صقر العدالة - الفصل الثاني عشر:عندما تسقط الأقنعة - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صقر العدالة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني عشر:عندما تسقط الأقنعة

الفصل الثاني عشر:عندما تسقط الأقنعة

الإبن المكلوم بفقدان الأم: كان الصباح الباكر في قصر إيفرونيا يحمل نعومة خادعة، كأنه يجهل أن القلب الذي كان ينبض في أعلى أبراجه قد توقف إلى الأبد. اكتشفت الخادمة العجوز جسد الملكة أورسولا عندما دخلت لتقدم لها الشاي الصباحي. صرختها قطعت صمت القصر كزجاج ينكسر. لم تمضِ دقائق حتى امتلأت الغرفة: الملك ثيودور شاحب الوجه، الأمير ليوس مرتعداً، الأمير إدموند المدعوم بيد خادمه تيرون، المستشار فاليريان بوجه حزين مصطنع، والقائدان فاروس وهيليوس واقفان كتماثيل من حجر عند الباب. الحكيم إلدريد كان ينحني فوق الجسد. "وفاتها كانت طبيعية. لا علامات للعنف. القلب توقف أثناء النوم، تعازيّ الحارة، جلالتكم." خرج الحكيم والخادمة. فاليريان تقدم. "خسارة فادحة للمملكة. لقد كانت رمزاً للاستقرار، تعازينا الحارة ياجلالة الملك." لكن ثيودور لم يسمعه. كان يقترب من السرير بخطوات ثقيلة، كأنه يمشي في حلم. وقف ينظر إلى أمه الميتة، جسدها الساكن وصوتها المفقود الذي كان يوماً مصدر رعبه، الآن هي مجرد جثة هامدة. "اتركوني بمفردي معها." قال بصوت أجش. تطلع الحاضرون إلى بعضهم. فاليريان أراد الاعتراض، لكن إدموند أشار بإيماءة خفيفة لتيرون الذي بدأ بإخراج الجميع. حتى ليوس، بعد تردد، خرج آخراً وأغلق الباب بخفة. بقي ثيودور وحيداً مع جثمان أمه. في الصمت الذي خيم على الغرفة، كان يمكن سماع دقات قلبه كآلة ضخمة. مد يده المرتعشة وأمسك بطرف الغطاء الحريري الذي يغطي وجهها. سحبه ببطء. ظهرت ملامح أورسولا. في الموت، بدت أصغر سناً، كأن السنوات القاسية والأسرار الثقيلة قد غادرت مع روحها. عيناها المغلقتان بدتا وكأنهما ترقدان في سلام أخيراً، سلام لم تعرفه في حياتها. جلس ثيودور على حافة السرير، يده تلامس خدها البارد. "أمي..." خرجت الكلمة منه وكأنها شوكة في حلقه. ثم بدأ يتكلم، بصوت هامس كأنه يخاف أن يوقظها. "كنتِ تخيفينني منذ كنت طفلاً. كنتِ تنظرين إليّ وكأنني سلعةً تُباع وتُشترى، لا إلى ابنٍ يتمنى أن ينال حُبك. علمتني أن العرش أهم من المشاعر، وأن المظهر أهم من الجوهر." توقف، دموع خفية بدأت تسيل على خديه وهو يمسك بيدها. "سامحتك على إجبارك ليّ بالزواج من ديجينا. سامحتك على تحكمك في كل قرارٍ اتخذته. سامحتك على دعمك لفاليريان ضدّي، على جعلي ملكاً بالاسم فقط، وكأنني دمية في قصرٍ ذهبي." يداه ارتعدتا وهو يمسك بيدها الميتة. "حتى على حرماني من شخصيتي، على جعلي ضعيفاً ومهزوزاً... حتى على ذلك، سأسامحك." ثم انفجر صوته، مليئاً بألم السنوات: "لكن كيف أسامحك على أمرك بقتل إيديث زوجتي؟ كيف أسامحك على قتل رايدن، طفلي الرضيع الذي لم أحضنه ولو مرة واحدة؟" كانت الدموع تتدفق الآن بغزارة، تبلل يد أمه الباردة. "جعلتِ شعبي يبغضني لأنني سمحت لكِ ولفاليريان بالحكم والتجبر بأسمي. جعلتِ مني شبحاً يخاف من ظله. وجعلتِ من مملكتي جحيماً، بينما نحن نعيش في جنة مزيفة." رفع وجهه نحو سقف الغرفة بتنهد عميق. "والآن ترحلين... وتتركينني وحدي بين كل هذا. بين كل تلك الذنوب التي لم أرتكبها بيدي، لكنني سمحت بها بضعفي." عاد ينظر إليها، وعيناه تحملان حزناً مختلطاً بشيء يشبه التحرر. "في الموت فقط، أصبحتِ أمي. لأن فراق الأمهات فقط يجعلنا نشعر بهذا الألم العميق." انحنى وقبّل جبينها البارد. ثم، بيد مرتجفة، أعاد الغطاء الحريري على وجهها، كأنه يغطي فصلاً كاملاً من حياته. نهض، ومشى نحو الباب. وعندما فتحه، كان وجهه قد تغير. لم يعد وجه الملك الضعيف المهزوز، بل وجه رجل قرر أن يدفن مع أمه آخر بقايا طفوله الخائفة. وكان فاليريان، الذي كان واقفاً في الممر، يرى هذا التغيير في عيني ثيودور. ورأى شيئاً أخافه أكثر من أي شيء: القرار. القرار الذي لا عودة عنه. وكان يعلم أن اللعبة قد تغيرت إلى الأبد. الاعتذار المتأخر: كان ظهيرة اليوم حارة بشكل غير معتاد، والشمس تلمع على كوخ سيلاس كأنها تريد أن تذيب هموم ساكنيه. أمام الباب، وقف الأربعة وقد أحاطوا بألفارد كحراس يقودون سجيناً. "يجب أن تتحدث معه." قال كاليب وهو يمسك بذراع ألفارد من اليمين. "أنا سآتي لاحقاً، أتركوني." حاول ألفارد التملص. "لاحقاً قد يكون متأخراً، أيها الأحمق." قال إسفين من اليسار. فجأة، وفي حركة مباغتة، رفع داريو ألفارد من الخلف كما يرفع كيس دقيق. "الكلام انتهى! ستفعل ما نقوله لك." "أيها المجنون، أنزلنــي!" صرخ ألفارد وهو يتلوى. لكن داريو كان أسرع. تقدم إلى الباب وطرقه ثلاث طرقات قوية. انتظروا. لا رد. طرق مرة أخرى. الصمت كان ثقيلاً. ألفارد، الذي كان يضحك رغم أنفه قبل لحظة، بدأ قلقه