بصمة لا تمحى - الجزء الثاني: الخطوط التي لا تُرى - بقلم خلود رائد صالح - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: بصمة لا تمحى
المؤلف / الكاتب: خلود رائد صالح
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الجزء الثاني: الخطوط التي لا تُرى

الجزء الثاني: الخطوط التي لا تُرى

الجزء الثاني: الخطوط التي لا تُرى ​الساعة تشير إلى التاسعة والنصف مساءً. في أحد أزقة المدينة الخلفية، حيث الضوء شحيح والهواء مشبع برطوبة تشبه نفس الموتى، كانت خطوات المفتش حوجن الطائي تتقدم ببطء على الرصيف المهترئ، ترافقها خشخشة معطفه الطويل، وصدى داخلي لا يتوقف: ​"الرسام... عاد، لكن لماذا الآن؟ ولماذا أنا؟" ​الوحدة الجنائية أبلغته بوقوع جريمة جديدة، أقل ما يقال عنها إنها عرض فني مروع. الموقع: شقة في الدور الرابع من عمارة شبه مهجورة، يسكنها أفراد لا أحد يتذكر أسماءهم. ​حين دخل حوجن إلى الشقة، استقبله مشهد شبه بكابوس من عصور مظلمة: الغرفة شبه مظلمة، إنارتها الوحيدة جاءت من ضوء الشارع المتسلّل عبر نافذة مكسورة، والجدران مطلية باللون الرمادي المتآكل، كأن الزمن بصق عليها. ​لكن ذلك لم يكن أسوأ ما في الأمر.... في منتصف الغرفة، كانت الجثة بخيط شفاف مُعلقة، رأسها لأسفل، وكأنها تُعلق من رقبتها. أنفاس حوجن توقفت للحظة، لا من بشاعة الجثة - بل من الرمز المرسوم على صدرها العاري. رمز غريب، حلزوني الشكل، لكنه مدموغ بشيء يشبه الفحم أو الحبر الأسود، وحوله كلمات صغيرة كتبت بلغة لاتينية قديمة. ​انحنى حوجن ليتفحصها. لم يكن يعرف اللاتينية، لكن الكلمة الأخيرة كانت واضحة كالسيف: ...Confessio الاعتراف. ​كان هذا بمثابة إعلان مباشر "الرسام يريد شيئاً... يريدك أن تعترف". ​في مركز التحقيقات الجنائية، جلس حوجن أمام لوح أبيض كُتب عليه: • ​الرمز: حلزون وكلمة Confessio. • ​الضحية: مجهولة الهوية. • ​المكان: شقة مهجورة - الدور الخامس - عمارة ناصية. • ​الرسالة: "الاعتراف". ​"إنه لا يقتل لمجرد القتل،" قال حوحن لمساعده الجديد، يامن مروان، الذي التحق بالفريق بعد مقتل أمير. ​"كل مسرح جريمة هو قصيدة، كل ضحية سطر في رواية... لكنه لا يُكمل القصة إلا إذا كنت تقرأها معه." ​يامن، شاب هادئ، عميق النظرة، يراقب كل شيء دون تعليق، أجاب بعد صمت: ​"هل تعتقد أن الأمر مرتبط بالماضي؟" ​حوجن نظر إليه للحظة ثم قال: ​"الماضي؟" "لا... هذه ليست ذكرى... هذا انتقام مؤجل". ​في زاوية أخرى من المدينة، داخل غرفة صغيرة مضاءة بنور أحمر خافت، جلس رجل يكتب بعناية. أمامه كانت هناك صورة حوجن، مطبوعة من صحيفة قديمة، مشطوبة العينين بحبر أسود. ​همس الرجل، صوته أعمق من الظل: ​"أنت نسيت... لكني لم أنسَ. لقد قتلت الحقيقة، وأنا أعيد تشكيلها من دم". ​ثم أدار جهاز تسجيل وبدأ يدون بصوته: ​"التكوين الثالث يبدأ الآن... الهدف: رجل يدعي البراءة. المكان: المعهد الموسيقى القديم. التاريخ: ساعة بعد منتصف الليل. الوسيلة: الأصابع". ​ثم أطفأ الضوء. ​حين منتصف الليل، تلقت الشرطة بلاغًا من حارس معهد موسيقي مهجور، أفاد بسماع موسيقى تعزف من الداخل، رغم أن المكان مغلق منذ سنوات. ​حوجن قاد الفريق بنفسه، ومع كل خطوة يقترب فيها من المبنى، كانت الموسيقى تزداد وضوحًا: مقطوعة بيتهوفن الخامسة، لكن مشوهة، تعزف بطريقة خاطئة، مقصودة. ​حين دخلوا القاعة الكبرى، وجدوا البيانو مفتوحًا، وعلى الكرسي جلست جثة جديدة، أصابعها مقطوعة وموضوعة على المفاتيح. ​رسالة القاتل كُتبت على الحائط: ​"لكل لحنٍ خانته يد... عقاب". ​يامن تراجع خطوة للخلف، صوته متهدج: ​"إنه يعاقب على شيء... شيء حدث في هذا المبنى". ​حوجن أغلق عينيه للحظة، تذكر شيئًا من الماضي، لكنه طرده فورًا، ثم همس كأنما يكلم نفسه: ​"أنت تجبرني على أن أتذكر... لكنك لا تعرف أنني أتذكر كل شيء".