part4
خرجت سمر من غرفة الطعام كمن يشتعل صدره بنار الغيظ، تتبع خطى فارس بخطوات متوترة حتى بلغ جناحه، طرقت الباب بعنفٍ مكبوت، وحين لم يُجب، دفعته بجرأة ودخلت. كان فارس يقف أمام النافذة، يطل على الحديقة الهادئة، يداه في جيبيه، وعيناه غارقتان في غضب مُميت
قبل أن تنبس بحرف، التفت إليها فجأة، وملامحه جامدة، اقترب منها بخطواتٍ ثقيلة كأن الأرض ترتجّ تحتها، ثم أمسك بمعصمها بقوة جعلتها تتأوه ألمًا.
قال بصوتٍ منخفض لكنه يفيض غضبًا:
"لماذا تبثين سمّك في أذن الفتاة؟ ماذا تظنين نفسك تفعلين؟"
ارتجفت سمر، لكن الغيرة كانت قد أعمَت عقلها، فصرخت بعصبيةٍ مجنونة:
"لأنها صارت كلّ ما يشغلك! لا تنكر يا فارس، نبرتك تغيّرت حين تناديها، نظراتك إليها ليست نظرات أخ، بل رجلٍ مأخوذ! لقد شممت عطرها عليك بالأمس، لا تقل لي إن شيئًا لم يحدث بينكما! أقسم أنني لن أسكت، سأخبر والديك بما تفعل، وبـ... فجوركما!"
ساد صمتٌ ثقيل، كأن الهواء نفسه تجمّد بينهما.
لم تتحرّك سمر، لكنها رأت نظرة فارس تشتعل أمامها كبركانٍ قبل أن يهدر غضبه في صفعةٍ خاطفة اخترقت سكون الغرفة.
ارتدت إلى الخلف بصدمة، وضعت يدها على خدّها المتورم، وعيناها تتسعان رعبًا.
اقترب منها فارس خطوةً أخرى، قبض على كتفيها وهزّها بقوةٍ وهو يصرخ:
"كرّري ما قلتِ الآن! أعيدي تلك الكلمة يا سمر، لأريك كيف يكون الجنون!"
ارتجفت بين يديه كطفلةٍ مذعورة، انهمرت دموعها وهي تهمس بخفوتٍ مرتعش:
"أنت... ضربتني يا فارس؟!"
تجمّد في مكانه، وشيء من الندم تسلل إلى ملامحه. تركها ببطء، وتنهد بعنفٍ وهو يمرر يده في شعره الكثيف باضطراب. كان الغضب يحترق داخله، لكنه لم يحتمل فكرة أن يكون قد آذى امرأة، مهما كانت كلماتها قاسية.
أدار ظهره لها وقال بصوتٍ خافت لكنه مشبع بالشرارة:
"ساخرج قبل أن أفقد ما تبقّى من صبري. وجودك بات يخنقني... وملابسك، تلك التي تدّعين بها الرقي، لا تزيدك إلا ابتذالًا."
شهقت سمر بصدمةٍ وإهانة، راقبته وهو يغادر الغرفة بخطواتٍ غاضبة، الباب يُغلق خلفه بقوةٍ كأنما أغلق على قلبها معه.
ظلت واقفة مكانها، أنفاسها متقطعة، عيناها تبرقان بدموعٍ وشررٍ معًا، ثم شهقت بحرقة وهي تهمس بكرهٍ دامٍ:
"ضربتني من أجل تلك الملعونة! حسناً يا فارس... أقسم أنك ستندم. سأجعلك تكرهها بيديك، وستطردها بنفسك، دون أن تدري كيف أو متى... وسأستمتع حين أرى ذلك اليوم."
جلست على طرف السرير، تضحك ضحكةً مختنقة يملؤها الحقد، بينما صورة فتون تشتعل أمام عينيها كعدوٍّ لا يهدأ.
كانت تعرف تمامًا أن الغيرة أعمق من الحب، وأنها إن لم تملك فارس بقلبه، فستهدم كل من تجرؤ على أن تلمس ذلك القلب.