يتسلل. "لما لا يفتح؟" قام داريو هذه المرة بالطرق بقبضته القوية، ولكن الباب ظل مغلقاً والصمت ظل متماسكاً. عندها، انقلبت اللعبة الهزلية إلى شيء آخر. ألفارد حرر نفسه فجأة بقوة لم يتوقعها أصدقاؤه. "كفى!" اقترب من الباب وطرق برفق أولاً. "أبي؟" ثم، عندما لم يرد، ركل الباب بقدمه. الخشب القديم انفتح بصرخة احتجاج. "أبــي؟!" دخل مسرعاً، وتبعه الأصدقاء. الكوخ كان هادئاً بشكل مخيف. تقدم ألفارد نحو غرفة سيلاس، قلب ينبض كطبول الحرب. كان سيلاس مستلقياً على سريره، يبدو كأنه نائم بعمق. لكن شيئاً ما كان خطأ. النوم لم يكن هادئاً بهذا الشكل. "أبي." همس ألفارد وهو يجلس على حافة السرير. هز كتفه بلطف. "أبي، استيقظ، لقد أتيت." لا استجابة. يد ألفارد المرتعشة تمدت إلى عنق سيلاس تبحث عن النبض. كان موجوداً، لكنه ضعيف كخيط رفيع. ثم وضع يده على جبينه. الحرارة كانت مرتفعة. "أبــــي!" هذه المرة كانت صرخة ذعر. إسفين تحرك بسرعة. "فالاندر، أسرع!" في تلك اللحظة كان فالاندر قد توجه إلى المطبخ بالفعل. سماع الصراخ جعله يعود مسرعاً حاملاً وعاء ماء ومنشفة. دفع الجميع جانباً وجلس بجانب سيلاس. "حمى شديدة." قال وهو يفحص العجوز. "ربما من الغضب أو الإرهاق." ألفارد كان واقفاً مشلولاً، يحدق في أبيه الذي بدا فجأة هشاً كالزجاج. "إنه خطئي... كل هذا خطئي أنا..." "هذا ليس وقت اللوم وجلد الذات." قال داريو وهو يضع يده على كتف ألفارد. "ساعده الآن." بدأ فالاندر في العمل كطبيب ميداني ماهر. خلع القميص المتعرق عن سيلاس وبدأ يمسح جسده بالماء البارد. "إسفين، أحضر المزيد من الماء. كاليب، ابحث عن أي أعشاب خافضة للحرارة." ألفارد حاول المساعدة لكن يديه كانتا ترتعشان. بعدما قاموا بما يلزم، نظر فالاندر إلى الفارد، ثم إلى الآخرين. "هيا بنا لنخرج. الغرفة تحتاج إلى بعض المساحة للتنفس." خرجوا جميعاً باستثناء ألفارد الذي ظل جالساً على الأرض بجانب السرير. فالاندر همس له: "ابقَ بجانبه. لكن دع له مساحة للتنفس." بعد أن خرج، انهار ألفارد. يده أمسكت بيد أبيه المحترقة بالحمى. "أنا آسف... يا أبي أنا آسف جداً." الدموع التي كان يكتمها منذ أيام انفجرت كسد انهار. "لم أقصد أن أجرحك... لم أقصد أن أجعلك تخاف وتغضب مني... أنا فقط... أنا فقط أردت أن أكون الرجل الذي ربيتني لأكونه." كانت الكلمات تخرج بين النحيب. "علمتني أن أكون شجاعاً... وعندما كنت شجاعاً، غضبت مني! علمتني أن أكون صادقاً... وعندما كنت صادقاً مع نفسي، رفضتني!" ضغط على يد أبيه كما لو كان يحاول نقل حياته إليه. "لا تتركني... لا يمكنك أن تتركني. أنت كل ما أملك. أنت من جعل مني رجلاً... بدونك أنا لا شيء." فالاندر عاد حاملاً مشروباً عشبياً. "اسقه هذا. بعض القطرات الصغيرة." أخذ ألفارد الكوب بيدين مرتعشتين. رفع رأس أبيه بلطف وسقاه ببطء. بعض السائل سال على ذقن سيلاس، فمسحه ألفارد بحنان مفعم بالندم. "سيتحسن." قال فالاندر وهو يضع كمادات باردة على جبين سيلاس وجسده. "جسمه يقاوم. لكنه يحتاج إلى بعض الوقت... أما قلبه فهذا أنت من يمكنك شفاؤه." ألفارد ظل جالساً على الأرض، رأسه على حافة السرير، يمسك بيد أبيه. وكان يعرف أن فالاندر لم يكن يتحدث عن القلب الجسدي، بل عن القلب الذي كسرته كلماته القاسية، وقلب ابن ندم على أن يكون بطلاً بينما أبوه يريد منه فقط أن يكون ابناً. وبينما كانت الشمس تبدأ بالانحدار خارج النافذة، كان ألفارد يهمس الاعتذارات كدعاء، متمنياً أن تصل إلى أبيه في عالم الأعماق الذي هرب إليه، وأن تعيده إليه. لأن بعض الجروح لا تشفى بكمادات، بل بحضن واعتذار قد يأتيان متأخرين، لكن يأتيان. يد الشفاء وعودة الروح: كان الضوء الذهبي المتسرب من النافذة ينسج خيوطاً ساخنة على أرضية الكوخ الخشبية، حيث تجمع الغبار الذهبي كذرات ملتاعة من الزمن المتوقف. في قلب هذه المساحة المتواضعة، كان ألفارد جاثياً بجانب السرير كـ كائن منحوت من القلق والندم، يده اليسرى تمسك يد سيلاس المشتعلة بالحمى، واليمنى تبلل قطعة قماش في وعاء الماء البارد الذي تحول إلى فاتر من طول المكوث. كل حركة كانت تؤديها يداه تحمل دقة جرّاح ورهبة مُذنب. وفجأة، دقت طرقات على الباب، ثلاث دقات متزنة، تليها اثنتان أخف، النمط الذي اعتاد عليه سيلاس وأوليفر منذ سنوات. قبل أن ينهض ألفارد، انفتح الباب بخفة، ودخل أوليفر حاملاً سلة من القش، عيناه الزرقاوان تلتقطان المشهد في لمحة واحدة: ابن صديقه المنكسر بجانب السرير، والرجل الذي شاركه سنوات العمر ممدداً كجذع شجرة مقطوع. "سيلاس..." همس أوليفر. وضع السلة على الطاولة ببطء، كأنه يخشى أن يوقظه. "عمي أوليفر..." نهض ألفارد، ركبتاه تصطكان من طول الجلوس. "هو... أُصيب بالحمى..." "أعلم." قال أوليفر وهو يتقدم، يداه المتخشنتان تفحصان جبين سيلاس بحركة اعتيادية. "دعني أراه." لمدة دقيقة، كان الصمت يتخلله فقط صوت تنفس سيلاس الثقيل. ثم التفت أوليفر إلى ألفارد، وعيناه تحملان ذلك المزيج النادر من الحكمة والبساطة الذي امتاز به طوال حياته. "الغضب يحرق الجسد من الداخل كالنار في كومة قش جافة." قال أوليفر بصوته الهادئ العميق. "والقلب المكسور...