همس الريش - الفصل الثالث: المواجهة مع الأب - بقلم خلود رائد صالح - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: همس الريش
المؤلف / الكاتب: خلود رائد صالح
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث: المواجهة مع الأب

الفصل الثالث: المواجهة مع الأب

الفصل الثالث: المواجهة مع الأب ​كان الصمت في الغرفة ثقيلاً، حتى أن أنفاس ميرو بدت كصوت مرتفع في أذنه. عيناه بقيتا معلقتين على الحبل الممدود من النافذة، بينما طرقات الخادم تتلاشى خلف الباب. لكن الجملة الأخيرة التي قالتها... "والدك يريد التحدث معك عن ليلة الأمس..." كانت كفيلة بأن تجمد الدم في عروقه. ​تراجع خطوتين إلى الخلف، وأغلق النافذة ببطء، ثم جلس على حافة السرير. أخذ نفساً عميقاً، وحاول استدعاء هدوءه... لكن قلبه يقرع مثل طبول الحرب. بعد دقائق، جاء صوت آخر، أكثر ثباتاً، أكثر ثقلاً... "ميرو... افتح الباب." ​لم يكن هذا صوت خادم. كان هذا صوت الرجل الذي نشأ وهو يخشاه أكثر مما يحبه. فتح ميرو الباب على مهل. في الممر، وقف والده، طويل القامة، كتفاه العريضتان تحملان عبء سنوات من القتال، وعيناه بلون أخضر داكن تلمع فيهما الحدة والصرامة. كان جناحاه مطويين خلف ظهره، بيضاويتين، نظيفين كما لو أنهما لم يبلوا قط... لكن ميرو يعرف أن الحقيقة ليست كذلك. قال الأب، وهو يتجاوز عتبة الغرفة دون دعوة: "كنت مستيقظاً حتى وقت متأخر الليلة الماضية... فوق غرفتنا. أسمع خطواتك، أسمعك تفتح الأدراج، تتحرك في أرجاء الغرفة، وآلة الموسيقى؟" ألم أقل لك إنها عطلة منذ أشهر؟ ابـتلع ميرو ريقه، وقال بصوت متقطع: "كنت... أقرأ... ووجدت صورة غريبة في أحد الكتب، جعلتني أقفز من مكاني... ثم حاولت تشغيل الموسيقى لأهدأ، ولم أكن..." ​قاطعه الأب بحدة: "كفى. لا تبرر قبل أن أطلب منك... ماذا كنت تفعل حقاً؟" ​وقف ميرو صامتاً، أصابعه تتشابك ببعضها، وعرقه يبرد على جبينه. كان يعرف أن أي كلمة خطأ ستجعله سجين هذه الغرفة إلى الأبد. اقترب الأب، نظر مباشرة في عينيه، وقال بصوت منخفض لكنه مملوء بالقوة: "هناك شيء تخفيه عني، أليس كذلك؟" ​تردد ميرو، ثم قال فجأة، بصوت أقرب للانفجار: "نعم! أخفي أنني لم أعد أحتمل العيش هنا! أخفي أنني لست ابنك، وأنني لم أطلب يوماً أن أكون جزءاً من هذا المكان! أخفي أن كل ما فعله هو محاولة الهرب من سجنك!" ​ساد صمت ثقيل، كأن الجدران نفسها انحنت لتستمع. ارتجف فم الأب للحظة، ثم قال: "ومن قال إنك لست أبني؟" "الخادمات... سمعتهم يتحدثن. قالوا إنكما تبنيتماني، لأن ابنكما مات. وهذا... يفسر كل شيء." ​زفر الأب طويلاً، وأدار وجهه نحو النافذة قبل أن يتكلم: "لم نلتقطك من الشارع. وجـدتك في إحدى المعارك... كنت رضيعاً، موضوعاً قرب امرأة... أو ما تبقى منها. جناحاك كانا أبيضين للحظة، ثم تغيرا بسرعة للون لم أرى مثله، قبل أن يستقرا على هذا الفضي الغامض. لم أعرف من كانت المرأة، ولا من أين أتت... لكني أخذتك معي، وربيتك كابني." ​التفت إليه، وصوته الآن مكسور، لأول مرة يراه ميرو هكذا: "ربما كنت قاسياً... ربما لم أفهم توترك... لكني لم أتوقف يوماً عن اعتبارك جزءاً مني." ​توقف الكلام فجأة. لون جناح الأب بدأ يتغير ببطء من الأبيض إلى الرمادي الداكن. لون لم يره ميرو من قبل. "الحزن..." ​همس ميرو، وكأنه اكتشف شيئاً مخفياً. لكن قبل أن يقول أي كلمة أخرى، استدار الأب وغادر الغرفة، تاركاً الباب مفتوحاً، وكأن هذا الباب لم يعد مهماً بعد الآن. ميرو وقف وحده، ينظر إلى الحبل المعلق من النافذة، ويعرف أن الرحيل هذه الليلة أصبح أمراً لا رجعة فيه. ​عبارة نهاية الفصل: "بعض الأبواب لا تُغلق... حتى لو أردنا ذلك." لغز: إذا كان الحزن يلون الأجنحة بالرمادي، فماذا يفعل الندم بها؟