part7
يوماً جديد
كانت الحديقة غارقة في سكونٍ ناعمٍ، لا يُقطّعه سوى همسات الريح وهي تمرّ بين أوراق الورد المتدلية.
جلس فارس على الطاولة الحجرية تحت ظل شجرةٍ وارفة، اللابتوب أمامه، وأصابعُه تضرب الأزرار بإيقاعٍ رتيب، كأنّه يحاول أن يملأ فراغه بالعمل… أن يهرب من ذاته عبر الأرقام والملفات.
عيناه ثابتتان على الشاشة، لكن عقله بعيد، في مكانٍ لم يعد إليه منذ زمنٍ طويل.
لم يكن يدري أنّ ثمة عينين تراقبانه بصمتٍ مبلّل بالشوق…
كانت فتون تقف عند حافة الممرّ، تختبئ خلف أحد الأعمدة الرخامية، تتابعه بنظراتٍ مرتعشةٍ، كأنها تخشى أن يلتفت فيراها، أو أن يغيب مرة أخرى إن أفسدت اللحظة.
كم تغيّر…!
رَزانتُه الهادئة، صوته العميق حين يتحدث مع أحد موظفيه في الهاتف، طريقته في رفع حاجبه حين يفكّر، وحتى تلك الابتسامة الخفيفة التي تمرّ سريعًا على شفتيه…
كلُّ تفصيلٍ فيه يُعيدها إلى طفولتها، حين كانت تراه بطلها الأول، الرجل الذي يملأ بيتهم دفئًا وهيبةً معًا، الرجل الذي يكفي وجوده ليمنحها الأمان.
تُراقبه والحنين يشتعل في صدرها…
كلّ حركةٍ منه تثير فيها ألف ذكرى، وألف وجع.
تذكّرت تلك الليلة البعيدة حين ابتعد عنها لأجلها…
حين قرّر أن يرحل، لا لأنه كرهها، بل لأنّها بعنادها وكبريائها دفعت به بعيدًا.
تدمع عيناها وهي تهمس لنفسها:
; "هو من حاول، هو من ضحّى… هو من صبر لأجلي، وأنا من كنت السبب في انكساره."
تتأمل ملامحه من بعيد، كأنها تحفظها من جديد، كأنها تخشى أن تفقدها مرة أخرى.
تتساءل بصوتٍ خافتٍ:
"هل يعلم الآن أنّي ما زلت أراه وطنًا؟
أم أنّ كبريائي جعله يظنّ أني نسيت؟"
في تلك اللحظة، رفع فارس نظره فجأةً عن الشاشة، كأنّه شعر بأنفاسها في الهواء، أو سمع قلبها وهو يرتجف باسمه…
تجمدت فتون في مكانها، أنفاسها ترتبك، وعيناها تفرّان إلى الأرض.
لكنّه لم يرَها، أو ربما رأى وتظاهر بالعمى، كما يفعل الذين يهربون من الحقيقة خوفًا من الوجع.
وقفت فتون أخيرًا عند عتبة القرار الذي طال هروبها منه.
تنفّست بعمق، شدّت على حقيبتها، كأنّها تشدّ على نفسها لتثبّت ملامح الشجاعة التي تخونها.
خطواتها كانت خفيفة… لكنها مثقلة بكل ما تحمله من خوفٍ وحنينٍ ووجع.
تقدّمت نحوه ببطءٍ، تراه منشغلًا أمام اللابتوب كما في كل مرة،
لكن هذه المرة لم تكتفِ بالمراقبة.
تقدّمت أكثر، حتى صار ظلّها فوق كتفه، حتى أحسّ بوجودها،
فرفع رأسه عنها في بطءٍ، بعينين ضيّقتين كأنهما تهيئان نفسهما لمعركةٍ لا يريدها.
وقفت أمامه صامتة، تحاول لملمة أنفاسها، وعينيها تائهتان بين الأرض وملامحه.
همست بصوتٍ مبحوحٍ:gt; "أريد التحدث إليك، إن كان لديك متسع من الوقت."
أغلق فارس الحاسوب بهدوءٍ متعمّد، شبك أصابعه فوق المكتب، ثم استند للخلف في مقعده دون أن يجيب.
نظراته كانت حادة، لكن في عمقها شيء من الحزن، من الحنين الذي يحاول طمسه.
قالت أخيرًا، قبل أن يسبقها الضعف:
"لن أطيل الحديث، أتيت لأعتذر... عن كل ما بدر مني.
أعلم أن كل ما فعلته كان قسوةً غير مبرّرة، لكن صدّقني، لم يكن سوى خوفٍ … خوفٍ منك في آنٍ واحد."
بقي صامتًا، وعيناه تتفحّصان وجهها كما لو يراه لأول مرة.
كانت مختلفة… أنضج، أقوى، لكن بقايا تلك الطفلة ما زالت تحتمي في عينيها.
تابعت بصوتٍ مكسورٍ:
"كل ما فعلته بي، رأيته حبًّا مشوّهًا... تملّكًا لا أستطيع فهمه.
أنت من كنت لي الأمان، والآن أصبحت الخوف ذاته.
لِمَ تغيّرت؟ أين ذهب ذاك الحنان الذي كنتَ تغمرني به؟
كنت أراك فارس أحلامي، الرجل الذي لا يخذل، الذي يحمي ويعفو، لا الذي يغضب ويُقصي ويعاقب."