يصنع سمّاً يقتل صاحبه ببطء." ثم أضاف، ونظرة أخبارية ثقيلة تمر على وجهه: "وآخر الأخبار من القصر... الملكة أورسولا قد رحلت. وجنازتها ستكون بعد ساعتين. والمملكة كلها في حالة من الصدمة." ألفارد حدق فيه، عيناه العسليتان تتسعان. "رحلت؟ كيف؟" "يقولون أن قلبها توقف. لكن..." توقف أوليفر، ثم أدار بصره نحو الباب حيث كان باقي الشباب ينتظرون. "لكن في القصر، الهمسات تحمل رياحاً أخرى." في تلك اللحظة، دخل إسفين وداريو وكاليب وفالاندر. كانوا يبدون وكأنهم جاؤوا من عالم آخر، وجوههم تحمل أخبار الموت بينما هم واقفون في كوخ يحمل أنفاس الحياة المتعثرة. "يجب أن نذهب." قال إسفين بحزم. "هذه فرصة قد لا تتكرر. فاليريان سيكون مشغولاً بالجنازة بالتأكيد، وثيودور في حالة ضعف، وإدموند لا يزال في فراش المرض." داريو أومأ، عضلاته المفتولة تبدو متوترة كأوتار قوس مشدود. "نعم، يمكننا المراقبة، أو ربما حتى جمع المعلومات..." لكن فالاندر، الذي كان يراقب ألفارد منذ دخوله، تقدم خطوة. عيناه الخضراوان تلتقيان بعيني ألفارد في صمت طويل، كأن حواراً كاملاً يدور بينهما دون كلمات. ثم قال، صوته ناعماً كالحرير لكنه حازم كالصخر: "أنت يجب أن تبقى هنا." "ماذا؟ لا، يجب أن أذهب معكم..." بدأ ألفارد. "لا." قطع عليه فالاندر، ولم يسبق له أن تكلم بهذه الحدة. "انظر إلى أبيك الآن... هو يشبه إناءً فخارياً عليه شقوق رفيعة. إذا تركتَه الآن، قد ينكسر تماماً. والانكسار في الفخار ليس كالانكسار في البشر، بعض القلوب إن كُسرت لا يمكن ترميمها مرة أخرى." كاليب تقدم ووضع يده على كتف صديقه. "إنه محق. عمي سيلاس يحتاجك الآن أكثر مما تحتاجك إيفرونيا." "لكن..." نظر ألفارد إلى سيلاس الشاحب، ثم إلى أصدقائه المتأهبين. كان قلبه ينقسم إلى نصفين: نصف يريد البقاء مع الرجل الذي رباه، ونصف يشعر بنداء الواجب نحو مملكة تنزف. إسفين فهم الصراع الداخلي. "سنعود وسنخبرك بكل شيء. كل تفصيلة. وحتى إذا حدث شيء... سنرسل لك إشارة." داريو أضاف وهو يمسك فأسه: "وعدنا لك... أننا سنكون عيونك وآذانك هناك، لا تقلق." تطلع ألفارد إلى أوليفر الذي كان يهز رأسه بالموافقة الصامتة، ثم إلى فالاندر الذي وقف كحاجز بينه وبين الباب، ليس بقوة الجسد بل بقوة الحقيقة التي نطق بها. أخيراً، تنهد ألفارد تنهيدة عميقة كمن يغوص في أعماق البحر ويقرر البقاء في القاع. "حسناً. سأبقى. ولكن..." نظر إليهم واحداً تلو الآخر، عيناه تحملان ذلك البريق الذي جعلهم يتبعوه منذ البداية. "كونوا حذرين. فاليريان قد يكون أذكى من أن ينشغل بالجنازة." بعد أن غادروا، واحداً تلو الآخر كظلال تنسحب مع النهار، بقي ألفارد مع أوليفر في الكوخ. صوت خطواتهم اختفى في الطريق الترابي، وحل مكانه صمت ثقيل لا يقطعه سوى تنفس سيلاس المتقطع وحفيف الأشجار خارج النافذة. "ساعده." قال أوليفر وهو يخرج أعشاباً مجففة من السلة. "المريض يحتاج إلى أكثر من الدواء. يحتاج إلى سبب للعودة." جلس ألفارد مرة أخرى بجانب السرير. أخذ قطعة القماش وبدأ يمسح جبين أبيه بحركات دائرية لطيفة، كأنه يمحو ليس العرق فقط بل أياماً من الإهمال. الماء البارد كان يلامس جلد سيلاس المحترق، وكل مرة كان ألفارد يعتقد أن الحرارة تنخفض قليلاً، أو ربما كان ذلك مجرد أمنية في قلبه. مرت ساعة. الشمس بدأت تميل نحو الغرب، وضوء الظهيرة الحار تحول إلى ذهب خفيف يلطف حدة العالم، كان أوليفر قد غادر الكوخ ليلحق بالشباب. ألفارد كان قد انغمس في روتين العناية: تغيير الكمادات، ترطيب الشفاه الجافة بالماء، تعديل الوسادة، همسات اعتذار تخرج بين الحين والآخر. ثم، كما يحدث أحياناً عندما ينفذ الصبر وينتهي الخوف، حدثت المعجزة الصغيرة. إصبع في يد سيلاس تحرك. ليست رعشة، بل حركة واعية، إصبع السبابة ارتفع قليلاً ثم انخفض على راحة يد ألفارد. توقف ألفارد عن التنفس للحظة. حدق في اليد كما لو كانت تحمل رسالة من عالم الأموات. "أبي؟" تحركت الجفون. ببطء شديد، كأجنحة فراشة تخرج من شرنقتها بعد شتاء طويل. ثم فتح سيلاس عينيه. لم تكن عينَي مريض يستيقظ من نوم عميق. كانتا عينَي رجل عاد من رحلة طويلة في أرض الألم. غائمتان في البداية، ثم بدأتا بالتركيز. رأتا سقف الكوخ أولاً، ثم انتقلتا ببطء حتى وقعتا على وجه ألفارد المنحني فوقه. "أ... ألفارد..." خرج الاسم من شفتيه الجافتين كورقة خريف تتساقط. "أنا هنا، يا أبي." أمسك ألفارد بيديه، دموعه بدأت تسيل دون أن يشعر. "أنا هنا، لن أذهب إلى أي مكان." حدقت عينا سيلاس في وجه ابنه، وكأنه يراه للمرة الأولى. ثم بدأت الدموع تملأ عينيه العجوزتين