صقر العدالة - الفصل العاشر: دماء على العتبة - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صقر العدالة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل العاشر: دماء على العتبة

الفصل العاشر: دماء على العتبة

الاعتراف في كهف الظلام: "إدمونـــد!" كانت صرخة ليوس الأخيرة لا تزال تتردد في أروقة السوق، لكن المشهد تحول إلى فوضى مصبوغة بالدم. الجنود حملوا جسد إدموند الفاقد للوعي بسرعة، والدم ينزف من كتفه كجدولٍ قرمزي على ثوبه الأزرق. ليوس ركض بجانبه، يده تضغط على الجرح، عيناه لا تفارقان وجه ابن عم أبيه الشاحب. "بسرعة! إلى القصر! وأستدعوا الحكيم!" كانت أوامر ليوس مختنقة بالدموع. الناس وقفوا كتماثيل من الصدمة، عيونهم تتبع الموكب المسرع وهو يبتعد. بين الحشود، وقف فالاندر متجمداً. لم تكن الجريمة هي ما صدمته، بل تعابير وجه فاليريان. رأى كيف أن المستشار، في ذروة الفوضى، التفت بنظرة سريعة نحو سطح مبنى مهجور في الجهة الشرقية. نظرته كانت نظرة معرفة، لا دهشة. ثم رأى ابتسامة خفية، سريعة كلمح البرق، اختفت وراء قناع القلق المصطنع. "بالتأكيد هو من دبّر الأمر." همس فالاندر لنفسه. انسل من بين الحشود كالظل، واتجه بسرعة نحو كوخ سيلاس. عندما وصل، كان ألفارد يتدرب على حركات انسيابية في الفناء الخلفي. دخل فالاندر دون استئذان. "تعرض الأمير إدموند لمحاولة اغتيال، أصيب بسهمٍ في كتفه. يبدو أن السهم جاء من الجهة الشرقية للسوق على ما أعتقد. لأنني رأيت فاليريان يلتفت نحو هذه الجهة وكأنه يتأكد من وجود شخصٍ ما. يبدو أنه كان يعلم." تجمد ألفارد في مكانه ثم قال: "إدموند؟ وكيف حاله؟ هل مات؟" "لا، إنه على قيد الحياة، لكن الجرح خطير. وليوس... لقد رأيت عينيه. يبدو أنه يشك في فاليريان." لم يضيع ألفارد لحظة. "داريو! إسفين! كاليب!" تجمعوا خلال دقائق. أخبرهم فالاندر بما رآه بينما كان ألفارد يخلع ملابسه اليومية ويرتدي ملابس الصقر السوداء. القناع الأسود أخفى ملامحه لكن لم يخفِ الحزم في عينيه. "سنذهب إلى المغارة." قال ألفارد. "حان الوقت لكريكور أن يتكلم." ركبوا أحصنتهم وانطلقوا نحو الجبل كالريح. الصقور العملاقة حلقت فوقهم كحراس سماويين عندما وصلوا، نزل ألفارد بسرعة وتوجه إلى الكهف الجانبي حيث كان كريكور مقيداً. دخل صقر العدالة الكهف المظلم. كريكور كان جالساً في الزاوية، يداه مقيدتان، عيناه الحمراوتان من السهر تحدقان في الظلام. عندما رأى الظل الأسود يدخل، ارتعد. "ما زلت حياً لم أمت." قال صقر العدالة بصوته العميق. "ماذا تريد؟ لن أقول لك أي شيء!" "بل ستقول." تقدم صقر العدالة، وقف فوقه. "اليوم، حاولوا اغتيال الأمير إدموند، من فعل ذلك؟" كريكور هز رأسه بعنف. "لا أعرف شيئاً! أقسم لك!" لكمه صقر العدالة في وجهه. صوت عظام الأنف وهي تتكسر صدح في الكهف. "قل الحقيقة إن أردت أن يكون موتك رحيماً." "أقسم لك! لم أعرف شيئاً!" دماء تسيل من أنف كريكور. "كانت مهمتي هي قتلك أنت فقط! والآن أنا هنا، ماذا يمكنني أن أفعل وأنا بهذه الحالة؟" لكمة أخرى، وهذه المرة على الفك. "أعطني أسماء من يعملون معك؟ من يمكنه أن يقبل بهذه المهام القذرة مثلك؟" ارتجف كريكور، ثم همس: "تاجر... تاجر من تجار ميناء كاليدون... اسمه كورفن. هو الذي يزود فاليريان بالرجال... وبالسموم... وهو من قام بأغلب عمليات فاليريان القذرة." "كورفن." كرر صقر العدالة الاسم كما لو كان يختمه في ذاكرته. "وأين هو؟ أين أجده؟" "لا أعرف... إنه يتنقل بين الموانئ هذه الأيام. لكن له أخاً... في العاصمة. يجلس دائماً في حانة 'المرسى الغارق'." خرج صقر العدالة من الكهف، دماء كريكور على يده. داريو وإسفين وكاليب وفالاندر كانوا ينتظرون. "كورفن. تاجر من كاليدون. وله أخ في حانة المرسى الغارق." قال ألفارد وهو يخلع قناعه. "هذا هو الخيط التالي." نظر إلى أصحابه. "ليوس الآن يعرف الحقيقة، لكنه عاجز. وإدموند بين الحياة والموت. وفاليريان... لقد بدأ يلعب لعبة أخطر." "ماذا سنفعل؟" سأل كاليب. "سنزور حانة المرسى الغارق." قال ألفارد، عيناه تتقدان بنيران جديدة. "ولكن ليس كصقر العدالة هذه المرة." وبينما كانوا يهبطون من الجبل، كانت العاصمة تستعد لليلٍ طويل. وفي القصر، كان الأمير ليوس جالساً بجانب سرير إدموند، يمسك بيده الباردة، وعيناه تحدقان في الظلام خارج النافذة، وعقله يقول: فاليريان سيدفع ثمن هذا الدم. عاجلاً أم آجلاً سيدفعه. السهم والسر الأعظم: كان الجناح الطبي في القصر يغلي بالرهبة. جسد الأمير إدموند ممتداً على سرير من حرير مخملي، الرداء الأزرق الممزق ملقى على الأرض، والسهم الأسود لا يزال بارزاً من كتفه الأيسر كشجرة ميتة في أرض خصبة. الحكيم إلدريد، بيديه المرتعشتين من الشيخوخة لكن ثابتتين في المهارة، كان يفحص الجرح بعينين حادتين. "السهم دخل بين الضلعين." همس الحكيم، صوته مرتجف. "لم يصب القلب، لكنه كان قريب جداً منه. لو انحرف سنتيمتراً واحداً لكان..." لم يكمل. الملك ثيودور كان واقفاً عند نهاية السرير، وجهه شاحباً كالجثة. ليوس جالس على كرسي بجانب السرير، يمسك بيد إدموند الباردة، عيناه لا تفارقان وجه ابن عم أبيه. أورسولا واقفة كتمثال، وفاليريان خلفها بقليل، وجهه يعكس القلق المصطنع. "أخرج السهم، أيها الحكيم." قال ثيودور بصوت أجش. هز إلدريد رأسه. "سحب السهم الآن قد يفتح أحد الشرايين. يجب كسر السهم أولاً." أمر بإحضار منشار جراحي صغير. الصوت المعدني يقطع السهم كان كصوت عظام تطحن. إدموند، حتى في غيبوبته، تأوه بألماً خفيف. ليوس ضغط على يده. بعد قطع السهم، بدأ الحكيم بسحبه ببطء شديد، ميلليمتراً بعد ميلليمتر. الدماء تدفقت كالنبيذ الأحمر من جراب مخروق. إلدريد سرعان ما ضغط على الجرح بقطع قماش معقمة، ثم أخرج أداة الكَيّ المعدنية المسخنة في الجمر. "هذا سيوقفه." قال وهو يضع المعدن المحمي على الجرح المفتوح. رائحة اللحم المحترق ملأت الغرفة. إدموند تقوس حتى في غيبوبته، ثم استلقى مرة أخرى، ساكناً. بعد لحظات، نظر الحكيم إلى الملك. "السهم لم يكن مسموماً