تنفّس فارس ببطء، ثم رفع عينيه إليها وقال ببرودٍ يخفي زلزاله الداخلي:
وأنتِ، يا فتون… هل تعتقدين أني تغيّرت وحدي؟
كم مرةٍ جرحتِ دون أن تري؟ كم مرةٍ جعلتِ من صمتي تهمة؟
كنتُ أخشى عليكِ من الدنيا، والآن أخشى عليكِ من نفسك."
أطرقت برأسها، والدموع تحاول الإفلات من عينيها.
تقدّمت خطوة وقالت بصوتٍ مرتعشٍ:
; "لم أعد أحتمل هذا البعد يا فارس…
ولا أحتمل أن أراك غريبًا أمامي، كأننا لم نكن يومًا شيئًا واحدًا."
وقف فارس ببطءٍ، اقترب منها حتى كادت أن تشعر بأنفاسه، نظر إليها طويلاً وقال بهدوءٍ موجع:
; "أحيانًا، فتون، حين نخاف على من نحب… نُؤذيه دون أن ندري.
وأنا… كنت أخاف عليكِ أكثر مما يجب."
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ واهنةٍ:
"لكن الخوف حين يتجاوز الحدّ… يصبح قيدًا.
وأنتِ… لم تعودي تطيقين القيود."
كانت فتون تحاول أن تسيطر على رعشة صوتها، أن تبقي وجهها ثابتًا أمامه، لكنّ دموعها خانتها، وانحدرت كسقوطٍ متعب من قلبٍ أثقله الحنين.
همست بصوتٍ مكسورٍ وهي تحاول أن ترفع رأسها إليه:
> "أأغضبتك إلى هذا الحدّ يا فارس؟
ظننتك كما عهدتك… فارس القديم الذي كان يغضب عليّ قليلًا، ثم يعود ليصالحني بابتسامته.
كنتَ دائمًا من يحذرني ويحتويني… أما الآن، فقد تركتني كمن فقد ظله."
سكتت لحظة، تلتقط أنفاسها بصعوبة، ثم أكملت وهي تبتلع دموعها:
"انتظرتك طويلًا يا فارس… منذ آخر مرةٍ قلتَ لي فيها إنك لم تعد تهتم لأمري.
قلتَ لي افعلي ما تشائين… ففعلت، لكنك ذهبت وتركتني وحدي مرة اخري .
أهذا ما ربيتني عليه؟ أهذا هو الحنان الذي ظننته فيك؟
لماذا تغمرني بالدفء لتسلبه عني حين أعتاد عليه؟"
نظر إليها فارس بعينين تشتعلان، الغضب يختلط فيهما بالوجع،
ثم قال بصرامةٍ حادةٍ تخفي تحتها ارتجافةً لا يريدها أن تُرى:
; "فتون، أنتِ من اختار كل هذا الطريق.
لستُ أنا من تغيّر، أنتِ من أبعدتِ نفسك عنّي حين ظننتِ أني أقيدك.
لم تفهمي يومًا أن خوفي عليكِ هو ما كان يبقيني قربك.
أنتِ التي جعلتِ من حبي سجنًا، ومن غيرتي ذنبًا، ومن وجودي عبئًا.
فلا حديث بعد اليوم، ولا دموع.
اذهبي، أكْمِلي دراستك، وافعلي ما شئتِ."
كانت كلماته سكاكين تسقط ببطءٍ داخلها، لكنها لم تتراجع.
اقتربت خطوةً منه، ومدّت يدها المرتجفة، تمسكت بطرف معطفه كطفلةٍ تستنجد بظلّها الأخير.
; "لا تقل هذا، يا فارس… لا تتركني هكذا.
لقد أخطأتُ، أعترف، لكني لم أفقد شيئًا من حبي لك…
سامحني، يا فارس قلبي، سامحني."
كاد أن يتحرك مبتعدًا، لكنه توقّف، للحظةٍ واحدة فقط، حين شعر بأصابعها ترتجف حول يده.
التفت إليها سريعًا كمن يخشى النظر أكثر من الخطر نفسه،
فهو يعلم أن ضعفَه كله يكمن في عينيها.
كانت عينا فتون هما السجن الذي طالما حاول الهرب منه…
ومهما قاوم، كان كل شيء فيها — شفتيها المرتجفتان، نظرتها الطفولية، رعشة أنفاسها —
يجعل عقله يذوب وصموده ينهار.
تنهّد فارس بقوة، كمن يحارب نفسه، ثم همس بنبرةٍ قاسيةٍ ليخفي بها رجفة صوته:
; "كفى يا فتون… لا تفعلي هذا بي مرةً أخرى."
ثم سحب يده بقوة، واتجه نحو السلم،
خطواته كانت سريعة، لكنها ثقيلة، كأن كل خطوةٍ منه تجرّ خلفها قلبًا يئنّ من وجعه.
أما فتون، فبقيت واقفةً هناك، ودموعها تنزلق بصمتٍ مرير،
كأنها أخيرًا أيقنت أن حبّه لها كان أجمل خطاياها… وأشدها قسوة وهي خير من تعلم غضب فارس... انه لن يسامحها ابداً.