أيضاً. "ظننت... ظننت أنك لن تعود أبداً." "لا، يا أبي، لقد عدت، و لن أتركك أبداً." انحنى ألفارد حتى أصبحت جبهته تلامس جبين أبيه. "أنا آسف... آسف على كل كلمة جرحتك بها... آسف لأنني جعلتك تخاف عليّ... آسف لأنني نسيت أن حُبك كان دائماً أكبر من أي مغامرة." سيلاس رفع يده المرتعشة، وضعها على خد ألفارد. "لا... أنا من يجب أن يعتذر. رأيت فيك البطل الذي لم أستطع أن أكونه يوماً... وخفت أن أفقد هذا البطل كما فقدت كل شيء آخر في حياتي." "لن تفقدني أبداً." قال ألفارد بينما كانت دموعه تختلط بدموع أبيه. "أنت من صنعني. من جعل من طفلٍ ضائعٍ رجلاً. حتى لو طار الصقر عالياً، فإنه يعود دائماً إلى العش الذي وُلِد فيه." سيلاس حاول الجلوس، فأعانه ألفارد بلطف، ووضع وسادة خلف ظهره. يده كانت تلمس وجه ابنه، تتعرف على ملامحه كأعمى يقرأ كتاباً محبوباً. "عندما ضربتك... شعرت كأن يدي احترقت. وكأنني ضربت جزءاً من روحي." "كنت أستحقها." قال ألفارد وهو يبتسم عبر الدموع. "كنت غبياً ومتغطرساً. وأردت أن أكون بطلاً ينقذ الضعفاء بينما كنت أحتاج أولاً أن أكون ابناً باراً بأبيه." احتضنه سيلاس فجأة، بقوة مفاجئة لا تتوقعها من رجل مريض. كان حضناً يختصر ستة وعشرين عاماً من الأبوة، كل الخوف، كل الفخر، كل الحب الذي لم يستطع التعبير عنه بكلمات. "أنت ابني." همس سيلاس في أذنه، صوته يرتجف كوتر مضروب. "سواء كنت فلاحاً أو فارساً، بطل أساطير أو مجرد رجل بسيط... أنت جزء مني، وروحي، والسبب الذي جعل لحياتي معنى بعد أن فقدت كل شيء." بقي الاثنان متعانقين لدقائق، وكأن الزمن توقف خارج جدران الكوخ. عندما أطلق سيلاس ألفارد من حضنه، كانت عيناه تلمعان بضوء جديد. "أشعر... كأن الحمى تركت جسدي. لكنني أُصيبت بجوع الذئاب." ضحك ألفارد ضحكة مكتومة، الصوت الأول للفرح بعد أيام من الظلام. "ماذا تريد أن تأكل؟ أي شيء، سأصنعه لك." فكر سيلاس قليلاً، ثم ابتسم ابتسامة ماكرة. "أتذكر ذلك الحساء بالعدس والبصل الذي كنت تكرهه عندما كنت طفلاً؟" "حساء العدس؟ لكنك تعلم أنني..." "بالضبط." ضحك سيلاس ضحكة مجلجلة عادت إلى الكوخ بعد غياب طويل. "أريد أن أرى الولد الذي يكره العدس وهو يطبخ ليّ الحساء. لأتأكد أن الاعتذار كان صادقاً." وقف ألفارد، وعيناه تلمعان بمزيج من الامتنان والحب. "سأصنع لك أفضل حساء عدس في تاريخ إيفرونيا. حتى لو جعلت عينايّ تدمعان من رائحة البصل لا يهم." قبل أن يتحرك، انحنى وقبل جبهة أبيه. "أنا أحبك، يا أبي. أكثر مما تتصور." "وأنا أحبك، يا بني." قال سيلاس وهو يمسح دموع ألفارد بإبهامه الخشن. "الآن اذهب، قبل أن أتضور جوعاً وأموت وتلك المرة لن أعود!" خرج ألفارد إلى المطبخ الصغير، وبدأ يعد الأدوات. صوت تقطيع البصل والجذر، ورائحة التوابل، وقدر المياه يغلي، كلها أصبحت أنغام سيمفونية للغفران والبدايات الجديدة. وفي الغرفة، جلس سيلاس مستنداً إلى الوسادة، عيناه تتابعان ظل ابنه وهو يتحرك في المطبخ. وشعر، لأول مرة منذ سنوات، بأن قلبه لم يعد يحمل ذلك الثقل القديم. لأن بعض الذنوب تغفر، وبعض القلوب تشفى، وبعض الحب يعود أقوى بعد أن يمر عبر نار الندم ويخرج منها كالذهب النقي. وكان يعلم أن ابنه قد يضطر للخروج مرة أخرى، ليواجه أعداءً ومخاطر. لكنه عرف أيضاً أن ألفارد سيعود دائماً. لأن العش، كما يعرف كل صقر حقيقي، ليس مجرد مكان من القش والأغصان. بل هو القلب الذي ينتظر، والذراعان المفتوحتان، والغفران الذي قد يتأخر، لكنه لا يفشل في المجيء أبداً. الرياح تتغير اتجاهها: كانت ساحة القصر الملكية في ذلك الظهيرة المشؤومة تبدو كمسرح ضخم منحوت من الحزن والرخام الأبيض. آلاف الوجوه تحتها مثل بحر بشري يموج تحت سماء ذهبية حارة. في المنتصف، على منصة عالية مغطاة بالحرير الأسود المطرز بخيوط فضية تشبه دموعاً متجمدة، وُضع تابوت الملكة أورسولا من خشب الأبنوس المنحوت، مغطى بقماش قرمزي بلون الدم المتخثر. وقف الملك ثيودور على المنصة، ظهره مستقيم لأول مرة منذ سنوات، كسيف قديم أُخرج من غمده ونُفض عنه غبار الزمن. وجهه كان محفوراً بتجاعيد عميقة كأخاديد في جذع شجرة عتيقة، لكن عيناه العسليتان كانتا تشعان بنارٍ جديدة، نار الخسارة التي تحولت إلى إصرار. على يمينه وقف الأمير ليوس، بشحوبه الذي أصبح جزءاً من ملامحه كظل لا يفارق جسده النحيل، وعيناه العسليتان الواسعتان تحدقان في التابوت كما لو كانتا ترسلان اعتذاراً أخيراً لجدة لم تعطه حباً قط. على يساره، الأمير إدموند مدعوماً بيد تيرون، الجرح في كتفه ما زال طرياً تحت الملابس لكن وقفته كانت صلبة كجذع بلوط عتيق، عيناه البنيتان تنتقلان بين الوجوه في الحشد كصقر يدرس أرض الصيد. وفاليريان... وقف على بعد خطوات، منعزلاً كجزيرة من الجليد في بحر من البشر. عباءته السوداء كانت تلتهم الضوء من حولها، ووجهه كان قناعاً من الشمع الأبيض الذي