♡♡♡♡♡♡
جلسا في السيارة، والسكون يخيّم كظلّ ثقيل فوقهما. كان صوت المحرّك وحده يقطع الصمت، بينما أنفاس فارس تتلاحق بحدةٍ غير مألوفة، كأن الغضب يسكن صدره ويأبى أن يهدأ.
كانت فتون تراقبه من طرف عينيها، تتردد في الحديث، تخشى أن تقترب من اللهيب فيحرقها. لم تره من قبل بهذه الهيئة، بوجهٍ متصلب، وعينين حمراوين كأنهما تدمعان نارًا.
همست بخوفٍ خافت:
"فارس... هل كل شيء بخير؟"
لم يُجب. ظلّ ينظر أمامه بعينين جامدتين، قبضته على المقود تكاد تحطّمه.
زاد توترها، فابتلعت ريقها وتابعت بصوتٍ مرتجف:
"ه... هل أنت بخير؟"
لم يلتفت إليها. الهواء داخل السيارة صار ثقيلًا، يكاد يخنقها، فخفضت رأسها وقالت بانكسارٍ مؤلم:
"أعتذر... أنا السبب في كل ما حدث... وفي كل ما سيحدث... آسفة يا فارس."
في تلك اللحظة، ضغط فارس على المكابح بقوةٍ جعلت السيارة تتوقف فجأة على جانب الطريق.
أغمض عينيه بعمق، كأنه يحاول أن يخرج غضبه مع أنفاسه، ثم أسند رأسه إلى المقعد وتنهد تنهيدةً طويلة حملت كل ما في صدره من سمومٍ واحتقان.
حين فتح عينيه، التفت نحوها ببطء، كانت عيناه لا تزالان تلمعان بحدةٍ جارحة، لكنه تحدث بنبرةٍ عميقةٍ صارمةٍ لا تقبل نقاشًا:
"أنتِ... مهما حدث، ومهما سيحدث، إن سمعتك تعتذرين لي أو لغيري مرةً أخرى، سألقنك درسًا لن تنسيه ما حييتِ."
ثم رفع صوته قليلًا بأمرٍ قاطعٍ حاسم:
"أفهمتِ؟"
ارتجفت فتون في مقعدها، شعرت أن صوتَه اخترقها حتى أعماقها، فأومأت برأسها بسرعةٍ وهي تهمس بخوفٍ واضح:
"ن... نعم، فهمت."
أدار فارس وجهه بعيدًا عنها، وأسند مرفقه إلى النافذة، يفرك جبينه في تعبٍ واحتقان، كأنه يحاول طرد صورة سمر وكلماتها التي لا تزال تطنّ في رأسه. كانت أعصابه تمزقه، وكل ما يفعله لا يكفي ليُسكت العاصفة التي بداخله.
عاد الصمت مجددًا، لا يُسمع إلا هدير الطريق. كانت الجامعة لا تزال بعيدة، والوقت يمرّ ببطءٍ ثقيلٍ كأنه يختبر صبرهما.
رفعت فتون نظرها نحوه بخجلٍ وتردّد، ثم قالت بصوتٍ واهنٍ كمن يجمع شجاعته:
"ألَن تتحدث بشأن ما حدث أمس؟"
ثم أكملت بارتباكٍ أكبر وهي تُشاح بوجهها بعيدًا:
"أ... أتريد أن تفسر لي؟"
تجمّد فارس للحظة، وصمت، كأن السؤال أعاده فجأة إلى ما كان يحاول الهروب منه.
بدا على وجهه أثر صراعٍ داخليٍّ عنيف، بين ما يشعر به وما لا يريد الاعتراف به...
رفع بصره إلى الطريق مجددًا، وعيناه تلمعان بظلٍ من شيء لم تفهمه فتون بعد.
قال بصوتٍ خافتٍ لكنه حادّ:
"بعض الأشياء يا فتون... لا تُفسَّر بالكلمات."
ثم ضغط على دواسة البنزين، فانطلقت السيارة بسرعةٍ مفاجئة، تاركةً خلفها كل ما لم يُقَل... وكل ما لن يُقال قريبًا.
