بيننا خيط لا ينقطع - الفصل الحادي عشر بعد المئة - بقلم the writer linora | روايتك

اسم الرواية: بيننا خيط لا ينقطع
المؤلف / الكاتب: the writer linora
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الحادي عشر بعد المئة

الفصل الحادي عشر بعد المئة

" the writer Aridj " . . . بعد أن ارتدت زيّها الميداني الخاص، وقفت أماني لحظة أمام المرآة. لم تكن تتأمل ملامحها بقدر ما كانت تتهيأ داخليًا؛ ذلك الاستعداد الصامت الذي يسبق المواجهات، حين يشتد الوعي بكل خطوة، ويصير المكان أكثر وضوحًا من المعتاد. خرجت ثم تحرّكت بخطى ثابتة نحو مكتب أحمد. كانت كل خطوة تخطوها تصحبها نظرات فاحصة للمكان. الممرات بدت هادئة على غير العادة، الهواء ساكن، والأصوات خافتة كأن المبنى يحبس أنفاسه. كثير من الوجوه المعتادة غائبة، وكأن المكان فقد جزءًا من روحه دفعة واحدة. شيء ما في هذا الهدوء لم يرق لها، شيء غير مألوف… غريب. وصلت إلى مكتب أحمد، فوجدت الباب مفتوحًا. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، ودقّت الباب وهي تقف عند العتبة. انسحب أحمد بكرسيه إلى الوراء مبتعدًا عن زحمة الشاشات المضيئة أمامه، ورفع رأسه مبتسمًا /هلا بأماني، تفضلي. دخلت أماني بخطوات واثقة، وتقدّمت نحو الشاشات المتراصة. وقفت تراقبها لبضع ثوانٍ، عيناها تتحركان بين الأرقام والخرائط، ثم التفتت إليه قائلة بنبرة هادئة تخفي تساؤلًا حقيقيًا /أشوف في ناس ناقصة، وكمان الهدوء غريب. ابتسم أحمد، وهو ينقر بأصابعه على لوحة المفاتيح. و دون أن يرفع رأسه قال /مثل ما تعرفين، شغلنا مو كله هنا. إحنا رايحين لأمريكا، يمكن نسيتي تدريب والمقر الأمريكي. رفعت أماني كتفيها قليلًا وقالت /لا، ما نسيت… بس استغربت شوي الهدوء. سكتت لحظة، ثم تمتمت وكأنها تحدث نفسها أكثر مما تخاطبه /مكمن هذاك مو موجود… فِكّة منو؟ في تلك اللحظة، دخل سلطان فجأة، وصوته يسبق خطواته /أحمد، وين الملفات اللي طلبتهم؟ وليش غرفة الأرشيف مفتاحها مو موجود؟ استدار أحمد إليه، بينما بقيت أماني مكانها لم تلتفت. سلطان بنبرة حادة، يغلّفها شيء من الاستهزاء وهو ينظر نحو أماني/ أشوف تكرمت الأنسة أماني وجت… وين اللي معك؟ ليش ما جوا؟ عندها التفتت أماني ببطء. كان وجهها خاليًا تمامًا من التعابير، لا غضب ولا ابتسامة. لتقول بصوت ثابت /لا تنسى إنك أعفيتني من تدريب. أنا أجي لأني أنا اللي أبي، مو إنت. واللي معي أسماؤهم خالد ورعد، وسبب لي ما خلاهم يجون أتوقع ما عندي دخل فيه. كتم أحمد ضحكته بصعوبة، وأدار نظره إلى الملف أمامه. ناول سلطان الملفات، ووضع فوقها مفتاح الأرشيف، ثم عاد إلى كرسيه ليكمل عمله، وهو يتعجب في داخله من قوة أماني، ومن صبر سلطان الذي كان يبدو على وشك الانفجار. رمقها بنظرات حادة، طويلة، ثم استدار وخرج دون كلمة أخرى. بعد خروجه، خرجت أماني خلفه متجهة إلى ساحة التدريب. لم يكن لديها ما تفعله تحديدًا، سوى الابتعاد عن ذلك الجو المشحون. مرّت بجانب المصعد، وابتعدت عنه بخطوات قليلة قبل أن يُفتح بابه بعد ثوانٍ ويخرج خالد ورعد. وصلت أصواتهما إلى مسامعها، فتوقفت، وعادت أدراجها. وقفت أمامهما مباشرة وقالت /وين من صبح؟ ابتسم خالد ابتسامة توحي بالكثير، لكنه لم يجب. فتولى رعد مھمة الكلام وهو يبتسم /أنا معذور، كنت مع النسيب. ضحكت أماني ضحكة قصيرة، ساخرة، وقالت /لكان هالسالفة روح قولها لسلطان، أنا ما عندي دخل. قال خالد بسخرية /مسكين سلطان، الظاهر ما يقدر يستغني عنا. ردّ رعد بسرعة /انطم وبس، لا يطلع لنا من تحت الأرض. سار الثلاثة مبتعدين عن المصعد، ولم يخطوا أكثر من خمس عشرة خطوة حتى صادفهم مشعل وحيّاهم /سلام عليكم يا شباب. ردوا جميعًا/وعليكم السلام. قال مشعل وهو ينظر إليهم بنظرة تحمل شفقة خفيفة /سلطان يبيكم الحين… يلا، كان الله في عونكم. ضحك خالد، والتفت إليهم وقال /ما أدري وش مخبّي لنا سلطان هالمرة. رعد محذرًا /تسوي خير، اسكت يا خالد… انطممم. توجهوا إلى مكتب سلطان. طرقوا الباب، وكعادتها، لم تسمح أماني لأي انتظار. لم تكن تحب الوقوف خلف الأبواب المغلقة، ولا يروق لها أن تُترك معلّقة خلف طرقات صامتة ؛ فتحت الباب بين طرقات رعد، ودخلت، ثم تبعها رعد وخالد. تقدموا قليلًا، ووقفوا مصطفين بجانب بعضهم. قال سلطان بغضب واضح /كان أحسن تقعدون تكملون نومكم، معي حق ولا لا؟ رد خالد بنبرة واثقة، تحمل استفزازًا مقصودًا/ومن متى ما معك حق طال عمرك؟ معك وزيادة. وليكون بعلمك، كان عندنا شيء مهم. قال سلطان من بين أسنانه /لا تستهبّل عليّ.... فاهم؟ واحترم نفسك، وإلا راح تلقى هذاك السلاح اللي حاطه في جيبك مفرغ براسك. سادت لحظة صمت ثقيلة، قبل أن ينطق رعد أخيرًا/طال عمرك، إحنا رايحين أسبوع للشرقية… جدة مريضة شوي. ثبت سلطان نظره على رعد، وقال بسخرية لاذعة/ليش لا؟ تبيني أعطيك شهر؟ ولا أسبوع يكفيك؟ كان خالد على وشك الرد، لكن سلطان ضرب بقبضته على المكتب بقوة، وراح يحرك نظره بينهم /وين تحسبون نفسكم؟ ليكون انت تحسب نفسك في شركة أبوك؟ ولا إيش؟ إنت قاعد تحمي شيء، مو قاعد تلعب. وجاي بعد تطلب عطلة؟ إيه، معك حق… تعبت حيل، أستاذ رعد. نظرت أماني إليه بنظرات اشمئزاز صامتة. ليقول خالد بإصرار /إحنا لازم نروح للشرقية. رد سلطان بازدراء /ليش يا البزر؟ اشتعل غضب خالد،وقال /ما البزر إلا إنت. وش قاعد تسوي؟ تتمسخر علينا ولا إيش؟ نهض سلطان من مكانه وقال /طالع لك لسان يا رخمة. شد خالد قبضته /أنا رخمة؟ سلطان /إيه، إنت. تدخل رعد سريعًا، يحاول امتصاص التوتر، مدركًا أن استفزاز سلطان ليس لعبًا، وأن خالد إن انجرف، فقد لا تُحمد العواقب. التفت سلطان فجأة إلى أماني، وقد عاد إلى ذاكرته مشهد رؤيته لها مع خالد في ذلك اليوم /لكان، بدكم تروحون؟ معليش روحوا… بس بشرط: يروح اثنين منكم، والواحد يبقى. تبادل خالد ورعد نظرات سريعة؛ كان واضحًا أنهما يريدان الذهاب معًا و التفتا إلى أماني بنظرات رجاء صامتة. بادلتھم النظرات وھي ترفع حاجبها قليلًا، ثم التفتت إلى سلطان وقالت بهدوء حاسم /أنا اللي راح أبقى. ابتسم سلطان ابتسامة جانبية ساخرة /ما راح يطلع منكم شي سنع. ثم أشار بيده أن ينصرفوا. خرجوا من مكتبه وابتعدوا. شكر رعد أماني على إيثارها، وتركها متجهًا إلى غرفة الحواسيب عند احمد. أما خالد، فقد بقي واقفًا معها. قال بصوت منخفض /إذا ما بدّك يا أماني، راح أبقى أنا بدالك. لم تجبه مباشرة. قالت أخيرًا، بصوت موجوع خالٍ من أي تعبير /على أساس كنت أنا اللي ضيعت الخاتم… والحين صرت تعرفني؟ ابتسم خالد وقال /الخاتم راح..... أجيب لك بداله مية. وفي كل مرة أخطبك وأحبك أكثر. ابتسمت أماني، وقالت /إنت تعرفني زين. إذا اخترت قرار، اخترته وأنا لي أبي و مستحيل أدمي يفرض عليّ قانونه. اقترب خالد قليلًا، وقال بهمس /راح أشتاق لك يا نبض القلب. ابتسمت أماني، ومشت مبتعدة /خلّك في رومانسيّتك، اعقق… أنا رايحة أسوي شي ينفعنا. ضحك خالد واتجه إلى عمله. لكن قلبه لم يضحك. ظل حبها يدور في رأسه، فكرة غيابه عنھا تثقل صدره، يتساءل كيف ستكون تلك الفترة بدونها ليبتسم ساخرًا من نفسه، ورفع قلبه بالدعاء.... أن ييسّر الله أمرها… وأمره