من حسن حظه، لكن الإصابة في مكان حيوي. النزيف توقف، لكن ضعف النفس وارد. يجب أن يبقى تحت المراقبة. إن تجاوز الليلة، فسينجو." بعد أن غادر الحكيم، اقتربت أورسولا من فاليريان. "تعال معي." تبعها إلى شرفة مجاورة، بعيداً عن الأنظار. هناك، حيث كان ضوء القمر الشاحب يغسل وجهيهما، التفتت إليه. "هل أنت المسؤول عن هذا؟" نظر فاليريان في عينيها، ورأى فيها ليس ملكة، بل امرأة حمقاء و خائفة. ابتسم تلك الابتسامة التي لا يعرفها أحد سواها. "هل تظنين أنني سأكون بهذا الغباء؟" "نعم. لأن الغباء هو أن تظن أنك تستطيع التحكم في كل شيء." صوتها كان حاداً كالسيف. "إدموند كان يعيق خططك. وإن مات..." "إن مات، سيكون هذا قدره." قطع عليها، لكن عينيه قالتا شيئاً آخر. "أنت لا تفهم، أليس كذلك؟" همست أورسولا، اقتربت منه حتى أصبحت وجوههما على بعد بوصات. "لقد تزوجتك في السر لأنني ظننت أنك الوحيد القوي بما يكفي لحماية العرش. لكن الآن... الآن أرى أنك الخطر نفسه." هنا قد سقطت الاقنعة الموضوعة منذ سنوات طويلة وظهرت الوجوه على حقيقتها. فاليريان أمسك بمعصمها بقوة مفاجئة. "أتظنين أنكِ تستطيعين التخلص مني؟ تذكري يا حبيبتي، أن يدك ملطخة بالدماء أكثر من يدي." أفلتت يدها. "إن مات إدموند، فسأخبر ثيودور بكل شيء. الزواج، الاتفاقيات، حتى... الطفل." تجمد فاليريان. "أنتِ تجازفين، أورسولا." "وأنت أيضاً... وسترى أن أفعالك هذه ستقودك إلى الهاوية." عندما عادا إلى الغرفة، كان إدموند لا يزال فاقداً للوعي، لكن تنفسه أصبح أكثر انتظاماً. ليوس لم يرفع عينيه عنه، لكنه سمع بعض همسات فاليريان و أورسولا. وعندما سمع كلمة 'الطفل'، انقبض قلبه. الحكيم عاد ليضمد الجرح. "الكَيّ أوقف النزيف، لكن الحمى ستهاجمه. عليه أن يقاومها." كان الجميع يعلمون أن المعركة لم تنتهِ. معركة إدموند من أجل حياته، ومعركة القصر من أجل روحه. وفاليريان، الذي وقف في الظل يراقب، كان يعلم أن خطوته التالية يجب أن تكون حاسمة. وأن ما تم تأجيله قبل مجيء إدموند يجب أن يُنفذ. الحب على أطراف الأصابع: كان سوق البلدة يزخر بألوان الربيع الأولى، حيث أزهار اللوز المبكرة تتساقط كثلج وردي على الأرصفة. وسط هذا الجمال، كان داريو يمشي بجانب أستريا، وكأنه دُب ضخم يحاول المشي على قشور البيض. ظله الواسع كان يبتلع ظلها النحيل، ويداه الكبيرتان القادرتان على سحق الأعداء كانتا تتعرقان كما لو كانتا في جدول ماء. "الطقس... جميل اليوم." قال داريو بصوته العميق الذي خرج كدوي الطبول. "نعم." قالت أستريا وهي تنظر إلى السماء الزرقاء. "الربيع يأتي دائماً بهذا الجمال." "نعم." كرر داريو، ثم صمت. عقله كان يجري كحصانٍ جامح في حلقة مفرغة. تكلم عن شيء! أي شيء! الزهور! الطيور! السحب! "انظري إلى تلك السحابة." قال فجأة وهو يشير بإصبعه الكبير. "إنها تشبه... الشاة." نظرت أستريا إلى السحابة البيضاء المنتفخة. "الشاة؟" "نعم. أو... ربما دجاجة." أصيب داريو بالذعر من كلماته الخاصة. ضحكت أستريا ضحكة