********
وصلت السيارة أخيرًا إلى بوابة الجامعة، توقفت ببطءٍ كأنها تتنفس التعب الذي ملأ المسافة بينهما.
كان فارس صامتًا طيلة الطريق، جبهته متصلبة، وعيناه جامدتان لا تنطقان إلا بالغضب.
ما إن توقفت السيارة حتى استدار نحوها بملامح جامدة، وقال بصوتٍ يحمل من التهديد أكثر مما يحمل من الهدوء:
"إن رأيتك يومًا تصاحبين شابًا... أو تتحدثين مع أي رجلٍ لا شأن لكِ به... فسأعلّمك معنى التربية من جديد، فتون."
اتسعت عيناها في ذهول، رمقته بغرابةٍ ممزوجةٍ بالجرح، وقالت بسخريةٍ ناعمةٍ رغم ارتجاف صوتها:
"وماذا تأمرني أيضًا يا سيدي؟"
لم يجبها في البداية، كان غضبه ما يزال يعصف داخله كريحٍ عاتية.
حين وقعت عيناه عليها أخيرًا، لم يلحظ ما ترتدي إلا الآن...
تشيرت واسع بلونٍ هادئ، وبنطالٌ ضيّقٌ يبرز ملامح جسدها الناضج على غير عادتها.
تجمّدت نظراته للحظة، ثم احتدت ملامحه وزفر بحدةٍ قائلاً بنبرةٍ متوترةٍ تكاد تنفجر:
"مصرّون على أن تجعلوني أجنّ...!"
نظرت إليه فتون بدهشةٍ أكبر، لم تفهم سبب تلك الثورة التي تشتعل في كل مرة دون سببٍ واضح.
كانت تحدّق فيه بصمتٍ متسائل، فيما هو يقاوم انفعالاتٍ لا يدركها تمامًا، يحاول أن يلجم غضبه لكنه يفشل في كل مرة تراها فيها عيناه بهذا الشكل.
اقترب قليلًا، نظر إليها بحدةٍ أخفّ، لكن نبرته جاءت صارمةً لا تخلو من التفاوض:
"ملابسك، فتون..."
عقدت حاجبيها مستنكرةً وقالت بتعجبٍ بريء:
"ماذا بها؟"
ردّ بسرعةٍ حادّةٍ كأن الجواب كان ينتظره على طرف لسانه:
"ألا ترين ما بها؟"
هزّت رأسها نفيًا، فارتفع صوته قليلًا وهو يقول بنبرةٍ تحمل كل ما يحاول كبته:
"ضيّقة! مفاتنكِ ظاهرة أكثر مما يجب... ألا ترين كم أصبحتِ أنثى؟ كم نضج جسدك؟!"
تجمّد الهواء بينهما.
كلماته سقطت كحجرٍ في بحيرة هادئة، أحدثت ارتجافًا في قلبها قبل أن تلهب وجنتيها بحمرةٍ خجولةٍ فاضحة.
تسارعت أنفاسها، وارتعشت أصابعها على حقيبتها، لم تدرِ ماذا تقول، ولا كيف تنظر إليه بعد ما قال.
شعرت بالحرج، بالخجل، بالغضب... بكل شيء في وقتٍ واحد، ففتحت باب السيارة بعنفٍ وخرجت بخطواتٍ سريعة، دون أن تلتفت إليه، كأنها تهرب من نفسها لا منه.
ظلّ فارس يراقبها من مقعده، ثم تنهد، وابتسم ابتسامةً خفيفةً رغم الغضب الذي ما زال في صدره.
"حتى الآن... ما زالت تلك الوجنتان تخونانها حين تغضب أو تخجل..."
هزّ رأسه بضعفٍ واستغفر بصوتٍ خافت، كأنه يطلب من نفسه العفو قبل أن يطلبه من الله.
فتح باب السيارة، ترجل منها بخطواتٍ ثابتةٍ رغم اضطرابه الداخلي.
عيناه تابعتا فتون وهي تمشي بخطواتٍ سريعةٍ نحو بوابة الجامعة، شعرها العسلي يتراقص مع الريح، وملامحها الغاضبة تزداد جمالًا رغم انفعالها.
