طفلتي - part6 - بقلم nasrahkhmis | روايتك

اسم الرواية: طفلتي
المؤلف / الكاتب: nasrahkhmis
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: part6

part6

في اليوم التالي بدأ الصباح على هدوءٍ غريب داخل القصر الكبير، نسمات الفجر تتسلل من النوافذ الواسعة، وأصوات الخدم الخافتة تمتزج برائحة القهوة الطازجة. هبط فارس الدرج بخطواتٍ بطيئة، وجهه شاحب بعد ليلةٍ طويلة من التفكير، وما إن لمحته حنان حتى ابتسمت برقةٍ وحنانٍ واضحين. قالت وهي تميل برأسها قليلًا: ــ صباح الخير يا حبيبي. رد بصوتٍ مبحوحٍ من أثر الإرهاق: ــ صباح الخير يا أمي... أين أبي؟ وأين الجميع؟ أجابت بهدوءٍ وهي ترتب الفوطة على الطاولة: ــ والدك قادم بعد قليل... أما فتون فهي لا تزال في غرفتها، تستعد لجامعتها. ترددت لحظة، ثم أضافت وهي تتنهد: ــ وزوجتك... سمر... رفع فارس حاجبيه بتعجبٍ وقال بنبرةٍ قلقة: ــ ما بها سمر؟ أليست في غرفتها؟ لقد استيقظت ولم أجدها. أجابت حنان وهي تشيح بنظرها عنه، كأنها تختار كلماتها بعناية: ــ زوجتك يا بني... أصبحت تتصرف بطريقة لا تُعجبني إطلاقًا. تتنفس بعمق، ثم تُكمل: ــ أولًا، ملابسها لم تعد تناسب عائلتنا، ولا تليق بك كرجلٍ له مكانته. ثانيًا، أصبحت تخرج كثيرًا مع صديقاتها، لا تهتم بك ولا بالبيت... ولا أدري كيف تصمت عن كل هذا! ثم نظرت إليه نظرةً حادةً لكنها مشفقة وقالت: ــ كل ما يشغلك هو فتون يا فارس... ابنتي، رجاءً لا تظلمها بغيرتك الزائدة. دلّلها، لكن لا تحبسها داخل خوفك عليها. وبدلًا من ذلك، اهتم بزوجتك، فهي أولى برعايتك الآن. ظل فارس صامتًا للحظة، يراقبها بعينين جامدتين، ثم تنهد ببطء وقال بنبرةٍ جادةٍ خالية من الانفعال: ــ أمي... تعلمين أن زواجي من سمر لم يكن عن حب، بل عن اتفاقٍ فقط لإتمام أعمال والدي. ثم رمق الأرض بعينين مثقلتين وقال: ــ فعلتُ ذلك من أجلكم... من أجل أبي، من أجل استقرار العائلة. لم أرغب بها، وهي تعلم ذلك جيدًا، لذا لا يهمني ما ترتدي أو مع من تخرج. لقد تنازلتُ عن فكرة الزوجة منذ البداية. ردت حنان بنبرةٍ حزينةٍ تتخللها نغمة خوفٍ أموميّ: ــ ولكن يا بني... إنها زوجتك، وابنة عائلتنا أيضًا. الناس تراك وتراها، والاسم واحد، والسمعة واحدة. إن لم يهمك الأمر، فهو يهمني أنا يا فارس. لا أريد أن أسمع أحدًا يتحدث عن ابني أو بيتي بسوء. ظل فارس صامتًا لبرهة، ثم قال ببرودٍ متعمد: ــ لقد تحدثتُ معها يا أمي، مرةً واحدة... وأجابتني بوقاحةٍ جعلتني أقرر ألا أتدخل في شؤونها بعد الآن. ثم رفع نظره إليها وأضاف بنبرةٍ أكثر صرامة: ــ كل ما يهمني الآن هو فتون. بدت حنان وكأنها لم تفهم مراده، فقالت ببطءٍ مدهوش: ــ فتون؟ ما بها؟ تغيرت ملامحه للحظةٍ، ثم قال بثباتٍ يثير القلق: ــ ما زال هناك حديثٌ لم ينتهِ بشأنها. كيف تسمحان لها بارتداء تلك الملابس الضيقة؟ لقد دللتموها حتى نسيت معنى الحياء والانضباط. وقفت حنان مذهولة من طريقته، وقالت بنبرةٍ فيها شيء من العتاب: ــ فارس! إنها فتاة، صغيرة، ما زالت تتعلم... قاطعها بصرامةٍ جعلت نبرته كالسيف: ــ أنا من سيتكفّل بتربيتها من جديد، يا أمي. لقد غبتُ عنها أشهرًا، ونسيت حدودها. من اليوم، لا أريد لأحدٍ أن يتدخل بيني وبينها... لا أنتِ، ولا أبي، ولا حتى هي. ساد الصمت، لم يعد يُسمع في القاعة سوى صوت أنفاس حنان المرتجفة، وهي تحدّق في ابنها بدهشةٍ ووجعٍ عميقين. كانت تنظر إليه كأنها تراه للمرة الأولى، تراه يتغير أمامها شيئًا فشيئًا، والشيء الوحيد الذي لم تعد تفهمه هو: هل ما يشعر به فارس تجاه فتون... حبٌّ أخوي؟ أم شيء أعمق من ذلك؟ جاء مصطفى إلى قاعة الطعام كعادته، بابتسامته الوقورة وصوته الهادئ الذي يملأ المكان دفئًا. جلست حنان إلى جواره، وبينما كانا ينتظران نزول فتون، دوّى صوت خطواتها الرقيقة على الدرج. رفعت حنان رأسها، وما إن وقعت عيناها عليها حتى تجمّدت ملامحها. كانت فتون تنزل بخطواتٍ متثاقلة، ترتدي تنورة قصيرة تكشف عن ساقيها النضرتين، وتيشيرت واسعًا قليلًا ينسدل على جسدها النحيل، وشعرها العسلي منسدل بلا ترتيبٍ على كتفيها. كانت ملامحها شاردة، ووجهها يحمل شيئًا من الملل والتعب، كأنها خرجت من عالمٍ آخر. شهقت حنان دون وعيٍ وهمست بقلق: ــ فتون! تعالي إليّ يا ابنتي...اريد اخبارك شئ لكن صوتًا حادًا اخترق السكون فجأة: ــ انتظري مكانك! كان فارس قد دخل لتوه من بعد ما اتته مكالمة فخرج ليجيب ، يقف في منتصف القاعة، عيناه تقدحان شررًا، وصدره يعلو ويهبط بغضبٍ محتدم. توقفت فتون في منتصف السلم، نظرت إليه بدهشةٍ وخوف، بينما قالت أمّه بقلقٍ حقيقي: ــ فارس، حبيبي.... ساحدثها؟ لكنّه تجاهلها تمامًا، ثم قال بصوتٍ غليظٍ كالرعد: ــ عودي إلى غرفتكِ فورًا يا فتون. اتسعت عيناها في صدمةٍ ووجع، نظرت إلى أبيها كأنها تستنجد به، فهتف مصطفى بتعجبٍ وهو يضع الملعقة جانبًا: ــ ما الذي يحدث هنا يا فارس؟ ما الأمر؟ لكن فارس لم يلتفت إليه، بل كرر بأعلى صوته، نبرته تحمل أمرًا لا يقبل نقاشًا: ــ قلت عودي إلى غرفتكِ الآن! اغرورقت عينا فتون بالدموع، فارتعش صوتها وهي تهمس بخفوتٍ مكسور: ــ حاضر ثم صعدت السلم بخطواتٍ متعثرة، تجرّ وراءها خيبتها، كأن الهواء أثقلها. وحين اختفت عن الأنظار، دفع فارس كرسيه بقوةٍ جعلته يصطدم بالجدار، فارتج المكان. هتف مصطفى غاضبًا: ــ ما الذي تفعله يافارس، لما تصرخ عليها و.....