لا تعبره أي حركة. لكن عيناه الخضراوين الضيقتين كانتا كشقين في جليد بركاني، تنظران إلى ثيودور بتركيز مفترس. وسط الحشد، اختلط أوليفر وكاليب وفالاندر وإسفين وداريو مع العامة. داريو، بجسده الضخم، كان يشكل حاجزاً بشرياً يحميهم، بينما كانت عينا إسفين تنتقلان بسرعة خبيرة بين الحراس والنبلاء. كاليب كان يرتجف قليلاً، يده تضغط على ذراع أبيه من التوتر. وفالاندر وقف صامتاً، عيناه الخضراوان تثبتان على الملك ثيودور كما لو كان يرى شيئاً آخر وراء تلك الملامح المتعبة. رفع ثيودور يده. فعم صمتٍ مطبق على الساحة، صمت ثقيل كغطاء قماشي يُسحب على قبر. "شعب إيفرونيا العظيم..." بدأ صوته، وكان كدوي أنفجار في صباح بارد. "اليوم ندفن أمي. المرأة التي حملت اسم الملكة، وحملت معه أثقالاً قد لا يعرفها أحد سواها." توقف، عيناه تتجولان في الحشد. "لكن الموت ليس نهاية القصص. بل هو بداية لمساءلة الذات. وذاتي... ذاتي تحمل أسئلة كثيرة." نقل وزنه من قدم إلى أخرى، حركة صغيرة لكنها كانت كزلزال صغير لمن يعرفه. "لقد تركتُ أمور المملكة بين أيدي الآخرين، ظناً مني أن هذه هي الحكمة. لكن الحكمة الحقيقية ليست في تفويض السُلطة، بل في تحمل مسؤوليتها." في تلك اللحظة، التقت عيناه بعيني فاليريان. نظرة طويلة، صامتة، حاملة في طياتها كل السنوات من الخوف والتبعية. "ولذلك..." استمر ثيودور، صوته يرتفع قليلاً، "قررت أن أبدأ عهداً جديداً. عهد يكون فيه الملك ملكاً حقاً، والشعب شعباً حُراً حقاً." أخرج ورقة رق من ثنايا عباءته. الورقة كانت صفراء قليلاً، كأنها كتبت منذ زمن وانتظرت هذه اللحظة. "لذلك قررت الآتي." قال، وصوته أصبح حديدياً. "أولاً بموجب صلاحياتي كملك لإيفرونيا، قررت بأن يُعفى فاليريان المستشار الأول للملك، من منصبه الحالي. وُيعين بدلاً من ذلك مستشاراً للشؤون الداخلية الثانوية، بدون أي صلاحية مالية أو التدخل في شؤون الجيش أو التعيينات." موجة من الهمسات مرت في الحشد كريح في حقل قمح. لكن فاليريان لم يتحرك. فقط زاوية فمه اليمنى ارتفعت ميليمتراً واحداً، في ما يشبه ابتسامة شبحية لا تصل إلى عينيه. ثيودور لم ينتظر رداً. "وثانياً." نظر إلى ليوس ثم تابع. "بموجب قانون شؤون الحكم الذي ينص على ضرورة تعيين ولياً للعهد... فقد أتخذت قراري الأخير بهذا الشأن، وهو أن يُعلن الأمير ليوس، ابني ووريثي الوحيد، ولياً رسمياً للعهد. وسيبدأ فوراً في المشاركة الفعلية في حكم المملكة، تحت إشرافي المباشر." ليوس ارتعش، عيناه اتسعتا. لم يكن يتوقع هذا، ليس الآن، ليس بهذه العلنية. لكن ثيودور أومأ له بإيماءة خفيفة، فيها شيء من الاعتذار والفخر معاً. "وهذا ليس كل شيء." عاد ثيودور إلى الحشد. "سيتم خلال الأيام القادمة مراجعة جميع القوانين التي صدرت خلال السنوات العشر الماضية. كل ضريبة غير عادلة ستُلغى. كل حكم جائر سيعاد النظر فيه. كل أرض أُخذت من أصحابها ستعود إليهم." الآن، بدأت ردود الفعل الحقيقية. همسات تحولت إلى أصوات، ثم إلى ضجة منخفضة من الدهشة والأمل. إدموند ابتسم ابتسامة خفيفة، يده تضغط على مقبض سيفه. لكن ثيودور لم ينتهِ. "ولأن العدالة لا تنتظر..." التفت نحو فاروس وهيليوس اللذين كانا واقفين عند قاعدة المنصة. "فقد قررت بأن القائد فاروس والقائد هيليوس يُوقفان عن منصبيهما فوراً، وسيقدمان للمحاكمة بتهمة الاستبداد وإساءة استخدام السُلطة." هذه كانت الصاعقة. فاروس وهيليوس تبادلا نظرة ذهول. فهما كانا يظنان أن الإجراءات ستكون تدريجية، غير متوقعة بهذا الشكل من العلنية. فاليريان، لأول مرة، تحرك. تقدم خطوة واحدة إلى الأمام. "جلالة الملك، هذه إجراءات متسرعة. قد تزعزع استقرار المملكة." صوت ثيودور انطلق كالسيف حين رد: "الاستقرار الذي بُني على الظلم ليس استقراراً، بل هو سجن كبير. والمملكة لن تزعزعها العدالة، بل سيزعزعها استمرار الصمت على تلك الجرائم." نظرة تحدٍ كاملة تبادلها الرجلان. في عيني فاليريان، رأى ثيودور كراهية صافية لأول مرة، غير مخبأة وراء المجاملات. وفي عيني ثيودور، رأى فاليريان خوفاً حقيقياً، خوف الرجل الذي يرى سلطته تذوب كالثلج تحت شمس الربيع. "الجنازة ستستمر." أنهى ثيودور، صوته يعود هادئاً لكن حازماً. "ودفن الماضي سيبدأ من اليوم." بدأت المراسم الدينية، لكن لا أحد كان يستمع حقاً. العيون كانت تنتقل بين ثيودور وفاليريان، بين ليوس وإدموند، بين فاروس وهيليوس اللذين كانا ذراعي فاليريان قد أحاطا بهما بصمت. في الحشد، همس إسفين: "لقد أعلن الحرب." "بل أعلن السلام." صحح فالاندر، عيناه لا تزالان على ثيودور. "سلام يأتي بعد الحرب الطويلة التي خاضها مع نفسه." كاليب نظر إلى أبيه أوليفر الذي كان يهز رأسه بإعجاب مختلط بالقلق. "هل سينجح؟" "المهم أنه حاول." همس أوليفر. "وهذا أكثر مما فعله أي ملك في وضعه." داريو، الذي كان يراقب الحراس والوجوه، قال