الفصل 73
تحركت في الحديقة المظلمة في هذه الساعة المتأخرة من الليل
بهدوء .. تطلق لقدميها عنان الحركَة
بعد تقييد كامل لها في تلك الحجرة الصغيرة
التي اختارتها لنفسها
تتذكر حديث " أسيل" الذي أصبها بشؤم
لا ينتهي ..
لم تنسى يوماً تلك الأسيل الأكثر تميزاً و نضوجاً
منها كان الجميع يُحبها .. و يقدم رأيها في كُل الأمور
كانت تغبط ذكائها .. عكَس تلك التفاهة التي استوطنت عقلها
كانت تود بغباء طفلة عشرينية ، أن تلفت أنظارهم نحوها بأي وسيلة كانت
تتبرج .. بكُل ما أُتيت من قوة لكي يصرخوا عليها
فتستمتع هي ، بعنادهم . .
و تقسم إنها كانت ستتراجع بعدها
لكَن لم يحدث أي شيء مما سبق ..
بدت لهم وكأنها مجرد " نسخة " من أسيل
أقرب ما تكون لظلها , الذي لا يقدّرُه أحد
تحولت لوحش شرير .. ولكَنهم اظهروا الصمم عن سماع
تهديداتها ..
ثم رحلت الأولى وتركتها .. تركت لها المكان خالي إلا منها
و على اتساعه و حجمها .. لم يقدروا ذاتها
أهملوها فبدت لهم كحشرة أو أقل
فتمردت على ذاتها .. و استصرخت كرامتها
فاتسخت بالذنوب حتى إن تحول لنهر لألجمها إلجاماً
و لم يناظرها أحد ..
حتى جاء ذلك اليوم الأسود بسمائه ..
وفي عُمق الليل
اُقتيدت إلى السجن وسط غيوم ممطرة لـسماء تبكيها طويلاً
جلسَت على طرف حوض الزرع بحزن شديد
وهي تمتم بـ
../ يارب أغفر لي .. و أرحمني !
صوت سيارة أرتفع فجأة من العدم
فاقتربت من الحائط سريعاً
لا يمكن لأحد رؤيتها أبداً
لذا اقتربت لترى من هو القادم في هذه الساعة يا تُرى
لكن موقعها لم يسعفها إطلاقاً
تراجعت وهي تشعر أنه توقف أمام منزلهم
وصوت غنائه المتقطع يصلها
عقدت حاجبيها .., وكأنها بدأت تعرف
و بالفعل تحولت ملامحها لشئمزازٍ مطلق ،
حينما رأته يتقدم نحو منزله مترنح الخطى في حالة سُكر
همست :
../ بسسسسسسسم الله !
تراجعت ، ،
وهي ترفع جلباب الصلاة
و تدلف للمنزل موصدة الباب الزجاجي خلفها جيداً
و تبتسم بسخرية أمام تلك التناقضات العجيبة
بإمكانهم أن يفعلوا ما يشاؤون ثم يعودون لمنازلهم
تستقبلهم أمهاتهم بابتسامة ملؤها الفقد
أم إن فعلنَ مثلهم .. فأمُ تخفي ألمها بقوة
و السجن منزل جديد يلملم ما تبقى من أضلاعهم
[ مُفارقة ] . . لا تستحق سوى البكاء !
أمسكت رأسها بقوة وهي تدخل للغرفة بهدوء
../ يالله مدري ليش أفكر كذا .. شكلي خرفت .. الله يستر علينا بس
وصلت لسريرها بأمان ،
و انتظرت إلى أن صلت الفجر ثم استلقت على سريرها
براحة غُمس فيها قلبها
تركت للـنوم مهمة التحليق بها أينما أراد
ثم استيقظت لتمارس صباحها المعتاد في أرجاء الغرفة الصغيرة
أو ذهاباً و إيابا للمطبخ ..
لا تدري كم من الوقت مر دون أن ترى جدتها
لكَن من الخطر عليها أن تمكث هُناك طويلاً
فأعمامها دائماً بالقرب ،
تركت الساعات تمضي بطيئة بين يديها حتى
دلفت إليها عمتها كعادتها اليومية و جلست لتحكي لها
عن عملها و تثرثر .. بما لا ينتهي !
نظرت لها بعين الامتنان ،
فمؤخراً بدت و كأنها وضعت على عاتقها مهمة تسليتها بتلك الحكايا ..،
التي لا تكف عن ذكرها أمامها
جاءها صوت العمة مختلف النبرة فانتبهت من سرحانها
../ وش فيـك..؟
حّركت رأسها بالإيجاب وهي تتكئ على السرير خلفها
../ إيه .. !
ثم عقدت حاجبيها حين تذكرت شيئاً رأته
../ صح ريم ... بقولك شيء
لم يخفى عنها ذلك الاهتمام الذي رُسم على وجهها
../ ها .. وش صاير ؟
ضيقت عينيها وهي تقول بجدية :
../ أمس باليل حول الساعة 4 إلا ، شفت تركي راجع وَ ...
فقاطعتها وهي ترفع يدها أمام وجهها ،
../ بس بس .. عرفت الباقي !
عقدت حاجبيها وهي تهمس بحذر :
../ يعني دارين عنه