قرر في نفسه أن يضع عليها مراقبة دائمة، ليس بدافع الشكّ فقط، بل بدافعٍ آخر لا يريد الاعتراف به... خوفٌ غريب لا يدرى له سببًا.
كانت فتون تظن أنه غادر، حتى أوقفتها صديقتها ريم بابتسامةٍ صغيرةٍ وهي تقول:
"ألَيس هذا أخاكِ؟"
استدارت فتون بدهشةٍ لتجد فارس يقف على بُعد أمتار، يرمقها بعينٍ حادةٍ لا تُقرأ، وملامح صامتةٍ تحمل أكثر مما تنطق.
ارتبكت، ثم قالت بصوتٍ واهنٍ وهي تشيح بوجهها:
"أجل... أخي."
لكن قلبها في تلك اللحظة، كان يعلم تمامًا أن شيئًا في علاقتهما تغيّر...
تغيّر للأبد.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
في صباح اليوم ذاته، وبعد أن اختفت فتون بين مباني الجامعة، اتجه فارس بخطواتٍ ثابتةٍ نحو مكتب العميد.
كان يدرك أنه يتجاوز الحدود، لكنه لم يعد يحتمل فكرة أن تمسّها ذرة سوء، أو أن تتعرض لأيّ أذى ولو عابرٍ من نظرةٍ أو كلمة.
دخل المكتب دون استئذانٍ تقريبًا، صوته جهوريٌّ هادئ، لكنه يحمل في نبراته ثقل السلطة والتهديد المبطّن.
قال للعميد وهو ينظر إليه نظرةً مباشرة:
"الفتاة فتون مصطفى... أعتبرها تحت رعايتك المباشرة. لا أريد أن يصلها أي أذى، ولا أن تقترب منها أي مشكلة، أو أحد من الطلاب... أتفهَم؟"
كان العميد يعرف تمامًا من يكون فارس، يعرف نفوذه، واسم عائلته الذي يُفتح أمامه كل باب.
ابتسم بخفوتٍ وقال محاولًا الحفاظ على هدوئه:
"بالطبع، أستاذ فارس... لا تقلق، الطالبة ستكون في أمانٍ تام."
أومأ فارس دون أن يطيل الحديث، عيناه حادتان كأنهما تضعان تحذيرًا لا يقبل الجدال.
ثم استدار مغادرًا، تاركًا خلفه أثرًا من الصمت والتوجس في المكان.
وفي طريق خروجه من البوابة، لمحها من بعيد...
كانت تقف مع صديقتها ريم، والشمس تلامس شعرها العسلي المتراقص مع نسمات الصباح، فتنثر منه خيوطًا ذهبية حول وجهها المشرق.
ضحكت بخفةٍ وهي تمسك بكتبها، فظهرت رقبتها الرقيقة كوشمٍ للبراءة... براءةٌ أربكته أكثر مما أثارته.
وقف للحظةٍ يراقبها بصمتٍ حائر، وكأن الزمن توقف عند تلك الصورة.
لم يرد أن يغضب، لكن الغضب وجد طريقه إليه رغمًا عنه، فزمّ شفتيه، وأشاح بوجهه وهو يتمتم:
"اللهم ثبّتني..."
سار نحو سيارته بخطواتٍ ثقيلةٍ كأنها تجرّ وراءها نارًا لا تنطفئ.
وفي طريقه إلى الشركة، كانت الفتيات من حوله يملأن الممر بنظراتٍ مائلةٍ ومغازلاتٍ خفية؛ إحداهن تتحدث أمامه بمياعةٍ ظاهرة، وأخرى تتصنع عثرةً قربه لتجذب انتباهه، وثالثة تحاول الاقتراب من فتون لتتقرّب منه من خلالها...
لكن فارس لم يرَ في الوجوه إلا وجهًا واحدًا.
لم يسمع في الضجيج إلا ضحكتها الصغيرة التي علقت في أذنه منذ لحظات.
كل ما حوله صار بلا معنى.
ركب سيارته متجهًا نحو الشركة، وقلبه مشتعلاً بنيرانٍ لا اسم لها، لا يعرف أهي الغيرة أم الغضب أم الحماية الزائدة التي فقدت حدودها.