ايضا؟ أهذا أسلوب تتحدث به أمامي؟ استدار فارس إليه، وملامحه مزيجٌ من الغضب والمرارة، ثم قال بصوتٍ غليظٍ يرتجف من الانفعال: ــ أبي، ألا ترى ما ترتديه؟ ألا ترى كيف أصبحت؟ لقد انشغلتُ عنها أنا، فغفلتم أنتم أيضًا! ألا تخشى عليها من أن تقع فريسةً لتلك الذئاب التي تملأ الشوارع؟! أليست هذه هي ابنتك التي أوصيتني أن أرعاها؟ صمت مصطفى، لكن ملامحه انكمشت بين الحيرة والغضب. تابع فارس وقد علا صوته أكثر، كأن شيئًا انفجر داخله: ــ إن لم أكن أنا من يضع لها الحدود يا أبي، فمن؟ تركتها تتصرف بلا وعيٍ، والنتيجة أن الجميع أخطأ في تربيتها. تدخلت حنان بخوفٍ وهي تمسك بذراعه محاولة تهدئته: ــ فارس، تمهّل يا بني... فتون لم تفعل شيئًا يستحق هذا الغضب. إنها صغيرة، لا تفهم بعد. لكن فارس جذب ذراعه منها، وقال بعينين تشتعلان حزمًا: ــ أمي، لا تتدخلي بيني وبينها. أنا من سيعلّمها كيف تكون فتاة محترمة، لا تثير الأنظار بتصرفاتها. قالت حنان بصوتٍ مرتجفٍ وقد بدأت الدموع تلمع في عينيها: ــ لا تلقِ باللوم عليها، اللوم عليّ أنا... أنا من اشتريت لها تلك الملابس، وأنا من لم أفهمها أنها لا تليق بنا. صاح بها قائلاً: وتخبريني ان اخبر زوجتي بان تغير من طريقة ملابسها لا نها لاتناسب معايير منزلنا... ولكن ابنتنا ان لم تردي شي ومشت عارية هكذا هو الشئ الذي يناسبنا. صمتت حنان.. ولكن كادت ان تهدئه بلا يحزن فتون... فيكفي ما تمر هي به ولكنه لم يسمع... كان الغضب قد سيطر عليه بالكامل. صعد السلم بخطواتٍ سريعة، كل نفسٍ يزداد ثقله، وطرق بابها بعنفٍ، ثم دفعه دون انتظار. كانت فتون جالسة على الفراش، وجهها بين كفيها، تبكي بصمتٍ ووجعٍ كمن تلقّى طعنةً من أحب الناس إليه. وقف فارس عند الباب، يلهث من الغضب، وملامحه تتناوب بين الألم والسيطرة. رمقها طويلًا... لكن تلك الدموع التي رأى بريقها في عينيها جعلت شيئًا بداخله يختنق. وجهها متورم من البكاء، شعرها المنسدل يلتصق بوجنتيها المبللتين بالدموع، وعيناها ترفعان نحوه بنظرة مرتجفة بين الخوف والدهشة. تقدّم منها بخطوات ثقيلة، وصوته مشحون بالانفعال وهو يقول: ـ أهذا ما وصلتِ إليه يا فتون؟! أهذا ما تعلّمتهِ بعد كل تلك السنوات؟! ثم أشار بيده إلى ملابسها الغريبة عن بيتهم قائلًا: ـ ظننتك تغيّرتِ… ظننت أنكِ أدركتِ ما يليق وما لا يليق! ألم تفهمي بعد طبعي؟! أنتِ عشتِ العمر كلّه إلى جواري، كيف لم تفهمي أنني لا أقبل أن أراكِ هكذا؟! ارتجفت فتون، لكنها تماسكت بصوتٍ متهدّج من الألم والغضب المكبوت: ـ طبعي؟! وهل أنا خُلقت