طفلتي - part5 - بقلم nasrahkhmis | روايتك

اسم الرواية: طفلتي
المؤلف / الكاتب: nasrahkhmis
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: part5

part5

كانت فتون تجلس إلى جوار صديقتها ريم في ساحة الجامعة، تحاول أن تُوهم نفسها بالتركيز في حديثها، غير أنّ ذهنها كان أبعد ما يكون عن المكان. أصابعها تعبث بغطاء كوب القهوة أمامها، ونظراتها شاردة كأنها تفتش عن شيء ضاع منها وسط الزحام. رمقتها ريم باستغراب وقد لاحظت ارتباكها منذ الصباح، ثم قالت بنبرة مشفقة: ـ ما بالكِ يا فتون؟ اليوم لستِ أنتِ... أشعر أنكِ غريبة، كأنّ شيئًا يؤلمكِ من الداخل، أهناك ما يُزعجك؟ طمئنيني بالله عليك. رفعت فتون عينيها ببطء، ترددت، ثم زفرت تنهيدة طويلة تساقطت معها بقايا تماسكها، وقالت بصوت خافتٍ مبحوح: ـ لا شيء يا ريم... لا أعلم، الأمر كله غريب... أشعر أنني غريبة حتى عن نفسي. مدّت ريم يدها تربت على كتفها برفقٍ وقالت بإصرار: ـ فتون، أنا صديقتك، وأعرف متى تتألمين. لا تقولي "لا شيء" وكأنكِ بخير، أخبريني ما الذي يشغلك؟ ترددت فتون لحظة، وكأنها تخشى من ثقل ما ستقوله، ثم عضّت شفتها وقالت بتلعثمٍ خجول: ـ أخي... فارس، تصرفاته باتت غريبة جدًا، لا أفهمه هذه الأيام. تقطبت ملامح ريم بتعجّب: ـ غريبة؟ كيف؟ أهو بخير؟ أخفضت فتون رأسها، وصوتها يرتجف بصدقٍ موجع: ـ لا أعلم إن كان بخير... أم غاضب من شيءٍ لا أعلمه. منذ الصباح وهو يتعامل معي بحدّةٍ غير مبرّرة، ينظر إليّ كما لو كنتُ أخطأتُ في حقه، وكأنه يحمّلني ذنبًا لم أرتكبه. ثم أطرقت بعينيها، وأضافت بهمسةٍ مرتجفة: ـ بل... قال لي كلامًا لم أعتده منه، حديثه كان غريبًا... وكأنه يرى فيّ شيئًا لا يراه الأخ في أخته. اتسعت عينا ريم بذهولٍ وصمتت للحظة، ثم همست بخوفٍ خفيّ: ـ ماذا تعنين يا فتون؟ هل بدر منه ما يزعجك؟ رفعت فتون رأسها سريعًا وقالت بتوترٍ مدافعة: ـ لا، لا... لم يفعل شيئًا، فقط... نظرته، طريقته، حدّته... كلّها تغيّرت. أشعر وكأنني أمام شخصٍ آخر لا أعرفه. سكتت ريم، وأطبقت يديها على الطاولة تفكر، ثم قالت برفقٍ: ـ ربما هو غاضب من أمرٍ ما... أو خائف عليكِ، أنتِ تعرفين كم يغار عليكِ من نظرات الناس. ابتسمت فتون ابتسامة واهنة وقالت بحزنٍ شارد: ـ غيرته هذه المرة مختلفة يا ريم... مختلفة لدرجة أخافتني. ثم نظرت بعيدًا نحو السماء، كأنها تبحث عن مخرجٍ من دوامةٍ لا تُرى، وهمست بصوتٍ كأنّه رجاء: ـ ليتني أفهم ما الذي يحدث له... وما الذي يحدث لي أيضًا. ♡♡♡♡♡♡ في مكتبٍ فخمٍ يلفّه صمتٌ يليق بهيبة المكان، جلس فارس خلف مكتبه العريض، ينقر بأصابعه فوق سطحه الزجاجي في توترٍ خفيّ، بينما عيناه تتبعان عقارب الساعة بمللٍ ثقيل. لم يكد ينهض من مقعده حتى فُتح الباب فجأةً دون استئذان، ودخل أحمد بخطواتٍ واثقةٍ تُغلفها رعونةٌ واضحة، وابتسامةٌ متعالية تُثير الغيظ قبل الفضول. رفع فارس حاجبه في فتورٍ متعمّد وهو يقول ببرودٍ قاتل: ــ منذ متى يُفتح باب مكتبي دون إذن؟ ضحك أحمد باستهانة، وجلس على الكرسي المقابل متكئًا عليه كأنه في بيته: ــ هون عليك يا ابن خالي... ما بيننا أصول، ولا تحتاج كل تلك الرسمية! زمّ فارس شفتيه، ونظره الحاد يوشك أن يخترق وجه أحمد، ثم قال بصرامةٍ مخيفة: ــ ليس بيننا ما يسمح لك بتخطّي الحدود يا أحمد... تذكّر جيدًا أني لست واحدًا من رفاق مقاهيكم الرخيصة. ضحك أحمد مرة أخرى وهو يلوّح بيده: ــ آه، ما زلتَ كما أنت، متعاليًا، لا ترى الناس إلا من علٍ... ومع ذلك، جئتُ اليوم لأمرٍ يخصّك أنت تحديدًا. انكمشت نظرات فارس، ومال بجسده إلى الأمام كمن يستعد للانقضاض: ــ اختصر. اقترب أحمد بخبثٍ، وارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية: ــ سمعتُ عن فتاتك الصغيرة... فتون... توقّف متعمّدًا وكأنه يتذوّق الاسم بنبرةٍ مستفزّة، ثم تابع: ــ فتاة جميلة، رقيقة، ذكية... أعجبتني كثيرًا. فكّرت أن أتقدم لخطبتها، فما رأيك يا فارس؟ لحظةٌ واحدة كانت كافية لتتحوّل ملامح فارس من الجليد إلى النار. نهض من مكانه ببطءٍ مخيف، خطواته ثقيلة، ونظره يشتعل بغضبٍ لا يُخطئه أحد. اقترب منه حتى صار على بعد أنفاسٍ قليلة، ثم قبض على ياقة قميصه بقوةٍ جعلته يتراجع بخوفٍ لم يخفه. صوته كان أشبه بزمجرةٍ خرجت من جوف بركانٍ محتدم: ــ أتعيد ما قلتَه؟ ارتبك أحمد للحظة، ثم حاول التظاهر بالثقة: ــ ما... ما الغريب في الأمر؟ هي ليست أكثر من فتاة... لم يُكمل كلماته، إذ رفعه فارس من ياقته بقوةٍ حتى كاد الهواء ينقطع من صدره، وقال بصوتٍ أجشّ يحمل تهديدًا قاتلًا: ــ تلك "الفتاة" التي تتحدث عنها هكذا... ليست مجالًا لأحاديثك القذرة، ولا لتجاربك العابثة... وإن سمعتُ اسمها على لسانك مرةً أخرى، فلن يوقفني أحد عن تحطيم هذا الوجه السخيف الذي ورث وقاحتك من أمك! تجمد أحمد في مكانه، شاحب الوجه، عيناه تهربان من نظرة فارس المشتعلة. أفلت فارس ياقة قميصه بحدّةٍ جعلته يتراجع مترنحًا، ثم أشار إلى الباب بيده في أمرٍ واضح: ــ أخرج... قبل أن أفقد السيطرة على ما تبقّى مني من عقل. تراجع أحمد ببطء، يحاول الحفاظ على ما تبقّى من كبريائه، لكن ملامحه كانت تفضح خوفه الكامل. أما فارس، فقد وقف في منتصف مكتبه يتنفس بصعوبة، يمرر يده في شعره بعنف، ثم ضرب بقبضته سطح المكتب بعنفٍ جعل الأوراق تتناثر. همس بين أنفاسه المشتعلة: ــ فتون... لن أسمح لأحدٍ حتى بذكر اسمك دون إذني. ♡♡♡♡♡♡♡♡♡ كان الليل ساكنًا إلا من صرير الريح العالقة بشرفاتٍ صدئة، حين أغلق أحمد هاتفه بعد أن أفلت من بين أنياب الغضب