ما إن وصل إلى مكتبه حتى أخرج هاتفه وضغط الرقم الذي يحفظه جيدًا.
جاءه صوت والدته حنان بنبرتها الدافئة المعتادة:
"نعم يا فارس، خيرًا يا ابني؟"
لكن صوته جاء حادًا لا يعرف اللين:
"أمي... ألم أوصِكِ بمتابعة فتون؟ ألم أخبركِ أكثر من مرة أن تراقبيها؟!"
صُدمت حنان من نبرته وقالت بقلقٍ واضح:
"ما الأمر يا فارس؟ ماذا حدث؟ هل ضايقها أحد؟"
أجاب بحدةٍ أكبر:
"ضايقها لباسها يا أمي! ضايقني أنا! كيف تسمحين لها بالخروج بهذا الشكل؟!"
سكتت حنان للحظة، ثم قالت بهدوءٍ متزن:
"يا فارس، إنها فتاة، تكبر وتتعلم وتعيش عمرها الطبيعي، لا تخنقها بخوفك الزائد..."
قاطعها غاضبًا:
"خوفي الزائد؟ إن كنتِ لا تدركين معنى الخطر فدعيني أنا أتحمّله وحدي!"
ارتفع صوته حتى كاد زجاج المكتب يرتجف، ثم صمت فجأة وهو يدرك أنه يفرغ غضبًا لا يعرف مصدره الحقيقي.
تنفس بعمق، وأغلق الخط دون وداع.
جلس على مكتبه، ألقى هاتفه بقوةٍ، ثم أسند رأسه إلى المقعد وأغمض عينيه.
وفي داخله سؤالٌ واحدٌ يلحّ عليه كطعنةٍ صامتة:
لماذا لا يطيق فكرة أن يراها أحدٌ سواه؟
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
كانت سمر تهبط السُّلَّم بخطًى متمايلة، يتأرجح شعرها المصفّف بعناية فوق كتفيها، وقد ارتدت فستانًا ضيّقًا يُظهر أكثر مما يُخفي.
رفعت حنان نظرها من فنجان قهوتها، تأمّلتها طويلًا قبل أن تتحدث بنبرةٍ هادئة تخفي وراءها استياءً دفينًا:
> "ملابسكِ يا سمر... ألا ترينها غير مناسبة لأجواء العائلة؟ أخشى عليكِ يا ابنتي من حديث الناس، فالكلمة قد تجرّح أكثر من السيف."
توقفت سمر عند آخر درجة، أمالت رأسها قليلًا ونظرت إليها بابتسامةٍ باردة وقالت بلامبالاةٍ واضحة:
> "أمّ زوجي العزيزة... أنا لا أملك وقتًا لأفكر بحديث الناس. العالم تغيّر، ولم يعُد يعيش في قوالب الماضي.
دعينا من ذلك... فصديقاتي ينتظرونني، إلى اللقاء."
تجاوزتها بخطًى رنانة، وعطرها الثقيل يملأ المكان كأنه إعلان تمرّدٍ صامت، بينما ظلت حنان تحدّق في ظهرها المبتعد بنظرةٍ ممزوجةٍ بالأسى والدهشة.
تمتمت بصوتٍ خافت وهي تستغفر الله:
> "فتاة لا تستحي... عفانا الله من زمانٍ باتت نساؤه يجهلن الحياء."
ثم مالت رأسها قليلًا وهي تُعيد المشهد في ذهنها... هناك شيء لم يكن طبيعيًا.
حدّقت نحو الباب الذي غادرت منه سمر، وبهمسٍ مرتبك قالت:
> "وجهها... نعم، كان متورّمًا قليلًا."
تسارعت أنفاسها، وارتجفت شفتاها بخوفٍ مباغت:
> "يا ربّ السّماوات... أيمكن أن يكون فارس قد ضربها؟!"
وضعت يدها على صدرها، تتلفّت حولها بارتباك، وكأنها تخشى أن تسمع الجدران ظنّها، ثم تمتمت بوجلٍ صادق:
> "استر يا الله... ما الذي يجري في هذا البيت؟"