رقيقة. "أعتقد أنها تشبه القطن." "نعم! القطن!" قال بسرعة كبيرة، وكأنه أمسك بحبل النجاة. "القطن... مفيد. نصنع منه الثياب." "وهذا صحيح." قالت وهي تستمر في المشي، عيناها الخضراوان تلمعان بابتسامة خفية. مروا بجانب بائع الزهور. توقفت أستريا لتشتم رائحة الورود. داريو وقف خلفها، يحدق في الزهور كما لو كانت لغزاً عسكرياً معقداً. "أحب الورود الحمراء، إنها جميلة جداً ورقيقة." قالت أستريا. "اللون الأحمر جميل." قال داريو، ثم أضاف بصراحة مطلقة: "مثل لون الدم. لكن بطريقة جميلة. لا، ليس جميلاً... أقصد..." أغلق عينيه للحظة، مستسلماً لكارثة حديثه. لكن عندما فتحها، وجد أستريا تقدم له وردة حمراء. "هذه لك." أخذها بحذر مبالغ فيه، كأنه يمسك بيضة طائر نادر. "شكراً." "أنت لا تعرف كيف تتكلم مع النساء، أليس كذلك؟" سألته بأدب. هز داريو رأسه موافقاً، عيناه تنظران إلى الأرض. "أنا أعرف كيف أقاتل. وأعرف كيف أحمل الأشياء الثقيلة. وأعرف كيف أحمي أصدقائي. لكن الكلام... الكلام أصعب من حمل صخرة جبلية ضخمة." "لكنك تحاول." قالت وهي تستأنف المشي. "وهذا ما يهم." عند مدخل حديقة صغيرة، جلسا على مقعد حجري. داريو كان يحمل الوردة كما لو كانت هشة كالزجاج. "أمي كانت تقول أن الرجال الحقيقيين لا يحتاجون للكلام." قال لها فجأة. "لكنني أعتقد أن أمي كانت مخطئة." "لماذا؟" "لأنني أريد أن أخبرك أن عينيكِ تشبهان بحيرتين في غابة رأيتها مرة في طفولتي. وأن ضحكتك تشبه صوت الماء وهو يمر على الحجارة الناعمة. وأن وجودك بجانبي يجعلني أشعر أنني لست مجرد رجلٌ غبي، بل... إنسان له مشاعر حقيقية." الكلمات خرجت من فمه دفعة واحدة، كسدٍ انهار فجأة. ثم صمت، مذعوراً مما قاله. نظرت أستريا إليه، وعيناها تلمعان بتأثر حقيقي. "هذا... كان كلاماً جميلاً." رفع عينيه مندهشاً"حقاً؟" "نعم." أخذت الوردة من يده برقة. "وسأخبرك سراً: أنا أيضاً لا أحب الرجال الذين يتكلمون كثيراً. الكلمات الرخيصة كالفخار الرخيص، تظهر جميلة لكنها تنكسر بسرعة." قامت، ثم مدت يدها إليه. "تعال. سأريك شيئاً." قادته إلى شجرة لوز قديمة في وسط الحديقة. "هذه شجرتي المفضلة. كل ربيع، تزهر رغم كل العواصف الشتوية." نظر داريو إلى الأزهار الوردية، ثم إلى أستريا، ثم عاد إلى الأزهار. "إنها... تشبهك." سألته بإندهاش. "كيف؟" أجابها بصراحة مطلقة. "قوية... وجميلة... ونقية." أمسكت أستريا بيده الخشنة بين يديها الناعمتين. "وأنت أيضاً نقي، يا داريو. وهذا أهم من أي شيءٍ آخر." وفي تلك اللحظة، تحت شجرة اللوز المزهرة، فهم داريو أنه ربما لن يكون شاعراً أبداً، ولن يقول الكلمات المنمقة التي تقرأها الفتيات في القصص. لكنه كان شيئاً أفضل: كان صادقاً. وكانت أستريا، بطريقتها الهادئة الذكية، قد رأت هذا الصدق تحت كل تلك العضلات والتردد. وعندما مشيا عائدين، كانت يداه لا تزالان تتعرقان. لكن هذه المرة، كانت أستريا تمسك بإحداهما. وكان ذلك أفضل من كل الكلمات في العالم. الصفعة التي هزت الجبل: كانت غرفة ألفارد