في وجه فارس. جلس في سيارته لاهثًا، يتصبب عرقًا رغم برودة الجو، ثم زفر بمرارة وقال في نفسه: ـ “تبا له... كاد يقتلني لمجرد أنني ذكرت اسمها!” مدّ يده المرتجفة إلى الهاتف مجددًا واتصل بأمه. ما إن سمعت صوته حتى جاءها الرد متهكمًا ببرودٍ قاتل: ـ "أعلمتُك ألا تفعلها بتلك الطريقة، أحمق أنت؟! فارس لا يُذكر أمامه اسم تلك الفتاة دون أن ينفجر." قالها بصوتٍ مبحوح من كثرة التدخين، ووراء كلماتها نبرة سُخطٍ لا تهدأ. رد أحمد بتحدٍ ساخر: ـ "بل أنتِ السبب من البداية... لو لم تخطئي بحقهم ما كنتُ الآن أتحمل هذا الذل." جاء صوتها حادًا كالسيف: ـ "اخرس! لا تذكرني بأخطاء الماضي. عد إلى المنزل فورًا، أريدك حالًا... كم أنت غبي، لا فائدة منك." أغلق الخط وقد تسللت خيبة ثقيلة إلى صدره، ثم تحرك نحو بيتها المتداعي في أطراف المدينة. --- كانت سميرة تجلس على مقعدٍ مكسور في شقةٍ مظلمةٍ لا ترى فيها سوى الرماد المتراكم على مائدة خشبية، وبقايا ثوبٍ أنيقٍ عفا عليه الزمن. وجهها شاحبٌ، وعيناها غائرتان كأن الليل سكن فيهما منذ سنين. حين دخل أحمد، ألقت عليه نظرةً باردة وقالت: ـ "أهلاً بوريثي المفلس، ماذا فعلت؟" جلس أمامها بترددٍ وقال وهو يضغط على يديه: ـ "غضب بشدة يا أمي... كاد يضربني. يقول إن تلك الفتاة ليست من شأن أحد." قهقهت سميرة قهقهةً يائسة وقالت: ـ "الدماء لا تُنكر... هو ابن ذلك الرجل الذي سلبني كل شيء ثم رمقني بالعار!" ثم اعتدلت فجأة، كأن الحقد أيقظ فيها بقايا الحياة، وقالت وهي تحدق في ابنها: ـ "أتدري يا أحمد؟ لقد أعطاني مصطفى مالًا كثيرًا ذات يوم، كان يريد أن يُسكت ضميره بعد أن نبذني. قال إنها صدقة، لكنها كانت حقي المسلوب." خفض أحمد رأسه وقال بمرارة: ـ "وأين ذهبت تلك الأموال؟" سكتت لحظة، ثم انكسرت ابتسامتها المريبة وقالت: ـ "ذهب بها والدك، ذلك المدمن الحقير. ضيّعها على السموم التي كان يسميها دواءه من الحياة، وتركني أتعفن في هذا الخراب." ثم نهضت فجأة، ووقفت أمام المرآة المتشققة كأنها تخاطب وجهها البالي: ـ "لكنني لن أموت فقيرة... لن أموت منسية. تلك الفتاة، فتون، هي طريقي لاستعادة ما سُلب مني. ستكون مفتاحي للثروة التي حُرمتها." نظر إليها أحمد بقلقٍ ممزوجٍ بطمعٍ دفين، وقال بصوتٍ خافت: ـ "وما خطتك يا أمي؟" استدارت نحوه بعينين تلمعان بخبثٍ خفي وقالت: ـ "سنسقطها من حيث لا تدري. ستحبك، وستُسلمك قلبها، ثم تُسلمنا مفاتيحها كلها... عندها فقط سنأخذ ما لنا، وما ليس لنا أيضاً." ابتسم أحمد ابتسامةً باهتة وقال: ـ "وإن لم تقع في شباكي؟" اقتربت منه، وضعت يدها على كتفه وقالت ببطءٍ يشبه الهمس المسموم: ـ "إذن سنصنع لها حبًّا مزيفًا، ووجعًا حقيقيًّا." وساد الصمت بعدها، صمتٌ لا يُسمع فيه إلا أنين