الفصل 40
على رائحة الحناء
تذكّرت
أغاني جارتها العجوز
و لبسِها الأحمر الطويل
و أشجار الليمون المتدّلية أمام شُرفة غرفتها
و أحاديث توأمي المُضَحكة
و ابتسامتها هيّ
صورة لجزء من ماضي سحيق
فقَدتْ ذكرياته
../ وينها .. أختك ؟ ما صرت أشوفها مثل أول
أجابتها وهي شفتيها تحمل ابتسامة سخريَة لم ترها جَدتها
../ يمّه .. لا تتحركين .. ميّر إنها بتجي على جبهتك وتحمّر عليك
صمتت , وبعد أن هدأت كررت سؤالها بإصرار
../ قلت لك أنا أحطّها بنفسي .. إنتي يلي عييّتي .. بس ماقلتي لي وينها إختك ؟
تنهَدت وهي تجبيها بهدوء شديد
../ يمّه أنا أنام في مكان وهي فمكان ثاني .. !
عقَدت الجدّة حاجبيها وهي تتأمل ملامح الأخرى بإنتباه
../ وش تقصدين ؟
أبعدت يدها الملطخَة بالحناء عن ثوبها المنزلي البسيط
ثم نهضَت وهي تحمل الطبق الحديدي بيدها الأخرى
متجهه نحو الخارج و تتحدث بثقَة
../ يعني علمي علمك .. !
أنهت تنظيف المكان و هي تسمع همهمات جدَتها
وهي تعلَم يقيناً ما تتحدث به
مّر على عودتها أسبوعين ..
تحاشتْ كُل إنسان
تمضَي معظم يومها بالمطبخ
و في الصباح حيث لا أحد .. تجلس بقرب جدّتها
توضأت و لبسَت إحرامها وهمّت بالصَلاة
عندما قالت جدتها بهدوء
../ هديل قبل ما تصليّـن .. نادي لي سوناا ..
أقتربت منها
../ وش تبين بها أنا أسويه لك ..؟
حّركت رأسها بالنفي وبإصرار أجابت
../ لاآ .. ناديها لي .. وإنتي خليكِ بصلاتك
خرجت تبحث عنها بيأس شديد
حين أسترعى إنتباهها باب الحديقَة الخلفيّ
المشّرع أمامها
إبتسمت حينما توالت الذكريات كحبات المطر على عقلها
أقتربت وهي تلمح " أختها " تجلس قرفصاء
أمام جدآر أمتلئ جزء منه بماضيهم
ألصَقت جبينها الدافئ بجزء من الباب الزجاجي البارد
و عيناها الناعستان .. تراقب تلك المنزويَة هناك
اختفت عنها تماماً ..كما توقعَت
اختارت أن ترقَد في غرفَة عمّتها
حيث تمارس البعَد و الانطواء
وتتجرع الأخرى مرارة الندم من جديد
ولكَن في سِجَن مختلف
قطَع تأمُلها .. شخص ما وقف خلف أُختها
يتأمل هو الأخر ما تفعَله
لم تشعَر به الأولى ولم تتحرك هيا أيضاً
فضَلت الصمت وهي تتفرس في ملامحه
" سعود "
كَبر كثيراً .. أصبَح أكثر طولاً
أو هكذا تخييلَت ..
شُدّت حواسها وهي ترى أختها تلتفت نحوه
وتشهَق بقوة
../ وجع .. إنت من متى هنا ..؟
راقبت ملامحه الجامدة وهو يجيبها بهدوء
../ إنتي متى بتملين ..؟
لم تعلم بما شعَرت أختها التي غطّت وجهها سريعاً
لكَن صوتها الذي قال ببرود
../ وإنت وش لك ؟
لاحظَت تجّهم ملامحه من جوابها وهو يقول بانفعال ملحوظ
../ أنا حبيت أوضَح لك الحقيقة .. من زمااان .. لكِن إنتِ إلي ما رضيتي تسمعين لأحد .وجدتي ياما نغزت لكْ ولمحت لك عنها .. وإنتي ماغير ساكتَة وغرقانة بحزن صنعتيه لنفسَك
دقائق صمت مّرت طويلة
بعدها نهضَت " أسيل " وهي تقف أمامه وتقول ببطء
../ أنا للحين مقتنعَة .. إن هديل ماتت .. و الي هنا .. لا هي أختي ولا أنا أعرفها ..
ابتعدت عنه وهي تواصل حديثها بقسوة
../ وإنت لو سمحت لا عاد تفتح معاي هالموضوع ..
*
للريحِ
لعصافيرَ الليلِ اليتيمةِ
لنجومٍ
أطفأها المطرُ
أمدُّ يدي
عبرَ شبّاكي
لعلّي
أعثرُ
على قمري
.وألامسُ غيابَ يدِك*
رأت اقترابها نحوها
فابتعدت سريعاً تجرجر خلفها خيبتها
فعَلت ما أرادت منها جدتها ان تفعل
ثم انحشرت في غرفة الخدم
حيث تشعَر أنها تستطيع أن تتنفس بارتياح
هُنـآك حيث اختارت
أن تمارس وحدتها
لا غربةَ أشدَّ من أصواتِهِمْ في النزاعِ
شرودُنا
إذ يزحفُ نحوَ عزلتِهِ
يُطمئنُ فئرانًا تقضمُ حوافَّ النومِ
بأسنانٍ حادَّةٍ
كأصواتِهِمْ
ولأنَّ أعضاءَنا ناقصةٌ
.سيئنُّ الخشبُ في المفاصل*