بإصرار: "يجب أن نذهب. فاليريان لن يتحمل هذه الإهانة. وسيرد." كان محقاً. فاليريان، الذي كان قد تراجع إلى الظل، كان يتبادل نظرات سريعة مع بعض الوجوه في الحشد رجال لا يلبسون الزي الرسمي، لكن عيونهم كانت تحمل برودة القتلة. لقد كان يعدّ رجاله. لكن إدموند كان أسرع. أشار إلى تيرون، الذي أومأ واختفى بين الحشد. خلال دقائق، بدأ حراس إدموند الشخصيون الذين لم يستطع فاليريان عزلهم جميعاً يتحركون على أطراف الساحة، يراقبون رجال فاليريان. كانت لعبة شطرنج حية، وقطعها ليست من خشب أو عاج، بل من لحم ودم وعزم ملكٍ قرر أخيراً أن يكون ملكاً. عندما انتهت المراسم وحُمل التابوت ليُدفن في المقبرة الملكية، بقي ثيودور واقفاً على المنصة. نظر إلى السماء، وكأنه يشعر بأن ضوء الشمس قد أخترق الظلام بداخله. ليوس اقترب منه. "أبي... لماذا لم تخبرني؟" التفت ثيودور إلى ابنه، وفي عينيه نظرة حنان لم يرها ليوس منذ طفولته. "لم أكن متأكداً من شجاعتي لإتخاذ قرار مثل هذا. لكن موت أمي... علمني أن بعض الفرص قد لا تأتي مرتين." "وفاليريان..." "سيرد." قطع عليه ثيودور. "ولذلك يجب أن نكون مستعدين. وأنت... ستتعلم. ليس لتحل مكاني فحسب، بل لتصبح أفضل مني." في تلك اللحظة، تحت سماء تتناقض بين الحزن والأمل، شعر ليوس بأن شيئاً في قلبه المريض بدأ يلتئم. ليس قلبه الجسدي، بل قلبه الروحي الذي كان يعاني من جوعٍ أشد من أي مرض: جوع الحب الأبوي، وجوع القيمة الذاتية. وفي الحشد المتبدد، التقت عينا فالاندر بعيني ثيودور للحظة. ولم يدرِ أي منهما أن هذه النظرة ستحمل في المستقبل أسراراً ستقلب كل الموازين. لكن في تلك اللحظة، كان كل ما في الأمر هو اتصال بين رجلين ضائعين في بحر من المسؤوليات، يبحث كل منهما عن شاطئ الأمان. أما فاليريان، فقد اختفى كما يختفي الثعبان في العشب. لكن الجميع يعرف أن الثعابين لا تموت عندما تنسحب، بل تتربص، وتعدّ أنيابها للدغة قد تكون قاتلة. واللعبة، كما يعرف كل من شهد هذا اليوم، لم تنتهِ. بل للتو بدأت جولتها الحقيقية. طرقات على باب التغيير: كان الليل قد سقط على كوخ سيلاس كقطعة قماش سوداء ثقيلة مرصعة ببريق النجوم البارد. داخل الكوخ، كان الدفء يتصاعد من المدفأة كحضن قديم، يلون الجدران الخشبية بلون العسل الذائب. سيلاس كان جالساً على كرسيه بجانب النار، بطانية صوفية ملفوفة حول كتفيه، ووجهه الذي كان شاحباً في الصباح قد عاد إليه شيء من اللون كتفاحة حمراء بعد الصقيع. ألفارد كان يحرك المرق في القدر، رائحة البصل واللحم المطبوخ ببطء تملأ المكان كذاكرة دافئة. كانت لحظة سلام نادرة، كفراغ بين موجتين عاتيتين. ثم سمعوا حوافر الخيل تقترب. ألفارد توقف، وضع الملعقة الخشبية بجانب الموقد. سيلاس رفع رأسه، عيناه العجوزتان تضيئان بضوء الحذر. "لقد عادوا." "وبسرعة كبيرة." قال ألفارد وهو يضع القدر جانباً. "وهذا يعني إما هناك أخباراً سارة جداً... أو سيئة جداً." انفتح الباب قبل أن يطرقوا. دخلوا الواحد تلو الآخر، يحملون معهم برودة الليل في ثنايا ملابسهم. إسفين أولاً، وجهه يحمل ذلك التعبير الحاد الذي يعرفه ألفارد جيداً، تعبير الرجل الذي رأى أكثر مما أراد. ثم داريو، كتفاه العريضان تبدوان متعبتين من حمل هموم لا تُرى. كاليب، عيناه الزرقاوان واسعتان من الدهشة المتراكمة. وأخيراً فالاندر، يدخل كظل هادئ، وأغلق الباب خلفه كأنه يقطع رابط تواصلاً مع العالم الخارجي. سيلاس نظر إليهم واحداً تلو الآخر. "يبدو أن السماء قد سقطت على رؤوسكم." "بل بدأت ترتفع عن رؤوسنا." قال إسفين وهو يسقط على كرسي. "ثيودور... فعلها." رووا القصة بالتفصيل، كلمة كلمة، نظرة نظرة. داريو يصف وقوف ثيودور على المنصة "كجبل يتحرك أخيراً". إسفين يحلل النظرات المتبادلة، لعبة الشطرنج الصامتة بين الملك والمستشار. كاليب يتحدث عن تعبيرات الوجوه في الحشد، الأمل الذي بدأ كبرعم أخضر في تربة متجمدة. وفالاندر... فالاندر كان صامتاً في البداية. ثم قال، وعيناه الخضراوان تلمعان في ضوء النار: "رأيت شيئاً في عيني ثيودور... شيء يشبه الاعتراف. ليس اعترافاً بذنب، بل اعترافاً بأنه كان طفلاً خائفاً وقد كبر أخيراً." سيلاس استمع بصمت، يداه تضغطان على ركبتيه. عندما انتهوا، تنهد تنهيدة عميقة كالريح في كهف مهجور. "إذاً فاليريان الآن ثعبان جريح. والثعابين الجريحة إما أن تموت... أو تلدغ من حيث لا نتوقع." ألفارد كان واقفاً عند المدفأة، ظهره لهم. سمع كل كلمة، وعقله كان يعمل كآلة محكمة. "عُزل من صلاحياته... لكن لم يُسجن بعد." "لكن كان يجب أن يكون هناك خطوة أولى." قال داريو. "ربما." التفت ألفارد، وعيناه العسليتان ذات الخطوط الزرقاء تلمعان بذكاء تكتيكي. "ثيودور ذكي أيضاً. لو كان سجنه مباشرة، لكان قد جعله بطلاً في عيون أنصاره. الآن، فاليريان مجرد مسؤول مخلوع. وهذا يجعله أضعف... وأكثر خطورة." "ماذا