لأعيش على "طبعك" أنت فقط؟! أنا مجرد فتاةٍ تربّت على أن كل شيء ممنوع، وكل خطوة محسوبة، وكل نظرة مراقبة! أردتَ أن أكون ظلّك يا فارس… ظلّك لا ابنةً لها قلب! ضرب فارس بيده على المكتب بجانبها، فاهتزت الكتب فوقه وقال بحدةٍ أقرب إلى الصرخة: ـ لا تبرّري خطأكِ بالكلمات الكبيرة يا فتون! أنا لم أمنعك من شيء إلا حرصًا عليكِ، ولم أغضب إلا خوفًا عليكِ! أتريدين أن يراكِ الناس بهذه الهيئة؟! بنات الغرب لا يخرجن هكذا، فكيف بكِ أنتِ؟! رفعت فتون رأسها نحوه بعينين حزينتين، وقالت بمرارة: ـ الناس؟! دائمًا الناس، والخوف من الناس، وكأن حياتي كلها خُلقت لأرضي نظراتهم! أنا لم أؤذك، لم أهن أحدًا… كل ما فعلته أنني سئمتُ من ثقل القيود يا فارس. سئمتُ من كونك تظن أني قطعة من ممتلكاتك، تخاف عليّ كما يخاف التاجر على بضاعته! اشتدّ توتر فارس، تراجع خطوة وكأنه تلقّى طعنة خفية من كلماتها، ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه يحمل جمرة غضبٍ دفينة: ـ بضاعة؟! هل تظنين أن خوفي عليكِ بهذه البساطة؟ أنا لا أحتملكِ كـ"شيء"، فتون… أنا أراكِ جزءًا مني، من روحي التي لا أحتمل أن تُمسّ بسوء. وحين رأيتكِ هكذا… شعرت أن شيئًا داخلي انكسر. سكت لحظة، ثم تابع بصوتٍ أكثر خفوتًا وكأنه يخاطب نفسه: ـ كنت أظنّك ستفهمينني من نظرة… من صمتي… لكن يبدو أنني كنتُ مخطئًا. اغرورقت عينا فتون بالدموع من جديد، وقالت وهي تضع يدها على صدرها: ـ وأنا كنت أظنك ترى فيَّ إنسانة، لا طفلة تحتاج إلى تأديب كل يوم! أنا لا أريد أن أعيش محبوسة في دائرة الخوف التي رسمتها لي، ولا أن أكون نسخة مما تريد! أنا فقط أريد أن أكون "أنا"، لا صورتك التي تراها مثالية في رأسك! سادت لحظة صمتٍ ثقيلة، لم يسمع فيها سوى أنفاسهما المتقطعة، ثم أدار فارس وجهه عنها، وصوته مبحوح وهو يقول: ـ أحيانًا يا فتون… الحب الزائد يصبح داءً، وأنا لا أريد أن أؤذيكِ بدائي.... لذلك لاشأن لي بك من بعد الأن.... افعلِ ماشئت تركها وخرج من الغرفة، بينما هي جلست على الأرض، تبكي بصمتٍ يشبه الاعتذار… لكن لا أحد سمعه. جلسَت فتون أمام المرآة في غرفتها، تحدّق في انعكاس وجهها الشاحب، ودموعها تبلل وجنتيها الباردتين. كانت كلمات فارس ترنّ في أذنيها كجرسٍ ثقيلٍ لا يهدأ: «ظننتك تغيّرتِ… ظننت أنكِ أدركتِ ما يليق وما لا يليق». كل حرفٍ قاله أعادها إلى واقعٍ كانت تفرّ منه. همست لنفسها بصوتٍ مرتجف: ـ ربما كان على حق… ربما أنا التي تجاوزتُ حدودي. كنت أريد فقط أن أعيش بحرية، أن أتنفس قليلًا، لا أن أتمرد عليه… هو لم يكن يريد أن يتحكم بي، بل كان يخاف عليّ، وأنا… أنا التي