تشبه عرين جريح في تلك الليلة. الكتب مبعثرة على الطاولة، خرائط المملكة ممزقة من كثرة التدقيق، وملابس صقر العدالة ملقاة على الكرسي. ألفارد كان واقفاً أمام النافذة، ظهره متوتر، وعيناه تحدقان في الظلام حيث كانت أضواء القصر تتلألأ كعيون وحش نائم. دق الباب، ثم فُتح دون انتظار رد. دخل سيلاس، وجهه العجوز محفوراً بتجاعيد قلقٍ أعمق من سنين عمره. وقف في منتصف الغرفة، يداه المتخشنتان مضمومتان. "سمعت أنك تنوي الذهاب إلى العاصمة." قالها سيلاس بصوت أجش كحفيف أوراق الخريف الميتة. "لابد من ذلك." رد ألفارد دون أن يلتفت. "لابد؟" كرر سيلاس الكلمة وكأنها سُمّ على لسانه. "المرة السابقة كدت أن تموت! تلك الندبة على جنبك ما زالت تحمل رائحة الموت!" التفت ألفارد أخيراً، عيناه العسليتان ذات الخطوط الزرقاء تحملان ذلك البريق الذي كان يخيف سيلاس. "إدموند كاد أن يُقتل لأنه حاول أن يفعل الصواب. إذا لم أتحرك الآن، فمن سيفعل؟" "هذا ليس دورك!" انفجر سيلاس، صوته يرتفع لأول مرة منذ سنوات. "أنت لست ملاكاً! لست إلهاً! أنت ابن فلاح بسيط، تربيت في حقل القمح، وليس في ساحات المعارك!" "تربيت لأكون شيئاً أكثر من مجرد ابن فلاح بسيط!" رد ألفارد بحدة. "تربيت لأميز بين الحق والباطل! بين العدل والظلم!" "تربيت لتعيش!" صرخ سيلاس، عيناه تدمعان من الغضب والخوف. "لأراك تتزوج، و تنجب أطفالاً، و تشيخ بسلام! لا لأدفنك في القبر وأنت في عمر الزهور!" "إذا عشتُ في عالمٍ يسمح بالظلم، فأنا ميت بالفعل!" خطا ألفارد خطوة نحو أبيه. "هل تريدني أن أجلس هنا بينما يقتلون الأبرياء؟ بينما يسرقون لقمة العيش من أفواه الأطفال؟" "أريدك أن تكون حكيماً!" قبض سيلاس على كتف ابنه. "فاليريان ينصب الفخاخ، وهذا قد يكون فخاً آخر! يريد إخراجك به من مخبئك!" "إذا كان الأمر كذلك، فهو سيحصل على ما يريد!" أبعد ألفارد نفسه ليحرر كتفه من قبضة أبيه. "لأنني لن أكون رجلاً يجلس مكتوف الأيدي بينما الناس يعانون!" "أنت تفكر كالطفل الصغير!" زأر سيلاس. "تظن أن البطولة هي القفز في النار! لكن البطولة الحقيقية هي البقاء حياً من أجل من يحبونك!" "وهذا ما يقوله الجبناء!" انطلق من فم ألفارد قبل أن يفكر. صمت مطبق كالصاعقة. الكلمات علقت في الهواء كسكاكين. رأى ألفارد كيف تحول وجه سيلاس من الغضب إلى الألم، ثم إلى شيء أشبه بالموت. "جبناء!" كرر سيلاس الكلمة بهمسة مكسورة. "هل هكذا تراني؟!" "أبي، أنا لم أقصد..." أدرك ألفارد ما تفوه به، لكن الوقت كان قد فات. يد سيلاس ارتفعت في الهواء تلك اليد التي ربته، و أطعمته، و داعبته، انهارت اليوم و بقوة على خد ألفارد. الصفعة صدحت في الغرفة كفرقعة قوية. تركت أثراً أحمر على خد ألفارد، لكن الألم الحقيقي كان في عيني سيلاس اللتين نظرتا إلى يده المرتعشة كما لو كانت تنتمي لشخص آخر. "أنا جبان!" قالها سيلاس مرة أخرى، لكن هذه المرة بصوت فارغ من الروح. "جبان لأنني خائف من أن أفقد كل ما تبقى لي في هذا العالم." أمسك بتلابيب قميص ألفارد وهزه بعنف. "أسمعني جيداً، أيها الولد المتغطرس! لقد دفنتُ زوجتي، ودفنتُ أحلامي معها! ولن أدفن ابني أيضاً! أفهمت؟ لن أدفنك أيضاً!" دفعه بعيداً عنه، ثم خرج من الغرفة. سمع ألفارد صوت خشب يُثبّت على الباب من الخارج، ثم خطوات تبتعد بصمت مثقل باليأس. بقي ألفارد واقفاً، خده يحترق من الصفعة، وقلبه يحترق من الكلمات. نظر إلى يده، ثم إلى ملابس صقر العدالة الملقاة. ثم تقدم نحو النافذة. بحركة خاطفة، فتحها. الهواء البارد دخل الغرفة كأنفاس العالم الخارجي. نظر إلى الخارج، ثم إلى الباب المغلق باللوح الخشبي. لم يتردد. تسلل من النافذة بخفة الصقر الذي يحمل اسمه، واختفى في ظلام الليل. وفي الداخل، في الغرفة الفارغة، بقيت الصفعة معلقة في الهواء كالشبح، واللوح الخشبي على الباب كان يحرس غرفة خالية من الشاب الذي قرر أن يكون بطلاً حتى لو كلفه ذلك قلب الرجل الوحيد الذي أحبه كإبن. شبكة في ظل الحانة و ندبة الذاكرة: كانت ليلة شديدة الظلام، حيث القمر مختبئ خلف سحب كثيفة كأنه يرفض أن يكون شاهداً على ما سيحدث. على بعد مائة خطوة من حانة "المرسى الغارق"، وقفت أربعة ظلال في زقاقٍ مظلم، ملابسهم الداكنة ذات القلنسوات تجعلهم يندمجون مع الظلام كأشباح. كاليب كان يرتجف قليلاً من البرد، فالاندر وقف صامتاً، عيناه الخضراوان تلمعان في الظلام كقططٍ برية. إسفين كان يدقق في الطريق، بينما كان داريو يضغط على مفاصل أصابعه بإيقاع عصبي. "لقد تأخر كثيراً." همس كاليب. قبل أن يجيب أحد، ظل خامس انفصل عن الظلام المحيط. كان ألفارد، يتحرك بسرعة وبصمت، لثام أسود يغطي نصف وجهه السفلي، وعيناه المحمرتان من الدموع المكبوتة أو الغضب كانتا تلمعان تحت القلنسوة. "هيا بنا." قال بصوت مبحوح غير معتاد. تقدم داريو فوراً. "ما بك؟ عيناك..." "لا شيء." قطع ألفارد عليه كلامه، نبرته جافة. "إسفين، أين كالوم الآن؟" "دخل الحانة منذ نصف ساعة. يجلس في الزاوية الخلفية مع ثلاثة من رجاله." رد إسفين بسرعة، لكن عيناه كانتا تدركان التغير في ألفارد. "إذاً خطتنا هي..." قال ألفارد دون مقدمات. "لن ندخل كقطيع. أنا وكاليب ندخل أولاً. كاليب سيطلب مشروباً عند الطاولة المجاورة. أنا سأجلس عند الباب." فالاندر، الذي كان صامتاً، قال: "وأنا؟" "أنت وداريو خارج الباب الخلفي. إسفين على السطح، يراقب النافذة ويأمن المحيط الخارجي." ألفارد نظر إليهم واحداً تلو الآخر. "عندما ينهض كالوم للخروج، سأعطيكم إشارة. داريو، أنت تضربه هنا." أشار إلى رقبته. "بضربة خفيفة، فقط لإفقاده الوعي." "ثم؟" سأل كاليب بصوت مرتجف. "ثم نخرجه من الباب الخلفي. فالاندر، ستحمل قطعة القماش المبللة بالإيثر لضمان فقدانه للوعي. إسفين، ستغطي انسحابنا عندما نخرج." نظر داريو إلى ألفارد ملياً. "هذه ليست نبرتك المعتادة، ألفارد. ماذا حدث؟" "الظروف تغيرت، داريو." قال ألفارد، وعيناه التقتا بعيني داريو للحظة، وفيها شيء من اليأس المقموع. "كاليب، تذكر: أنت مجرد زبون عادي. لا تنظر إليه مباشرة، ولا تتوتر." ثم