الفصل 54
البرد هُنا غايَة في البياض .. رغم ذلك المُزن المتناثر على جيد السماء
لكَن الجميع يتدثّر بأغطيَة كثيرة ليحتمي من مما يشابه
عاصفَة جليديّة قادمَة
و في هذا الوقت بالذات حيث تداعب خيوط الفجر الأولى
سفوح الجبل المطَل على قرية " البرزة "
و التي تبعد عن مكة مسافة 90 كيلو متر
تحّرك شبحه في نحو هدفه
يبدو مشهد قدومه مكرر لأبعد حد
وفي كل مرة سابقَة كان يأتي بنفس ملامحه ونفس المشاعر و بنفس النوايا
لكَنه اليوم مختلف في كُل ما سبق عدآ ملامحه التي لم تتخذ أي شكل جديد
فتح الباب و دلف المنزل وضَع حمولته وأقترب من حجرتها طرق بابها
../ السَلام عليكم
ثواني من نص الدقيقة مّرت ثم فتح الباب لتقول
../ وعليكم السَلام .. يا هلا بوليدي
كم بدآ تأثير الأخير جلياً على عينيه لكَن وجهه أحتفظ بذات الصرامة
.../ الله يحيك .. هذا أنا جبت الموؤنة و سامحيني أنشغلت الأيام إلي راحت
../ الحمدلله الرزق موجود .. وكثير عليّ وأنا حرمه لوحدي .. لا تتعجّل وخذ راحتك لو صادك شيء وأنا أمك
شبح ابتسامة رُسم على طرف شفتيه ثم اختفى كالعادَة
وهي يحادث نفسَه .. بمقدار المشاعر التي ستنهال على هذه العجوز
إذا تحدث ..
لكَنه سيصمت و سيصارع السر بمفرده وسينتظر النهاية
نهاية كُل شيء
,
خرج من القريّة و اتجه نحو سفح الجبل حيث يطل على البيوت و المزارع المحيطة بها
تسلقَه بمهارة مُمارس حتى أستوى عند صخرة كبيرة بالقرب من قمّته
جلس وهو يغطّي كفيه وقد أبدلهما البرد صفراوتين بلا دماء
طارت خيالاته في كُل زاوية من حياته المظَلمة
شقاء ماضيه .. و غياب المستقبل .. وحيرة تكتنف حاضره
مّرت ساعة ثم لحقتها أختها
بعدها رفع هاتفه , وجده مغلقاً .. ففتحه
و من ثم وجد مكالمة لم يرد عليها .. من " ندى "
فأتصَل بها .. دقائق أتاه صوتها النائم
../ هلا صقر .. وينك فيه ؟
../ في الشغَل .. خير صاير شيء
.../ لا أبد .. بس خفت وحنا قاعدين هنا لحالنا .. و أصوآت العمّال برآ
.../ لا تخافين أنا محذّرهم .. ما بيجون ناحيتكم
../ صقر
../ نعم ..!
.../ أبوي دق عليّ .. وقلت له إني عند خالتي .. والله ماعرفت وش أقول
../ زين سويتي لا تفتحين فمّك عنده بشيء من إلي صار .. و برجعك البيت أنا في الليل
.../ بس ما ودي أخليها بالحالها ..
../ ليش بزر ولا وش .. خليها وإنتي لازم ترجعين عشان مايشك أبوي بشيء
زفرت بغضَب
../ أفففف .. وليش ما تقوله و تريحنا ..
../ مع السلامَة
ختم حديثَه الأول عندما عاجله إتصال آخر أجاب مع رنّته الثانية
../ هلا
../ ......
../ إذا ما تبين تتكلمين وشوله متصلة
../ ..........
../ زين , مع السلامة
../ صقر
../ خير
../ ليش تزعلنّي .. ؟
../ اسألي نفسك
../ خلاص بسامحك .. بس قولي وش إلي مغيّرك كذا
../ ما تغيرت
قاطعته
../ إلا .. كل ما اكلمك ترد على بدون نفس أو ما ترد من أساسه .. كأنك تبي تتجاهلني .. ترا مليت
فقاطعها
../ وأنا مليت من سخافتك ..
ولأنها أنثى أتداركت ما ملّ منه الذكَر فعاجلته
../ زين أبا أشوفك ؟