الفصل الثاني
الفصل الثاني:
في صباحٍ باكرٍ، خرج ستيفان إلى الشوارع كما لو أنه يكتشف المدينة لأول مرة بعد غياب طويل، كل خطوة على الرصيف كانت كأنها رسالة من الأرض تخبره بأن الحياة مستمرة، وأن الوقت لا ينتظر أحدًا، لكنه شعر بأن كل وجه يمر أمامه يحمل قصة، وكل عين تختبئ وراء نظرة عابرة تحمل ألمًا أو فرحًا، وأنه جزء من هذا النسيج، صغير لكنه موجود، وأن وجوده لم يعد يحتاج إلى إذن من أحد.
وقف عند بوابة المقهى القديم الذي اعتاد الذهاب إليه، وكان يتذكر كيف كان المكان يبدو كظرف مغلق قبل سنوات، وكل شيء فيه متجمد بين الماضي والحاضر، لكنه اليوم شعر بأن الهواء فيه مختلف، بأن الروائح المعتادة للقهوة المحمصة والخبز الطازج تعكس حياة بسيطة، مألوفة، لكنها مريحة بطريقة لا تتطلب أي مجهود، وكأن العالم أخيرًا سمح له بالوجود دون أن يسأله لماذا أو كيف.
جلس على الطاولة المعتادة، وفتح دفتره، وأخرج القلم، لكنه لم يبدأ بالكتابة على الفور، بل جلس ينظر إلى الناس حوله، إلى الأطفال الذين يجرون خلف الكرة، إلى العجوز الذي يبتسم لامرأة تمر بجانبه، إلى الرجل الذي يتحدث مع هاتفه بطريقة عصبية، وكل مشهد كان يرسله إلى داخله، يجعله يتساءل عن القصص التي لا يعرفها، عن الخيبات والآمال التي ترافق كل شخص، وبدأ يدرك شيئًا مؤلمًا وجميلًا في نفس الوقت، أن الألم مشترك، وأن الوحدة ليست فقط ما يشعر به هو، بل شيء يربط الجميع بطريقة خفية، وأن مجرد الملاحظة والاعتراف بهذا يجعل وجوده أقل ثقلاً.
ثم، فجأة، دخلت هي. لم تكن اللقاء مصادفة، لكنه شعور مألوف، كأن جزءًا من قلبه لم ينسها أبدًا، وأن مجرد رؤيتها في المسافة يوقظ ذكريات قديمة لم تندمل بعد، لكنه هذه المرة لم يهرب، لم يلتفت، ولم يندفع نحو شيء، فقط بقي واقفًا، مركزًا على شعوره، يدرك أن هذه اللحظة اختبار، ليس لماضيه معها، بل لقدرته على الحضور، على أن يكون هو نفسه دون أن يتحكم فيه الحنين، دون أن يخشى أي فقدان، مجرد مواجهة صامتة مع الماضي، ومع ذاته التي لا تزال صلبة بما يكفي لتعرف أنه ليس مجرد ذكرى أو ألم.
جلس إلى طاولته، يكتب في دفتره كلمات طويلة لا يستطيع قراءتها لاحقًا بدون أن يبتسم بحزن:
«اليوم فهمت أن الحياة لا تمنحك فرصة ثانية لتصنع من نفسك شيئًا جديدًا، لكنها تمنحك لحظات صغيرة لترى نفسك، لترى الآخرين، لترى أنك موجود، وأن هذا الوجود بحد ذاته هو كل ما تحتاجه لتكون قويًا، هادئًا، حقيقيًا… حتى لو لم يفهمك أحد، حتى لو لم تعد الأمور كما كانت، فإن مجرد الاعتراف بأنك موجود هنا الآن هو أكبر انتصار.»