نظر إلى فالاندر. "وأنت... إذا رأيت أي علامة على الخطر، أعطي اشارة صافرة مرتين متتاليتين." بعد أن وزع الأدوار، تحركوا كآلة واحدة. إسفين تسلق الجدار الخلفي للحانة بخفة النسور. داريو وفالاندر انزلقا نحو المدخل الخلفي. أما ألفارد وكاليب، فسارا نحو الباب الأمامي كما يسير أي رجلين متعبين في نهاية يوم طويل. دخل ألفارد أولاً. الحانة كانت مكتظة بالدخان والضوضاء، رائحة البيرة الرخيصة تختلط برائحة العرق والتبغ الرخيص. نظر بسرعة: كالوم جالس في الزاوية، رجل ضخم بشارب كث ولحية محفوفة، يلعب القمار مع رفاقه. جلس ألفارد على مقعد عند الباب، ظهره إلى الحائط، عيناه تتابعان الانعكاس في مرآة متسخة على الحائط المقابل. كاليب تقدم إلى المنضدة وطلب الجعة، ثم جلس عند الطاولة المجاورة لكالوم، يداه ترتعشان قليلاً. الانتظار كان كتعذيب بطيء. ألفارد كان يشعر بخدّه الذي ما زال يحمل دفء صفعة سيلاس. كل ضحكة في الحانة، كل ضربة على الطاولة، كانت تذكرّه بذلك الصوت. لكنه كبَت الألم، وركز على المرآة. بعد عشرين دقيقة، نهض كالوم. كان يضحك بصوت عالٍ، ثم أشار بإصبعه نحو الباب الخلفي بإشارة واضحة أنه ذاهب لقضاء حاجته. ألفارد أخرج قطعة نحاسية صغيرة من جيبه ووضعها على الطاولة ثم أطلق الإشارة المتفق عليها. في الخارج، في الظلام الكثيف، كانت الآلة قد بدأت بالتحرك. وكان كالوم على وشك أن يكتشف أن بعض الظلال لا تتبع الأشخاص فحسب، بل تمتلك مخالب أيضاً. بعد أن خرج كالوم من الباب الخلفي للحانة متثاقلاً تحت تأثير البيرة، تحركت الظلال الأربع كأجزاء من آلة واحدة مثالية. داريو كقوة صامتة، ضرب كالوم ضربة خفيفة دقيقة على رقبته، بينما غطى فالاندر وجهه بقطعة قماش مبللة برائحة الإيثر الحادة. في أقل من عشر ثوانٍ، كان كالوم الفاقد للوعي يُحمل بعيداً عن الضوء إلى أحضان الظلام الكثيف. أخذوه الى بيت مهجور في حيٍ فقير قريب من القرية، كان البيت يتنفس برائحة العفن والأمل الميت، حطام أثاث مكسور، وشباك عنكبوت تتحرك بفعل الهواء المتسلل من النوافذ المحطمة. هنا، قيدوا كالوم على كرسي خشبي قديم، وأضاءوا شمعة واحدة جعلت الظلال ترقص على الجدران كشياطين في احتفال مظلم. ألفارد أحكم اللثام على وجهه ثم أعطى الإشارة، فصَبّ إسفين دلو ماء بارد على وجه كالوم. "اخرج من حلمك، أيها القذر." قال ألفارد بصوته العميق الذي بدا اليوم كصوت صخور متحطمة. فتح كالوم عينيه ببطء، ثم نظر حوله. ابتسم ابتسامة ملتوية رغم الموقف. "أوه، جمهور. هل جئتم تطلبون توقيعي؟" صفعة ألفارد كانت سريعة كالبرق، صوتها صدح في الغرفة الفارغة. "من أطلق السهم على الأمير إدموند؟" داعب كالوم زاوية فمه الدامية بلسانه. "الأمير؟ آه، ذلك المثالي. ربما كان السهم هدية من القدر ليُعاقب على تدخله في أمورٍ لا تخصه." "تكلم." تقدم ألفارد خطوة، ظله يبتلع كالوم. "من أمرك بفعل هذا؟ من نظم هذه العملية؟" "أنا رجل أعمالٍ حُرة، ليس جاسوساً." ضحك كالوم. "أبيع، أشتري، أؤجر. لكنني لا أشارك في السياسات الدنيئة." هذا كان أكثر من ما يستطيع ألفارد تحمله. كل الغضب المكبوت صفعة سيلاس، جرح إدموند، ظلم المملكة انفجر دفعة واحدة. قبضته ارتفعت وانهارت على وجه كالوم مرة، مرتين، ثلاث مرات. صوت عظام الأنف وهي تنكسر، وصوت أنين الرجل الذي بدأ غروره يتحول إلى خوف حقيقي. "توقف!" صرخ إسفين وهو يمسك بذراع ألفارد. داريو تدخل أيضاً، جسده حجز ألفارد عن كالوم. "ستقتله قبل أن يتكلم! إهدأ قليلاً!" "دعه يقتلني!" بصق كالوم دم من فمه. "فأنا لن أتكلم!" ألفارد كان يتنفس بسرعة، عيناه المحمرتان تلمعان في الظلام كحيوان جريح. فالاندر، الذي كان يراقب بصمت، تقدم ليفحص إصابات كالوم. أمال رأسه ليرى الجروح، وفي تلك الحركة، انحسر قميصه قليلاً عند الكتف الأيسر. رأى كالوم ما لم يتوقعه. توقفت أنفاسه. عيناه اتسعتا. على كتف فالاندر الأيسر، كانت هناك ندبة نادرة الشكل: نجمة ثلاثية محفورة بعمق، كأنها نُقشت بالحديد المحمي منذ زمن طويل. ليس جرحاً، بل علامة خاصة، العلامة التي كان كورفن يتركها على "البضائع الخاصة" كما كان يسميها، التي يتعامل معها، تلك التي لا يجب نسيانها أبداً. كانت هذه العلامة خاصة جداً. كورفن، الذي تخصص في تهريب الأطفال والكنوز النادرة، كان يضعها فقط على الشحنات التي تحمل "أسرار ملكية" أو كنوز من عائلات نبيلة. وكان قد استخدمها مرة واحدة فقط في حياته على طفل رضيع أُمر بالتخلص منه قبل أكثر من عشرين عاماً. طفل قال كورفن إنه لم يستطع قتله، لكنه وضع عليه تلك العلامة لتذكره دائماً بأن بعض الذنوب تلاحقه حتى القبر. فالاندر، الذي لم ينتبه أن قميصه قد انحسر، كان يضمد جرحاً على جبين كالوم. لكن كالوم لم يعد ينظر إليه بنظرة الاستهزاء. نظراته كانت مختلطة الآن بالدهشة، خوف، ثم... ذاكرة قديمة تعود فجأة. "النجمة الثلاثية..." همس كالوم بصوت خافت جداً. فالاندر رفع عينيه الخضراوين، والتقتا بعيني كالوم. "ماذا قُلت؟" لكن كالوم أطبق فمه بإحكام. النظرة الساخرة اختفت، وحل محلها شيء يشبه الرهبة. كان يعرف الآن أن هذا الشاب الذي يقف أمامه... كان من "الشحنة الخاصة" التي أخبره عنها أخوه ذات ليلة وهو سكران، والذي قال إن دماءه تحمل سراً قد يهز العروش. ألفارد، الذي لاحظ التغير المفاجئ في كالوم، تقدم. "ماذا تريد أن تقول؟" لكن كالوم هز رأسه بالنفي، عيناه لم تعد تلتقي بأي منهم. "لا شيء... الندبة في كتف صديقكم شكلها مميز ف جذبت انتباهي لا أكثر." لكن صوته كان مختلفاً. كما لو كان هناك اعتراف في ذلك الصمت، وخوف من كشف سر أكبر من قدرة أي أحد على التحمل. ساد صمت ثقيل في الغرفة. فالاندر نفسه نظر إلى كتفه، ثم إلى كالوم. لطالما تساءل عن أصل تلك الندبة، التي وجدها عليه منذ أن عرف نفسه. والآن، هذا المجرم الخبيث يعرف شيئاً ما عنها. والندبة النجمية على كتف فالاندر كانت تشتعل في ضوء الشمعة كخريطة لماضٍ مجهول، بدأت تظهر معالمها في أسوأ وقتٍ ممكن، لتذكّر الجميع أن الماضي لا يموت، بل ينتظر فقط اللحظة المناسبة ليخرج من قبره.