تقصد؟" سأل كاليب. "أقصد أن الرجل الذي يفقد سلطته ليس لديه ما يخشى أن يخسره." أوضح ألفارد وهو يبدأ بالتحرك في الغرفة الصغيرة، خطواته المقاسة ترسم مسارات التفكير على الأرضية الخشبية. "قبل اليوم، كان فاليريان يحمي منصبه، ثروته، نفوذه. أما الآن... الآن كل ما تبقى له هو الانتقام." إسفين أومأ. "هذا صحيح. لقد رأيت رجاله في الحشد. كانوا يتجمعون كالذباب على الجثة." "بالضبط." توقف ألفارد عند النافذة، حدق في الظلام خارجها. "والآن هو يعرف أن ثيودور لم يعد الدمية التي يحركها بالخيوط. وهذا يعني أن خطته التالية ستكون يائسة... وشرسة." سيلاس نظر إلى ابنه بفخر مختلط بالقلق. "وما خطتك أنت، أيها الصقر الذي يرى العاصفة القادمة؟" التفت ألفارد نحوهم جميعاً، وجهه يحمل ذلك التعبير الذي جعل منهم فريقاً، من جعل منهم عائلة. "يجب أن نكون مستعدين على ثلاث جبهات. الأولى: حماية ثيودور وليوس وإدموند. فاليريان سيستهدفهم بالتأكيد." "والثانية؟" سأل داريو. "الثانية: كشف شبكة فاليريان بالكامل. ليس فقط رجاله العلنيين، بل كل الخيوط الخفية. كل رشوة، كل تهديد، كل سر مخفي." نظر إلى إسفين. "وهذه مهمتك. أريد أسماء كل من يعمل معه، حتى أولئك الذين يظنون أنفسهم آمنين." إسفين ابتسم ابتسامة خبيثة. "لا تقلق... سأجعل الجدران تتكلم." "والجبهة الثالثة؟" سأل فالاندر بهدوء. "إنها الأهم." قال ألفارد، صوته يصبح أكثر جدية. "الشعب، يجب أن يعرف الحقيقة كاملة. ليس فقط عن فاليريان، بل عن كل السنوات الضائعة. وعندما يعرفون... سيكونون درعاً لا يمكن اختراقه." كاليب تقدم، حماسة الشباب تلمع في عينيه. "يمكنني المساعدة! يمكنني أن أنحت، أرسم، أنشر القصص..." "ليس قصصاً فحسب." قطع عليه ألفارد. "بل حقائق... وشهادات. كل من ظُلم، كل من عانى، كل من فقد أحباءه بسبب هذا النظام... صوتهم يجب أن يُسمع." ساد الصمت بينما كانوا يتأملون حجم المهمة. كانت كجبل يرونه للمرة الأولى، يعرفون أن عليهم تسلقه لكنهم لا يرون قمته بعد. ثم، فجأة... دق الباب. لم يكن دقاً عادياً. كانت ثلاث دقات متساوية، قوية لكن غير عدائية، كضربات مطرقة حداد على سندان من فضة. كلهم تجمدوا. "تُرى من يكون في هذه الساعة؟" همس سيلاس. داريو وقف، يده تنتقل إلى خنجر قريب. إسفين اتجه نحو الباب، عينه تلتقط أي شق يمكنه الرؤية منه. ألفارد أشار لهم بالهدوء، وتقدم. "من هناك؟" سأل، صوته محايداً. "رجل يبحث عن من لا يُرى." جاء الرد من الخارج، صوت رجل عجوز لكنه قوي، كجذع شجرة بلوط قديم ما زال صلباً. تبادل ألفارد نظرة مع سيلاس، ثم مع الآخرين. داريو أومأ، خنجر صغير في يده. إسفين وقف على الجانب الآخر من الباب، وخنجره جاهز. فتح ألفارد الباب. في عتبة الكوخ، واقفاً تحت ضوء النجوم البارد، وقف رجل في الخمسينيات من عمره. كان يرتدي ملابس فلاح بسيطة لكنها نظيفة، ومعطفاً من الصوف الداكن. شعره الأشيب المختلط بالأسود كان مربوطاً من الخلف. لكن ما لفت انتباه ألفارد كانت عيني الرجل، عينين حادتين تحملان في عمقهما ذكاء وخبرة تفوق عمره الظاهر. وفي يده اليمنى، الممسكة بعكاز خشبي بسيط، كانت تظهر ندبة واضحة: ثلاث أصابع مقطوعة، تاركة الإبهام والسبابة فقط. "اسمي براين." قال الرجل بصوت هادئ. "وقد أرسلني الملك." كلمات آخرها كان في الهواء، ثقيلة كحجر ألقى في بركة ساكنة. ألفارد لم يتحرك، لكن عينيه اتسعتا قليلاً. خلفه، سمع صوت أنفاس متسارعة، كان هذا كاليب. "الملك أرسلك؟!" قال ألفارد ببطء، كل كلمة تزن في الهواء. "ولماذا يُرسل الملك رجلاً إلى كوخ فلاحٍ بسيط في هذه الساعة المتأخرة؟!" ابتسم براين ابتسامة خفيفة، تجاعيد وجهه تتحرك كخرائط لطرق قديمة وقال وهو يدخل ويغلق الباب خلفه. "لأن هذا ليس كوخ فلاحٍ عادي. فالفلاّحون العاديون لا يستضيفون الرجل الذي يبحث عنه كل حراس المملكة." الكلمات سقطت في الغرفة كالصاعقة. داريو تقدم للأمام، خنجره يلمع في يده. إسفين أغمض عينيه للحظة، كأنه يحسب الخيارات. كاليب شهق. وفالاندر... بقي جالساً، لكن عينيه الخضراوين اتسعتا قليلاً. "أنا لا أعرف عمَّا تتحدث أنت." قال ألفارد، صوته بارداً كجليد الشتاء. "أنا مجرد ابن هذا الفلاح." قال وهو يشير إلى سيلاس الذي كان جالساً كتمثال متجمد من الصدمة. "ابنُ الفلّاح، الذي تُشبه عيناه تمامًا تلك العينين اللتين يتحدّث عنهما الناس، وقد أُخفِيَتا بقناعٍ على هيئة أجنحة صقرٍ أسطوري؟" سأل براين بلطف، وكأنه يطرح سؤالًا فلسفيًا. "الابن الذي يختفي في الأوقات التي يظهر فيها الصقر ثم يعود مجروحاً، يا ألفارد؟