعي وأتى الطبيب... أمكِ تقول إن الدكتور... يقول إنها حامل."
انقبض قلب فتون، لا تعرف السبب. من المفروض أن تشعر بالسعادة من أجل أخيها، لكن ملامحهم كانت توحي بأنهم لم يكونوا يريدون حدوث ذلك. ابتلعت فتون ريقها بألم قائلة: "هيا بنا."
꧁꧁꧁꧁꧁꧂꧂꧂꧂꧂
في المنزل، هبط فارس وفتون من السيارة ودخلا الفيلا، وجوههما متغيرة، لا يوجد على ملامحهما الفرح.
قابلتهما حنان بسعادة قائلة: "مبارك يا بني، مبارك حفيدنا الذي سينير علينا البيت."
نظرت فتون لفارس نظرة غريبة ليس بها حياة. قالت فتون بنبرة هادئة تحمل حزناً دفيناً: "مبارك... يا فارس."
رمقها فارس وابتسم شبح ابتسامة قائلاً: "شكراً... طفلتي."
تحدثت حنان مع فتون قائلة: "ستصبحين عمة يا حبيبتي."
ثم ضمت فتون ضمة قوية مليئة بحب صادق وقبلتها قائلة: "أنا في غاية سعادتي... الحمد لله، أعطاني كل شيء... أشكرك يا الله على كثير نعمك التي وهبتني بها."
ثم نظرت لفارس قائلة: "اصعد لترى زوجتك... ومن ثم اهبطوا لتناول الطعام... لا... لا... ظلوا بغرفتكم... أنا سأحضر لكم الطعام بنفسي... لا تجعلها تتحرك أو ترهق نفسها."
تنهد فارس وصعد للجناح بينما فتون شاردة بوجوم، عيناها غائرة في ملكوت آخر. ابتسمت برقة محاولة أن تجعل تصرفاتها طبيعية قائلة:
"سأصعد لأرتاح أمي."
حنان بحب: "كلي أولاً... فأنتِ مرهقة كثيراً... انظري لأسفل عينيكِ، أنتِ مرهقة وشاحبة."
هزت فتون رأسها نفياً قائلة: "أنا بخير يا أمي... سأصعد لأرتاح قليلاً... حين أشعر بالجوع... سأهبط لآكل."
أومأت حنان وتنهدت بسعادة، ثم أخذت هاتفها قائلة: "لم أخبر مصطفى بعد."
في جناح فارس، كانت سمر مستلقية بتعب على الفراش نائمة. حمحم فارس وأغلق باب الجناح ونظر لها نظرة غريبة لا تحمل حباً ولا فرحاً، وأيضاً لا تحمل كرهاً... نظرة خالية خاوية من أي شيء. لم تتحرك سمر وكأنها غارقة في نوم لا يشبه أي نوم طبيعي وكأنها تدّعيه.
كاد أن يغادر، حتى أوقفته سمر بتغنج وتعب مصطنع: "أوه... فارس حبيبي... أنت هنا؟"