الريح، كأنه نذير شرٍّ قادم. ♡♡♡♡♡ عاد فارس إلى القصر في ساعةٍ متأخرة من المساء، خطواته ثقيلة كأن الأرض تئن تحتها، ملامحه شاحبة والعرق يلمع على جبينه رغم برودة الجو. فتح الباب بصمت، ألقى مفاتيحه على الطاولة، ثم أرخى جسده على الأريكة الكبيرة بإنهاكٍ واضح. أغمض عينيه قليلًا، ثم مرر يده على وجهه، كأنه يحاول أن يمحو ما تبقى من اليوم في ذاكرته. كانت حنان تجلس تنتظره في هدوء، ترتدي عباءتها الداكنة، تحمل بيديها فنجانًا من الشاي لم يذق بعد. اقتربت منه بخفة، جلست بجواره، ومدّت يدها تمسح على شعره بحنانٍ دافئ وهمست: ــ ما بك يا فارس؟ أراك متعبًا، وجهك شاحبٌ وكأنك تحمل العالم فوق كتفيك. زفر فارس تنهيدةً ثقيلة، وأجاب بصوتٍ مبحوحٍ يغلفه الإرهاق: ــ لقد أنهكني هذا اليوم يا أمي... كل شيء من حولي يثير غضبي، الناس، العمل... حتى من أحبهم صاروا سببًا لاضطرابي. ثم أغمض عينيه من جديد وقال بخفوت: ــ أريد فقط أن أرتاح... أن أصمت قليلًا. سكتت حنان لحظة وهي تتأمل ملامحه، ثم قالت بهدوءٍ متردد: ــ فارس... هل....! ضربت زوجتك؟ لم يُجب فارس. اكتفى بأن زفر بعمقٍ، وكأن السؤال أوجعه أكثر من الفعل ذاته. قالت حنان بنبرةٍ حزينة: ــ لم أُربِّك على هذا يا بني... لم أعلّمك يومًا أن تُهين امرأة، مهما أغضبتك. فتح فارس عينيه ببطء، نظر إليها نظرةً يملؤها الضيق، ثم قال: ــ لقد أزعجتني يا أمي... إنها لا تفهم حدودها، وأنت تعلمين كم تعني لي فتون. لا أحتمل أن يُذكر اسمها بسوء، أو أن يمسّها أحد حتى بكلمة. تأملت حنان وجهه بدهشةٍ ممزوجةٍ بالخوف، ثم قالت بحزمٍ ناعم: ــ يا بني، فتون أختك، وليست أكثر من ذلك. أما زوجتك، فهي من اختارت أن تُكمل حياتها معك، وكرامتها من كرامتك. لا تهنها من أجل أحد... لا تجعل الغضب يُطفئ بصيرتك. سكت فارس طويلاً، عيناه تتقلبان بين الإنهاك والضياع. ثم تمتم بصوتٍ خافتٍ كأنه يحدث نفسه: ــ ربما كل شيء يسير على غير ما يجب... كل شيء صار مختلطًا ومشوشًا. لا أريد التفكير الآن يا أمي... أريد النوم. وقف ببطءٍ، انحنى ليقبّل جبينها، ثم قال بهدوءٍ متعب: ــ تصبحين على خير يا أمي. غاب صوته في الممر المؤدي إلى جناحه، وبقيت حنان وحدها في الصالة، تحدق في المكان الذي كان يجلس فيه. وضعت الفنجان على الطاولة، نظرت إلى الأعلى وقالت بصوتٍ خافتٍ يختلط فيه الخوف بالشفقة: ــ أخاف أن يزداد تعلّقك بها يا فارس... أن يتحول حبك إلى هوسٍ لا شفاء منه. سكتت لحظة، ثم ابتسمت بمرارةٍ وقالت وكأنها تعترف لليل: ــ وحينها... لن أستطيع أن أشفيك منها أنا... أنا التي لا تعرف حتى كيف تنقذ ابنها من نفسه. ثم أغمضت عينيها، وارتسمت على وجهها نظرة غريبة، بين الألم والإدراك... كأنها تخشى أن القادم سيحمل ما هو أعظم من الخطر نفسه.