الجزء الرابع: بين الأوتار المقطوعة
الجزء الرابع: بين الأوتار المقطوعة
الضوء الأزرق الذي يبعث في شاشة الحاسوب في غرفة حوجن الطائي كان الشيء الوحيد الذي يضيء ليلته.
كان ساكنًا كتمثال، يحدق في الصورة الرقمية المكبرة لوجه ريا، الطفلة التي اختفت من المعهد قبل ستة عشر عامًا، والتي بدأت أشباحها تبعث من جديد في جسد كل ضحية.
مرر أصبعه على الصورة، كما لو كان يتحسس جرحًا لم يشفا، وهمس لنفسه:
"أنا لم أنسك... لكنني خذلتك"
كان في الصورة شيء لم ينتبه له من قبل:
خلف ريا يقف رجل يرتدي سترة سوداء طويلة، لا يظهر وجهه بوضوح، لكن يده كانت تمسك بقارورة معدنية صغيرة.
دق قلبه، فتح ملف التحقيق القديم، واستخرج الصور الأصلية – نفس الرجل، نفس السترة، وفي زاوية الصورة التُقطت في يوم الحفل، كان موجودًا.
حوجن وقف فجأة، وصرخ كان شيئًا انفجر داخله:
"كيف لم نره؟!
كان هناك أمامنا!"
في اليوم التالي، توجه إلى أرشيف الشرطة القديم، لكن الملفات لم تنقلها قبل أشهر إلى مخزن خاص تحت الأرض، موقعه لا يعرفه إلا ضابط من الإدارة العليا.
طلب الإذن، رُفض.
لكن هذا لم يوقفه.
بمساعدة يامن مروان، دخل سرًا عبر نفق الخدمة المؤدي إلى الأرشيف... وهناك وجد ما لم يكن يتوقعه:
صناديق مغبرة، وأوراق مبعثرة، والمكان كان تعرض لحريق قديم ثم تُرك ليُنسى.
في زاوية بعيدة، ملف يحمل اسم:
"ريا أ."
"تحقيق غير مكتمل"
فتح الملف بيدين مرتجفتين.
في الداخل: رسم يد طفلة، تقرير طبي مبدئي عن آثار عنف، ومذكرة مكتوبة بخط محقق سابق (متوفٍ):
"الطفلة كانت شاهدة.
هناك أكثر من مشتبه به، أحدهم شرطي، والآخر فنان متطوع في المعهد...
تم دفن الملف"
يامن قرأ الملاحظة، ثم رفع رأسه ببطء:
"دفنوه لأنهم خافوا؟"
حوجن قال:
"دفنوه لأنهم كانوا جزءًا من الجريمة"
في تلك الليلة، تلقى يامن رسالة غريبة على هاتفه:
"إن كنت تظنه بريئًا... فراجع ماضيه.
افتح دفتره الأسود"
استغرب، ثم توجه فوزًا إلى حوجن وسأله:
"هل تحتفظ بمفكرة سوداء؟"
حوجن جفل، ولتردد للحظة، ثم خرج من الغرفة، وعاد بعد دقيقة حاملًا دفترًا جلديًا قديمًا متهالك الأوراق.
"هذا هو دفتري أيام التحقيقات الأولى.
لم أفتحه منذ 15 عامًا"
لكن، وفي صفحات الأولى، ملاحظات عن الجرائم، عن ريا، وعن عدة أسماء.
لكن في منتصف الدفتر... رسمة كف مغطاة باللون الأحمر، نفس الكف التي رسمها الرسام على الجدار في الجريمة الأولى.
وتحتها، جملة مكتوبة بخط حوجن نفسه:
"كانت ترتجف، قلتِ لي يا ريا:
سينهونك إن تكلمت.
فطلبت منك أن تصمتي... من أجل سلامتك"
يامن شهق:
"أنت طلبت منها أن تصمت؟"
حوجن كان يحدق في الجملة، لا يصدق ما كتبه:
"كنت أظن أنني أحميها... لكنني كنت أغلق فمها"
في صباح اليوم التالي، جريمة جديدة.
هذه المرة، الضحية معلمة موسيقى سابقة من المعهد نفسه، عُثر عليها مشنوقة داخل شقتها، وحول رقبتها وتر كمان قديم.
وعلى الحائط، مكتوب:
"كل من سمع ولم يتكلم... شريك"
بدأت الدائرة تضيق.
كل ضحية الآن كانت جزءًا من قضية ريا.
الرسام لا ينتقم من المجرمين فقط، بل من صمت أو خاف أو تواطأ بالصمت.
يامن نظر إلى حوجن وقال:
"الرسام لا يريدك ميتًا، بل يريدك أن تتكلم.
أن تعترف؟"
هز حوجن رأسه:
"إنها ليست مجرد سلسلة قتل.
إنها مسرحية اعترافات، وأنا البطل الذي لم يقرأ دوره بعد"
في عمق أحد الأحياء القديمة، في بناية ذات قبو بارد، جلس "الرسام" أمام جداره.
رسم عليه الآن صورة جديدة:
رجل في منتصف العمر، مقيد بسلاسل، ووراءه طيف فتاة
تحمل وردة ذابلة.
ثم كتب أسفلها:
"الجريمة القادمة:
الكاهن المزيف"
ثم نظر إلى الأعلى، حيث كاميرا صغيرة تبث مباشرة، وقال:
"هل تراقبني الآن يا حوجن؟
جيد...
لأن القادم سيكون لك"