فسّرت خوفه قيدًا. سقطت على الأرض واحتضنت ركبتيها، تبكي بصمتٍ موجع، كأنها تحاسب نفسها على كل كلمةٍ قالتها في لحظة غضب. أدركت أن فارس كان حاضرًا في كل تفاصيل حياتها، في حزنها قبل فرحها، في نجاحها قبل سقوطها… هو ظلّها الثقيل الذي تخشاه أحيانًا، لكنها حين يغيب، لا تجد لنفسها ظلًا أصلًا. مرّ يومان بعدها، صامتان كالقبر. لم يتحدث أحدهما إلى الآخر، ولم يلتقِ نظرهما ولو صدفة. كانت فتون تمرّ بجانبه كغريبة، تخفض رأسها في خجل، بينما هو يتظاهر بالانشغال الدائم، لكن قلبه كان مضطربًا كبحرٍ يثور في صمت. في مكتبه، جلس فارس خلف مكتبه العريض، أوراق العمل مبعثرة أمامه، لكنه لم يكن يرى منها شيئًا. كانت أفكاره كلها أسيرة كلمةٍ واحدة قالتها فتون: «أنت لا تراني إنسانة، بل تتحكم فيّ كما تشاء». رفع رأسه وأغمض عينيه بمرارة، وقال في نفسه: ـ كيف استطاعت أن تقول هذا؟ بعد كل ما فعلته لأجلها؟ أأنا حقًا أبدو كمن يريد السيطرة؟ أنا فقط… أردتُ أن أحميها، أن أصونها، أن تبقى تلك الطفلة التي وعدت نفسي ألا يمسّها أحد بسوء. سحب نفسًا عميقًا، وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة، إذ هاجمته الذكرى كنسمةٍ دافئة وسط هذا البرد الداخلي. رأى نفسه يمشي في أروقة البيت القديم، وفتون الصغيرة تتعلق بذراعه وهي تمسك حقيبة المدرسة الجديدة، وجهها مملوء بالخوف من أول يومٍ دراسي. اقترب منها آنذاك وربط شعرها بعناية، وابتسم قائلاً بصوته الجاد: ـ لا تبكي يا فتون… أنتِ أجمل بنت في العالم، والجميع سيحبك. ضحكت يومها بضحكتها الطفولية البريئة وقالت وهي تمسح دموعها: ـ وأنتَ أجمل فارس رأيته في حياتي. تلاشت الذكرى كأنها حلم، فعاد فارس إلى واقعه قائلاً: تلك الطفلة المدللة مطيعة فارس... لم تعد سوا فتاة متمردة.... يبدو انني ابتعدت لدرجة اعجبتك يافتون لدرجة انك احببت البُعد.. فخرجتي عن طوع فارسكي. تنهد بضيق وحاول اكمال عمله. ♡♡♡♡♡ كان الليل ينسدل ببطء على نوافذ المكتب الواسع، وأضواء المدينة تتراقص على الزجاج كأنها ظلالُ أفكارٍ لا تهدأ. جلس فارس متعبًا، رأسه مستند إلى الكرسي، وذهنه عالق بين الماضي والحاضر… بين طفلةٍ كان يخاف عليها، وامرأةٍ باتت تخافه. طرقٌ خفيف على الباب قطع شروده. لم ينتظر إذن الدخول، إذ فُتح الباب لتطلّ منه سمر بخطواتٍ واثقة، رائحة عطرها تملأ المكان قبل أن تتكلم. قالت بابتسامةٍ مائلة وهي تقترب منه ببطء: ـ أراك شاردًا كعادتك يا فارس… ألا تنظر إليّ ولو للحظة؟ رفع رأسه بفتور، نظرةٌ عابرة سكنت على وجهها، ثم قال بنبرةٍ خالية من الدفء: ـ ماذا تريدين يا سمر؟ أليست الساعة متأخرة؟ جلست أمامه دون أن يُسمح لها، وأمالت رأسها بخفة قائلة: ـ هل أصبحت الغريبة إلى هذا الحد؟ أتيت فقط لأطمئن عليك، تبدو منهكًا منذ أيام. زفر فارس وهو يشيح بوجهه نحو النافذة: ـ أنا بخير، لا حاجة للقلق. يمكنك الذهاب. ابتسمت سمر بخبثٍ خفيف وقالت: ـ ذهاب؟ ألهذه الدرجة تكره وجودي؟ أنا زوجتك يا فارس، وإن كنت نسيت، فنحن تحت سقفٍ واحد. ثم اقتربت أكثر وهي تهمس بصوتٍ منخفض: ـ أليس في قلبك متسعٌ لي ولو قليلًا؟ أدار فارس وجهه إليها، نظراته باردة كحجرٍ في ليلٍ قارس، وقال بصوتٍ حادٍّ يخلو من أي ميل: ـ لا تتلاعبي بالكلمات يا سمر… أنتِ تعلمين أن هذا الزواج لم يكن اختيارًا، بل صفقةً أنهينا بها خلافًا بين العائلتين. لا أكثر. ضحكت سمر بمرارةٍ مصطنعة وقالت: ـ صفقة؟ جميل… صفقة! أتعلم يا فارس؟ حتى الصفقة تستحق أن تُدار باحترام، أما أنت فتُعاملني كشيءٍ لا وجود له. هل كل هذا من أجل فتون؟ تصلّب جسده للحظة، وارتجف فكه وهو يرفع نظره إليها في تحذيرٍ صامت. قال ببطءٍ شديد، ونبرته تزداد قسوة مع كل كلمة: ـ لا تتحدثي معي بتلك الطريقة مرة اخري . تراجعت سمر قليلًا، لكنها ابتسمت بمرارة وقالت بسخريةٍ خفيفة: ـ خفتُ أن ألمس جرحك المقدّس، أليس كذلك؟ دائمًا هي… حتى وأنا أمامك، تظلّ هي الحاضرة وأنا الغائبة. وقف فارس فجأة من مكانه، اقترب من المكتب حتى كاد صوته يخترق الهواء، وقال بصوتٍ غاضبٍ لكنه محكوم: ـ انتهي يا سمر.... يكفي ان تغضبوني والا انفجرت وهدمت السماء فوقكم جميعا.... اللعنة عليكم... وايضاً أنا لا أسمح لكِ أن تذكريها، ولا أن تتدخلي في أمورٍ لا شأن لكِ بها. نظرت إليه بجرأةٍ متهكمة، وعيناها تلمعان بحزنٍ دفين: ـ إذًا ما شأني في حياتك أصلًا؟ ما دوري؟ زوجة على الورق؟ أم غريبة تحت سقفٍ تحرسه امرأة أخرى في خيالك؟ صمت فارس لثوانٍ، بدا عليه التوتر وهو يضغط على صدغيه، ثم قال بجمودٍ قاتل: ـ لا شأن لكِ بي… عيشي كما تشائين، اذهبي إلى حفلاتك وأصدقائك،واتركي فكرة ان اعود اليك بقلب جريح وان اختارك لي بعيدة عن مخيلتك ضحكت سمر بخفوتٍ وهي تلوّح بيدها باستهزاء: ـ فهمت..... كم أنت واضح يا فارس… ووحدك لا تدرك أنك لم تعد تحسبها اختاً، بل تهلك بها. ثم نهضت، وحين مرّت بجانبه توقفت لحظة، نظرت إليه نظرة طويلة وقالت بهدوءٍ موجع: ـ ستخسرنا جميعًا يا فارس، لأنك لا تعرف كيف تحب دون أن تمتلك. وغادرت المكتب بخطواتٍ ثابتة، تاركةً وراءها فارس واقفًا بين الغضب والوجع، وصدى كلماتها الأخيرة يتردّد في صدره كطعنةٍ لم يعرف إن كانت من الحقيقة… أم من امرأةٍ تعرف كيف تلعب بمشاعر مدفونة. الي لقاء جديد..... لن اقول الوداع علنا نلتقي مرة ثانية