الفصل 111
مررت أناملها الرقيقة على شفتيها و ذكرى مُحاولتها
حينئذ مسَح أكبر قدر من مُلمع الشفاه
و لتقليل من حجَم الكارثة التي أحدثتها
تتذكَر جيداً ليالي الخوف التي حاصرتها
فقط لكي لا تسٌقط من عيني شقيقها
لكَنها تعلّقت بالأول مع مرور الأيام
لأنه صمَت ولم يُخبره بها .. تدُرك بحاسَة أنثوية
أنه ربمُا مازال غاضب منها مع أن الحكاية قد مر عليها ما يقارب السنتين ..
و متأكدة أنه ما زال يتذكرها
رفعت عينيها لباب الحُجرة الصغيرة التي تحتويهم
لتجد صاحبة المنزل وزوجها العجوز يناولون النساء و الأطفال القليلين الذين لحقت بهم خُبزاً ليأكلوا
أيدي الجميع تتناوشه لكي ينالوا حصصهم
وصَلت لها قطَع صغيرة أنحنت و وضعتها بجانب " عمر " النائم بجوارها
و صوت إنفجار بعيد يُسبب إهتزاز ضعيف لجدران المكان
يعود ليثير خوفها الذي لم يتبدد للحظَة أبداً
أسندت رأسها وهي تتنفس أكبر قدر من الهواء
الملوث برائحة البارود
و تدعو الله بصدق .. أن يلطُف بهم
و ينُهي خوفها
*
أستغفر الله العظيم
بالخارج نام الليل بكآبة و أضواء حمراء تُنغّص منامه
أثار نيران مُتفرقة بين هُنا وهناك
صيحات مكتومَـة و أهات نازفة ..
أعينُهم تفيض من الدمع و قلوبهم ترتجف بشدة
فقدوا الكثيرين مع آخر غارة
و بات المكان مُظلماً كئيباً بلا كهرباء أو أي وسيلة
تُذكر بالحياة
هو ترجّل من دراجته النارية
و تركها لفتى في السابعة عشر من عُمره
أسّر إليه حديثاً , فبدت أماراه الحماسة على الأخر
ركبه وأنطلق به مُبتعداً صوب " بيت لاهيا "
بينما أنطلق خالي الوفاض لا يحمل معه سوى بضعاً من حاجيته .. و عقُله المُثقل بالتفكير
مع أي فوج رحلت هي .. ؟
أي ركب أقّلها بين جنباته ..؟
ساعات قليلة تفصَلهم عن إنفجار آخر ..
هل سيدركُها قبل فوات الأوان
لمَا يشُعر بكُل هذا القلق الرهيب عليها
هل لأنها أمانة أخيها ..
أو رُبما لأنـهـآ
قًطع تسُلسل أفكاره صوت حاد يعرفه
../ دكتور فيـــصل ..
رفع بصره نحوه و تقدم بخطوات سريعة باتجاهه
حيث وقف الأخر خلف كُتلة مُحطمة من بقايا منزل مُتهدم
أمسك الأول بذراعه و بقوة سأل
../ ويـن أخذتوهم ..؟
شد المُمرض يده من بين قبضَتيه
وهو يُجيب بصوت هامس ونبرة خافته
../ معرفش يا دكتور .. بس أتفرئنا لنُصين ..
زمجر القلق بشدة في روحه
فأغمض عينه بقّوة وهو يسأل بمُباشرة
../ إيـه .. ويــن " المُمرضة " و نسرين .. مع أيهُم ؟
ثم بدت علامات الحيرة على الأخر
ليشد الأول قبضَته من جديد ثم دفعه أمامه وهو يهتف
../ أقول .. تحّرك .. ودنّي عند إلي تعرف مكانهم
تحرك الأخر سريعاً امامه
و عقل " فيصل " يحُلل في جُزء من الثانية مُوقفه
فلربما أحدُهم يعلم بأي طريق سلك أولئك الأخرين
لم يكُن مع تقسيهم لكَنه امر لا بُد منه
لا مكان يسعُهم
أجتاز به الأخر الأزقة .. ومّر بالعديد من المناظر المؤلمة
من الصعب جداً .. أن يكون الرجل عاجزاً بذاته
لكَنه طبيب يعشق الوقوف على مداوة الأخرين ويرجواراحتهم
وها هو يراهم دون أن يساعدهم .. عاجز تمام
لا يحمل سوى أمتعته التي عليه و القليل الأخر
وصَل لمنزل صغير
توسطَ ساحة مُشجرة بأشجار الزيتون المُنتشرة في هذه المنطقة
وقف بالخارج حيث نُصبت خيام بلاستيكية صغيرة
لحالات كهذه ..
خرجت " نسرين " مُسرعة من المنزل وهي تتجه نحوه
فأبتسم براحة مُطلقة وهي تٌبادره
../ الحمدلله على السلامة .. دكتور فيصــل
حّرك رأسه بالإيجاب وهو يجيبها مع شبه إبتسامة
../ الله يسلمك .. " سلمـــى " داخِـل ؟؟
حّركت رأسها بإبتسامة كبيرة وهي تجيب بنبرة دافئة
../ إي .. نايمة .. أناديها إلك ؟
لوح براحته نافياً وهو يجلس على الأرض
../ لاآ .. خلّيها ..
تركتُه .. وهو يحمد الله على سلامتهم جميعاً
ثم تمدد و رقد فوراً .. دون أن يعي
فجسَده المُرهق لم يتذوق النوم ليومين أو يزيد
بينما قلب آخر أشد براءة يرقَد بالداخل
ويحُلم بأماني
تقع بالقُرب منه
مُباشرة
*
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
.