الجزء الثالث: اليد التي لا تشفى
الجزء الثالث: اليد التي لا تشفى
هدأ المبنى بعد الفوضى.
البيانو الصامت كان شاهدًا على الجريمة، لكن المفاتيح السوداء التي تلقت الأصابع المقطوعة بقيت كأنها تحاول النطق بما عجز الجميع عن فهمه.
في الخارج، كانت سيارات الشرطة تصدر أضواءها الحمراء والزرقاء، تعكسها نوافذ المبنى المهجور، كان إشارات استغاثة لا أحد يستجيب لها.
حوجن الطائي وقف في صمت أمام القاعة، يراجع الصور، يتأمل التفاصيل، ويستعيد شيئًا لا يريد استعادته.
يامن مروان لاحظ شرود ذهنه، فتقدم وسأله:
"هل كنت تعرف هذا المكان من قبل؟"
حوجن لم يلتفت، فقط قال:
"قبل 16 سنة... كنت هنا أحقق في قضية اختفاء"
يامن انتبه:
"اختفاء؟
ليس جريمة قتل؟"
"لا... فتاة صغيرة، اسمها ريا أسامة، كانت تلميذة موهوبة، اختفت بعد حفلة عزف في المبنى.
لم يعثر على جسد، ولا أي دليل... فقط اختفت."
ثم أضاف بنبرة فيها ندم قديم:
"وتم إغلاق القضية كحادثة هروب... لكني لم أصدق ذلك أبدًا"
يامن هز برأسه ببطء:
"وهل تظن أن للرسام علاقة بها؟"
حوجن استدار نحوه، وفي عينيه ظلال من كابوس لا ينتهي:
"أعتقد أن الرسام... هو أحد الذين شهدوا الحفلة في تلك الليلة"
في مكان مجهول، غرفة معتمة، لا تُرى فيها إلا وهج شمعة واحدة.
رجل يجلس أمام لوحة زيتية كبيرة، يمرر ريشته على جسد أنثوي شبه مكتمل الرسم، لكنه مشوه.
يتحدث إلى نفسه وكأنه يخاطب شخصًا أمامه:
"لم تختفي... ياحوجن، أنت دفنتها بصمتك.
لم تكن تحتاج إلى سكين... كان كافيًا صمتك لقتلها"
ثم يغمس الريشة في لون أسود قاتم، ويضيف على فم الفتاة المرسومة طبقة سوداء، كأنها تكميم للحديث.
ثم يقول:
"اللوحة القادمة ستكون في... المدرسة وقت الدوام"
الساعة 12:45 ظهرًا، بلاغ طارئ من مدرسة حكومية قديمة.
الطالبة ميار عصمت، في الصف التاسع، وُجدت جثة في غرفة الموسيقى، وسط مجموعة من الأطفال المصدومين.
جثة بلا دماء، بلا صراخ.
الطفلة مستلقية فوق البيانو، عيناها مفتوحتان، وعلى جبينها طبع الرمز نفسه من الجريمة الثانية
الحلزون ولكن هذه المرة بداخله نقطة حمراء، بحجم قطرة دم.
حوجن أسرع إلى المشهد، وطالب بإخلاء المبنى.
لم يكن هذا مجرد قتل... هذه رسالة شخصية جدًا.
على السبورة البيضاء خلف الجثة، كتبت جملة باللون الأحمر:
"كل ما تفعلونه يُولد صمتًا... وأنا ابن هذا الصمت؟"
في المساء، عاد حوجن إلى بيته.
جلس أمام المرآة، تأمل تجاعيد وجهه، آثار التعب في عينيه، والندبة الصغيرة تحت ذقنه.
تلك الندبة لم تأت من جريمة أو قتال، بل من ليلة قبل 16 عامًا، حين رمى كوبًا على الحائط بعد أن فقد السيطرة خلال قضية ريا.
فتح خزانة قديمة، وأخرج منها صندوقًا خشبيًا صغيرًا، بداخله ملفات مطوية ومقاطع صوتية من الحفلة الأخيرة في المعهد.
أدخل أحد الأشرطة في مسجل قديم... وظهر صوت فتاة صغيرة تعزف البيانو بخجل، ثم ضحكة خفيفة، ثم فجأة، صوت حاد، كأنه سقوط شيء ثقيل... ثم صمت.
وفي نهاية الشريط، همسة خافتة، لم يكن قد سمعها من قبل، لكنها الآن صارت واضحة:
"أخبرهم... ياحوجن، أنت رأيتهم"
حوجن شهق.
لقد نسي هذه الجملة تمامًا.
هل كان هناك شيء... شاهده ونسيه؟
أم أنه دفنه عن قصد؟
عند منتصف الليل، تلقى اتصالًا من رقم مجهول.
صوت رجولي، منخفض، بارد:
"هل بدأت تتذكر؟
جيد.
في المرة القادمة، سيكون الهدف شخصًا تحبه.
استعد لمواجهة من نسيت اسمه"
ثم انقطع الخط.
حوجن لم يتحرك.
كان قلبه ينبض ببطء، لكن عقله كان يسبقه بخطوة واحدة.
الرسام لا يقتله فقط، بل يعيد تشكيل ذاكرته، جريمة بعد أخرى.
ثم نهض ببطء، وأخرج صورة قديمة من بين أوراقه، لطفلة صغيرة بجدائل سوداء، تبتسم وهي تعرف.
على ظهر الصورة مكتوب بخط أحدهم:
"ريا ليست مجرد ذكرى... إنها البداية"