… أم يجب أن أناديك بصقر العدالة؟" أتسعت عيني ألفارد في تلك اللحظة، وقبل أن يرد، سمعوا من الخارج صوتاً غريباً. كان صوتاً مكتوماً، كأنين محاول قمع. ثم صوت ارتطام جسد بالأرض، خفيف لكن واضح في صمت الليل. ثم اثنين... ثلاثة... أصوات سقوط. داريو اندفع نحو النافذة، ونظر من الشق. "هناك رجال... يسقطون خارج السياج." ثم، فجأة، دق الباب مرة أخرى. لكن هذه المرة كانت الدقات متسرعة، ثلاث دقات قصيرة متتابعة. فتح إسفين الباب بحذر. وفي المدخل، واقفاً معتمداً على سيفه، كان الأمير إدموند. وراءه، تيرون الخادم، سيفه ملطخاً بالدماء في ضوء القمر. "معذرة على التطفل." قال إدموند، صوته ضعيفاً من الألم لكن واضحاً. "لكن رجال فاليريان كانوا يراقبون هذا المكان. كانوا يتبعونك يا براين." براين التفت بسرعة. "الامير إدموند؟!" "نعم، أنا." دخل إدموند، وتيرون أغلق الباب خلفهما. "الملك علم أن فاليريان يراقبك أن منذ غادرت الحانة معه. فأرسلني لأحميك... ولأحمي من ستقابله." نظرة إدموند انتقلت من براين إلى ألفارد، ثم إلى باقي الوجوه في الغرفة. عيناه البنيتان كانتا تدركان كل شيء: توتر داريو، حذر إسفين، ذهول كاليب، هدوء فالاندر... وألفارد الذي كان واقفاً في منتصف الغرفة، كصقر حوصر في قفصه. "يبدو أنني قطعت محادثة هامة." قال إدموند وهو يتكئ على الطاولة الخشبية. ألفارد حدق في إدموند، ثم في براين، ثم عاد إلى إدموند. كان عقله يعمل بسرعة. السر قد كُشف. ليس فقط هوية صقر العدالة، بل مكان اختبائه. وها هو ابن عم الملك واقف في كوخه، يعرف كل شيء. "لماذا أتيت أنت شخصياً يا سمو الأمير؟" سأل ألفارد، صوته يحمل شيئاً من الاستسلام المقنع. "لأن الرسائل التي يحملها الرجال المهمون يجب أن تصل بأيديهم." قال إدموند، ثم نظر إلى براين. "أظن أنك لم تكمل رسالتك." براين أومأ، ثم التفت إلى ألفارد. "الملك يريد مقابلتك. وجهًا لوجه. بدون أقنعة، بدون ألقاب. حاكم و شاب يريد العدالة." الآن، مع وجود إدموند الشاهد الحي، لم يعد هناك مجال للإنكار فقد سقطت الأقنعة أيها السادة. ألفارد نظر إلى سيلاس. العجوز نهض ببطء، وبطانيته تسقط من على كتفيه. "القرار قرارك، يا بني." قال سيلاس بصوته الأجش. "لكن الآن... الآن يعرفون. والصقر قد عُرف عشه." تطلع ألفارد إلى أصحابه. داريو هز رأسه، ليس رفضاً بل دعوة للحذر. إسفين رفع حاجبه، علامة على "الأمر أصبح أكبر منا". كاليب كان شاحباً لكنه أومأ بتشجيع خفيف. وفالاندر... فالاندار قال كلمته الأولى منذ دخول إدموند: "الحقيقة كالنهر، يا ألفارد. يمكنك أن تبني سداً لتوقفها، لكنها ستجد مساراً آخر. والأفضل أن تتركها تجري، وتتعلم كيف تسبح مع التيار." أخذ ألفارد نفساً عميقاً، ثم نظر إلى إدموند. "إذا كانت هذه مصيدة..." "لو كانت مصيدة، لكنت جئت بمائة جندي، لا بخادم واحد." قطع عليه إدموند. "وجئت بنفسي لأنني جريح، ولا يشك أحد في أن الجريح يذهب في مهمة سرية في منتصف الليل." كانت المنطقية مؤلمة في وضوحها. إدموند كان على حق. "متى؟ وأين؟" سأل ألفارد أخيراً. "غداً. بمنتصف الليل. في غابة البلوط الشرقية." قال براين. "الملك سيكون هناك وحده. وأنت ستأتي وحدك." "وكيف أضمن أنني آمن؟" "لأنني سأبقى هنا." قال إدموند فجأة. كل العيون التفتت إليه. "سأبقى في هذا الكوخ." أكد إدموند، وعيناه تلتقيان بعيني ألفارد. "كرهينة طوعية. إذا لم تعد سالماً... فإن أصحابك هنا سيفعلون بي ما يرونه مناسباً. والملك... الملك سيفقد ابن عمه." كانت ضمانة لا يمكن تجاهلها. أمير، رهن إشارتهم. ألفارد نظر إلى سيلاس الذي أومأ مرة أخرى، ثم إلى إدموند الذي كان واقفاً متكئاً على الطاولة، جرحه واضحاً في طريقة وقوفه، لكن كرامته كانت سليمة. "قل للملك..." قال ألفارد لبراين بصوته الهادئ الذي يحمل قوة الجبال. "أنني سأكون هناك." ابتسم إدموند، ابتسامة مؤلمة لكنها حقيقية. "سيَسْعد بسماع هذا." ثم نظر إلى براين. "والآن... أظن أننا يجب أن ننظف الفوضى بالخارج. تيرون..." الخادم أومأ وفتح الباب. في ضوء القمر، كانت ثلاثة أجساد ممددة على الأرض، رباطات داكنة تربط أيديهم وأرجلهم، وأقمشة تحجب أفواههم. "لم أقتلهم." قال تيرون بصوته الخالي من العاطفة. "لكنهم سينامون حتى الصباح." ألفارد نظر إلى إدموند بإعجاب مختلط بالقلق. "أنت تخاطر كثيراً." "والخطر هو الثمن الوحيد للحرية." رد إدموند. "والآن... هل لديكم مكان يمكن لرجل جريح أن يستريح فيه؟ لأن كتفي يؤلمني بشدة." ضحك سيلاس ضحكة مجلجلة مفاجئة. "أهلاً بكم في بيتنا المتواضع سمو الأمير. لدينا سرير، ولدينا طعام، ولدينا... أسرار كثيرة كما يبدو." وفي تلك اللحظة، تحت سقف الكوخ المنخفض، وقف أمير جريح ورجل الملك والبطل الأسطوري والفلاح العجوز وأصحابهم. وكانوا جميعاً يعلمون أن اللعبة قد تغيرت إلى الأبد. لأن الأسوار بين العالمين قد سقطت، والأقنعة قد أزيحت. وكان الغد ينتظر في غابة البلوط الشرقية، حيث سيحدد لقاء ملك وبطل مصير مملكة بأكملها. وكان الظلام خارج النافذة يحمل وعوداً وأخطاراً لا يعرفها إلا أولئك الذين يجرؤون على السير في الليل، نحو مصير مجهول، وحقيقة أخيرة قد تكشف كل الأسرار... أو تدفنها إلى الأبد.